بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

المفهوم اللينيني للخطة الاستراتيجية المركزية

سبق وقلنا إن النظرية اللينينية حول التنظيم هي في الأساس وقبل كل شيء نظرية عن الثورة. إن الضعف الكبير لمحاجة روزا لوكسمبورغ ضد لينين، خلال سني 1903-1904، ناجم عن كونها لم تفهم جيدا هذه النقطة. إنه لمميز أن يكون مفهوم المركزة الذي تهاجمه روزا لوكسمبورغ (وتؤسسه في الوقت ذاته) مجرد مفهوم تنظيمي. يجري اتهام لينين بأنه ينهج سياسة “مركزة قصوى”ويعدم أي مبادرة للعناصر الدنيا في الحزب[22].

لكن إذا عن كثب أكثر إلى نظرية التنظيم كما طورها لينين، يتكشف أن التشديد لا يتناول إطلاقا الجانب التنظيمي الشكلي للمركزة، بل وظيفتها السياسية الاجتماعية. نجد في صميم “ما العمل؟” مفهوم تطوير الوعي الطبقي البروليتاري إلى وعي طبقي سياسي عبر نشاط سياسي إجمالي يثير كل مسائل العلاقات الطبقية الداخلية والخارجية ويقدم لها جوابا ماركسيا: “في الواقع ليس رفع نشاط الجماهير العمالية ممكنا إلاّ إذا لم نقتصر على التحريض السياسي على الصعيد الاقتصادي. إن أحد الشروط الأساسية لتوسيع التحريض السياسي هو تنظيم التشهير السياسي في جميع الميادين. هذا التشهير هو وحده القادر على تكوين الوعي السياسي واستثارة نشاط الجماهير الثوري”.

ونقرأ أبعد بقليل: “لا يمكن أن يكون وعي الطبقة العاملة، وعيا سياسيا حقا، إذا لم يتعود العمال الرد على كل حالة من حالات الطغيان والظلم والعنف وسوء الاستعمال على اختلافها بصرف النظر عن الطبقة التي توجه إليها، على أن يكون الرد من وجهة نظر الاشتراكية الديموقراطية، لا من أية وجهة نظر أخرى. ولا يمكن أن يكون وعي جماهير العمال وعيا طبقيا حقا إذا لم يتعلم العمال الاستفادة من جماهير العمال وعيا طبقيا حقا إذا لم يتعلم العمال الاستفادة من الوقائع والحوادث السياسية الملموسة والعاجلة حتما في الوقت نفسه، لمراقبة كل طبقة من الطبقات الاجتماعية الأخرى في جميع مظاهر حياتها العقلية والأخلاقية والسياسية، إذا لم يتعلموا أن يطبقوا في العمل التحليل المادي لجميع وجوه نشاط وحياة جميع طبقات السكان وفئاتهم وجماعاتهم. إن كل من يوجه انتباه الطبقة العاملة وقوة ملاحظاتها ووعيها إلى نفسها فقط، أو إلى نفسها بالدرجة الأولى، ليس باشتراكي-ديموقراطي، لأن معرفة الطبقة العاملة لنفسها مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بمعرفتها معرفة واضحة تامة للعلاقات المتبادلة بين جميع طبقات المجتمع الراهن، معرفة ليست نظرية وحسب… والأصح أن نقول: ليست نظرية بمقدارما هي مبنية على تجربة الحياة السياسية”[23].

للسبب ذاته، يشدد لينن على ضرورة أن يلتزم الحزب الثوري بكل المطالب، كل الحركات التقدمية، حتى “الديموقراطية الصرفة”، بكل الطبقات والشرائح الاجتماعية المضطهدة. إن الخطة الاستراتيجية المركزية التي يعرضها لينين في ما العمل؟[24] هي خطة تحريض يقوم به الحزب يدمج ويجمع كل التمردات، كل حركات الاحتجاج أو المقاومة الأولية، العفوية، المبعثرة، المحلية “الصرفة” أو القطاعية. إن التأكيد على المركزة هو فقط في الصعيد السياسي، لا في الصعيد التنظيمي. ليس للمركزة التنظيمية من هدف سوى السماح بتحقيق هذه الخطة الاستراتيجية.

لأن روزا لوكسمبورغ لم تستطع أن تدرك هذه النواة المركزية، فهي اضطرت في محاجتها إلى تطوير مفهوم آخر عن تكون الوعي الطبقي السياسي وعن تهيئة وضع ثوري. وهنا بالضبط يتكشف تماما كم كانت وجهة نظرها خاطئة. إن تصور روزا لوكسمبورغ الذي يرى “أن الجيش الثوري لا يجري تجنيده إلاّ في النضال بالذات وأن مهام المعركة لا تظهر له بوضوح إلاّ خلال النضال”[25]، قد كذبه التاريخ. حتى في النضالات العمالية الأكثر قساوة وطولا لم يستطع جمهور الشغيلة أن يميز، أو أن يميز بشكل كاف، ماذا كانت مهام المعركة (فلنفكر فقط بالإضرابات العامة في فرنسا عام 1936 وعام 1968، كما بالنضالات الكبرى للشغيلة الإيطاليين عام 1920، وعام 1948 وعام 1969، كما الصراعات الطبقية في اسبانيا بين عامي 1931 و1937). إن تجربة النضال لا تكفي لاكتساب وعي واضح لمهام نضال جماهيري ما قبل ثوري أو حتى ثوري على نطاق واسع. إن هذه المهام لا تتوقف فقط على أسباب مباشرة فجرت النضال؛ لا يمكن تحديدها إلاّ إنطلاقا من تحليل عام لتطور المجتمع بأكمله، للطور التاريخي الذي بلغه نمط الانتاج الرأسمالي وتناقضاته الداخلية، كما لتوازنات القوى الوطنية والعالمية بن الطبقات. إنه لوهم كلي أن نعتقد أنه بدون إعداد طويل وصلب، دون التجربة العملية التي راكمها الشغيلة المتقدمون وهم يحاولون نقل برنامج ثوري للجماهير، وفقط بالاستناد إلى الأعمال الجماهيرية يمكن تكوين وعي ملائم لمتطلبات الوضع التاريخي. يمكن التقدم كذلك خطوة إضافية والقول إن البروليتاريا لن تحقق أبدا أهدافها التاريخية إذا كانت التربية والتكوين والامتحان العملي التي لا غنى عنها لطليعة بروليتارية، عبر الإعداد والتحريض حول برنامج ثوري، لم تسبق إنفجار النضالات الجماهيرية التي وحدها تجعل تطور وعي ثوري ممكنا. هذا هو الدرس المأساوي للثورة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى التي تحطمت بالتحديد على هذه الصخرة: غياب طليعة مربّاة.

إن هدف خطة لينين الاستراتيجية هو خلق طليعة كهذه عن طريق الربط العضوي للكادرات الثورية المعزولة بالشغيلة المتقدمين. إن هذا الهدف مستحيل التحقيق، دون نشاط سياسي كلي يخرج الشغيلة التقدميين من إطار النشاط النقابي الصرف أو حتى على مستوى لمؤسسة حصرا. إن المعطيات التجريبية التي نملكها اليوم تثبت أن حزب لينين قبل وأثناء ثورة 1905، وبعد استعادة الحركة الجماهيرية نشاطها عام 1912، كان يجيب عمليا عن التحديد المعطى لهكذا حزب[26].

ينبغي أن نأخذ بالاعتبار كذلك وجها آخر إذا أردنا أن ندرك كليا معنى الخطة الاستراتيجية اللينينية. إن أي تصور سياسي متمحور حول ثورة ينبغي حتما أن يهتم بمسالة مواجهة مباشرة مع جهاز قمع الدولة، كما بمسألة استلام السلطة السياسية. لكن ما أن يجري دمج إشكالية كهذه في التصور الإجمالي حتى نجد أنفسنا من جديد متوجهين لصالح المركزة. كان لينين ورزا لوكسمبورغ يتفقان حول واقع أن الرأسمالية والدولة البرجوازية يمارسان تأثيرا ممركزا عظيما على المجتمع الحديث[27] وأنه من قبيل الضلال الصرف الأمل بالتمكن تدريجيا من “تهديم” سلطة الدولة الممركزة تلك كما “يتم تهديم” جدار حجرا حجراً (إن جوهر الإصلاحية والمراجعة يقوم على هذا الوهم الذي رفضه لينين روزا لوكسمبورغ بالقوة ذاتها[28]). إلاّ أنه، ما أن يتم الاعتراف بالاستيلاء على السلطة هدفا على المدى القصير أو المتوسط بصورة ملحة. هنا ومن جديد لم تفهم وروزا لوكسمبورغ ما هو حاسم في الاستخدام الجدلي الصرف من جانب لينين للمفهوم “اليعقوبي المرتبط دون انفصام بتنظيم البروليتاريا الواعية”. إن ما كان يريد لينين وصفه عبر هذا المفهوم، ليس مجموعة متآمرين بلانكيين، بل طليعة منخرطة في الإنجاز الذي لا ينقطع للبرنامج الثوري، لا تسمح لنفسها بالتحول عن التركيز على تلك المهام بفعل المد والجزر المحتوم للحركات الجماهيرية. إلاّ أنه من أجل إعطاء روزا لوكسمبورغ حقها ينبغي أن نضيف أولا أنها كانت تتصدى لهذه المسألة ضمن منظور تاريخي خاص -ولم يكن بوسعها التصدي لها بطريقة أخرى- عنينا منظور ألمانيا عام 1904، حيث لم تكن ثورة وشيكة الوقوع بادية للعيان. ثانيا، أنها استخلصت منها الاستنتاجات الضرورية بالمعنى اللينيني منذ برزت حالية الثورة بصورة مباشرة، في ألمانيا[29].

وقد ارتكب تروتسكي الشاب كذلك، غلطة كبيرة في مناظرته العنيفة للينين عندما لامه على هذه “الاستبدالية”، أي استبدال مبادرة الطبقة العاملة بمبادرة الحزب وحده[30]. ولو انتزعنا جوهر هذا اللوم من إطاره التهجمي، نجد هنا أيضا فهما مثاليا غير واف لتطور الوعي الطبقي للبروليتاريا على إدخالها ضمن إطار وعيها، أي على تحويل تحقيق المصالح “الموضوعية” إلى مصلحة “ذاتية”[31]. أما اليوم فإننا نستطيع أن نرى بكل سهولة التفاؤل القدري الساذج الكامن في هذا التحليل غير الوافي. فالمصالح الفورية توضح هنا في مستوى المصالح التاريخية بالذات، أي في حل خبايا الأسئلة الأكثر تعقيدا المتعلقة بالاستراتيجية والتكتيك السياسيين. إن الأمل في أن تتمكن البروليتاريا “في النهاية” من ادراك مصالحها التاريخية، يبدو سطحيا إلى حد ما عندما يقارن بالمصائب التاريخية التي وقعت، لأنه في غياب القيادة الثورية الكفوءة ، لم تكن البروليتاريا قادرة حتى على إنجاز المهام الثورية الآنية العاجلة.

ويظهر هذا التفاؤل الساذج بشكل أكثر وضوحا في النص التالي المأخوذ من المناظرة نفسها:

“إن الديموقراطي الاشتراكي الثوري لا يقتنع فقط بالنمو(!) الحتمي لحزب البروليتاريا السياسي، بل كذلك بحتمية انتصار أفكار الاشتراكية الثورية داخل هذا الحزب. ويكمن البرهان الأول لذلك في حقيقة أن تطور المجتمع البرجوازي، يؤدي بالبروليتاريا تلقائيا إلى تحديد أو تعريف نفسها سياسيا. أما البرهان الثاني فيكمن في حقيقة أن الاتجاهات الموضوعية والمشاكل التكتيكية لمثل هذا التحديد، تعبر عن نفسها بالشكل الأحسن والأكمل والأعمق في الاشتراكية الثورية أي الماركسية[32].

يوضح هذا النص أن ما كان ينادي به تروتسكي الشاب في محاجته ضد لينين إنما هو “التكتيك القديم المجرب” والاعتقاد الساذج في “حتمية التقدم”، على النحو الذي اتبعه بيبل وكاوتسكي اللذان سيطرا على فكر الديموقراطية الاشتراكية الأممية منذ وفاة ماركس حتى الحرب العالمية الأولى. أما مفهوم لينين للوعي الطبقي فقد كان أغنى بما لا يقارن، كان أكثر تناقضية وأكثر جدلية، وبالضبط لأنه ارتكز على فهم عميق لحالية الثورة في الوقت الراهن (ليس في أحد الأيام في النهاية، بل في السنوات القادمة).

ولكي يتم تلخيص التطور التاريخي لابد من أن نضيف أنه في أعقاب تفجر الثورة الروسية في 1917، تبنى تروتسكي، بشكل كامل، تحليل لينين لتكوّن الوعي الطبقي البروليتاري، ومن ثم نظرية لينين في التنظيم أيضا. وظل تروتسكي، حتى وفاته، يدافع عنها بعناد ضد كل المتشككين والمفرطين في التشاؤم (الذين ادعوا أنهم يكادون يرون فيهما “جنين” الستالينية). ولهذا فقد كتب تروتسكي في آخر مخطوطة له وهي مخطوطة لم يتممها:

“لقد كان لينين أحد العوامل العملاقة التي ساعدت في نضج البروليتاريا الروسية في فبراير ومارس سنة 1917. ولكنه لم يهبط من السماء، بل جسد التقليد الثوري للطبقة العاملة، لأنه لكي تجد شعارات لينين طريقها إلى الجماهير، كان لا بد من وجود كوادر، حتى لو كان عددها ضئيلا في البداية؛ كان لابد من وجود ثقة الكوادر في القيادة، ثقة مبنية على أساس خبرات الماضي بكاملها. إن إلغاء هذه العوامل من حساباتنا، يعني ببساطة تجاهل الثورة الحية، واستبدالها بشيء غير محسوس، هو “علاقات القوى”، لأن تطور الثورة يتألف بالضبط من حقيقة أن علاقات القوى لا تفتأ تتغير بشكل متواصل وسريع تحت تأثير التغيرات في وعي البروليتاريا، جذب الشرائح الرجعية باتجاه الشرائح المتقدمة، وتعاظم إيمان الطبقة بقوتها الذاتية. أمّا المحرك الحيوي لهذه العملية، فهو الحزب، تماما كما أن المحرك الحيوي لآلبة (مكانيكية) الحزب هي القيادة[33].

« السابق التالي »