بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية الماركسية في الدولة

« السابق التالي »

الفصل الثاني: الدولة البورجوازية: وجه الواقع اليومي

عبر النضال الذي تخوضه الحركة العمالية، تصبح مؤسسات الدولة البورجوازية أكثر مراوغةً وأكثر تعقيدًا في آنٍ واحد. فقد حل التصويت العام محل التصويت للمالكين وحدهم؛ وأصبحت الخدمة العسكرية إجبارية؛ والجميع يدفعون ضرائب. عندئذٍ يصبح الطابع الطبقي للدولة أقل شفافية. إن طبيعة الدولة كأداة للسيطرة الطبقية تصبح أقل وضوحًا مما خلال عهد البورجوازية الكلاسيكية، عندما كانت العلاقات بين مختلف الجماعات الممارسة لوظائف الدولة واضحة كوضوحها في العهد الإقطاعي تمامًا. ولذا فلا بد لتحليل الدولة الحديثة أن يكون هو الآخر أكثر تعقيدًا بعض الشيء.

أولاً، لنحدد ترتيبًا هرميًّا بين الوظائف المختلفة للدولة.

في هذا العهد والعصر، لا يعتقد أحد باستثناء أكثر الناس سذاجة أن البرلمان هو الذي يحكم فعلاً، وأن البرلمان سيد الدولة القائمة على التصويت العام (غير أن هذا الوهم أكثر انتشارًا في البلدان التي يعد البرلمان فيها مؤسسة جديدة نسبيًّا).

إن سلطة الدولة سلطة دائمة. وهذه السلطة يمارسها عدد معين من المؤسسات المنفصلة المستقلة عن مؤثر، على هذه الدرجة من التغير وعدم الاستقرار، كالتصويت العام. وهذه المؤسسات هي المؤسسات التي يجب تحليلها إذا كنا نريد معرفة أين تكمن السلطة الفعلية: إن “الحكومات تأتي وتذهب، أما البوليس والمديرون فيبقون”.

الدولة، قبل كل شيء، هي هذه المؤسسات الدائمة: الجيش (الجزء الدائم من الجيش – الأركان العامة، القوات الخاصة)، البوليس، البوليس الخاص، البوليس السري، كبار مديري الإدارات الحكومية (الموظفون المدنيون”الرئيسيون”)، أجهزة الأمن القومي، القضاة إلخ – كل ما هو “حرٌّ” من تأثير التصويت العام.

ويجرى تعزيز السلطة التنفيذية باستمرار. وبمقدار ظهور التصويت العام ، وتطور دمقرطة معينة لبعض المؤسسات التمثيلية، وإن كانت دمقرطةً صوريةً تمامًا، فإنه يمكن إظهار أن السلطة الفعلية تنسل من تلك المؤسسات إلى المؤسسات الأكثر ابتعادًا بشكلٍ متزايدٍ باطراد عن تأثير البرلمان.

فإذا كان الملك وموظفوه يفقدون سلسلةً من الحقوق لحساب البرلمان خلال مرحلة صعود البرلمانية، فعلى العكس من ذلك، مع أفول البرلمانية (الذي يبدأ مع كسب حق التصويت العام)، يفقد البرلمان سلسلة متصلة من الحقوق وتعود هذه الحقوق إلى إدارات الدولة الدائمة والثابتة. وهذه الظاهرة ظاهرة عامة في جميع أرجاء أوروبا الغربية. والجمهورية الخامسة الحالية في فرنسا هي الآن أبرز وأتم مثال  لهذه الظاهرة.

فهل ينبغي النظر إلى هذا التحول، هذا الانقلاب، بوصفه مؤامرة شيطانية ضد حق التصويت العام من جانب الرأسماليين الأشرار؟ إن واقعًا موضوعيًّا أعمق بكثير يكمن في الأمر: فالسلطات الفعلية تنتقل من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية، وسلطة الجهاز التنفيذى تتعزز بشكل دائم ومتصل كنتيجة لتغيراتٍ تحدث أيضًا ضمن الطبقة الرأسمالية نفسها.

وقد بدأت هذه العملية خلال الحرب العالمية الأولى في أغلب البلدان المتحاربة ثم استمرت منذ ذلك الحين بلا توقف. بيد أن الظاهرة كانت موجودة في أغلب الأحيان قبل ذلك بكثير جدًّا. وهكذا، ففي الإمبراطورية الألمانية، ظهرت هذه الأولوية للجهاز التنفيذي على الجهاز التشريعي جنبًا إلى جنب ظهور التصويت العام. فقد سلم بسمارك واليونكر بحق التصويت العام من أجل استخدام الطبقة العاملة إلى حد معين كرافعة ضد البورجوازية الليبرالية، ضامنين بذلك (في ذلك المجتمع الرأسمالي من حيث الجوهر) الاستقلال النسبي للسلطة التنفيذية التي يمارسها النبلاء البروسيون.

وتبين هذه العملية بشكل تام جدًّا أن المساواة السياسية هي مساواة مظهرية أكثر من كونها مساواة واقعية، وأن حق المواطن – صاحب حق التصويت ليس أكثر من حق وضع قطعة صغيرة من الورق في صندوق اقتراع كل أربعة أعوام. والحق لا يتجاوز ذلك، كما أنه، قبل كل شيء، لا يصل إلى مراكز اتخاذ القرار والسلطة الفعلية.

الاحتكارات تخلف البرلمان:

كان عصر البرلمانية الكلاسيكية هو عصر المنافسة الحرة. وفي ذلك الوقت، كان البورجوازي الفرد، الصناعي، المصرفي، قويًّا جدًّا كفرد. كان مستقلاًّ جدًّا، حرًّا جدًّا ضمن حدود الحرية البورجوازية، وكان بوسعه المغامرة برأسماله في السوق بأي شكل يحلو له. وفي ذلك المجتمع البورجوازي المشرذم، لعب البرلمان دورًا موضوعيًّا مفيدًا جدًّا، بل ولا غنى عنه، في تصريف الشئون اليومية السهل.

والواقع أنه لم يكن بالإمكان تحديد القاسم المشترك لمصالح البورجوازية إلا في البرلمان. ويمكن تحديد عشرات الجماعات الرأسمالية المنفصلة، وهي جماعات تتعارض فيما بينها بسبب عدد من المصالح القطاعية والإقليمية والطوائفية. ولا يمكن لهذه الجماعات أن تلتقى بشكل منظم إلا في البرلمان (صحيح أنها كانت تلتقي في السوق أيضًا، بيد أنها كانت تلتقي هناك بالسكاكين لا بالكلمات!). ففي البرلمان وحده كان يمكن التوصل إلى خطّ وسط ، خطّ يمكنه التعبير عن مصالح الطبقة الرأسمالية ككل.

فتلك كانت وظيفة البرلمان آنذاك: أن يكون ملتقى مشتركًا يمكن فيه صوغ المصالح الجماعية للبورجوازية. ولنذكِّر بأنه، فى عصر البرلمانية البطولي، لم يكن التوصل إلى تحديد هذه المصلحة الجماعية يتم عن طريق الكلمات والأصوات فقط؛ فقد كانت قبضات الأيدي والمسدسات تستخدم أيضًا. ألم يكن المؤتمر، ذلك البرلمان البورجوازي الكلاسيكي خلال الثورة الفرنسية، يرسل الناس إلى المقصلة بقرار من أتفه أغلبية؟

بيد أن المجتمع الرأسمالي لم يكن ليظل مشرذمًا. فشيئًا فشيئًا، كان بالإمكان رؤيته وهو ينظم نفسه ويحدد هياكله بشكل يتزايد تركيزًا ويتزايد مركزية. فالمنافسة الحرة تضمحل وتخلفها الاحتكارات والتروستات والتجمعات الرأسمالية الأخرى.

السلطة الرأسمالية ممركَزة خارج البرلمان:

الآن تحدث مركزة فعلية لرأس المال المالي والبنوك الكبيرة والجماعات المالية. فإذا كان أناليتيك(3) البرلمان قد عبر عن إرادة البورجوازية البلجيكية منذ قرن مضى، فإنه الآن، قبل كل شيء، تقرير سنوي للسوسيتيه جنرال(4) أو للبروفينا(5)، يُعَدُّ لاجتماعات المساهمين، تتوجب دراسته لمعرفة آراء الرأسماليين الحقيقية. إن هذه التقارير تتضمن آراء الرأسماليين الذين يحسب لهم حسابهم فعلاً، الجماعات المالية الكبيرة المهيمنة على حياة البلد.

وهكذا، فالسلطة الرأسمالية ممركَزة خارج البرلمان وخارج المؤسسات الناشئة عن التصويت العام. وفي مواجهة تركز شديد القوة كهذا (لا نحتاج إلا إلى تذكر أنه في بلجيكا تسيطر عشر جماعات مالية على الحياة الاقتصادية للأمة)، فإن العلاقات بين البرلمان ومسؤولي الحكومة ومفوضي البوليس وأولئك الذين يحوزون على ملايين متعددة، هي علاقة لا تثقلها النظرية إلا قليلاً جدًّا. إنها علاقة مباشرة وعملية جدًّا: إن صلة الوصل هي الدفع.

سلاسل البورجوازية الذهبية المرئية – الدين القومي البرلمان، وبدرجة أكبر، حكومة دولة رأسمالية، مهما كان مظهرها الديموقراطي، مرتبطة بالبورجوازية بسلاسل ذهبية. وهذه السلاسل الذهبية لها اسم – الدين العام.

فأي حكومة لا يمكنها أن تدوم أكثر من شهر من غير الاضطرار إلى طرق أبواب المصارف من أجل تلبية نفقاتها الجارية. وإذا رفضت البنوك، فستفلس الحكومة. وأصول هذه الظاهرة مزدوجة.

فالضرائب لا تَرِدُ إلى الصناديق كل يوم؛ والإيرادات تتركز في فترة واحدة من العام بينما النفقات متصلة. وهذا هو السبب في ظهور الدين العام قصير الأجل. وبالإمكان حل هذه المشكلة بحيلة تقانية أو أخرى. إلا أن هناك مشكلة أخرى – مشكلة أهم بكثير. فجميع الدول الرأسمالية الحديثة تنفق أكثر مما تحصل عليه من إيرادات. وذلك هو الدين العام طويل الأجل الذي يمكن للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى بمنتهى اليسر تمويله بنسبة فائدة باهظة. وهنا تكمن رابطة مباشرة وفورية، رابطة يومية، بين الدولة ورأس المال الكبير.

الهرمية في جهاز الدولة

أما السلاسل الذهبية الأخرى، السلاسل غير المرئية، فهي تجعل جهاز الدولة أداة بيد البورجوازية.

لو درسنا، مثلاً، طريقة اختيار الموظفين المدنيين، لرأينا أنه لابد للمرء من اجتياز امتحان لكي يصبح كاتبًا صغيرًا في وزارة. وهذه القاعدة تبدو ديموقراطية جدًّا بالفعل. ومن ناحية أخرى، فليس بوسع أي شخص أيًّا كان شأنه أن يدخل امتحانًا بالمرة لأي مستوى أيًّا كان. فالامتحان لمنصب سكرتير عام بوزارة أو لمنصب رئيس الأركان العامة للجيش ليس كالامتحان لمنصب كاتب صغير في مكتب حكومي صغير. وللوهلة الأولى يبدو ذلك طبيعيًّا هو أيضًا.

ولكن – لكن بالبنط الكبير- هناك تسلسلاً في هذه الامتحانات يضفي عليها طابعًا انتقائيًّا. فلا بد لك من الحصول على شهادات معينة، ولابد من تلقي دراسات معينة، حتى تتقدم لمناصب معينة، خاصة المناصب المهمة. ومثل هذا النظام يستبعد عددًا هائلاً من الناس، الذين لم يتمكنوا من الحصول على تعليم جامعي أو معادل له، لأن التكافؤ في الفرص التعليمية غير موجود فعلاً. وحتى لو كان نظام امتحانات المتقدمين للخدمة المدنية ديموقراطيًّا على السطح فإنه هو الآخر أداة انتقائية.

مرآة الهرمية فى المجتمع الرأسمالي

هذه السلاسل الذهبية غير المرئية توجد أيضًا في المقابل الذي يحصل عليه أعضاء جهاز الدولة.

إن جميع الأجهزة الحكومية، بما فيها الجيش، تُطَوِّرُ هذا الجانب الهرمي، هذا الهيكل الهرمي الذي يميز المجتمع البورجوازي. ونحن على درجة عالية من التأثر والتشبع بإيديولوجية الطبقة الحاكمة إلى درجة أننا نميل إلى عدم الإحساس بوجود شيء غير طبيعي في حصول سكرتير عام في وزارة من الوزارات على راتب يزيد عشرة أضعاف عن راتب موظف صغير في الوزارة نفسها أو امرأة تنظف مكاتبها. من المؤكد أن الجهد الجسماني الذي تبذله هذه الخادمة النهارية عظيم. أما السكرتير العام للوزارة، فإنه يفكر! – وهو شيءٌ، كما يعرف الجميع، أكثر إرهاقًا بكثير. وبالطريقة نفسها، فإن راتب رئيس الأركان العامة (وهو الآخر شخص يفكر!) أعظم بكثير جدًّا من الراتب الذي يحصل عليه نفر من الدرجة الثانية.

هذا الهيكل الهرمي لجهاز الدولة يقودنا إلى التأكيد على ما يلى: في هذا الجهاز سكرتيرو عموم وجنرالات جيش وأساقفة، إلخ، يتمتعون بمستوى الدخل نفسه ومن ثم يتمتعون بالمستوى المعيشي نفسه الذي تتمتع به البورجوازية الكبيرة، بحيث إنهم يشكلون جزءً من المناخ الاجتماعي والإيديولوجي نفسه. ثم يأتي الموظفون المتوسطون، المسؤولون المتوسطون، الذين هم على الصعيد الاجتماعي نفسه ويتمتعون بالدخل نفسه الذي تتمتع به البورجوازية الصغيرة والمتوسطة.

وأخيرًا يأتي جمهور الموظفين الذين لا ألقاب لهم، الخادمات النهاريات وعمال البلدية، الذين يحصلون في أغلب الأحيان على دخول أقل من دخول العمال الصناعيين. ومن الواضح أن مستوى معيشتهم ينسجم مع مستوى معيشة البروليتاريا.

إن جهاز الدولة ليس أداة متجانسة. إنه ينطوي على هيكل ينسجم كثيرًا جدًّا مع هيكل المجتمع البورجوازى، بهرمية طبقاته والفوارق المطابقة الكائنة بينها.

وهذا الهيكل الهرمي ينسجم مع حاجة فعلية لدى البورجوازية. إنها تود التمتع بأداة يمكنها استخدامها كما تريد. ومن الواضح تمامًا لماذا تحاول البورجوازية منذ زمن طويل، وتحاول بإصرار شديد جدًّا، حرمان عمال الخدمة العامة من حق الإضراب.
هل الدولة مجرد حَكَم؟

هذه النقطة مهمة. ففي مفهوم الدولة البورجوازية نفسه – بصرف النظر عما إذا كانت “ديموقراطية” إلى هذا الحد أو ذاك من حيث مظهرها – هناك مقدمة أساسية، مرتبطة، علاوة على ذلك، بأصل الدولة نفسه: إن الدولة بطبيعتها تظل متناحرة، أو بالأحرى غير متماشية، مع متطلبات المجتمع. فالدولة، بحكم تعريفها نفسه، عبارة عن جماعة من الأشخاص الذين يمارسون الوظائف التي كان يمارسها في البداية كل أعضاء المجتمع. وهؤلاء الأشخاص لا يقدمون عملاً منتجًا وإنما يعيشون على حساب أفراد المجتمع الآخرين.

في الأوقات الطبيعية، ليست هناك حاجة كبيرة إلى كلاب الحراسة. حتى في موسكو، على سبيل المثال، ليس ثمة من يتولى تحصيل أجرة ركوب الباصات: فالركاب يضعون كوبيكاتهم في صناديق داخل الباصات، سواء كان هناك أو لم يكن هناك من يراقبهم. وفي المجتمعات التي يكون مستوى نمو القوى المنتجة فيها منخفضًا، حيث كل إنسان يخوض صراعًا متصلاً مع إنسان آخر حتى يحصل لنفسه على ما يكفيه من الدخل القومي الصغير جدًّا على الجميع، يصبح وجود جهاز رقابي ضخم ضروريًّا.

وهكذا، ففي خلال الاحتلال الألماني [لبلجيكا]، تكاثر عدد من الأجهزة الرقابية المتخصصة (البوليس الخاص في محطات السكك الحديدية، مراقبة المطابع، مراقبة توزيع المواد التموينية، إلخ). ففي فترات كتلك، يكون مجال النزاع من الاتساع بحيث يظهر أنه يستحيل الاستغناء عن وجود جهاز رقابي رهيب.

ولو فكرنا في المشكلة قليلاً، لتبين لنا أن كل الذين يمارسون وظائف الدولة، الذين يشكلون جزءً من جهاز الدولة، هم – بشكل أو بآخر- كلاب حراسة. والبوليس الخاص والعادي كلاب حراسة، ولكن ذلك هو أيضًا شأن جامعي الضرائب والقضاة وجامعي الوثائق في المكاتب الحكومية ومحصلي أجرة ركوب الباصات، إلخ. وباختصار، فإن جميع وظائف جهاز الدولة تنحصر في ما يلي: مراقبة حياة المجتمع والسيطرة عليها لمصلحة الطبقة الحاكمة.

كثيرًا ما يقال إن الدولة المعاصرة تلعب دور الحكَم. وهذا القول يقترب تمامًا مما قلناه لتونا: “رقابة” و”تحكيم”. أليسا الشيء نفسه من حيث الأساس؟

المسألة تستحق تعليقين. أولاً، الحكَم ليس محايدًا. فكما ذكرنا سلفًا. يشكل الرؤساء في جهاز الدولة جزءً لا يتجزأ من البورجوازية الكبيرة. ولهذا فالتحكيم لا يتم في فراغ؛ إنه يتم في إطار صون المجتمع الطبقي القائم. وطبيعي أن بالإمكان تقديم تنازلات من جانب المُحَكِّمين؛ وهذا يعتمد أساسًا على علاقة القوى. لكن الهدف الرئيسي للتحكيم هو صون الاستغلال الرأسمالي بوصفه استغلالاً رأسماليًّا، حتى لو استدعى ذلك المساومة قليلاً حول المسائل الثانوية.

 الدولة – كلب الحراسة، شهادة على فقر المجتمع

ثانياً، الدولة كيان يخلقه المجتمع من أجل مراقبة المسار اليومي للحياة الاجتماعية؛ وهي تخدم الطبقة الحاكمة في صون هيمنة هذه الطبقة. وهناك ضرورة موضوعية لهذا التنظيم، كلب الحراسة، ضرورة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدرجة الفقر، بمقدار النزاع الاجتماعي الموجود في المجتمع.

وبشكل تاريخي، أكثر عمومية، فإن ممارسة وظائف الدولة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود النزاعات الاجتماعية. وهذه النزاعات الاجتماعية، بدروها، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود ندرة معينة في الخيرات المادية والثروات والموارد والإمكانات الضرورية لتلبية المتطلبات الإنسانية. ويجب تأكيد الحقيقة التالية: مادامت الدولة قائمة، فستكون دليلاً على أن النزاعات الاجتماعية (ومن ثم الندرة النسبية للخيرات والخدمات أيضاً) تظل موجودة. ومع اختفاء النزاعات الاجتماعية، فإن كلاب الحراسة، بانعدام فائدتهم وبطفيليتهم، سوف يختفون – ولكن ليس قبل ذلك!. فالمجتمع، في الحقيقة، يدفع لهؤلاء الأشخاص كي يمارسوا وظائف الرقابة، مادام ذلك في مصلحة جزء من المجتمع. غير أنه من الواضح تمامًا أنه عندما لا تعود لأي جماعة في المجتمع مصلحة في ممارسة وظيفة كلب الحراسة، فإن الوظيفة سوف تختفي مع اختفاء فائدتها. وفي الوقت نفسه، ستتلاشى الدولة.

و حقيقة أن الدولة لا تزال موجودة إنما تثبت هي نفسها أن النزاعات الاجتماعية لا تزال موجودة، وأن حالة الندرة النسبية للخيرات تظل العلامة المميزة لتلك الفترة الواسعة في التاريخ الإنساني بين العوز المطلق (وهي الحالة التي كانت موجودة خلال فترة المشاعية البدائية) والوفرة (حالة المجتمع الاشتراكي المقبل). وما دمنا في هذه الفترة الانتقالية التي تغطي عشرة آلاف سنة من التاريخ الإنساني، وهي فترة تشمل أيضًا الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، فإن الدولة سوف تستمر، وسوف تظل النزاعات الاجتماعية مستمرة، وسوف تكون هناك حاجة لأشخاص يفصلون في هذه النزاعات لمصلحة الطبقة الحاكمة.

إذا كانت الدولة البورجوازية تظل من حيث الأساس أداة في خدمة الطبقات الحاكمة، فهل يعني ذلك أن العمال ينبغي ألاَّ يبالوا بالشكل الخاص الذى تتخذه هذه الدولة، ديموقراطية برلمانية، ديكتاتورية عسكرية، ديكتاتورية فاشية؟ كلا على الإطلاق! فكلما تزايدت حرية العمال في تنظيم أنفسهم والدفاع عن أفكارهم، تَسَارع نمو بذور الديموقراطية الاشتراكية المقبلة داخل المجتمع الرأسمالي، وازدادت سهولة مجيء الاشتراكية من الناحية التاريخية. وهذا هو السبب في أن العمال يجب أن يدافعوا عن حقوقهم الديموقراطية ضد أي محاولة وضد كل المحاولات التي تستهدف تقليصها (قوانين حظر الإضرابات، تدشين “دولة قوية”) أو القضاء عليها (الفاشية).


 

« السابق التالي »