بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية اللينينية في التنظيم

« السابق التالي »

سوسيولوجيا النزعة الاقتصادية والبيروقراطية والعفوية

فيما نحن نشرح كون المفهوم اللينيني عن التنظيم هو في الواقع مفقوم عن حالية الثورة البروليتارية، كنا قد وضعنا الأصبع على اللحظة المركزية للنظرية اللينينية عن الوعي الطبقي البروليتاري: مسألة الذات الثورية في النظام الرأسمالي.

بالنسبة لماركس ولينين (كما بالنسبة لروزا لكسمبوررغ وتروتسكي، وإن كان هاذان لم يستخلصا قبل عام 1914 الاستنتاجات الضرورية) إن الذات الثورية هي الطبقة العاملة الحقيقية، الثورية بصورة كامنة ودورية، كما تشتغل وتفكر وتحيا في النظام الرأسمالي[53]. إن النظرية اللينينية في التنظيم تنبع بصورة طبيعية من هذا التحديد للذات الثورية، لأنه بديهي أنه وفقا لذلك التحديد لا يمكن لتلك الذات إلاّ أن تكون متناقضة، فالبروليتاريا هي من جهة معرّضة لعبودية الأجرة، للعمل المستلب، لتشيء كل العلاقات الانسانية، لتأثير الايديولوجيا البرجوازية الصغيرة، لكنها من جهة أخرى، وبصورة دورية، تحزم أمرها على الانخراط في نضالات طبقية تجذيرية، أو حتى في أعمال ثورية علانية ضد نمط الانتاج الرأسمالي وجهاز الدولة البرجوازية. إن تاريخ النضال الطبقي الحقيقي للمئة وخمسين سنة الماضية يعبر عن نفسه في هذه التموجات الدورية. إنه ببساطة يستحيل علينا أن نصف بصورة ملائمة تطور الحركة العمالية الفرنسية أو الألمانية مثلا خلال المئة سنة الأخيرة، عن طريق النظر إليها بصورة حصرية، إمّا من زاوية “سلبيية متنامية” أو من زاوية “نشاط ثوري غير منقطع”. يتميز هذا التطور بصورة واضحة بوحدة هذين العنصرين، ووحدها التشديدات حينا على هذا الشكل وحينا آخر على ذال، من بين الأشكال المختلفة التي تعبر هذه الوحدة عن نفسها عبرها، قد خضعت لتبدلات مستمرة.

إن الانتهازية والعصبوية، منظورا إليها كموقفين إيديولوجيين، جذورهما النظري في تحديد غير جدلي للذات الثورية. يرى الانتهازيون أن العمل العادي هو الذات الثورية. إنهم محمولون على تقليد مسبقاته بخنوع، على “تأمل دبره بورع ديني” حسب تعبير بليخانوف. إذا كان العامل يهتم بصورة رئيسية بالمسائل الداخلية في المصنع، فإن الانتهازي يُصبح “نقابيا على وجه الحصر”. إذا جرفت العمال زوبعة الحمى الوطنية، يصبح الانتهازي اشتراكيا-وطنيا أو اشتراكيا-امبرياليا. إذا استسلم العمال لدعاية “الحرب الباردة”، يصبح فارسها: “إن الجماهير على حق باستمرار”. إن التعبير الأكثر دعوة للرثاء عن هذه الانتهازية يتجلى في واقع أن البرنامج -حتى الإتخابي- لم يعد مرتكزا على تحليل علمي للمجتمع، لكن على تحقيقات عن الرأي العام. لحسن الحظ فإن الحالة النفسية للجماهير لا تدوم. فإذا كان العمال لا يفهمون اليوم إلاّ بالأمور الداخلية للمصنع، فهم سوف ينزلون إذا إلى الشارع في تظاهرات سياسية. اليوم هم “مع” الدفاع عن الوطن الامبريالي ضد “العدو الخارجي” وغذا سيقرفون من الحرب ويرون العدو الرئيسي في الطبقة المسيطرة في بلادهم. اليوم يقبلون سلبيا بالـ”عمل المتفق عليه”، وغذا سيشهرون الاضراب “البري” ضده. ولأن الأمور هكذا، فإن منطق الانتهازية يقود إلى ما يلي: بعد القيام، في مرحلة أولى، بتبرير الاندماج بالمجتمع البرجوازي بـ”سلوك الجماهير”، يمكن الانقلاب عليه منذ تبدأ تلك الجماهير تتحرك ضد ذلك المجتمع.

أما العصبويون فيختزلون الذات الثورية تماما كما يفعل الانتهازيون، لكن في الاتجاه المعاكس. ففي حين لا يهم الانتهازي إلاّ العامل العادي. أي ذلك الذي يتكيف مع الشروط البرجوازية عن طريق استبطانها، فإن العصبوي، من جهته، لا يريد إلاّ البروليتاري “المثالي”، ذلك الذي يتصرف كثوري. إن العامل الذي لا يتصرف كثوري يتوقف آليا عن أن يكون ذاتا ثورية؛ يصبح “بورجوازيا”. في الحد الأقصى، إن بعض العصبويين كما على سبيل المثال بعض العفويين أقصى اليسار، بعض الستالينيين وبعض الماويين – مستعدون حتى لمماثلة الطبقة العاملة بالطبقة الرأسماليية حالما ترفض الموافقة كليا على أيديولوجيا بدعتهم[54].

إن الموضوعية القصوى -“كل ما يفعله العمال ثوري”- والذاتوية القصوى _”وحده الذي يوافق على مذهبنا هو ثوري”- (أو بروليتاري) تلتقيان في التحليل الأخير حين تنكران الطابع الثوري موضوعيا للنضالات الاجتماعية والسياسية التي تخوضها جماهير درجة وعيها متناقضة. بالنسبة للموضوعيين الانتهازيين ليست تلك النضالات ثورية، لأن “الأكثرية سوف تقترع في الشهر القادم لمصلحة الحزب الاشتراكي الألماني (أو ديغول)”. أما بالنسبة للذاتويين العصبويين فلا علاقة لها بالثورة “لأن الفريق الثوري (أو فريقنا!) ما يزال جد ضعيف”.

ليس صعبا أن نكتشف الأصل الاجتماعي لهذين الاتجاهين. إنه يتناسب مع المثقفين البرجوازيين الصغار -يمثل الانتهازيون بينهم عموما المثقفين المرتبطين بالبيروقراطية العمالية في المنظمات الجماهيرية أو في جهاز الدولة البرجوازي، بينما يمثل العصبويون بالمقابل المثقفين المنحِّين أو التأمليين الصرفين والمقطوعين عن الحركة الحقيقية[55]. في الحالتين، فإن هذا التفكيك للعنصرين الموضوعي والذاتي في الوحدة المتناقضة للذات الثورية يعيد في الواقع الشقاق القديم بين النظرية والممارسة، وهذا الشقاق لا يمكن أن يقود بدوره إلاّ إلى ممارسة انتهازية وإلى “نظرية” لا تفعل غير إعادة إنتاج “وعيهم المزيف” على المستوى الايديولوجي.

إنه في الواقع لغريب أن يكون الكثير من الانتهازيين (ومن بينهم البيروقراطية النقابية) والكثير من المثقفين العصبويين يأخذون بالضبط على الماركسيين الثوريين كونهم مثقفين بورجوازيين صغارا يريدون أن “يخضعوا” الطبقة العاملة[56]. تلعب هذه المسألة كذلك دورا كبيرا في النقاشات التي تدور داخل الحركة الطلابية الثورية، هذا هو السبب في أنه يبدو مفيدا أن نناقش بصورة أدق ما هو الفهم السوسيولوجي للنزعة البيروقراطية، وللنزعة الاقتصادية والعفوية (كما للنزعة الحرفية في مسألة التنظيم).

إن العمل الفكري والعمل اليدوي، التراكم والانتاج تتلاقى في نقاط عدة من المجتمع البورجوازي، وإن على مستويات مختلفة، مثلا في المصنع. إن ما يلخصه المفهوم العام للـ”متقفين”، للـ”بورجوازية الصغيرة المثقفة” أو للـ”مثقفين التقنيين”، يدل في الواقع على عدة نشاطات في نموذج مختلف، علاقاتها بالنضال الطبقي الفعلي متمايزة جدا. يمكن أن نميز بصورة رئيسية المجموعات التالية (لا ندعي بهذا التصنيف بلوغ تحليل شامل):

(1) الوسطاء بحصر المعنى بين الرأسمال والعمل في سيرورة الانتاج، أي “ضباط صف” الرأسمال: الوكلاء والكوادر الآخرون في المؤسسة الذين مهمتهم هي الحرص على انضباط العمل لمصلحة رأسمال المؤسسة.

(2) الوسطاء بين العلم والثقنية، كما بين التقنية والانتاج: مِخبريون، مساعدون علميون، باحثون تكنولوجيون، تقنيو المشاريع، رسامون، الخ. بعكس الفئة (1) لا تجعل هذه الشرائح من نفسها دعامة لامتلاك فائض القيمة؛ إنها تساهم في السيرورة المادية للإنتاج وهي انطلاقا من ذلك أغلب الأحيان ليست مستغلة بل منتجة لفائض القيمة.

(3) الوسطاء بين الانتاج وتحقيق فائض القيمة: مختصون في الإعلان، معاهد دراسات للسوق، علميون يشتغلون في قطاع التوزيع، إختصاصيون في التسويق، الخ.

(4) الوسطاء بين شاري وبائعي السلعة التي تشكلها قوة العمل. نجد هنا في رأس القائمة الموظفين النقابيين وبالمعنى الأوسع، كل موظفي المنظمات الجماهيرية المبقرطة في الحركة العمالية.

(5) الوسطاء بين الرأسمال والعمل في فلك البنية الفوقية، المنتجون الأيديولوجيون (أي أولئك الذين يقوم عملهم على إنتاج الايديولوجيات): قسم من السياسيين البورجوازيين (“مكونو الرأي العام”)، أساتدة بورجوازيون في “العلوم الانسانية”، كما يسمونهم، الصحفيون، قسم من الفنانين، الخ.

(6) الوسطاء بين العلم والطبقة العاملة، المنتجون النظريون، أي المثقفون الذين ينتقدون النظام البورجوازي في كل حقول العلوم الطبيعية والاجتماعية التي ليست مرتبطة مباشرة بالممارسة (تضم هذه الفئة كذلك قسما من الفنانين).

ويمكن إضافة مجموعة سابعة، تشملها في الواقع بشكل جزئي كل المجموعتين الخامسة والسادسة. ففي المجتمعات البورجوازية الكلاسيكية المستقرة، يقع التدريس، كمهنة، ضمن الفئة الخامسة، بسبب سيادة الايديولوجية البرجوازية، وبسبب الميزة الايديولوجية والمطلقة لكل أنواع التدريس المحترف. إلاّ أنه مع نمو الأزمة البنيوية في الثاويات والجامعات الرأسمالية الجديدة، فإن تغييرا يحصل في معاييرها الموضوعية. فمن جهة أولى، تقود أزمة الرأسمالية الجديدة تثار في وجهها التساؤلات بشكل متزايد، ومن جهة أخرى، فإن التعليم لا يقوم بتلقين المبادئ الايديولوجية المطلقة، بقدر ما تقوم بدور الإعداد التكنوقراطي للمثقفين المستقلين (المنتمين إلى الفئتين 2 و3)، لكي يتم استيعابهم في عملية الانتاج. وهذا ما يجعل من الممكن لمثل هذا التعليم أن يرتبط أكثر فأكثر بالتغريب الفردي الذي يعاد إدراكه، بالإضافة إلى النقد الاجتماعي في مجالات متعلقة به (وحتى للنقد الاجتماعي بشكل عام).

ليس صعبا أن نحدد أي قسم من المثقفين يمارس تأثيرا سلبيا على تطور الوعي الطبقي للبروليتاريا: إنهم قبل كل شيء المجموعات (3)، (4)، (5) (ليست المجموعة (1) مأخوذة بالاعتبار، لأنها تقف في كل حال بعيدا عن المنظمات العمالية). إن الأخطر بالنسبة للنشاط الذاتي للبروليتاريا، ولوعيها المستقل، هو الاتحاد الوثيق أو الإندغام بين المجموعتين (4) و(5)، كما حصل على مستوى كبير منذ الحرب العالمية الأولى في الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية وبصورة جزئية في الأحزاب الشيوعية المنحازة لموسكو.

بالمقابل لا يمكن للمجموعتين (2) و(6) إلاّ أن تساهما في تقوية البروليتاريا والمنظمات الثورية، لأنهما تقدمان لها المعارف التي لا غنى عنها لنقد المجتمع البورجوازي ولنجاح عملية قلب البمجتمع هذا. باختصار: لاستعادة وسائل الانتاج على يدي المنجين المتشاركين.

إن أولئك الذين ينفجرون مهددين في وجه التضامن المتنامي بين مجموعات الشغيلة وفئتي المثقفين (2) و(6) يساعدون إذن الفئات (3) و(4) و(5) على تدعيم تأثيرها السلبي على البروليتاريا. لأن الصراعات الطبقية مضاعفة على الدوام بمنازعات أيديولوجية[57]. إنه لفي أقصى الأهمية إذن أن نوضح أي ايديولوجية تنمو داخل البروليتاريا، إذا كنا سنرى نمو ايديولوجية برجوازية صغيرة أو حتى برجوازية، أو النظرية الماركسية. إن من يعارض “كل تأثير فكري من الخارج” على البروليتاريا، ينسى أو يتناسى واقع أن التأثير الذي تمارسه المجموعات (3) و(4) و(5) يفعل باستمرار في البروليتاريا عن طريق المجتم البرجوازي والاقتصاد الرأسمالي، وأن “العفويين” اليساريين لا يمتلكون أي دواء عجائبي لإبعاد تأثير المثقفين البرجوازيين هذا. فالتهجم على نفوذ المثقفين الماركسيين داخل الطبقة العاملة يعني ببساطة السماح لنفوذ المثقفين البورجوازيين بالانتشار من دون ما يعترضه[58]. أكثر من ذلك: عبر معارضة تطوير منظمة ثورية وتثقيف ثوريين بروليتاريين محترفين، يساهم المناشفة و”العفويون” موضوعيا في تأبيد قسمة العمل بين عمل يدوي وعمل ذهني، أي في التبعية للشغيلة إزاء المثقفين وفي بقرطة المنظمات العمالية. ذلك أن العامل المشدود باستمرار إلى مركز عمله في سيرورة الانتاج الرأسمالي، يبقى تابعا على الدوام “للاختصاصيين البرجوازيين الصغار”. بالمقابل، فبمساعدة منظمة ثورية يصبح ممكنا، عن طريق اخراج العمال مؤقتا من المصانع، خطو خطوة حاسمة نحو التحرر الفكري على الأقل للشغيلة المتقدمين والبدء وإن جنينيا بالغاء قسمة العمل داخل الحركة العمالية بالذات.

هذه الملاحظات لا تستفيد مع ذلك مشكلة سوسيولوجية العفوية. ينبغي أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: في أي شريحة من البروليتاريا يشتد أكثر الحذر من المثقفين؟ طبعا في الشرائح التي تتعرض بفعل وضعها الاجتماعي-الاقتصادي أكثر من غيرها إلى نزعات مع العمل الذهني، قبل كل شيء إذن لدى عمال المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يهددها التقدم التقني، لدى أولئك العصاميين الذين خرجوا من وضع الجمهور الواسع بجهدهم الشخصي، ولدى العمال الذين ارتفعوا إلى قمة المنظمات البيروقراطية. بتعابير أخرى، إن القاعدة الاجتماعية للنزعة الاقتصادية والعفوية والبيروقراطية وللعداء للمثقفين داخل الطبقة العاملة مكونة من العمال اليدويين و”الحرفيين” وليس من بروليتاريا المشاريع الكبرى، والمدن الكبرى والفروع الصناعية التي في حالة توسع. هذه الشرائح كانت كذلك دعامات الاشتراكية-الديموقراطية الأكثرية في السنوات الحاسمة للثورة الألمانية ما بين 1919-1923.

من جهة أخرى، وبين عمال المصانع والمدن الكبرى، وعمال الفروع الصناعية الأكثر تقدما تكنولوجيا، فعبر التعطش للمعرفة، والاطلاع الأوسع على العمليات التقنية والعلمية، وفي مواجهة الوقاحة الكبرى في التمرس بمبدأ غلبة القوة سواء في المصنع أو في الدولة، يجد العمال أنفسهم أكثر قابلية لفهم الضرورة الموضوعية لدور المنظرين الثوريين ودور التنظيم الثوري.

تولد الاتجاهات العفوية للحركة العمالية غالبا، لكن ليس دائما، على هذه القاعدة الاجتماعية. كان هذا صحيحا خصوصا بالنسبة للنقابية-الفوضوية في البلدان اللاتينية قبل الحرب العالمية الأولى، كما بالنسبة للمناشفة التي كانت تتخطاها البلشفية كليا في المشاريع المدينية الكبرى، لكن التي كانت تجد دعامتها البروليتارية في المدن الصغيرة بالمناطق المنجمية والنفطية جنوبي روسيا[59]. إن كل المحاولات اليوم لإحياء هذه الايديولوجية “العمالوية”، في عصر الثورة الصناعية الثالثة، بحجة “الاستقلال العمالي” لن تفعل غير تشتيت قوى البروليتاريا المتقدمة، الثورية بالقوة، تماما كما كان يحصل في الماضي، وسوف تشجع المجموعات المتخلفة، نصف الحرفية والمبقرطة في الحركة العمالية، التي تتلقى تأثير الايديولوجيا البورجوازية.

« السابق التالي »