بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

الخصوصيات التاريخية للثورة البروليتارية

خلافاً لجميع الثورات الماضية، سواء الثورة البورجوازية التي قام ماركس وإنجلز بالدرجة الأولى بدرس منطقها بتعمق، أو الثورات التي لم تخضع لتحليل منهجي حتى الآن (كالثورات الفلاحية وثورات البرجوازية الصغيرة المدنية ضد الإقطاع. وتمردات العبيد، وانتفاضات تجمعات قبلية ضد المجتمع العبودي، والثورات الفلاحية في الأنماط القديمة للإنتاج الأسيوي التي كانت تنحل دوريا…الخ)، فإن الثورة اليروليتارية في القرن العشرين تتميز بأربع سمات خاصة تضفي عليها خصوصيتها ولكنها كذلك سبب صعوبتها، كما كان حدس ماركس بذلك[3].

إن الثورة البروليتارية هي أول ثورة ظافرة في التاريخ تنجزها الطبقة الأدنى في المجتمع، طبقة تمتلك في الواقع طاقة اقتصادية عظيمة، لكن قوتها الاقتصادية الفعلية هي الأضعف، وهي محرومة إجمالاً من أية مشاركة في الثورة الاجتماعية (خلافاً لامتلاك مواد الاستهلاك التي يتم استهلاكها باستمرار). هذا بخلاف البرجوازية أو طبقة النبلاء الإقطاعية مثلاً، اللتين استولتا على السلطة السياسية في حين كانت السلطة الاقتصادية في المجتمع قد انتقلت إليها، أو طبقة العبيد التي لم تنجح في الوصول بأي من ثوراتها إلى النصر.

إن الثورة البروليتارية هي الثورة الظافرة الأولى التي تهدف إلى قلب مخطط وواع للمجتمع القائم، أي التي لا تنوي إعادة وضع سابق (كما كانت الحال مع ثورات العبيد أو الفلاحين في الماضي)، بل تحقيق سيرورة جديدة كلياً، لم توجد من قبل أبداً، إلاّ في شكل “نظرية” أو “برنامج”[4].

تنمو الثورة البروليتارية، تماماً مثلما هي الحال في الثورات الأخرى في التاريخ بالضبط، إنطلاقا من تناقضات طبقية داخلية ونضالات طبقية تستثيرها في المجتمع القائم. لكن في حين كانت ثورات الماضي تكتفي بدفع صراع الطبقات إلى ذروته -لأن الأمر لم يكن يتعلق بالنسبة إليها بإرساء علاقات اجتماعية جديدة كلياً ومخطط لها بصورة واعية- لا تستطيع الثورة البروليتارية أن تتحقق إلاّ إذا استطاع نضال البروليتاريا أن يبلغ أوجه بسيرورة عملاقة متواصلة على امتداد السنين والعقود. إنها سيرورة تقوم بقلب العلاقات الانسانية وأسا على عقب، بصورة منهجية وواعية، وبتعميم النشاط المستقل للبروليتاريا بادئ ذي بدء، ثم فيما بعد (حين بلوغ المجتمع اللاطبقي) لكل أعضاء المجتمع. في حين يؤدي انتصار الثورة البرجوازية إلى تحويل الطبقة البرجوازية إلى طبقة محافظة لا تعود قادرة على إنجاز تحولات ثورية إلاّ في الميدان الثقني -الصناعي حيث تلعب لفترة دوراً موضوعياً في التاريخ، بل تنسحب بالمقابل من دائرة التحولات الفاعلة للحياة الاجتماعية، وتلعب على هذا الصعيد دوراً أكثر فأكثر رجعية إذ تصطدم بالبروليتاريا الخاضعة لاستغلالها، ولا يشكل استيلاء البروليتاريا على السلطة نهاية نشاط الطبقة العاملة الحديثة بل فقط بداية هذا النشاط الذي يقلب المجتمع رأسا على عقب ولا يمكن أن ينتهي إلاً عبر تخطيها لذاتها من حيث هي طبقة، بالتوازي مع تخطي كل الطبقات الأخرى[5].

على النقيض من كل الثورات الاجتماعية الماضية التي حدثت إجمالا في الإطار القومي (أو كانت تقتصر على مناطق) فإن الثورة البروليتارية هي بطبيعتها أممية؛ لن تكتمل إلاّ بالتشييد العالمي الشامل لمجتمع بدون طبقات. علماً أنه ينبغي أن تنتصر بالضرورة في الإطار القومي بادئ ذي بدء، سيبقى هذا الإنتصار مع ذلك مؤقتاً، ما دالم صراع الطبقات لم يلحق هزيمة حاسمة بالرأسمال على المستوى العالمي. فالثورة البروليتارية إذن سيرورة ثورية عالمية لا تتم بصورة مستقة موحدة. إن السلسلة الامبريالية تنكسر في البدء عند حلقتها الأظعف، وتتناسب الحركة، المتمثلة بقفزات صعود وتراجع على مستوى الثورة، مع قانون التطور اللامتساوي والمركب (ليس فقط في الميدان الاقتصادي، بل كذلك في ميزان القوى بين الطبقات. إن الأمرين كليهما لا يتطابقان آلياً في أي حال من الأحوال).

تأخذ نظرية التنظيم اللينينية في الحسبان كل خصائص الثورة البروليتارية تلك، أي أنها تعيّن ميزات هذه الثورة على ضوء خصائص وتناقضات تَشكُّل وعي الطبقة البروليتارية. إنها تعبر علانية هما لم يقم ماركس بأكثر من الشروع به، عمّا تعبر علانية عما لم يستوعبه ورثته إلاّ بصورة ضحلة، عنينا حقيقة أنه لا يمكن أن يحدث قلب “آلي” للنظام الاجتماعي الرأسمالي ولا استبدال “تلقائي” أو إنحلال عضوي لهذا النظام الاجتماعي عبر بناء مجتمع اشتراكي. إن الثورة البروليتارية وبسبب طابعها الواعي الفريد بالتجديد تفرض مسبقاً أن تنضج العوامل “الموضوعية” (أزمة اجتماعية عميقة يعبر عنها واقع أن نمط الإنتاج الرأسمالي أدى مهمته التاريخية)، كما العوامل “الذاتية” (نضج وعيي الطبقة العاملة ونضج قيادتها). فإذا كانت هذه العوامل الموضوعية غير متوافرة بشكل كاف، فسوف تصطدم الثورة البروليتارية بهذا الجدار، وستساهم هزيمتها بالذات وتدعيم الاقتصاد والمجتمع الرأسماليين، لمدة من الزمن[6].

إن النظرية الينينية في التنظيم تمثل تعميقاً للماركسية مطبقاً على المشكلات الأساسية للبنية الفوقية للمجتمع (الدولة، الوعي الطبقي، الايديولوجيا، الحزب). إنها تشكل، مقرونة بأعمال روزا لوكسمبورغ وتروتسكي، (وإلى درجة ما أعمال لوكاش)، ماركسية العامل الذاتي.

« السابق التالي »