بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

نظرية التنظيم، البرنامج الثوري، الممارسة الثورية

بعد الصدمة الشديدة التي تلقاها لينين في الرابع من غشت 1914، قام بالخطوة الحاسمة في هذه المسألة. لم يعد يفهم التنظيم في وظيفته وحسب، بل كذلك في مضمونه. لا يتعلق الأمر فقط بمعارضة “التنظيم عموما بالـ”عفوية” على وجه العموم، وكما فعل لينين في “ما العمل؟” وفي “خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء”. ينبغي من الآن وصاعدا أن يقوم تمييز دقيق، وأكثر بكثير، بين التنظيم المحافظ موضوعيا والتنظيم الثوري نوضوعيا، إنطلاقا من مقاييس موضوعية (البرنامج الثوري، نقل هذا البرنامج إلى الجماهير، الممارسة الثورية، الخ…). ينبغي اعتبار إرادة النضال العفوية لدى الجماهير كأهم من الأعمال الإصلاحية المحافظة للتنظيمات الجماهيرية.

يمكن للمقدسين “الساذجين” للتنظيم أن يزعموا أن لينين التحق بعد عام 1914 بوجهة نظر اللكسمبورغية حول “العفوية” عندما يدافع، في حال الخلاف بين “الجماهير غير المنظمة” والتنظيم الاشتراكي الديموقراطي، عن الأولى ضد الثاني وعندما يتهم الاشتراكيين الديموقراطيين بخيانة الجماهير[43]. أكثر من ذلك، أصبح لينين بفكر مذ ذاك أن الشرط المسبق لتحرر ذاتي للبروليتاريا هو في تحطيم تلك التنظيمات التي أصبحت محافظة[44].

إن التصحيح أو التكملة التي أدخلها لينين عام 1914 على نظريته في التنظيم، لم تكن تعني مع ذلك خطوة إلى الوراء تضفي طابعا مطلقا على العفوية الصرفة، بل خطوة إلى الأمام في التمييز بين حزب ثوري وتنظيم على وجه العموم. مكان اشتراط أن ينمي الحزب وعيا سياسيا لدى الطبقة العاملة، تظهر مذ ذاك الصيغة التالية: إن على الطليعة الثورية مهمة إيقاظ وتنمية معي ثوري في صفوف الشغيلة المتقدمين. إن بناء الحزب الثوري يعني دعم برنامج الثورة الاشتراكية بتجربة النضال لدى أكثرية الشغيلة المتقدمين[45].

إن صحة “الخطة الاستراتيجية” اللينينية بالنسبة للبلدان الامبريالية في أوروبا الغربية اليوم ترتبط إذن مباشرة بمسألة طبيعة المرحلة التاريخية التي نعيش فيها. لا يمكننا، من وجهة نظر المادية التاريخية، أن نستنتج مفهوما عن الحزب من “حالية الثورة” إلا إذا انطلقنا من الفرضية -الصحيحة والقابلة للبرهان بنظرنا- التي تقول إن النظام الرأسمالي العالمي يعيش، منذ الحرب العالمية الأولى، وعلى أبعد تقدير منذ ثورة أكتوبر، مرحلة أزمة بنيوية[46]، ينبغي أن تقود بالضرورة دوريا إلى حالات ثورية. إذا سلكنا على العكس أننا ما نزال إلى الآن في مرحلة صعود للرأسمالية، ينبغي عند ذلك رفض فهم من مثل ذلك على أساس -أنه “إرادوي”، لأن ما هو حاسم في خطة لينين الاستراتيجية، ليس الدعاية الثورية التي ينبعي بالطبع على الثوريين أن يمارسوها حتى في الفترات غير الثورية بل التوجه المتحور حول أعمال ثورية سوف تحدث على المدى القصير أو المتوسط. كانت أعمال كهذه ممكنة أيضا في فترة صعود الرأسمالية (كومونة باريس)، لكنها كانت تظل استثناءات غير ناجحة. إن بنية للحزب مركزة حول الإعداد لانخراط فعال في أعمال من مثل تلك الأعمال لا يعود لها مذ ذاك أي معنى.

إن الفرق بين “حزب عمالي” (من وجهة نظر أعضائه أو حتى ناخبيه) وحزب عمالي ثوري (أو نواب حزب من ذلك النوع) لا يكمن فقط في برنامجه أو وظيفته الاجتماعية الموضوعية -تشجيع لا إضعاف كل الأعمال الجماهيرية الثورية موضوعيا، كما المطالب وأشكال العمل التي تضع موضع الاتهام أسس نمط الانتاج الرأسمالي والدولة البورجوازية- بل كذلك في قدرته على نقل هذا البرنامج بصورة مثقِّفة.

يمكن تحديد المسألة بدقة بالصورة التالية: هل يقتصر خطر إضفاء الاستقلال على الجهاز على المنظمات “العمالية” الانتهازية والإصلاحية، أو أنه يهدد كل منظمة، حتى تلك التي تملك برنامجا وتتبع نهجا ثوريا؟ هل البيروقراطية هي النتيجة المحتومة لكل تقسيم العمل، بما فيه بين “القيادة” و”الأعضاء” في مجموعة ثورية؟ وانطلاقا من ذلك، ألا يمكن القول إن كل تنظيم ثوري، مذ يتخطى اتساعا معينا، محكوم بأن يصير في مرحلة من تطوره وتطور النضالات الطبقية كابحا للتحرر الذاتي للبروليتاريا؟

إذا وافقنا على صحة هذه المحاجة، لا يبقى إلاّ استخلاص نتيجة هي استعباد التحرير الاشتراكي للطبقة العاملة والبشرية جمعاء. لأنه ينبغي اعتبار إضفاء الاستقلال هذا وذلك التشيء، المزعومة حتميتهما، لأي منظمة، كأحد طرفي المأزق الذي يعني طرفه الآخر عند ذلك الإسقاط المحتوم في “الوعي المزيف” البورجوازي لكل الشغيلة غير المنظمين، لكل المثقفين المتقوقعين في ممارسات قطاعية، لكل هؤلاء الذين على هامش الانتاج العام للسوق. إن الممارسة الثورية التي تهدف إلى الوعي الكلي وإلى إغناء النظرية هي وحدها التي تمنع نفاذ “ايديولوجية الطبقة المسيطرة” حتى إلى صفوف ثوريين فرديين. لا يمكن لهذه الممارسة إلاّ أن تكون منظمة وجماعية. إذا كانت المحاجة المذكورة أعلاه صحيحة، فينبغي أن نستنتج منها أن الشغيلة المتقدمين، أكاموا منظمين أو غير منظمين، ينحكمون إذ ذاك بعدم اكتساب وعي طبقي سياسي أو بفقدانه.

إلاّ أن هذه المحاجة هي في الواقع مغلوطة لأنها تماثل بين بدء سيرورة ونتيجتها النهائية؛ لأنها تستنتج بصورة جامدة وقدرية من خطر ضفاء الاستقلال ذلك. ليس هذا قابلا للبرهان، لا بصورة تجريبية ولا على الصعيد النظري. ذلك أن شدة خطر التشويهات البيروقراطية لمنظمة ثورية للطليعة -وبالأحرى لحزب ثوري- لا تتوقف فقط على نزعة إضفاء الاستقلال التي تولدها عمليا كل المؤسسات في المجتمع البرجوازي، لكن كذلك على نزعات معاكسة، كما على سبيل المثال: دمج منظمات ثورية في حركة أممية مستقلة عن المنظمات “القومية” وقادرة على مراقبتها نظريا (ليس عبر جهاز، بل بفضل النقد السياسي)؛ المساهمة في نضال الطبقات وفي المعارك الثورية التي تسمح باختيار دائم للكوادر عبر الممارسة، المحاولة المنهجية لتخطي قسمة العمل بكفالة تبادل متواصل بين المؤسسة والجامعة ومراكز المتفرغين، الضمانات المؤسسية (إنقاص مدخول المتفرغين، الدفاع عن قواعد الديموقراطية الداخلية في المنظمة وعن حرية الاتجاه والتكتل، الخ…).

إن حل هذا التناقض يتوقف على النضال الداخلي بين هذه الاتجاهات، الذي يحكمه هو ذاته عاملان اجتماعيان[47]: من جهة، درجة الامتيازات الاجتماعية التي تقدمها “المنظمة المضفى عليها الاستقلال”.ومن جهة أخرى درجة النشاط السياسي لطليعة الطبقة العاملة. فقط إذا اندترت هذه الأخيرة بصورة حاسمة يتجلى العامل الأول هو الآخر بصورة حاسمة. إن المحاجة بكاملها ترجع إجمالا إلى حشو مضجر: كل ما كانت الطبقة العاملة سلبية، كلما قل عملها النشط من أجل تحررها. لا تبرهن مع ذلك هذه الحاجة في شيء أنه عندما تصبح طليعة الشغيلة أكثر نشاطا، تكون المنظمات الثورية أدوات غير فعالة لتحرير البروليتاريا وأن “حرية اختيارها” يمكن وينبغي أن يحد منها النشاط الذاتي للطبقة (أو جناحها الأكثر تقدما). إن المنظمة الثورية أداة لتحقيق الثورة. والثورات البروليتارية مستحيلة إطلاقا دون نشاط سياسي متنام للطبقة العاملة.

« السابق التالي »