بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

الأيديولوجيا البرجوازية والوعي الطبقي البروليتاري

إن موضوعة ماركس القائلة: “ليست الايديولوجيا المسيطرة في مجتمع ما إلاّ إيديولوجيا الطبقة المسيطرة”، تتعارض للوهلة الأولى مع وصف الثورة البروليتارية بأنها قلب واع للمجتمع تقوم به البروليتاريا، ونشاط ذاتي لجماهير المأجورين. يمكن لتفسير سطحي لهذه الموضوعة أن يقود إلى استنتاج مؤاده أنه من الطوباوية بمكان أن نتوقع من الجماهير المسيَّرة في ظل النظام الرأسمالي والمعرضة لتأثير الأفكار البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، أن تنخرط في نضال طبقي ثوري ضد هذا المجتمع، أو حتى في ثورة اجتماعية. ليس هربرت ماركوز (مؤقتاً) إلاّ الأخير في القائمة الطويلة للأيديولوجيين الذين يطرحون للمناقشة الطاقات الثورية الكامنة لدى الطبقة العاملة، منطلقين من التحديد الذي يعطيه ماركس للطبقة المسيطرة.

يمكن حل المشكلة باستبدال طريقة النظر الشكلية والجامدة بطريقة ديالكتيكية. ينبغي جعل صيغة ماركس اكثر “دينامية”، على الشكل التالي: إن الإيديولوجيا المسيطرة في كل مجتمع هي ايديولوجية الطبقة المسيطرة بمعنى أن هذه تمسك بزمام الرقابة على وسائل الإعلام الجماهيرية، الخ..) التي في متناول المجتمع، وتستخدمها وفقا لمصالحها الطبقية. إن إيديولوجيا الطبقة المسبطرة تسيطر على وعي الجماهير الخاضعة، طالما تكون السيطرة الطبقية فتية، مستقرة وبالتالي غير مطروحة للبحث. في المراحل الأولى للصراع الطبقي، يلجأ المستغلون (بفتح الغين) غالباً لصيغ المستغلين (بكسر الغين) ومثلهم العليا وإيديولوجياتهم[7]. اكن كلما طُرح النظام الإجتماعي على بساط البحث، وأصبح الصراع الطبقي أكثر حدة والسيطرة الطبقية أشد اهتزازاً، كلما تحرر أقسام من الطبقة المضطهدة (بفتح الهاء) من أفكار المسيطرين. إن الصراع بين إيديولوجية الطبقات المسيطرة والأفكار الجديدة للطبقات الثورية يسبق الثورة الاجتماعية، ويسرّع من جهته الصراع الطبقي العملي بمقدار ما يساعد الطبقة الثورية على بلوغ وعي مهامها التاريخية الخاصة بها وأهداف نضالها المباشرة، وهكذا يمكن أن ينشأ الوعي الطبقي لدى الطبقة الثورية عن الصراع الطبقي على الرغم من أيديولوجيا الطبقة المسيطرة وبمعارضتها[8]. لكن فقط في الثورة بالذات، يمكن لأكثرية المضطهدين أن تتحرر من سيطرة الأيديولوجيا البورجوازية[9]، التي تمارس (بفتح الراء) -خاصة في المجتمع البورجوازي، وإن كانت تظهر تجليات موازية في مجتمعات طبقية أخرى- ليس فقط، ولا حتى للوهلة الأولى، بفعل التحريك الأيديولوجي لكن كذلك (وعلى وجه الخصوص) في التشابك الاقتصادي والاجتماعي اليومي بالذات وفي انعكاساته داخل رؤوس المضطهدين (بفتح الهاء). إن ذلك يعني في المجتمع الرأسمالي: استبطان العلاقات السلعية -المرتبطة بصورة وثيقة بتشيء العلاقات الإنسانية، – الذي يمد جذوره في تعميم الإنتاج السلعي وفي تحويل قوة العمل إلى سلعة، كما في تعميم التقسيم الاجتماعي للعمل ضمن شروط الإنتاج السلعي، إنهاك المنتجين وتوحيشهم عن طريق العمل المستلب (بفتح اللام) والإستغلال وافتقاد أوقات فراغ (ليس كميا وحسب، بل كذلك نوعيا)، الخ… إنه فقط بمستطاع ثورة، أي نشاط متنام فجأة تقوم به الجماهير خارج إطار العمل المستلب، أن تفجر طوق هذا التشابك، وهي بالتالي قادرة على جعل التأثير التزييفي لهذا الطوق على وعي الجماهير ينحسر.

تحاول النظرية اللينينية في التنظيم أن تلتقط الجدل الداخلي لسيرورة تشكل الوعي الطبقي السياسي، الذي لا يبلغ تطوره الكامل إلاّ خلال الثورة بالذات. إلاّ أن ذلك مشروط ببدء هذا التطور قبل الثورة[10]. إنها تعمل من أجل هذه الغاية بفعل مقولات ثلاث هي: الطبقة العاملة (جمهور الشغيلة)؛ القسم المنظم من الطبقة العاملة على مستوى أولي (الطليعة البروليتارية بالمعنى الواسع للكلمة)[11]، والتنظيم الثوري، الذي يشكله الشغيلة والمثقفون الذين تلقوا تكوينا ماركسيا، على الأقل بصورة جزئية، والذين يضطلعون بممارسة ثورية.

إن لمقولة “الطبقة في ذاتها” أصلها في مفهوم الطبقة الموضوعي كما حدده ماركس، الذي يعتبر أن شريحة اجتماعية إنما يحددها موقعها الموضوعي في سيرورة الإنتاج، بالاستقلال عن وعيها، (كان ماركس الشاب قد دافع في البيان الشيوعي وفي الكتابات السياسية ما بين 1850 و1852، عن مفهوم ذاتي للطبقة ينطلق من مبدأ أن الطبقة العاملة لا تتشكل كطبقة إلاّ عبر النضال، أي إنطلاقا من حد أدنى من الوعي الطبقي). يشير بوخارين إلى مقولة الطبقة الاجتماعية هذه بمفهوم “الطبقة لذاتها”خلافاً للطبقة “في ذاتها”[12]. هذا المفهوم الموضوعي للطبقة يبقى أساسا من أجل تحليل الرأسمالية[13]، وفقا للتصور اللينيني للتنظيم، كما بالنسبة لإنجلز وللاشتراكية الديموقراطية الألمانية بقيادة إنجلز وبيبل وكاوتسكي.

لا يكس مفهوم حزب ثوري طليعي (والثوري المحترف) معنى عمليا، كما يبرزه لينين ذاته[14]، إلاّ لأن ثمة طبقة ثورية موضوعياً قادرة على خوض صراع طبقي ثوري، وبشرط أن يكون مرتبطا بنضال طبقي من هذا النوع. بدون هذا الإرتباط، يمكن للنشاط الثوري أن ينتج نواة حزب، لكن ليس حزبا. وهذه تتعرض لمخاطر الإنحلال باتجاه هواية ذاتية فئوية. إن المفهوم اللينيني للتنظيم يستتبع عدم وجود طليعة تعلن ذاتها بذاتها، وأنه ينبغي للطليعة، وهي تعمل على إرساء رابط ثوري يشدها إلى الجزء المتقدم من الطبقة وإلى نضالاته الفعلية، أن تكسب الإعتراف كطليعة (أي الحق التارسخي بالعمل كطليعة). إن لمقولة “الشغيلة المتقدمين” أساسها في التراتب الموضوعي الحتمي للطبقة العاملة، المتناسب مع أصلها التاريخي، كما مع موقعها في سيرورة الإنتاج الإجتماعي، ومع وعيها الطبقي. إن تشكل الطبقة العاملة كمقولة موضوعية هو ذاته سيرورة تاريخية. إن بعض أقسام الطبقة العاملة مكونة من المتحدرين من عمال المدن أو العمال الزراعيين والفلاحين المنزوعي الملكية. بينما تأتي أقسام أخرى من الورجوازية الصغيرة (الفلاحون، الحرفيون، الخ…) يشتغل جزء من الطبقة العاملة في المشاريع الكبرى حيث تساعد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على تطوير وعي طبقي أولي (وعي عدم إمكانية حل “المسائل الإجتماعية” إلاّ بالعمل والتنظيم الجماعيين). أو في ما يسمونه المصالح، حيث تولد الثقة الاقتصادية وفهم ضرورية أعمال جماهيرية واسعة بصورة أبطأ بكثير مما في المشاريع الصناعية الكبرى.

إن بعض أقسام الطبقة العاملة تعيش منذ زمن بعيد في المدن الكبرى، وهي تعرف القراءة والكتابة، ولها خبرة التنظيم النقابي وتربية سياسية وثقافية (تنظيمات الشبيبة، الصحافة العمالية، تكوين الشغيلة، الخ…). وتعيش أقسام أخرى، على العكس من ذلك، في مدن صغيرة أو في الريف (ينطبق ذلك مثلا على قسم مهم من عمال المناجم الأوروبيين حتى في الثلاثينات)، ولا تمارس أية حياة اجتماعية، كما أنها لم تعرف تقريبا أي ماض نقابي ولا أي تكوين سياسي وثقافي في الحركة العمالية المنظمة.

إن بعض قطاعات الطبقة العاملة تولد منذ مئات السنين في أمم مستقلة دأبت طبقيتها المسيطرة على اضطهاد الأمم الأخرى لفترة طويلة. بينما تولد قطاعات أخرى في بلدان قاتلت عشرات ومئات السنين من أجل حريتها القومية، أو أن هذه القطاعات كانت تعيش في ضل العبودية والقنانة قبل ما لا يزيد على قرن من الزمن.

إذا أضفنا أيضا إلى كل هذه المميزات التاريخية-البنيوية الطاقات الشخصية المختلفة لكل شغيل مأجور -ليس فقط الفروق في الذكاء والكفاآت لكن كذلك في الطاقة في قوة الطبع، في النضالية كما في وعي الإمكانية الذاتية- نفهم تماما عند ذلك أن تراتب الطبقة العاملة في شرائح مختلفة (بالنسبة إلى درجة الوعي الطبقي) هو نتيجة طبيعية محتومة لتاريخ الطبقة العاملة. إنها الصيرورة التاريخية للطبقة تنعكس عند لحظة معينة في مستويات الوعي المختلفة لديها.

إن جذور مقولة الحزب الثوري هي في واقع أن الاشتراكية علم لا يمكن امتلاكه إلاّ في الدرجة الأخيرة في كليته، ليس (وبصورة جزئية تخطي) علم اجتماعية تقليدية ثلاثة على الأقل: الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والعلم السياسي الفرنسي الكلاسيكي (الاشتراكية والتأريخ الفرنسي). إن استيعابها يفترض مسبقا يفترض مسبقا تمرسا بالجدل المادي، بالمادية، بالمادية التاريخية، بالنظرية الاقتصادية الماركسية وبالتاريخ النقدي للثورات وللحركة العمالية الحديثة؛ هكذا فقط يمكن أن تصبح في كليتها أداة صالحة لتحليل الواقع الاجتماعي ورسملة خبرات قرن من النضالات العمالية. إنه من العبث الاعتقاد أن هذه المعارف وهذا العلم يمكن أن تنبت “تلقائيا” من العمل على المخرطة أو على آلة الحساب[15]. إن واقع كون الماركسية كعلم هي التعبير عن الوعي الطبقي البروليتاري في درجة تطوره العليا لا يعني شيئا آخر غير ما يلي: فقط بالاختيار الفردي، يمكن للأعضاء الأكثر خبرة، الأكثر ذكاء، والأكثر نضالية في صفوف البروليتاريا أن يكونوا مباشرة وبصورة مستقلة وعيا طبقيا كهذا إلاّ أنه، لكون هذا الامتلاك فرديا، فهو يمكن كذلك أن يكون في متناول أعضاء طبقات أخرى أو شرائح اجتماعية أخرى (مثقفين وطلابا ثوريين قبل كل شيء)[16]. إن أي تطور آخر يكمن في مثلنة Idéaliser الطبقة العاملة، وبالدرجة الأخيرة الرأسمالية ذاتها.

« السابق التالي »