بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إنجلز وأصل المجتمع البشري

التالي »

مقدمة للمؤلف


تتضافر وجهات النظر المؤيِّدة للاشتراكية دائما مع وجهات النظر المتعلقة بأصل البشر والمؤسسات الاجتماعية. وينظر الاشتراكيون إلى استغلال بعض الناس لبعضهم الآخر، ووجود دولة قمعية، وخضوع النساء للرجال فى الأسرة النووية على أنها نتاجات للتاربخ البشرى. أما خصومنا فإنهم ينظرون إليها على أنها نتيجة الطبيعة البشرية.

وهذا هو السبب فى أنه عندما قام ماركس Marx و إنجلس Engels فى بداية الأمر بصياغة أفكارهما، قاما بذلك عن طريق تطوير فهم جديد تماما للطريقة التى يرتبط بها البشر بالعالم من حولهم. وينطوى هذا على رفض الطريقتين السائدتين للنظر إلى هذه العلاقة: المثالية idealism التى تنظر إلى البشر على أنهم نصف آلهة، خاضعين لإرادة الإله ومنفصلين تماما عن عالم الحيوان؛ والمادية الفجة crude materialism التى تعتقد أن البشر ليسوا أكثر من آلات أو حيوانات، فإما أنهم يقومون ببساطة بردود أفعال على منبهات من العالم الخارجى (وهذا ما يسمى فى الوقت الحاضر بوجه عام ﺒ “السلوكية” behaviourism)، أو أنهم مبرمجون بيولوچيًّا على ممارسة حياتهم بطرق بعينها (وهذا ما يسمى فى الوقت الحاضر ﺒالسوسيوبيولوچيا” [علم البيولوچيا الاجتماعية] sociobiology)(1).

وقد قدم ماركس و إنجلس نظرتهما الخاصة فى بداية الأمر فى الأيديولوچية الألمانية The German Ideology وموضوعات عن فويرباخ Theses on Feuerbach فى 45-1846. ونظرا إلى البشر على أنهم نتاجات العالم البيولوچى الطبيعى، وإلى التاريخ على أنه جزء من التاريخ الطبيعى. غير أنهما نظرا أيضا إلى الطابع النوعى للبشر على أنه يكمن فى قدرتهم على ممارسة ردود أفعالهم على الظروف التى كانت قد خلقتهم، مُغَيِّرين كلا من تلك الظروف وأنفسهم فى سياق هذه العملية. وكانت معرفة كل من التاريخ الطبيعى والتاريخ البشرى ما تزال محدودة للغاية عندما قام ماركس و إنجلس بصياغة أفكارهما لأول مرة: لم يتم الاكتشاف الأول للبقايا البشرية المبكرة (للإنسان النياندرتالى Neanderthals) حتى 1856؛ ولم يُنشر أصل الأنواع Origin of Species ﻟ دارون Darwin حتى 1859 ولم يُنشر كتابه نشأة الإنسان Decent of Man حتى 1871؛ ولم ينشر الأمريكى لويس هنرى مورجان Lewis Henry Morgan وصفه الريادى لتطور العائلة والدولة، المجتمع القديم Ancient Society حتى 1877.

اعتمد إنجلس على هذه المنجزات العلمية للتوسع فى الرؤى المبكرة له هو و ماركس. وقام بهذا فى عمليْن مهميْن، الدور الذى لعبه العمل فى الانتقال من القِرَدة العليا إلى الإنسان( The Part Played by Labour in the Transition from Ape to Man كُتِب فى 1876)(2)، و أصل العائلة، والملكية الخاصة، والدولة The Origin of the Family, Private Property and the State (نُشِر فى 1884)(3). وهما يحتويان على التفسير الأكثر كثافة من جانب مؤسِّسَىْ المادية التاريخية عن الطريقة التى انتهى بها البشر إلى الحياة كما يعيشونها فى العصر الحديث – عن مسألة من أين جاءت “الطبيعة البشرية” والمؤسسات البشرية. ولهذا السبب تركز الهجوم حول صحة الماركسية ومكانة إنجلس فى كثير من الأحيان على هذين العمليْن – وبصفة خاصة على أصل العائلة. وبطبيعة الحال فقد تجاوز التقدم العلمى على مدى القرن السابق بعض المعلومات التى اعتمد عليها إنجلس: كان يكتب قبل اكتشاف نظرية مندل Mendelian theory عن الچينات (4)، وقبل العثور على البقايا المبكرة للهومينيد hominid فى أفريقيا، وفى وقت كانت فيه دراسة مجتمعات ما قبل اللغات المكتوبة فى طفولتها. ومع ذلك فإن كتاباته ما تزال تحتفظ بأهمية هائلة. وهو يطبق منهجا يُعَدّ ماديا دون أن يكون ميكانيكيا – ويواصل تحدِّيه لكل من المثالية والتوأم المفزع المتمثل فى السلوكية والسوسيوبيولوچيا.

وهذا هو السبب فى أنه يجدر بنا أنْ نتفحص وجهات نظر إنجلس فى هذين العمليْن وأنْ ندافع عما هو صحيح فيهما وأن نغربلهما فى الوقت نفسه لنستبعد ما تم تجاوزه. وهذا ما أحاول القيام به، متفحصا أولا تفسيره للتطور البشرى فى الدور الذى لعبه العمل، ثم تفسيره لنشأة الطبقات والدولة فى أصل العائلة، ثم، أخيرا تفسير هذا العمل نفسه لاضطهاد النساء. وفى كل حالة سأحاول معالجة الثغرات والتفاوتات فى وجهات نظر إنجلس عن طريق مناقشة بعض أهم المعلومات وأكثرها حداثة حول هذه المسائل.

 

التالي »