بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

حالية نظرية التنظيم اللينينية على ضوء التجربة التاريخية

(1)

لم يترك لنا ماركس نظرية مكتملة عن تشكل الوعي الطبقي البروليتاري. للسبب ذاتهن لم يترك لنا نظرية مكتملة عن الحزب. ثمة في مؤلفاته شذرات لنظرية من هذا النوع، لكنها تبدو غالبا كما لو كانت متناقضة، لأنها تبرز تارة هذا وطورا ذاك من وجوه تكون هذا الوعي الطبقي التي تغلب في التحليل الماركسي. تارة العنصر الذي يخلص إلى الإنضاج الذاتي للبروليتاريا على المدى الطويل -تبعا للوضع البروليتاري بالذات، أي تبعا للموقع الذي تحتله البروليتاريا في سيرورة الإنتاج الرأسمالي، وفي المجتمع البرجوازي عموما. وطورا العنصر الذي يبرز انعدام النضج الذاتي المباشر للبروليتاريا ذاتها- تبعا لثقل البؤس والاستلاب والتخبل ولا سيما الخضوع لعبودية أيديولوجيا الطبقة المسيطرة، تلك السلبيات التي تنجم عن الشرط البروليتاري ذاته.

إن للينين الفضل التاريخي في دمج هذه العناصر المتناثرة لصياغة نظرية متماسكة حول تكوّن الوعي الطبقي البروليتاري، نظرية تشكل قاعدة نظريته عن التنظيم. إن الكثير من التطورات الخاطئة إزاء هذه النظرية من التنظيم، والكثير من الدعاوى غير المبررة، على النية، المقامة ضد لينين طوال القرن العشرين ناجمة عن رفض فهم نقطة الانطلاق النظرية تلك.

طبعا، عندما يجري الكلام على نظرية لينينية في التنظيم، ثمة نزعة إلى الرجوع حصرا إلى كراس “ما العمل؟” وإرجاع أكثر من ربع قرن من النشاط الحثيث في حقل التنظيم إلى المبادئ المذكورة في هذا الكراس دون غيرها. بقدرما لا يُرى في لينين ماكيافلي منافق، يخفي عن وعي قسما من نواياه عندما يكون “الظرف غير مناسب” وبقدرما يجري الاعتراف له بالحد الأدنى من الصدق والتماسك الايديولوجيين اللذين بدونهما يفقد نقاش أفكاره كل معناه، فإن هذه المحاولة الاختزالية هي بالطبع دون أساس. ثمة في نتاج لينين ثبات في بعض الموضوعات الجوهرية التي نجدها معروضة بأوضح الصور وأكثرها إقناعا في “ما العمل؟”. لكن كلما اغتنت تجربة لينين أكثر فأكثر -لا سيما تجربة النضالات الثورية للبروليتاريا الروسية عامي 1905-1906 وعام 1917، وإلى حد لا يمكن إغفاله تجربة الحركة العمالية الأممية إبان الحرب العالمية الأولى وغداتها -فإنه يدمج في نظريته حول التنظيم سلسلة من العناصر الإضافية، سوف نجدها مبلورة على الأخص في الكتابات عن إفلاس الإشتراكية-الديموقراطية بين سنة 1914 وسنة 1916، في “الدولة والثورة” وكتابات أساسية أخرى عام 1917، في وثائق المؤتمرات الأولى للأممية الشيوعية وفي “مرض اليسارية الطفولي”. إنّ مجمل هذه العناصر المجمعة حول الموضوعات الأساسية لكراس “ما العمل؟” والمصححة لها في بعض الوجوه، تشكل النظرية اللينينية في هذا الميدان، وليس لحظة من هذه النظرية، محدودة في الزمان.

ثمة ملاحظة تمهيدية أخرى تخص محاولة العديد من النقاد دحض النظرية اللينينية عن التنظيم معتمدين على الممارسات البيروقراطية في الاتحاد السوفياتي بعد لينين … إنه خطأ منهجي واضح.

طبعا إن وحدة النظرية والممارسة التي يطالب بها الماركسيون -والتي كان لينين ليضطلع بها من جهته قبل غيره- تسمح باستمرار بمواجهة النظريات بنتائجها العملية. لكنها تتطلب أن يقدم البرهان على أن هذه النتائج تنجم عن النظرية، -وليس عن عوامل مختلفة، لا بل نظريات معاكسة. إن إدانة كتاب في الجراحة لأن جرّاحا فشل في عملية جراحية بعد أن تلقى دروسه على أساس هذا الكتاب ليست طريقة علمية جدية للغاية. ينبغي كذلك تقديم البرهان على أن ما سبب موت المريض إنما هو تطبيق النظريات المعروضة في الكتاب، لا واحد من آلاف العوامل المختلفة التي يمكن أن تؤثر على مجرى العملية الجراحية، بدون علم المنظّر، أو نتيجة لرفض واع لاتِّباع الدرس المتلقى.

أخيرا، من الضروري تمييز ما يملك في النظرية اللينينية عن التنظيم قيمة شمولية، أي ينطبق على مجمل عصر الأزمة العامة للرأسمالية، وينتج هكذا عن مجمل الخصائص الأساسية للمجتمع البرجوازي، للإنتاج الرأسمالي وللطليعة الطبقية للبروليتاريا، -وما ليس إلاّ عرضيا، ناتجا عن شروط نوعية خاصة بالزمان والمكان. نكتفي بمثل واحد: كم من المرار جرى الاستشهاد بالمقطع الوارد في “ما العمل؟” ضد انتخاب لجان الحزب، ولصالح تعيينها من قبل المركز، كبرهان على التصرفات “المعادية للديموقراطية” للغاية، من جانب لينين؟ جرى تناسي إضافة أن لينين يبرر هذه الطروحات حصرا بالشروط الصعبة للسرية التي كان يعيشها الحزب الاشتراكي-الديموقراطي العمالي الشاب في روسيا القيصرية، وأن كراس “ما العمل؟” ينادي في الوقت ذاته بضرورة الانتخاب والعلنية الأوسعين لكل اللجان وكل مندوبي الحزب، مذ يجري ضمان الحد الأدنى من الحريات الديموقراطية، وأن طروحات المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية تؤكد من جديد على مبدأ انتخاب كل اللجان، غير تاركة للاستثناآت إلاّ بالنسبة لشروط السرية القيصرية على وجه الحصر.

 (2)

تنطلق النظيرة اللينينية في تكون الوعي الطبقي البروليتاري من التمييز، الجوهري بالنسبة للماركسية، بين الطبقة في ذاتها والطبقة لذاتها، الذي سبق وأرساه ماركس في “بؤس الفلسفة”. يتفرع عن هذا التمييز مفهوم الوجود الموضوعي للطبقات الاجتماعية، بالاستقلال عن مستوى الوعي لديها، ومفهوم النضال الطبقي الموضوعي، بالاستقلال عن مستوى الفهم الذاتي للمصالح التاريخية للطبقات المعنية. إن هذين المفهومين عن الطبقة الموضوعي، والنضال الطبقي الموضوعي، لا غنى عنهما للتماسك الداخلي للمادية التاريخية ولفهم التحديد المشهور، في البيان الشيوعي، الذي يقول: “كل تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع بين الطبقات”. بديهي أن عبيد العهد القديم وأقنان العصر الوسيط كان وعيهم لمصالحهم الطبقية التاريخية أقل بكثير مما هي الحال مع الشغيلة البريطانيين أو الأمريكيين في أيامنا هذه. إن إنكار طابع الصراعات الطبقية على مجابهات كبرى بين الرأسمال والعمل، على أعمال طبقية كبرى تقوم بها البروليتاريا، كما على سبيل أمثال الإضراب العام في إيطاليا بتاريخ 14 يوليوز 1948 أو الإضرابات العامة في بلجيكا عام 1950 وعامي 1960-1961، بحجة أن وعي البروليتاريين المنخرطين في تلك المعركة لم يكن على مستوى متطلبات التاريخ، أو أن هؤلاء كانوا يقاتلون من أجل أهداف سياسية لا تخرج من ميدان الديموقراطية البرجوازية، إنما هو دفن لمفهوم الطبقة الموضوعية والنضال الطبقي الموضوعي، ووضع لنقطة استفهام على كل المادية التاريخية. لا يعود الوجود الاجتماعي هو الذي يحدّد الوعي، بل الوعي -والوعي وحده- هو الذي يسمح بالحكم على حقيقة نضال اجتماعي يُشرك ملايين الأشخاص.

لكن كما أن النظرية اللينينية عن التنظيم ترفع دعوى التبرير ضد شطحات تلك النزعة الذاتية القصوية، فهي تعارض بحزم الموضوعية التي ليست أقل ميكانيكية والتي ترى، محتجة بأن الصراع الطبقي هو بالنسبة لماركس النتيجة المحتومة لوجود المجتمع الرأسمالي وللتناقضات التي تمزقه، أن الوعي هو الانعكاس الآلي للوجود الاجتماعي، وتمحور هكذا الخصوصية الأساسية للنضال الطبقي البروليتاري، تلك التي تميزه عن كل نضال طبقي حدث في الماضي: عنينا واجب الطبقة العاملة في استبدال مجتمع واقتصاد تحكمهما قوانين عمياء أو موضوعية ببناء واع لمجتمع واقتصاد جديدين تديرهما قيادة واعية يضطلع بها منتجون متشاركون.

بما أنه لا يمكن لبناء الاشتراكية أن يكون النتيجة الآلية للنضال الطبقي داخل المجتمع البرجوازي أو لمجرد تحرير عناصر المجتمع الجديد القائمة داخل المجتمع القديم، بل لتنظيم واع للمنتجين فإن مستوى وعي هؤلاء المنتجين سوف يحدد إلى درجة لا يستاهان بها حظوظ نجاح المشروع.

بتعابير أخرى: استنتج لينين من تمييز ماركس بين مفهوم الطبقة في ذاتها والطبقة لذاتها تمييز مفهوم النضال الطبقي الابتدائي -وهو النتيجة التلقائية المحتومة للتناقضات الطبقية التي يدخلها نمط الإنتاج الرأسمالي بذاته إلى المجتمع البرجوازي- والنضال الطبقي الثوري، الذي وحده يسمح بتحويل الأول إلى هجمة ناجحة ضد الاقتصاد الرأسمالي والدولة البرجوازية والذي يتوقف بصورة أساسية على مستوى وعي البروليتاريا وتنظيمها وقيادتها.

لاشك أن مأخذ “النزعة الإرادية” الموجه غالبا ضد لينين لا مبرر له، لأن النضال الطبقي الثوري، في نظريته، لا يفصل أبدا بصورة ميكانيكية عن النضال الطبقي الابتدائي. لا يمكن أن يكون إلاّ ناتج هذا الأخير، في بعض الشروط التاريخية الموضوعية، المحددة بوضوح. بعكس الشعبويين، للم يؤمن لينين أبدا بأن مجرد “الإرادة الثورية” أو “التربية الثورية” يمكن أن تنتجا ثورة ظافرة في ظل القيصرية. لقد اهتم دائما بالاشارة على وجه الدقة إلى أن على تلك “الارادة” وهذه “التربية” أن تنطلقا من النضال الطبقي الابتدائي لطبقة اجتماعية محددة، هي البروليتاريا، التي منحها تطور الرأسمالية في روسيا قدرات في النضال والتنظيم لم تكن تملكها أي طبقة اجتماعية في روسيا ما قبل الرأسمالية. لم ينس كذلك أن يوضح أنه، فقط، ضمن شروط ناريخية محددة تماما -شروط تسمح بإنتاج أزمات ما قبل ثورية بصورة دورية بفعل التناقضات المراكمة داخل المجتمع الروسي في ظل القيصرية- كان يمكن للجهد من أجل تحويل النضال الطبقي الابتدائي إلى نضال طبقي ثوري أن يعطي ثماره.

خارج هذه المقدمات التي تسمح دون غيرها بتفسير كيف يمكن للنضال الطبقي المألوف أن ينتج “طبقة في ذاتها”، أن ينتج وعيا طبقيا بروليتاريا، لم يكن يمكن لعمل طليعة ثورية أن يلاقي النجاح. إنه لمفيد تفحص الأسس الاجتماعية-الاقتصادية لتلك المقدمات، ضمن إطار المادية التاريخية. سوف نعود إلى ذلك بعد قليل. لكن فليبق الآن في ذهننا الشيء التالي وحسب: إن ما يميز النظرية اللينينية حول التنظيم عن نظريات أخرى إوالية أو إرادية، ليس كونها تنكر الروابط الواضحة بين النضال الطبقي الابتدائي والنضال الطبقي الثوري، ولا كونها تنكر أن الأول يشكل الشرط المسبق للثاني (أن اتساعا عظيما للأول لا يمكن إلاّ أن يسهل بزوغ الثاني). إن ما يميزها هو كونها تنكر وجود علاقات آلية وتلقائية بين الأول والثاني، وكونها تعتبر أن الثاني لن ينجم عن الأول إلاّ إذا انضافت إلى الشروط الموضوعية التي ينبغي أن تسبق بزوغه سلسلة من الشروط الذاتية التي ليست نتيجة طبيعية محتومة لها. هنا بالذات نقع على كل تعميق النظرية الماركسية حول تكون الوعي الطبقي البروليتاري الذي تمكن لينين من تقديمه عن طريق نظريته في التنظيم.

 (3)

إن المستوى الدقيق لوعي البروليتاريا ليس النتاج الآلي لموقعها من سيرورة الإنتاج ولا الناتج الآلي لتجربتها (إذن لاتساع نضالاتها الماضية والحاضرة). إنه ينجم عن مجموعة من العوامل الأكثر تعقيدا بكثير، التي يسمح تفاعلها وحده بتفسير لماذا هذا المستوى هو على ما هو عليه في زمن محدد ومكان محدد.

إن النظرية اللينينية عن تكون الوعي الطبقي البروليتاري تفسر قبل كل شيء أن هذا التكون يمثل سيرورة غير متساوية وغير متصلة. هذه السيرورة غير المتساوية وغير المتصلة لتكون الوعي الطبقي البروليتاري هي أولا انعكاس السيرورة التاريخية غير المتساوية وغير المتصلة لتكون البروليتاريا ذاتها.

إن مجموع المأجورين، كما يبدون في فترة معينة في بلد معين، لم يُقضَ عليهم في الفترة ذاتها وفي الظروف ذاتها بأن يبيعوا قوة عملهم. بعضهم عمال صناعيون، أولاد عمال صناعيين منذ عدة أجيال. وغيرهم جرى اقتلاعهم حديثا من قريتهم التي ولدوا فيها ومن زراعة الأجداد. بعضهم تأثروا بالحياة والإنضباط الجماعيين في المصنع الكبير. بعضهم تأثروا بروحية جمعيات الحرف السائدة في المنشأة الصغيرة والعمل شبه الحرفي. بعضهم موسومون بحضارة المراكز المدينية الكبى حيث الحياة الجماعية خارج المصنع تشكل امتدادا طبيعيا للدوافع التضامنية المنبثقة عن العمل الصناعي بالذات. وآخرون يخضعون للتأثير المستلب المزدوج للوضع البروليتاري وللمسكن نصف الريفي المعزول والمُذَرِّر. هؤلاء تربوا منذ طفولتهم في منظمات عمالية. وأولئك خاضعون للتأثير الأيديولوجي للطبقة البرجوازية الذي نقلته تنظيمات كهنوتية أو “محايدة”. إن تفريعا Stratification يعكس الأصول التاريخية وشروط الحياة المختلفة لشرائح بروليتارية متنوعة.

تنضاف إلى الجذور الموضوعية لتفريع البروليتاريا ذلك جذور ذاتية ليست أقل أهمية. لن يخضع كل عامل بالطريقة ذاتها والدرجة ذاتها لتأثير الطبقة المسيطرة الأيديولوجي. إن اختلافات في التجربة والذكاء والمزاج والطبع سوف تستثير ردود فعل مختلفة لدى أعضاء مختلفين من طبقة اجتماعية واحدة، خاضعة لقوى الاستغلال والاضطهاد ذاتها. عاجلا أو آجلا سوف تنخرط الأكثرية الساحقة من الطبقة في النضال، -لكن لواقع كون البعض يفعلون ذلك قبل غيرهم، ويفهمون بصورة أفضل المرمى العام لذلك النضال أهمية حاسمة بالطبع على السلوك اليومي لهؤلاء وأولءك -لاسيما خارج فترات النضالات الكبرى. إذا كان للتفريغ الإجتماعي للبروليتاريا أسباب موضوعية، فإن التفريغ الذاتي يؤدي، في اتصال به، إلى الطابع غير المتواصل لتطور الوعي الطبقي. ينجم هذا بدوره عن خصيصة أساسية للمجتمع الرأسمالي وللشرط البروليتاري ينبغي التذكير بها في هذا الصدد.

تخضع الطبقة العاملة للاستغلال الرأسمالي، لا تبعا لخيار أيديولوجي مسبق، بل تبعا لالتزام اقتصادي محتوم لا يمكن أن تتملص منه، في شروط “عادية”. لا يمكنها التوقف عن العمل على الدوام، دون أن يقضي عليها بالموت جوعا (إن تعويضات البطالة، في البلدان الرأسمالية الجديدة ذات التشريع الاجتماعي “السخي”، تنقطع دون شفقة بعد فترة إذا توصلت السلطات البرجوازية إلى خلاصة أن الشقي “لا يرغب في العمل”). يعني ذلك أنها عاجزة عن النضال على الدوام، وأنه خارج النضالات الثورية التي تضع على جدول الأعمال قلب النضال الرأسمالي، ينفذ كل نضال طبقي في ظل هذا النضام حتما إلى “إعادة الطبقة جزئيا إلى المنطق الفردي الخاص”، ما أن تنتهي المعركة. فقط العناصر الأكثر وعيا، الأكثر حمية، الأكثر عنادا، تقاوم نزعة العودة إلى “النضال من أجل الوجود”، إلى “الحياة الخاصة” التي تنجم عن بنية المجتمع والاقتصاد الرأسمالي بالذات.

تنعكس كذلك تلك البنية الموضوعية ذاتها بنية ذهنية. أيديولوجية، بنزعة إلى استبطان علاقات الإنتاج الرأسمالية والقبول اليومي بها. حتى العمال الأكثر “عصيانا” يشترون خبزا، يدفعون إيجارات وضرائب، يعيدون هكذا كل يوم إنتاج علاقات السوق التي تشكل أساس نمط الإنتاج الرأسمالي ولا يفقهون شيئا. لقد خاضوا على امتداد عشرات السنين نضالات طبقية شرسة، بما فيها انتفاضات (كانتفاضة عمال ليون)، دون أن يفهموا مع ذلك أن الرأسمالية مستحيلة دون تعميم علاقات السوق، دون تحويل قوة العمل إلى سلع، ووسائل الانتاج إلى رأسمال

لا غنى عن جهد إعلام وتكوين نظري لكشف كل أسرار الاستغلال الرأسمالي وألغازه. إن هذا الجهد، من حيث تحديده، لا يمكن أن يكون إلاّ فرديا (أو في أحسن الأحوال بهمة مجموعة ضعيفة من الأفراد). لا يمكن أن يكون الحاصل المباشر للتجربة. والحال أن الجمهور العريض لا يتعلم إلاّ بالتجرية. ما أن يصل تكون وعي البروليتاريا الطبقي إلى طوره الأعلى، طور بلورة النظرية العلمية وهضمها، حتى يصبح إذن حتما سيرورة مفرّدة (بفتح الراء) ومفرّدة (بكسر الراء) (إن هذا في كل حال هو إحدى الأواليات الأساسية التي يمكن أن يكسب بها العامل المستلب والمسلوبة إنسانيته فردية مستقلة. لكن هذه قضة أخرى). تصل للسبب ذاته سيرورة تفاضل داخل الطبقة العاملة.

 (4)

إن المفهوم اللينيني عن الوعي الطبقي البروليتاري، مرفوعا إلى أعلى مستواه، يعتمد كذلك على الدور المستقل نسبيا للنظرية الماركسية في السيرة التاريخية. إنه يستتبع، بتعابير أخرى، استحالة بلوغ وعي إجمالي للوضع البروليتاري وشروط تخطيه -وعي إجمالي للرأسمالية والاشتراكية- على أساس تجريبي بحث، اختباري، برغماتي.

إن تجربة الشغيلة ومجموعات قطاعية من الشغيلة هي بالضرورة تجربة تجريبية ومجزأة للواقع الاجتماعي، يحدها الأفق الدقيق الذي يدور فيه وجودهم: بضع مؤسسات، بضعة أحياء، بضع مدن. إن النضالات التي تنطلق من هذه التجربة المباشرة مطبوعة للسبب هذا بخاتم وعي مجزأ يعكس – حتى وهو يحاول الإنكار- العمل المجزأ الذي هو خاصة البروليتاريا، ونتيجته الطبيعية المحتومة التي هي التشييء والإستيلاب و”الوعي الزائف”.

إن الطابع الحرفي المحتوم لهذه النضالات يستتبع أن يستدعي الوعي الطبقي الابتدائي الناتج عن النضالات الطبقية الابتدائية وجوهريا عديدة تتناقض مع نضال طبقي بالمعنى العميق والتاريخي للكلمة. ذلك أن هذا الوعي المجزأ ينقل انقسامات داخل البروليتاريا، تنتج عن شروط الانتاج الرأسمالي بالذات وتحاول البورجوازية أن تحافض عليه مهما كان الثمن. لا تصبح البروليتاريا طبقة لذاتها -لا “تشكل في طبقة” وفقا لصيغة ماركس- إلاّ بقدر ما تتراجع عوامل الانقسام القطاعي والحرفي والمحلي والاقليمي والقومي والعرقي هذه لصالح وعي توحيدي للمصالح المشتركة لكل البروليتاريين بالاستقلال عن خصوصيات المهنة، والشغل، والكفاءة والمسكن والعرق والدين والقومية.

لكن إذا كان نمط الإنتاج الرأسمالي يسهل حتما، في طور من نموه، انفجار نضالات توحيدية وعامة على مستوى الطبقة العاملة، فإن تلك النضالات تحتاج إلى الكثير من أجل التوصل إلى استبدال الوعي التجزيئي والمجزأ بوعي كلي شامل لكن التناقضات الرأسمالية وكل شروط انتصار الاشتراكية. بمعزل عن العوامل المذكورة أعلاه التي تعيق تكوّن وعي شامل كهذا، ثمة واقع كون تلك النضالات المعممة ليست إلاّ مرة أو مرتين إبان حياة كل جيل عمالي (وحتى ولا مرة واحدة في حياة بعض الأجيال العمالية: ألمانيا بين 1933 و1968!). ضمن هذه الشروط، فإن الأصل التجريبي البحث لوعي جماهيري كهذا، قائم حصرا على أساس ما عيش فعليا، يجعل العوامل التي تحدد الطابع التجزيئي للوعي العمالي أقوى بكثير جدا من العوامل التي تعمل في الاتجاه المعاكس.

إن إحدى الأفكار الأساسية في “ما العمل؟” التي تحتفظ بكل قيمتها الشاملة اليوم كما حين كتب هذا الكراس هي أن البروليتاريا لا تستطيع بلوغ وعي كلي للواقع الرأسمالي- لواقعها الخاص بها- إلاّ عبر ممارسة اجتماعية شمولية أي عبر ممارسة سياسية. وبصورة أدق: إنه لا يبلغ هذا الوعي الطبقي المرتفع به إلى أسمى تعابيره إلاّ تلك الأقلية من الطبقة العاملة المستعدة لمتابعة نشاط سياسي متواصل والقادرة على ذلك، حتى في فترات تراجع الحركة الجماهيرية، حتى في مراحل “إعادة أكثرية الشغيلة إلى المنطق الفردي الخاص، حتى في مراحل صعود تأثير الأيديولوجية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة داخل الطبقة العاملة. هذا هو الأساس المادي لضرورة حزب الطليعة التي ينادي بها لينين.

إن الطريقة التي يمنح بها لينين، عن وعي، قسمة خاصة لتلك الممارسة السياسية، التي تثير على الدوام كل وجوه الواقع الرأسمالي، والمعاكسة للممارسة التريديونيونية “ذات النزعة الاقتصادية” التي تكتفي بتحريض الشغيلة ضد الاستغلال والاضطهاد المباشرين، اللذين يتعرضون لهما في المؤسسة التي يعملون فيها، في الحي، في المدينة (وفي الحالة القصوى: المنطقة، البلاد) هي في أساس الكثير من سوء الفهم والتأويلات سيئة النية. إن الأساس النظرية لهذا التصور هي مع ذلك واضحة للعيان. إن ما ينكره لينين (وما أنكره قبله ماركس وإنجلز، خلا ربما في بعض الجمل من كتابات الشباب، المعزولة عموما عن سياقها) هو أن المراكمة التدريجية والمتقطعة للنجربة المباشرة تؤدي “في نهاية المطاف” إلى إعادة إنتاج تحليل نظري، كان وحده جهد خاص قد تمكن من إنتاجه في البدء (طبعا في سياق تاريخي يحدده الوجود المسبق للمجتمع البورجوازي وللنضال الطبقي البروليتاري). إن مئة إضراب من أجل مطالب مباشرة، لن تؤدي بالضرورة إلى وعي طبقي شامل، اشتراكي، حتى ولو خيضت باستبسال ليس له نظير. يكفي دراسة تجربة النضالات الطبقية في بريطانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتجربة النضالات الطبقية في الولايات المتحدة في الفترة ما بين 1940-1970، لملاحظة ذلك مباشرة.

فقط نشاط يتخطى النضالات “الاقتصادية” يمكن أن يؤدي في النهاية إلى وعي يتخطى وعي التريديونيونية. يمكن أن نقبل بصعوبة مقدمات الجدل المادي، النظرية الماركسية في المعرفة، وإنكار صحة أطروحات لينين هذه في الوقت ذاته. إن ضرورة حزب عمالي طليعي تنجم إذن عن ضرورة خوض نشاط من هذا النوع على الدوام وعن استحالة أن يخوضها الجمهور العمالي بمجمله بصورة متواصلة في ظل النظام الرأسمالي، تبعا لتفريعه الموضوعي الخاص به وللمعيقات الذاتية القوية التي تمنع مراكمة ثابتة، تدريجية ومتواصلة للوعي الطبقي في داخله.

إن حزب الطليعة يعمل هكذا موضوعيا كالذاكرة الجماعية للطبقة العاملة، تلك التي تمنع أن تضيع المعارف المراكمة خلال مراحل النضالات المعممة في المراحل التالية الحتمية لتراجع تلك النضالات المعممة في المراحل التالية الحتمية لتراجع تلك النضالات، تلك التي تضمن تواصل مراكمة الوعي ضمن شروط عدم تواصل النشاط السياسي للجماهير.

 (5)

هكذا فإن مفهوم الحزب الطليعي يقودنا من جديد إلى مفهوم دورية النضالات الطبقية المعممة، الطابع الدوري للانفجارات العمالية الكبرى. نكتشف هكذا أساسا ماديا إضافيا للنظرية اللينينية في التنظيم. ذلك أن المنظمة المنفصلة للطليعة العمالية هي رهن المهام التي ينبغي إنجازها. إنها أداة عمل لبلوغ هذه النهاية المحددة: تحويل الإنفجارات العمالية المعممة إلى هجمات ناجحة ضد الاقتصاد الرأسمالي والدولة البرجوازية، قلب النظام الرأسمالي بنجاح واستبداله بدولة عمالية-بديكتاتورية البروليتاريا- تباشر بنجاح بناء مجتمع اشتراكي.

إن منظمة الطليعة، بصورة منفصلة عن الجمهور، ليست النموذج الوحيد الممكن للتنظيم العمالي. إنها نتيجة رئاية تاريخية محددة: رئاية حتمية انفجارات ثورية على المدى المتوسط أو البعيد، لن تتحول إلى ثورات ظافرة إلاّ بفضل نشاط الطليعة المنظمة. خارجا عن حالية الثورة هذه، لا يتبرر التنظيم المنفصل للطليعة إلاّ تبعا لدوافع إيديولوجية صرفة، يمكن أن تنحط إلى عصبوية. عندما تكون النضالات المتوقعة الوحيدة نضالات جزئية، فإن التراكم التدريجي للتجارب يبقى وحده ممكنا بالنسبة لجماهير عريضة، وإن الدور الوسيط الوحيد الذي يمكن للطليعة أن تلعبه يصبح دور نقل المعارف عبر الدعاية والتربية -دورا لا يبرر تنظيما منفصلا، ويتحقق داخل منظمات جماهيرية، شريطة أن تحترم هذه حدا أدنى من الديموقراطية الداخلية.

ينبغي الإشارة في هذا الصدد إلى أن لينين لم تكن لديه رؤية دقيقة لحالية الثورة، قبل عام 1914، إلاّ بالنسبة لروسيا وحدها (وبعض البلدان الأخرى في أوروبا الشرقية). تبعا لهذه الرئاية، امتنع عن المناداة بالمنظمة المنفصلة للطليعة بالنسبة للأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية الجماهيرية قبل الرابع من غشت 1914. إكتفى بتشجيع تنسيق رخو بين تيارات يسارية شتى داخل الأممية الثانية، لاسيما بمناسبة النقاشات التي دارت فيما يخص السلوك الذي يجب تبنيه حيال الحرب الامبريالية التي كانت تبدو على الأبواب. وهو لم يمد مبدأ التنظيم المنفصل للطليعة إلى مجمل الكرة الأرضية ولم يعلن ضرورة خلق الأممية الشيوعية، إلاّ حين أقنعه انفجار تلك الحرب بأن النظام الرأسمالي العالمي انتقل إلى طور أزمة عامة تاريخي يضع ثورات عديدة على جدول الأعمال في عدد كبير من البلدان.

إن الطابع الدوري لانفجار نضالات شاملة كبرى للبروليتاريا، ثورية كامنة، يتفرع عن تعقيد الظروف الضرورية لزعزعة المجتمع البورجوازي عميقا ودفع الشغيلة لتخطي مرحلة النضالات من أجل المطالب المباشرة. لا تجتمع مجمل العوامل الضرورية إلاّ استثنائيا، سواء كانت العوامل الموضوعية (أزمة عميقة في علاقات الإنتاج الرأسمالية) أو العوامل الذاتية (إنعدام الوحدة والشلل المتناميين للطبقات المسيطرة؛ وهن جهاز القمع، السخط المتنامي للجماهير الكادحة وقد بلغ مستوى غضب مكتوب؛ شعور متعاظم بأن أسباب السخط لا يمكن أن تجد علاجها عن طريق الاصلاحات التدريجية ووسائل تصحيح “شرعية” متنوعة بل عن طريق عمل مباشر؛ وثيقة متعاظمة لدى الجماهير بقوتها الخاصة بها، أي بقدرتها على تفجير عمل كهذا، الخ..). بديهي أنه نظرا للاجتهادات العميقة لاستبطان العلاقات الرأسمالية ولإعادة جمهور من العمال إلى المنطق الفردي الخاص غداة نضالات جزئية، وهي اتجاهات ملازمة لنمط الانتاج الرأسمالي بالذات، فإن المصادقة التي تجعل الوضع ناضجا للانفجارات الثورية أو الثورية الكامنة، لا يمكن أن تكون إلاّ استثنائية. للأسباب ذاتها -التي يضاف إليها في هذه الحالة وزن الهزيمة والشكوكية التي تولدها – لا يمكن لانفجار فاشل لم يحقق هدفه أن يعقبه على المدى القصير موجة صاعدة أخرى من النضالات المعممة، لا بل سيعقبه انحدار في قتالية الجماهير إلى أن تنفجر مجموعة جديدة من الظروف الملائمة صعودا جديدا. نتكلم هنا على “انفجارات”، ليس بمعنى أحداث معزولة، بل بمعنى مراحل نضالات طبقية متفجرة ومتعممة تدريجيا، بالتضاد مع مراحل نضالات متفرقة، محصورة وحول أهداف مباشرة وحسب (لا يمكننا أن نعالج هنا الصلات التي توجد بين الدورة الاقتصادية ودورة النضالات الطبقية، لكننا سنشير فقط عابرين إلى أن هذه الصلات ليست صلات علاقة ميكانيكية وسببية مباشرة)..

إن الدور الذي على تنظيم الطليعة أن يلعبه حيال انفجارات دورية لنضالات معممة ينبغي أن يجري تفحصه في آن معا بالنسبة للمراحل الاعدادية للنضالات الثورية الكامنة ولمراحل النضالات المعممة بحصر المعنى. يتعلق الأمر بنظهر مزدوج للعلاقات الجدلية “طليعة/جماهير” التي ينبغي إيضاحها. لكن طبيعة الثورة الاشتراكية البرجوازية تستتبع ضرورة عمل تركيبي واع لنضالاتمبعثرة وإن كانت ذات اتساع جبار. إذا كان يمكن للمجتمع البرجوازي فعليا أن يبدأ بالتفكك في الأطراف، في مراحل أزمة ثورية حادة فإن هذا التفكك لا يمكن أن يصل اطلاقا إلى حل آلي للدولة البرجوازية. إن هذه ينبغي أن يجري تدميرها بوعي. فإذا لم يجر إنجاز عملية التدمير تلك، يمكن أن يجري الشروع بسيرورة مضادة للثورة وبنجاح على يد قوى محدودة عدديا، تقف في وجه جماهير جد وافرة. إن الدور الذي لعبته بقايا من الجيش الامبراطوري خلال الأسابيع الحاسمة من نوفمبر 1917-مارس 1919 في ألمانيا، هو أفضل دليل على ذلك، وقد كان له نتائج تاريخية من أكثرها مأساوية.

 (6)

إن الرابط بين الطليعة والجماهير غير الثورية هو قبل كل شيء رابط وساطة تربوي. لا تعمل منظمة الطليعة فقط كذاكرة جماعية للطبقة، بل تجتهد باستمرار في إيصال المعارف المراكمة بفضل النضالات والتجارب الماضية إلى أكبر عدد ممكن من البروليتارييت.

عندما نتكلم على سيرورة تربوية، لا ننسى بالطبع الطابع الجدلي لهذه السيرورة التي ليس فيها حقيقة جاهزة تنقل بصورة سلبية إلى جمهور يُفترَض أنه جاهل، بل تمثل تجارب، مداً وجزراً مستمرين لانطباعات وأفكار، بين الجمهور الأقل تسيسا والطليعة المنظمة. تتخطى الطليعة نهائيا خطر التحول إلى تنظيم عصبوي أو “دكان”، فقط عندما يجري تمكين هذا المد في الإتجاهين، تلعب حقا عند ذاك دور الذاكرة والمراكمة لتجارب جماعية لكل الطبقة.

إن الوساطة بين البرنامج، الذي يلخص كل دروس النضالات الماضية وتعميمها النظري، والجمهور الذي تبقى اهتماماته متمحورة حول أهداف مباشرة، لا يمكن أن تحدث بالاستناد حصرا إلى تربية أدبية -وإن كان لينين أشار بحق إلى أن ما يفصل الثوري عن الإصلاحي أو الوسطي هو كون الثوري يتابع الدعاية الثورية وإعداد الثورة ذاتها في المراحل غير الثورية. تشترط تلك الوساطة كذلك شكلاً نوعيا خاصا من العمل. إن “الخطة الاستراتيجية الكبرى” التي وضعها لينين في “ما العمل؟” والتي تقوم على تحويل حزب الطليعة إلى ملتقى ومحرض لكل حركات الإحتجاج والتمرد ضد النظام القائم التي ليست رجعية موضوعيا، قام فيما بعد بتمديدها باتجاه مفهوم المطالب الانتقالية الذي استعاده تروتسكي في برنامجه الإنتقالي لعام 1938.

تستتبع استراتيجية المطالب الإنتقالية وضع مطالب، فيما تنطلق من اهتمامات الجماهير المباشرة، لا يمكن تحقيقها واستيعابها في إطار النظام الرأسمالي. عندما تصبح دوافع أعمال معممة للطبقة العاملة تتجه إذن إلى تحطيم إطارات الاقتصاد الرأسمالي والدولة البرجوازية. إذا طرحت الجماهير على ذاتها مباشرة أهدافا كهذه لأعمالها، وفقط في هكذا حالة، يمكن لتلك الأعمال أن يمتصها النظام بصعوبة، عن طريق إصلاحات. والحال أن الجماهير لا تطرح على نفسها أهدافا كتلك الأهداف إبان إضراب عام إذا لم يتم إعدادها مسبقا وبصورة منهجية، سواء بالدعاية أو بـ”أعمال نموذجية” لذلك وبتكوين إطارات عمالية داخلها تجسد كل السيرورة الوساطية تلك وتنقلها يوميا إلى رفاقها في العمل.

إنه من قبيل الإيمان بالمعجزات افتراض الجمهور قادرا على أن يجد غريزيا أثناء انفجار ثوري كبير المطالب الضرورية لإنجاح الثورة، وقادرا على أن يجد الاستعراض ذا الألف مناورة ومناورة إصلاحية التي أفسحت المجال أمام خنق كل الانفجارات الثورية في أوروبا الغربية، رغم موازين القوى الملائمة جدا في حينها للثورة.

إن مركزة الحزب التي أصر عليها لينين بتلك القوة في الجدال الذي تمحور حول “ما العمل؟” هي قبل كل شيء مركزة سياسية، تكمن في فهم واقع أن الجمهور العمالي لن يبلغ الوعي الطبقي عند مستواه الأرفع إلاّ شرط تخطي الأفق الضيق للتجارب الناجمة عن نضالات جزئية أو، بتعابير أخرى، شريطة مركزة تجاربه. إن الوجه التنظيمي الصرف لهذه المركزة هو ثانوي في استدلال لينين، وهو متأثر ‘لى حد بعيد كذلك بشروط اللاشرعية النوعية الخاصة التي بنيت ضمنها الاشتراكية الديموقراطية الروسية.

إن ضعف محاجة روزا لكسومبورغ ضد لينين ناجم عن كونها تركز نيرانها على الوجه التنظيمي للمركزة اللينينية، متجاهلة إلى حد بعيد وجهها السياسي. إنها مضطرة، فيما تقوم بذلك، إلى الايحاء بنظرية تكوُّن للوعي الطبقي البروليتاري مختلفة عن نظرية لينين، أكثر تبسيطية بكثير وأكثر تفاؤلا بكثير في الوقت ذاته، تعتبر أن هذا الوعي الطبقي لا يمكن أن يكون إلاّ نتيجة للنضال وأن هذا النضال كاف لضمان تكونه. إن التجربة التاريخية، ولا سيما تجربة الثورة الألمانية، تكذب هذه الأطروحة. حتى النضالات الأكثر اتساعا، الأكثر صخبا، والأكثر طولا (فلنفكر بفترة الاضطراب والنضالات الجماهيرية غير المنقطعة تقريبا بين 1918-1923) لم تكن كافية لتضمن بذاتها مستوى وعي مرتفع كفاية للجماهير العمالية الألمانية بحيث يسمح لها بإنجاز ثورة ظافرة. بما أن تلك النضالات محكوم عليها بالانحدار الدوري، فإن نظرية ترى في تكون ذلك الوعي مجرد نتيجة لتجربة نضال غير منقطع، دون دور مراكم للتجارب، ممركز لها، وذاكرة جماعية للحزب الطليعي، تحكم على هذا التكون بأن يكرّر عمل سيزيف المأساوي.

ينبغي أن نضيف، لإحقاق حق روزا لكسمبورغ، أنه منذ عام 1914، ولاسيما منذ انفجار الثورة الألمانية، فهمت تماما أن تفاضل البروليتاريا الأيديولوجي لا يمكن تخطيه عن طريق اتساع النضالات بالذات. لذا نادت بالتنظيم المنفصلة للطليعة العمالية، وهو مفهوم أدخلته في كتاباتها البرنامجية من مثل “ماذا تريد عصبة سبارتاكوس؟”. يمكن أن نقول إذن أنها أصبحت في هذا الصدد لينينية أيضا، في نهاية حياتها.

 (7)

عندما نتفحص العلاقات “طليعة/جماهير” في الفترة الثورية، يتغير المشهد، وتبدوا ثغرات نقاشات 1902-1903 بوضوح. بصدد تلك الثغرات على وجه الخصوص، أدخل لينين تصحيحات مهمة على نظريته في التنظيم، بعد عام 1905، بعد غشت 1914، وخصوصا عام 1917.

لقد برهنت التجرية التاريخية في الواقع أن وجود حزب اشتراكي-ديموقراطي منظم (إذ استعدنا مصطلح لينين لسني 1902-1903) ليس ضمانا للدور الموضوعي الذي سيلعبه في الأزمة الثورية. لقد قدم لنا التاريخ مثل أحزاب عدة كانت أعلنت طيلة سنوات قناعتها الماركسية، بينما ليست فقط لم تحاول، إبان أزمة ثورية، أن تقود هذه حتى استيلاء البروليتاريا على السلطة، بل حاولت حتى أن تكبح بكل الوسائل الحماس الثوري للبروليتاريا تلك بالذات، لا بل أخذت مبادرة تنظيم انتصار الثورة المضادة بصورة واعية. إن سلوك الاشتراكية-الديموقراطية أثناء الأزمة الثورية بين 1917-1919 هو المثال الأكثر نموذجية على ذلك – لكن ليس الوحيد. إن وصول هتلر إلى السلطة ليس إلاّ النتيجة النهائية لخنق الثورة الألمانية، وهو خنق كانت مسؤولية أمثال نوسكي وإبرت وشيدمان التاريخية فيه مسؤولية ساحقة.

كان تروتسكي وروزا لكسمبورغ قد توقعا ذلك الاحتمال فبل لينين، منذ سنوات 1903-1906. لقد فهما، بتعابير أخرى، أن الجماهير العمالية ذاتها التي كانت، ضمن شروط “انتظام” عمل الرأسمالية، واقعة بشدة تحت تأثير الايديولوجيا البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، يمكنها في أوقات الأزمة الثورية أن تبرهن على مبادرة، إنطلاق ثوري، وقتالية تتخطى إلى حد بعيد تلك التي يتميز بها مناضلون تثقفوا طيلة سنوات بالنظرية الماركسية.

عندما ندقق في حساب تاريخ النضالات الطبقية منذ عام 1914 نجد أنفسنا مجددا أمام هذا الدرس، لا مرة أو اثنين، بل عشرات المرات. إن تعداد كل لائحة الانفجارات الثورية التي تخطى فيها الأحزاب العمالية نشاطُ الجماهير الثوري، إنما يعني وضع جدول بكل الأزمات الثورية التي تتابعت عمليا في البلدان الامبريالية-وبالكثير من الأزمات في البلدان نصف المستعمرة كما في البلدان المستعمرة أيضا.

هل يعني ذلك أن التاريخ برهن على أن المبادرة العفوية للجماهير (بما فيها الجماهير غير المنظمة) هي شرط كاف لانتصارات ثورية وأنه يكفي تصفية “الكوابح المنظمة” من أجل أن نتمكن من ضمان سقوط الرأسمالية؟ كلا إطلاقا. ذلك أن الموازنة التاريخية المزدوجة في هذا الصدد. فمن جهة، أثبتت الجماهير في العديد من المرار أنها “أكثر ثورية” من الأحزاب. لكن هذه الجماهير ذاتها أثبتت كذلك أنها عاجزة عن أن تضمن بذلك قلب الرأسمالية.

في غياب طليعة تنتزع السيطرة السياسية داخل تلك الجماهير وتركز طاقة هذه الأخيرة على أهداف محددة – تدمير جهاز الدولة البرجوازية، الاستيلاء على وسائل الإنتاج وتنظيمها وفقا لنمط مشرَّك السلطة، بناء سلطة جديدة – فإن هجوماتها الأكثر شجاعة وحتى انتصاراتها الأكثر جرأة، تبوء بالفشل. لقد قدمت التجربة الإسبانية لشهر يوليوز 1936 المثل الأكثر مأساوية والأكثر إقناعا في هذا الصدد.

نستخلص بالتالي سلسلة من الخلاصات من هذه الموازنة التاريخية التي تسمح بإيضاح النظرية الينينية في التنظيم، -إيضاح أنجزه لينين بذاته خلال الفترة ما بين 1914-1921.

إنه واضح قبل كل شيء أن الدياليكتيك “جماهير/أحزاب” يتعقد ويتوسع على ضوء الرابع من غشت 1914. يصبح “جماهير -أحزابا لا تتبع خطا ثوريا- أحزابا ثورية”. لم يعد وجود أحزاب ضمانا ضد امتصاص الأيديولوجيا البرجوازية الصغيرة والبرجوازية للطبقة العاملة. على العكس، يمكن أن يصبح ذلك الوجود محرك ذلك الإمتصاص وعربته، كما كانت الحال بالنسبة للاشتراكية-الديموقراطية في البدء، ثم بالنسبة لسلسلة من الأحزاب الشيوعية الجماهيرية (في فرنسا، إيطاليا، اليونان، الخ…) فيما بعد. لم يعد يتعلق الأمر بمعارضة بسيطة وميكانيكية للـ”عفوية” بـ”التنظيم”، بل بالنظر بناء إلى أي الشروط النظرية والعملية يرفع التنظيم وعي البروليتاريا الطبقي، يحرض عداءها حيال المجتمع البرجوازي بمجمله، يُعدُّ تدخلها الكثيف في الأزمات الثورية، باتجاه تعميقها وتعميمها، وتثقيف مناضليه الخاصين به (الطليعة) باتجاه تدخل في الأزمات الموجهة نحو تحويلها إلى ثورات اشتراكية ظافرة.

واضح أن اتساع نشاط الجماهير، إبان أزمات ثورية، لا يسمح بحشر السيرورة التاريخية في العلاقة المتبادلة الوحيدة “أحزاب-جماهير غير منظمة”. إن أي أزمة ثورية في بلد مصنع حتى بصورة نصفية أدّت دائما تقريبا إلى خلق أكثر تنظيم ذاتي للجماهير (سوفياتات، مجالس عمالية)، أجنة السلطة البروليتارية القادمة وأدوات مباشرة لازدواجية سلطة فعلية. إن الوجه الثوري العميق لأجهزة التنظيم الذاتي والحكم الذاتي للجماهير تلك، ناتج عن كونها تطول بالتحديد مجمل البروليتاريا والمستغلين، بما فيهم هذا القسم من بينهم الذي يبقى غير منظم أو غير نشط أثناء الفترات “الهادئة” أو أثناء نضالات طبقية جزئية فقط.

لقد أدرك لينين الأهمية الأساسية لظاهرة السوفياتات متأخرا قليلا عن تروتسكي الذي كان يرى فيها منذ عام 1906 شكل التنظيم العام للثورة الروسية الظافرة المقبلة، وشكل التنظيم العالمي للثورات البروليتارية. إلاّ أنه فهمها عميقا وليس فقط بصورة “إنتهازية” وفي الفترات الثورية وحسب كما يأخذ عليه نقاد معاصرون معادون. ولقد فهم لينين أفضل من تروتسكي الديالكتيك الخاص “سوفياتات-حزب ثوري” الذي لم يستوعبه هذا الأخير بعمق إلاّ عام 1917: إذا كان يستحيل قيام ثورة في بلد مصنع دون تنظيم من النموذج السوفياتي -وهذا لا يستتبع بالطبع أن يكون المصطلح هو ذاته في كل مكان- لمجمل البروليتاريا، فيستحيل كذلك قيام ثورة ظافرة دون أن تكتسب الهيمنة السياسية داخل السوفياتات طليعة منظمة، عبر عمل شرح ودعاية وتحريض لا يكل، دون تأثيرها التنظيمي، التركيزي، على الطاقة الواسعة للجماهير التي تحررت إبان الأزمة الثورية.

إن هذا “الدور القيادي للحزب” لا يستتبع مفهوم الحزب الواحد (الذي يناقض على العكس مفهوم التنظيم السوفياتي. لأن هذا الأخير، بمقدار ما ينبغي أن يكون تنظيم مجمل الشغيلة، ينبغي حتما أن يعكس تنوع مستويات الوعي والانتماء الايديولوجي والتنظيمي للبروليتاريا ذاتها، أي أنه يستتبع التعددية الحتمية للأحزاب العمالية والاتجاهات العمالية)، ولا مفهوم هيمنة يتم كسبها بتدابير إدارية أو قمعية. إن تاريخ الثورة الروسية يثبت ذلك: كان استخدام تدابير من هذا النوع يتناسب دائما بصورة معكوسة مع الهيمنة السياسية التي كان يتمتع بها الحزب البلشفي داخل البروليتاريا والجماهير الأكثر اتساعا. طالما كانت تلك الهيمنة -المكتسبة عن طريق خطه السياسي وقدراته على اقناع الجماهير بذلك الخط- في متناوله، لم يكن عليه أن يلجأ إلى أي تدبير قمعي داخل الطبقة العاملة والتنظيم السوفياتي بالذات (اللهم إلاّ تدابير دفاع ذاتي ضد أولئك الذين فجروا الكفاح المسلح ضد سلطة السوفياتات). إن أي تدبير إداري وقمعي اضطر إلى اتخاذه داخل الطبقة العاملة نتج عن انحدار مسبق لتأثيره السياسي الراجح داخل قطاعات محددة من تلك الطبقة.

يمكن البحث عن أسباب لذلك الانحدار في هذا أو ذاك الخطأ السياسي الذي اقترفه القادة البلاشفة، في فترة محددة أو أخرى؛ إن اللنقاش في هذا الصدد يدوم منذ نصف قرن ولن ينتهي في وقت قريب. لكن أيا يدرس تلك الحقبة التاريخية بحد أدنى من الحس الموضوعي يرى أن من البديهي أن لا تكون الأسباب الأساسية للانعزال التدريجي للبلاشفة داخل الجماهير عامي 1920-1921 تكمن في هذا أو ذاك الوجه الثانوي للوضع أو لسياية لينين، بل في شروط موضوعية كانت تؤدي بدورها إلى سلبية متعاظمة من جانب الجماهير. (من البديهي ألاّ نستخلص من ذلك الاستنتاج المنشفي بأنه كان من الأفضل “عدم الاستيلاء على السلطة في بلد متخلف”، أو الاستنتاج التبريري بالنسبة للستالينية الذي يرى أن “الاشتراكية لم تكن ممكنة البناء في روسيا إلاّ بوسائل بربرية، “إرهابية”. إن كل شيء يتبع الدرجة النسبية لنشاط الجماهير. كان يمكن لسياسة صحيحة للحزب، بعد سنة 1923، أن تطلق ذلك النشاط بقوة).

هنا يمكن التعرف إلى أي درجة يخطئ أولئك الذين على خطى روزا لكسومبورغ عام 1903 -كانت روزا 1917 قد أصبحت أكثر حذرا!- ما يزالون يعتقدون إلى اليوم أن اللجوء إلى نشاط الجماهير هو العلاج التاريخي الوحيد لمخاطر البقرطة المحافظة للحزب. فيما يخص حال الاتحاد السوفياتي على الأقل، سبقت السلبية المتنامية للجماهير (وحتمت إلى حد بعيد) بقرطة الحزب المتنامية. ويمكن الاعتراف للينين بهذه المزيّة التاريخية في أنه لو قرنا درجة نشاط الجماهير في السوفياتات التي قادها البلاشفة سياسيا بدرجته في سوفياتات أخرى، مدة العمل الفعلي للسوفياتات في روسيا بمدة عمل أجهزة من النموذج السوفياتي في البلدان التي لم يكن فيها بلاشفة مهيمنين داخل الطبقة العاملة، فإن وجود حزب ثوري طليعي من النموذج اللينيني و”دوره المهيمن” لا يمكن اعتبارها متناقضين مع منظمة مستقلة للجماهير في أجهزة من النموذج السوفياتي، لا بل إنهما يضمنان لها العكس وجودا أطول وعملا أفضل وأكثر فعالية.

 (8)

إنه لواضح أنه أثناء جدال 1902-1903 بخس لينين تقدير الأخطار التي يمكن أن تولد بالنسبة للحركة العمالية بفعل تشكل بيروقراطية داخلها. كان آنذاك يركز نيرانه على الانتليجنسيا البرجوازية الصغيرة وعلى “التريديونيونيين” ذوي الأفق الضيق. إن روزا لكسمبورغ التي استوعبت في تلك الحقبة جد الغامضة تجربة الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية بصورة أفضل، تمكنت أفضل من لينين أن تتوقع أن يكون الخطر الأعظم الكامن في الاتجاه المحافظ وفي التكيف مع الوضع الراهن لن ينبثق من الانتليجنسيا تلك ولا من التريديونيونيين، بل من الجهاز الاشتراكي-الديموقراطي بالذات. إن هذا الجهاز المركز في منظمات جماهيرية وفي تعويضات الديموقراطية البرجوازية، كان في الواقع قد سبق و”حقق الاشتراكية لحسابه الخاص”. كان سيتبنى توجها محافظا بصورة أساسية، عقلنته ضرورة “الدفاع عن المكتسب”. إن المراجعة والنزعة الاصلاحية تمدان جذورهما المادية والاجتماعية، لا بل الأيديولوجية في كل ذلك. إن “ديالكتيك الفتوحات الجزئية” هذا امتد فيما بعد إلى المستوى العالمي على يد البيروقراطية الستالينية.

على ضوء التجربة التاريخية، أدرك لينين بصورة أفضل بكثير، إنطلاقا من عام 1914، الدور الأساسي الذي تستطيع بيروقراطية المنظمات العمالية أن تلعبه في تحويل تلك المنظمات من أداة لدفع ثورات اشتراكية إلى أداة للدفاع عن الوضع الراهن الاجتماعي. لقد أعطى أهمية سياسية، في نضاله ضد الاشتراكية-الديموقراطية العالمية، لتحليل بقرطتها. أدرك منذ عام 1917 خطر بقرطة أول دولة عمالية وكرّس قسما مهما من سنوات حياته الأخيرة لمصارعة هذا الخطر.

إن لينين، فيما كان يقوم بذلك، رفع هذه المشكلة من الحقل الأيديولوجي (“العادات البيروقراطية”، “الأساليب البيروقراطية”، “الذهنية البيروقراطية”) إلى المستوى الإجتماعي. إن البيروقراطية بالنسبة إليه هي شريحة اجتماعية تدافع عن مصالح اجتماعية محددة (بصورة أساسية في حقل مستوى الأجور، نمط العيش، المداخيل. هذا هو السبب في أنها ليست طبقة اجتماعية، لا تحتل مكانة خاصة وضرورية تاريخيا في سيرورة الإنتاج، كما فعلت، على الأقل في حقبة معينة من تاريخها كل الطبقات الاجتماعية). ومنذ عام 1918، نقل قسما كبيرا من هذا الاستدلال إلى حقل الدولة السوفياتية وإلى النضال ضد التشويه البيروقراطي لتلط الدولة.

لقد أُخذ على لينين ما فحواه أن نموذج تنظيم الحزب الذي نادى به سهّل سيرورة البقرطة في الاتحاد السوفياتي. بما أن هذا المأخذ قد جوبه به عمليا منذ 1902-1903 فهو يأخذ بعد فوات الأوان مظهر تحليل تنبؤي. سبق وأجبنا أعلاه على التنفيد الذي يرى أن لينين نادى بنموذج تنظيم غير ديموقراطي إلاّ أن كل مسألة نموذج التنظيم الممكن للأحزاب العمالية تستحق تحليلا أكثر تفصيلاً.

إذا وضعنا جانبا نادي النقاش أو التجمع اللاشكلي والمنقطع لمجموعة أفراد، فإن التاريخ قدم لنا نموذجين أساسيين لتنظيم الأحزاب العمالية: النموذج المؤسس على الاختيار الفردي للمناضلين، تبعا لمستوى وعيهم الفردي ونشاطهم؛ ونموذج الفروع القائمة على أساس الدائرة الانتخابية، التي تجمع كل أولئك الذين يؤكدون اعتناقهم للمبادئ الاشتراكية. هذان النموذجان، وأحدهما “واسع” والآخر “ذيق”، يوافقات تماما قسمة الاشتراكية-الديموقراطية الروسية بين “مناشفة”، و”بلاشفة”.

أي من هذين النموذجين أثبت أنه الأكثر ديموقراطية؟ نقول على ضوء التجربة التاريخية أن الأول تبقرط بصورة أسرع بكثير مما فعل الثاني، وأن هذا الأخير، تحول كليا في كل حال عبر تبقرطه إلى النموذج الأول.

ليس صعبا أن نفهم أن تجمع عدد كبير من الأعضاء السلبيين -الذين يتغيبون عموما عن الاجتماعات- دون مستوى وعي و”التزام” رفيعين، يمكن تحريكه بصورة أسهل بكثير، على يد جهاز أو ديماغوجيين فرديين، مما هي الحال مع جماعة فعاليين ملتزمين عموما بكل واحد على ضوء المساهمة التي يقدمها للدفاع عن تلك القضية. كلما استوعب حزب “واسع” عناصر سلبية أكثر، كلما سهّل البقرطة. وكلما كان حزب طليعي مؤلفا على وجه الحصر من مناضلين نشاطين كلما كان الضمان أكبر ضد البقرطة. إن ستالين في كل حال، بإغراقه العناصر الواعية والفاعلة ضمن عدد كبير من المنضمين السلبيين، قد سهّل إلى حد بعيد بقرطة الحزب البلشفي بعد موت لينين، -تماما كما كان لينين توجّس في “وصيته” المشهورة.

إن مشكلة بقرطة الحزب العمالي -وهي ظاهرة اجتماعية يسهلها أو يعيقها نموذج تنظيم محدد، لكن ليس هذا الأخير سببه إطلاقا- مرتبط بشكل وثيق بمشكلة الديموقراطية العمالية، أي بإمكانية رقابة الأعضاء على الجهاز، وبلورة خط سياسي تبعا لمصالح الطبقة التي ينبغي الدفاع عنها (وليس لغايات متعلقة بمصالح قطاعية، أو لغايات تبرير ذاتي، وهذا خطر يهدد كل تنظيم في مجتمع مؤسس على الانتاج السلعي وتقسيم العمل الاجتماعي). إن الموازنة التاريخية واضحة في هذا المجال أيضا. كان الحزب البلشفي إبان حياة لينين حزبا حيا وديموقراطيا يختار دوريا نقاشات محتدمة الاتجاهات، تسمح بالتعبير عن آراء غير متفق مع آراء القيادة (أو أكثريتها)، ولا تلقي الحرم على مواقف معارضة، بحيث تسمح للتجربة نحسم التباينات التكتيكية. يمكن التأكيد أن هذا الحزب كان أكثر ديموقراطية، وسمح لنقاشات اتجاهات أكثر منهجية من أي حزب عمالي مهم في التاريخ، -وبالتأكيد من الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية.

صحيح أنه حين كانت عزلة البلاشفة في أقصى درجاتها، إبان إدخال السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب)، اقترح لينين منع التكتلات في الحزب وتم له ذلك. لم يقترح هذا الأمر في كل حال إلاّ لأسباب عارضة وكتدبير عابر، لا كمسألة مبدئية. يمكن التفكير أ هذا القرار كان مخطئا، -وعلى ضوء التاريخ، نعتقد أنه كان كذلك فعلا لأنه سمح لستالين أن يخنق تدريجيا حق الاتجاهات وبالتالي كل ديموقراطية داخلية في الحزب.

لكن الذين يوردون ظافرين هذه “الخطيئة” للينين كمثبتة لـ”خطيئته الأصلية” المزعومة مناهضة للديموقراطية ينسون بسهولة فائقة أنه في الوقت ذاته الذي تطوع فيه لينين لصالح إلغاء حق التكتل أثبت علنا حق المعارض شليابنيكوف بفرض طبع وجهات نظره المعارضة وتوزيعها على حساب الحزب على كل عضو في الحزب، بمئات لآلاف النسخ: دُلُّنا لإذن على حزب اشتراكي-ديموقراطي واحد مورس فيه هذا، ونحن لا نقول منهجيا، بل عرضاً!

وفي المؤتمر العاشر ذاته للحزب الشيوعي الروسي الذي تم فيه اتخاد قرار منع التكتلات، أثبت لينين مجددا بصورة ليست أقل علنية حق الاتجاه، وهو يقف في وجه تعديل تقدم به ريازانوف الذي أراد أن يمنع في المستقبل انتخاب اللجنة المركزية على أساس برامج الاتجاهات. إذا انفجرت تباينات أساسية، لا يمكن منع حسمها أمام مجمل الحزب، هكذا صاح لينين (“الأعمال الكاملة” الجزء 32 ص 267 من الاصدار الألماني، ديتزفرلاغ برلين، 1961). إنه منذ منعت البيروقراطية نقاشات من هذا النوع، وحق الاتجاه هذا، توقف الحزب عن أن يكون الأداة الثورية التي صنعها لينين.

لقد أوردت حجة أخرى أيضا لتبرير “النزعة البيروقراطية الملازمة” لمفاهيم التنظيم البلشفية. أن لينين ذاته اضطر إلى التصدي لـ”جهازه” الخاص به، في كل مرة شرع بانعطاف لاتجاه “الحركة الثورية للجماهير”، وقبل كل شيء في أبريل 1917. إن المدافعين عن هذا التصور ينسون تفصيلا صغيرا: ذلك أنه لم يكن في هذه الدراما التاريخية ثلاثة أشخاص رئيسيين وحسب. البطل “الإيجابي”: الجماهير الثورية؛ و”الخائن”: الجهاز المركزي للحزب، ولينين المتنقل بين تلك وهذا. كان هناك كذلك آلاف المناضلين العماليين البلاشفة. إن الالتزام الحازم لهؤلاء العمال الطليعيين هو الذي سمع لـ”موضوعات أبريل”، التي كتبها لينين، ان تنتصر بتلك السرعة على مقاومة أكثرية اللجنة المركزية، في بداية الثورة الروسية. إن غياب تلك الشريحة الوسطية الحاسمة هو الذي منع لينين من تحقيق النجاح ذاته في عامي 1922-1923، إبان “معركته الأخيرة” ضد ستالين.

ها نحن إذن عدنا إلى مقولة سوسيولوجية، عوضا عن اعتبارات سيكولوجية وأيديولوجية صرفة. إن مقولة الشغيلة الطليعيين هذه، الشغيلة المجسدين للوعي الطبقي للبروليتاريا، شبه الوحيدين في مرحلة تراجع أو ركود للحركة الجماهيرية، الذين يكونون على صلة وثيقة بأكثرية طبقتهم حين تبلغ هذه الحركة الجماهيرية ذاتها مستواها الأرفع، تلك المقولة هي التي تشكل الحلقة المركزية في التصور اللينيني للتنظيم. سوف نوجز هذا التصور بتأكيدنا أنه ينجح في بناء وحدة عناصر التواصل والانقطاع، التربية والتمرين الدائم للمربين، المركزة والديموقراطية، تلك العناصر الملازمة للنضال البروليتاري. إنه يجسد هكذا التراث الأنسى والثوري الأكثر قيمة في التاريخ المعاصر.

« السابق التالي »