بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النظرية الماركسية في الدولة

« السابق التالي »

الفصل الثالث: البروليتاريا فى السلطة

يساعد ما سلف على الإجابة على بعض الأسئلة المتعلقة بالدولة وبالاشتراكية.

هل تحتاج الطبقة العاملة إلى دولة؟

عندما نقول إن الدولة تستمر حتى بداية وخلال المجتمع الانتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية، تظهر مسألة ما إذا كانت الطبقة العاملة تظل بحاجة إلى دولة عندما تستولي على السلطة.

ألا يمكن للطبقة العاملة، بمجرد استيلائها على السلطة، أن تلغي الدولة بين عشية وضحاها؟ لقد أجاب التاريخ بالفعل على هذا السؤال. من المؤكد أن الطبقة العاملة تستطيع، على الورق، التخلص من الدولة. غير أن هذا لن يكون غير إجراء صوري، حقوقي، بمقدار ما أن العمال لم يستولوا على السلطة في مجتمع يكون بالفعل على درجة من الثراء والتمتع بدرجة من الوفرة في الخيرات المادية والخدمات تتيح اختفاء النزاعات الاجتماعية، بوصفها نزاعات اجتماعية، أي بوصفها متمحورة على توزيع هذه المنتجات، وبمقدار اختفاء ضرورة وجود المُحَكِّمين وكلاب الحراسة والبوليس من أجل السيطرة على كل هذه الفوضى، جنبًا إلى جنب اختفاء الندرة النسبية للخيرات. وهذا الشيء لم يحدث قط في الماضي ومن الصعب رجحان حدوثه.

وبمقدار ما أن الطبقة العاملة تستولي على السلطة في بلد لا تزال فيه ندرة جزئية للخيرات أو يوجد فيه قدر معين من الفقر، فهى تستولي على السلطة في وقت لا يمكن للمجتمع فيه بعد أن يعمل دون دولة. وتظل ثمة كتلة من النزاعات الاجتماعية.

ويمكن للمرء دائمًا أن يلجأ إلى موقف منافق، مثلما يفعل بعض الفوضويين: فَلْنُلْغِ الدولة ونُسَمِّ الأشخاص الذين يمارسون وظائف الدولة باسمٍ آخر. ولكن هذه العملية عملية لفظية خالصة، فهي “إزالة” ورقية للدولة. ومادامت هناك نزاعات اجتماعية، فإن هناك حاجة فعلية لأشخاص ينظمون هذه النزاعات. والحال أن الأشخاص الذين ينظمون النزاعات هم الذين يقصد بهم الدولة. ومن المستحيل على البشرية ، جماعيًّا ، تنظيم النزاعات في ظرف يتميز بالتفاوت الفعلي وبالعجز الفعلي عن تلبية متطلبات الجميع.

المساواة في الفقر

ثمة اعتراض يمكن طرحه ضد ما نقول، ولو أنه اعتراض فارغ إلى حدٍّ ما، ولم يعد يردده سوى القليل من الناس. يمكن تخيل مجتمع يرتبط فيه إلغاء الدولة بخفض المتطلبات الإنسانية؛ وفي مجتمع كهذا يمكن إقامة المساواة التامة، التي لا يمكن أن تكون، بداهة، غير مساواة في الفقر.

وهكذا فإذا استولت الطبقة العاملة على السلطة غدًا في بلجيكا، فإن الجميع سيجدون خبزهم وزبدتهم، بل وما هو أكثر من ذلك بقليل.

غير أنه من المستحيل تجاهل المتطلبات الإنسانية التي خلَّفها تطور القوى المنتجة تجاهلاً مصطنعًا – فهي احتياجات ظهرت كنتيجة لبلوغ المجتمع درجة معينة من التطور. وعندما يكون إنتاج سلسلة بأكملها من الخيرات والخدمات غير كافٍ لتغطية متطلبات الجميع، فإن حظر هذه الخيرات والخدمات سوف يكون عقيمًا في جميع الأحوال. فمثل هذا الحظر لن يكون من شأنه غير خلق ظروف مؤاتية لسوقٍ سوداء وللإنتاج غير المشروع لهذه الخيرات.

وهكذا، فإن كل شِيَع الشيوعية التي حاولت، خلال العصور الوسطى والأزمنة الحديثة، تنظيم مجتمع شيوعي كامل فورًا، يرتكز على المساواة التامة بين أفراده، قد حظرت إنتاج السلع الكمالية، وأسباب الراحة العادية – بما في ذلك الطباعة! وقد فشلت كل هذه التجارب لأن الطبيعة الإنسانية لا تسمح بكبت بعض المتطلبات كبتًا مصطنعًا، عندما يحس بها إنسان. والحال أن سافونارولا(6)، وهو يدعو إلى التوبة والتقشف، كان يندد بالترف ويطالب بحرق كل اللوحات التصويرية؛ غير أنه لم يكن بوسعه أن يمنع هذا الفاسد أو ذاك من عشاق الجمال من مزاولة الرسم سرًّا.

فمشكلة توزيع مثل هذه المنتجات “غير المشروعة”، التي ستصبح في ذلك الحين أندر بكثير من ذي قبل، سوف تظهر مع ذلك من جديد بصورة حتمية.

مراهنة البروليتاريا

ثمة اعتبار آخر، ولو أنه أقل أهمية، ينبغي إضافته إلى ما قلناه في بداية هذا الفصل.

عندما تصعد البروليتاريا إلى السلطة، فإنها تفعل ذلك في ظروف خاصة جدًّا، تختلف عن الاستيلاء على السلطة من جانب أي طبقة اجتماعية سابقة أخرى. ففي مجرى التاريخ، عندما كانت كل الطبقات الاجتماعية الأخرى تستولي على السلطة، كانت تتمتع قبل أن تفعل ذلك فعلاً بالسلطة الفعلية في المجتمع – الاقتصادية والثقافية والأدبية – وليس هناك مثال واحد، قبل مثال البروليتاريا، على صعود طبقة اجتماعية إلى السلطة في وقت لا تزال فيه مضطهدة من الناحية الاقتصادية والثقافية والأدبية. وبعبارة أخرى، فإن التسليم بأن بوسع البروليتاريا الاستيلاء على السلطة هو مراهنة تقريبًا، لأن هذه البروليتاريا، كطبقة اجتماعية في النظام الرأسمالي، هي، جماعيًّا، مسحوقة، ولا تجد سبيلاً إلى تطوير إمكانياتها الخلاقة تطويرًا كاملاً. فنحن لا يمكننا أن نطور كليًّا ملكاتنا الثقافية والأدبية ونحن نعمل ثماني أو تسع أو عشر ساعات يوميًّا في ورشة أو مصنع أو مكتب. وهذا هو ما لايزال عليه الوضع البروليتاري اليوم.

والنتيجة أن سلطة الطبقة العاملة، عندما تصعد إلى السلطة، هي سلطة معرضة للسقوط إلى حد بعيد. ففي مجالات عديدة، ينبغي الدفاع عن سلطة الطبقة العاملة ضد أقلية سوف تواصل، طوال فترة انتقالية بأكملها، التمتع بمزايا هائلة في المجال الثقافي وفي ممتلكاتها المادية – على الأقل في نصيبها من السلع الاستهلاكية – بالمقارنة مع الطبقة العاملة.

إن الثورة الاشتراكية العادية تصادر ممتلكات البورجوازيين الكبار كملاك لوسائل الإنتاج؛ غير أنها لا تجرد الملاك البورجوازيين من ثرواتهم المتراكمة أو شهاداتهم. وهي بالأحرى لا يمكنها مصادرة عقولهم ومعارفهم: فخلال كامل الفترة السابقة على استيلاء الطبقة العاملة على السلطة، كانت البورجوازية هي المتمتعة باحتكار حصريٍّ تقريبًا في مضمار التعليم.

وهكذا، في مجتمع تتمتع فيه البروليتاريا بالسلطة لتوها (السلطة السياسية، سلطة الناس المسلحين)، فإن روافع عديدة للسلطة الفعلية تكون وتظل في أيدي البورجوازية – وبتعبير أدق، في أيدى جزء من البورجوازية، يمكن تسميته بالإنتلجنتسيا أو البورجوازية المثقفة والتكنولوجية.

السلطة العمالية والتقانيون البورجوازيون

لقد واجه لينين بعض التجارب المرة في هذا الصدد. والواقع، أنه يمكن إثبات أنه أيًّا كانت كيفية النظرة التي ينظر بها المرء إلى المشكلة، وأيًّا كانت القوانين والمراسيم والمؤسسات المشتَرَعَة، فإنه إذا كانت هناك حاجة للأساتذة وكبار الموظفين والمهندسين والتقانيين المدربين تدريبًا راقيًا على كل مستويات الجهاز الاجتماعي، فإن من الصعب جدًّا وضع بروليتاريين في هذه المناصب فورًا – بل وحتى بعد خمس أو ست سنوات من الاستيلاء على السلطة.

وخلال السنوات الأولى للسلطة السوفييتية، قال لينين، المسلح بصيغة صحيحة نظريًّا، وإن كانت ناقصة بدرجة طفيفة: إن التقانيين يعملون الآن لحساب البورجوازية، وغدًا سيعملون لحساب البروليتاريا؛ ومقابل ذلك سيحصلون على رواتبهم، وإذا لزم الأمر، فسوف يُرغَمون على العمل.

والشيء المهم هو إخضاعهم لرقابة العمال. إلا أنه بعد سنوات قليلة من ذلك، قبل وفاته بقليل، تساءل لينين، وهو يستخلص نتيجة هذه التجربة: من يراقب من؟ هل يراقب الشيوعيون الخبراء، أم أن العكس هو ما يحدث؟

وعندما نشتبك بهذه المسألة يومًا بعد يوم وبشكل ملموس في البلدان المتخلفة، عندما نعرف ما الذي تعنيه عمليًّا في بلد كالجزائر، يتضح لنا تمامًا أن هذه المشكلة مشكلة يسهل حلها تمامًا على الورق بقليل من الصيغ السحرية، غير أن الأمر يختلف تمامًا عندما يتعين حل المشكلة في بلد فعلي، في حياة فعلية. فهي في بلد كالجزائر، مثلاً، تعني الرقابة الكاملة؛ فامتياز التعليم الجامعي (وأي نوع من التعليم) لاتحوز عليه غير أقلية تافهة من المجتمع، في حين أن الجمهور الواسع من الشعب، الذي ناضل ببطولة من أجل الاستقلال، يجد نفسه، عندما يصل الأمر إلى ممارسة السلطة، مواجَهًا بافتقاره إلى المعارف، المعارف التي يتعين عليه الآن فقط الشروع في اكتسابها. وهو يجد نفسه، إلى أن يحقق ذلك، مضطرًّا إلى أن يسلم القلة المتعلمة كل السلطة التي ناضل من أجلها بهذه الدرجة من البطولة وفاز بها.

والتجربة الأكثر بطولية في هذا المجال، التجربة الأكثر جذرية والأكثر ثورية في كامل التاريخ الإنساني، هي التجربة التي بدأت بها الثورة الكوبية. فالثورة الكوبية التي استخلصت الدروس من كل تجارب الماضي المتنوعة، قد بدأت بحل هذه المشكلة على نطاق واسع وفي أقصر وقت بتنفيذ حملة تعليمية استثنائية من أجل تحويل عشرات الآلاف من العمال والفلاحين الأميين إلى عديد من المدرسين والأساتذة وطلاب الجامعات – وفي أقصر وقت. وفي نهاية خمس أو ست سنوات من العمل، تحققت نتائج باهرة.

ومع ذلك، فإن مهندسًا واحدًا أو مهندسًا زراعيًّا واحدًا في مقاطعة تضم عشرة آلاف من العمال، يمكنه في الممارسة العملية أن يصبح، على الرغم من الروح الثورية الرائعة التي يتحلى بها الشعب الكوبي، سيد المقاطعة، إذا كان يتمتع باحتكار للمعارف التقانية الحيوية بالنسبة للمقاطعة. وهنا، مرة أخرى، يتمثل الحل الزائف في الرجوع إلى مستوى من البساطة لا تعود فيه حاجة إلى التقانيين.

وهذه يوتوبيا رجعية.

الدولة، حارسة السلطة العمالية

كل هذه المصاعب تشير إلى ضرورة ممارسة البروليتاريا، الطبقة الحاكمة الجديدة، لسلطة الدولة ضد كل الذين قد يسلبون السلطة منها، سواء شيئًا فشيئًا أم مرة واحدة. فالبروليتاريا لابد لها من ممارسة سلطة الدولة في هذا المجتمع الجديد والانتقالي الذي تملك فيه السلطة السياسية والروافع الأساسية للسلطة الاقتصادية، والذي تكبحها فيه مع ذلك مجموعة بأكملها من مظاهر الضعف والأعداء الجدد. هذا هو الواقع الذي يحتم على الطبقة العاملة الاحتفاظ بدولة بعد استيلائها على السلطة والذي يجعل من المستحيل  إزالة الدولة بين عشية وضحاها. غير أن هذه الدولة العمالية يجب أن تكون من نوع خاص جدًّا.

طبيعة الدولة البروليتارية وخصائصُها

الطبقة العاملة، بحكم وضعها الخاص في المجتمع (الذي وصفناه لتونا)، ملزمة بالاحتفاظ بدولة.

غير أنه للاحتفاظ بسلطة هذه الدولة، لابد لهذه الدولة من أن تكون مختلفة جذريًّا عن الدولة التي حفظت في السابق سلطة البورجوازية أو سلطة الطبقة الإقطاعية أو سلطة مُلاَّك العبيد. فالدولة البروليتارية هي، في آن واحد وفي وقت واحد، دولة ولا دولة. إنها تصبح أقل فأقل من دولة. فهي دولة تبدأ في التلاشي بمجرد ميلادها، كما قال ماركس ولينين عن حق. فماركس، وهو يطور نظرية الدولة البروليتارية، نظرية ديكتاتورية البروليتاريا كما سماها، الدولة التي تتلاشى، قد أعطاها خصائص عديدة، وجدت أمثلة لها في كومونة باريس عام 1871. وهناك ثلاث خصائص جوهرية:

(1)غياب الفصل المميز بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ثمة حاجة لأجهزة تسن القوانين وتنفذها في الوقت نفسه. باختصار، من الضروري العودة إلى الدولة التي وُلِدت من المشاعية البدائية للعشيرة والقبيلة، والتي يمكن أيضًا مقابلتها في الجمعية الشعبية الأثينية القديمة.

هذا له أهميته. إنه أفضل سبيل إلى الحد، بأكثر درجة ممكنة، من نطاق الهوة القائمة بين السلطة الفعلية، أي بين السلطة المتركزة تركزًا متزايدًا في أيدي الأجهزة الدائمة، والسلطة التي تتزايد صورية والتي تتمتع بها الجمعيات التداولية. وهذه الهوة خاصية من خصائص البرلمانية البورجوازية. ولا يكفي الاستعاضة عن جمعية تداولية بجمعية أخرى، إذا كان أي شيء لا يصيبه تغير جوهري من حيث وجود هذه الهوة. فالجمعيات التداولية يجب أن تتمتع بسلطة تنفيذية فعلية.

(2) شغل الوظائف العمومية عن طريق الانتخاب أساسًا. لا يجب للانتخاب أن يقتصر على انتخاب أعضاء الجمعيات التداولية. فالقضاة وكبار الموظفين وضباط المليشيا ومفتشو التعليم ومديرو الأشغال العامة يجب أن يكونوا منتخبين هم أيضًا، وقد يسبب ذلك نوعًا من الصدمة للبلدان ذات التقاليد النابوليونية مفرطة الرجعية. غير أن عددًا من البلدان الديموقراطية البورجوازية المميزة-، كالولايات المتحدة أوسويسرا أوكندا أو استراليا مثلاً، قد احتفظت بالطابع الانتخابي لعدد معين من الوظائف العامة. وهكذا، ففي الولايات المتحدة، يُنتخب الشريف من جانب مواطنيه.

وفي الدولة البروليتارية، ينبغي أن يصحب هذا الانتخاب للموظفين العموميين في جميع الحالات حق سحب الثقة، أي خلع الموظفين غير الأكفاء من مناصبهم في أي وقت.

وهكذا، فالرقابة الدائمة والشاملة من جانب الشعب على أولئك الذين يمارسون وظائف الدولة يجب أن تتوفر، ويجب التقليل قدر الإمكان من الانفصال بين أولئك الذين يمارسون سلطة الدولة وبين أولئك الذين تُمارس باسمهم. وهذا هو السبب في أنه من الضروري ضمان وجود تغيير مستمر بين صفوف الموظفين المنتخبين، لمنع الأشخاص من البقاء في الوظيفة بصورة دائمة. فوظائف الدولة يجب أن تُمارس على نطاق متزايد الاتساع من جانب الجماهير كلها بصورة تناوبية.

(3) غياب الرواتب المفرطة. إن أي موظف أو أي عضو في الأجهزة التمثيلية والتشريعية وأي فرد يمارس سلطة دولة، لا يجب أن يحصل على راتب أعلى من أجر عامل ماهر. فهذه هي الطريقة الصحيحة الوحيدة لمنع الناس من السعي إلى وظيفة عامة كسبيل للثراء والتطفل على المجتمع، وهي الطريقة الصحيحة الوحيدة للتخلص من الوصوليين والطفيليين الذين عرفتهم كل المجتمعات السابقة.
وهذه القواعد الثلاث مجتمعةً تشرح تفكير ماركس ولينين عن الدولة البروليتارية شرحًا جيدًا.

فهذه الدولة لا تشبه أيًّا من سابقاتها، لأنها الدولة الأولى التي تبدأ في التلاشي بمجرد ظهورها؛ لأنها دولة يتألف جهازها من أشخاص ليسوا مميزين بالنسبة إلى جمهور المجتمع؛ لأنها دولة يمارس وظائفها بشكل متزايدٍ باطراد أعضاء المجتمع ككل، الذين يواصلون تناوب وظائف أحدهم الآخر؛ لأنها دولة لا تعني مجموعة من الأشخاص المنفصلين عن الجماهير والذين يمارسون الوظائف بشكل منفصل ومنعزل عن الجماهير، وإنما هي، على العكس من ذلك، غير متمايزة عن الشعب، عن الجماهير العاملة؛ لأنها دولة تتلاشى مع الطبقات الاجتماعية والنزعات الاجتماعية والاقتصاد النقدى والإنتاج السلعي والسلع والنقود، إلخ. وهذا التلاشي للدولة ينبغي النظر إليه بوصفه تسييرًا ذاتيًّا وتدبيرًا ذاتيًّا من جانب المنتجين والمواطنين، يتزايد اتساعًا حتى يصبح المجتمع مبنيًّا من جماعات تتمتع بالتدبير الذاتي، من جماعات إنتاجية – استهلاكية تحكم نفسها بنفسها، في ظروف الوفرة المادية وفي ظروف مستوى ثقافي رفيع لكامل المجتمع.

ماذا عن الاتحاد السوفييتي؟

عندما ننظر إلى تاريخ الاتحاد السوفييتي في السنوات الثلاثين الماضية، نجد أن الاستنتاج الذي ينبغي استخلاصه بشأن الدولة بسيط: دولة ذات جيش دائم، دولة يمكن أن يوجد فيها ماريشالات ومديرو مشروعات، بل وكتاب مسرحيات وباليرينات يحصلون على خمسين ضعفًا لما يحصل عليه عامل يدوي أو شغيل خادم؛ حيث ترسخ مبدأ انتقائي هائل لبعض الوظائف العامة، يجعل تقلد هذه الوظائف مستحيلاً من الناحية العملية على الأغلبية الغالبة من السكان؛ وحيث تُمارَس السلطة الفعلية من جانب لجان صغيرة من الأشخاص الذين تتجدد فترات عملهم بأساليب غريبة والذين تظل سلطتهم ثابتة ودائمة لفترات تاريخية طويلة – من الواضح أن دولة كهذه، ليست في عملية تلاشٍ.

لماذا؟

تفسير ذلك بسيط. ففي الاتحاد السوفييتي، لم تتلاش الدولة لأن النزاعات الاجتماعية لم تتلاش والنزاعات الاجتماعية لم تتلاش لأن درجة تطور القوى المنتجة لم تسمح بهذا التلاشي – لأن ظرف شبه الندرة الذي يميز حتى أكثر البلدان الرأسمالية تقدمًا لا يزال يميز الوضع في الاتحاد السوفييتي.

ومادامت ظروف شبه الندرة هذه موجودة، فلا مفر من وجود مراقبين وكلاب حراسة وبوليس خاص. وطبيعي أن هؤلاء الأشخاص، في دولة بروليتارية، من شأنهم أن يخدموا قضيةً أفضل، على الأقل بمقدار دفاعهم عن الاقتصاد الاشتراكي. غير أنه لابد أيضًا من الاعتراف بأنهم معزولون عن جسم المجتمع، بأنهم طفيليون إلى حد بعيد. ويرتبط اختفاؤهم ارتباطًا مباشرًا بمستوى تطور القوى المنتجة، القادر وحده على السماح بتلاشي النزاعات الاجتماعية وبإلغاء الوظائف المتصلة بهذه النزاعات.

وبمقدار تزايد احتكار ممارسة السلطة السياسية من جانب كلاب الحراسة هؤلاء، هؤلاء المراقبين، فإنه من الواضح أنه بهذا المقدار يمكنهم ضمان امتيازات مادية متزايدة وحصص مصطفاة في الندرة النسبية التي تحكم التوزيع. وهم بهذا الشكل يشكلون بيروقراطية مميزة لا تطالها رقابة العمال وميالة إلى الدفاع عن امتيازاتها أولاً وقبل كل شيء.

حجة الـ “كوردون سانيتير”(7)

دائمًا ما يستشهد أولئك الذين يعترضون على الانتقادات السابقة بالمخاطر الناشئة عن الحصار الذي تضربه الرأسمالية. وتذهب هذه الحجة إلى ما يلي: مادام الخطر الخارجي موجودًا، فلا بد من وجود دولة، كما قال ستالين، ولو لمجرد الدفاع عن البلد ضد العداوة التي تحاصره.

هذه الحجة تستند إلى سوء فهم. فالشيء الوحيد الذي يمكن أن يثبته وجود حصار رأسمالي خطير هو ضرورة التسليح ووجود مؤسسة عسكرية، غير أن هذا لايبرر وجود مؤسسات عسكرية منفصلة ومعزولة عن جسم المجتمع. فوجود مؤسسات عسكرية كهذه، منفصلة عن المجتمع ككل، يشير إلى أنه لا يزال يوجد داخل هذا المجتمع قدر كبير من التوتر الاجتماعي يمنع الحكومات من السماح لنفسها بترف تسليح الشعب؛ ويجعل القادة خائفين من الثقة بالشعب في حل مشكلات الدفاع الذاتي العسكرية بطريقته. وبوسع الشعب أن يفعل ذلك إذا كان المجموع يملك فعلاً تلك الدرجة من التفوق غير العادي التى يملكها مجتمع اشتراكي حقًّا بالمقارنة مع المجتمع الرأسمالي.

والواقع أن مشكلة البيئة الخارجية هي مجرد وجه ثانوي لظاهرة أكثر عمومية بكثير: إن مستوى تطور القوى المنتجة، مستوى الازدهار الاقتصادي للبلاد هو أدنى من المستوى الذي لابد من توفره حتى يتحول المجتمع إلى مجتمع اشتراكي. وقد ظل الاتحاد السوفييتي مجتمعًا انتقاليًّا يماثل مستوى تطور قواه الإنتاجية مستوى تطور القوى الإنتاجية لمجتمع رأسمالي متقدم. ولذا فعليه القتال بأسلحة مماثلة. ولأن الاتحاد السوفييتي لم يلغ  النزاعات الاجتماعية، فلابد له من الاحتفاظ بجميع أجهزة مراقبة السكان ومتابعتهم، ولابد له، نتيجة لذلك، من أن يحتفظ بالدولة، بل أن يعززها، بدلاً من السماح لها بالتلاشي. ولأسباب خاصة عديدة، فقد أدى ذلك إلى توليد تشوهات وانحطاطات بيروقراطية في هذا المجتمع الانتقالي، ألحقت بقضية الاشتراكية أضرارًا جسيمة، خاصة بمقدار ربط صفة “الاشتراكية” بالمجتمع السوفييتي خوفًا من قول الحقيقة: نحن لازلنا فقراء جدًّا ومتخلفين جدًّا بحيث لا يمكننا خلق مجتمع اشتراكي حقيقي. وبمقدار رغبتهم في استخدام صفة “الاشتراكية” مهما كان الثمن، من أجل اعتبارات دعائية، فإن عليهم الآن أن يفسروا وجود أشياء مثل التصفيات “الاشتراكية” ومعسكرات الاعتقال “الاشتراكية” والبطالة “الاشتراكية” والانتهاكات “الاشتراكية” لحقوق الأقليات القومية، إلخ. ، إلخ.

ضمانات ضد البيروقراطية

ما الضمانات التي يمكن إدخالها في المستقبل لتجنب النمو غير الطبيعي للبيروقراطية الذي ظهر في الاتحاد السوفييتي؟

1 ـ المراعاة الصارمة للقواعد الثلاث المذكورة أعلاه والخاصة ببدء تلاشي الدولة العمالية (خاصة القاعدة التي تحد من رواتب جميع المديرين – الاقتصاديين والسياسيين).

2 ـ المراعاة الصارمة للطابع الديموقراطي لإدارة الاقتصاد: انتخاب لجان عمالية للتسيير الذاتي في المشروعات؛ انتخاب مؤتمر للمنتجين (“مجلس اقتصادي أعلى”) من جانب هذه اللجان، إلخ. وفي التحليل الأخير، فإن من يسيطرون على الناتج الاجتماعي الفائض يسيطرون على المجتمع كله.

3 ـ المراعاة الصارمة للمبدأ القائل بأنه إذا كان على الدولة العمالية بالضرورة تقييد الحريات الأساسية لكل الأعداء الطبقيين المعارضين لمجيء الاشتراكية (وهو تقييد يجب أن يتناسب مع عنف مقاومتهم)، فإنها في الوقت نفسه يجب أن توسع هذه الحريات نفسها بالنسبة لجميع العمال: حرية كل الأحزاب التي تحترم الشرعية الاشتراكية؛ حرية الصحافة لجميع الصحف التي تفعل الشيء نفسه؛ حرية الاجتماع؛ وتشكيل المنظمات؛ والتظاهر بالنسبة للعمال – دون أى قيود؛ الاستقلال الفعلي للنقابات عن الدولة، مع الاعتراف بحق الإضراب.

4 ـ احترام الطابع الديموقراطي والعام لكل الجمعيات التداولية وحريتها الكاملة في النقاش.

5 ـ احترام مبدأ التقيد بقانون مكتوب.

النظرية والممارسة العملية

لأكثر من نصف قرن والنظرية الماركسية المتعلقة بتلاشي الدولة أتم ما تكون من حيث تطورها. وليس غائبًا في بلجيكا غير تفصيل صغير واحد، وهو تفصيل لابد لنا من أن نتمه – وضع هذه النظرية موضع التطبيق.


 

« السابق التالي »