بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إنجلز وأصل المجتمع البشري

« السابق التالي »

القسم الأول الجدل حول أصل الإنسان

قدّم إنجلس الخطوط العريضة لتفسيره لأصل الإنسان فى فقرات قليلة تستحق أن ننقلها هنا بقليل فقط من الحذف:

منذ مئات عديدة من آلاف السنين، فى زمن غير قابل للتحديد بعد بشكل نهائى… عاشت سلالة من القِرَدة العليا الشبيهة بالإنسان anthropoid فى المنطقة المدارية … وقد عاشت فى جماعات فوق الأشجار …

وبدأت هذه القِرَدة العليا فى التخلى عن عادة استعمال أيديها فى المشى واتخذت وضعا منتصبا أكثر فأكثر. وكانت هذه هى الخطوة الأولى الحاسمة فى الانتقال من القرد الأعلى إلى الإنسان.

ولا بد أن تكون قد تطورت وظائف متنوعة أخرى على الأيدى. وربما كانت العمليات الأولى التى من أجلها تعلَّم أسلافنا تدريجيا تكييف أيديهم … عمليات بسيطة جدا فقط … غير أن الخطوة الحاسمة قد تم قطعها، ذلك أن اليد كانت قد صارت حرة وكانت تستطيع منذ ذلك الحين فصاعدا بلوغ مهارة أكبر من أىّ وقت مضى …

وكان لاستعمال اليد فى العمل تأثيرات أخرى:

كان أسلافنا القرود تتميز بالنزوع الاجتماعى … وساعد تطور العمل بالضرورة على تجميع أعضاء المجتمع معا عن طريق حالات متزايدة من الدعم المتبادل والنشاط المشترك، وعن طريق توضيح مزايا هذا النشاط المشترك بالنسبة لكل فرد.

ووصل البشر-فى-طور-التكوين men-in-the making إلى المرحلة التى كان لديهم فيها شيء يقولونه لبعضهم البعض. وخلقت الضرورة العضو organ؛ وتحولت الحنجرة غير المتطورة للقرد الأعلى ببطء ولكنْ بصورة أكيدة من خلال تنغيم الصوت لتنتج بصورة مطردة تنغيما أكثر تطورا، وتعلمت أعضاء الفم تدريجيا أن تنطق صوتا واضحا بعد آخر.

وبالتوازى مع هذا حدث تطور ضرورى للدماغ [المخ]: “أعطى تأثير العمل والكلام على تطور الدماغ والحواس المرتبطة به، والوضوح المتزايد للوعى، وقوة التجريد والاستنتاج، كلا من العمل والكلام دافعا دائم التجدد إلى مزيد من التطور”. وبصورة عامة:

لا شك فى أن مئات آلاف السنين مرت قبل أن ينشأ المجتمع البشرى خارجا من قطيع القِرَدة التى تتسلق الأشجار. غير أنه ظهر فى نهاية المطاف. فما الذى نجده مرة أخرى باعتباره الاختلاف المميِّز بين جماعة القِرَدة والمجتمع البشرى؟ العمل.

ينظر موقف إنجلس، إذن، إلى تطور الإنسان على أنه يمضى عبر عدد من المراحل المترابطة: السَّيْر على قدمين، صنع الأدوات واستخدامها، تطور اليد، التواصل الاجتماعى، تطور الدماغ والكلام، المزيد من السيطرة على الطبيعة، المزيد من التواصل الاجتماعى، المزيد من تطور الدماغ والكلام. واعتمد تفسير إنجلس على العمل السابق ﻠ دارون، وقد ذكر دارون بالفعل كل عنصر من هذه العناصر. غير أن إنجلس يغيِّر ترتيب المراحل بطريقة ذات مغزى.

افترض دارون أن نمو حجم الدماغ والذكاء حدث قبل الانتقال إلى السَّيْر على القدمين واستعمال الأيدى لصنع الأدوات. وأكد إنجلس أن تسلسل الأحداث كان على العكس من ذلك. إن تحرير اليدين كان هو الذى جعل العمل التعاونى ممكنا على نطاق لا يمكن تصوره بين القِرَدة العليا، ومن هذا نشأ تطور الدماغ. وكما يخبرنا الأركيولوچى بروس تريجار Bruce Trigger:

كان دارون … مقيَّدا بعدم الرغبة فى تحدى الأسبقية التى منحها التفكير المثالى الدينى والفلسفى لزمنه للفكر العقلانى باعتباره قوة محركة لإحداث التغير الثقافى. ولهذا فإنه عند مناقشة تطور الإنسان … كان تطور الدماغ هو الذى أدى بالتالى إلى استخدام الأدوات(5).

وعلى النقيض:

أكد إنجلس أن نمط الحياة المتزايد الدنيوية قد شجع… على زيادة استخدام الأدوات. وأدى هذا إلى الانتخاب الطبيعى لصالح السير المنتصب على القدمين bipedalism والمهارة اليدوية بالإضافة إلى… تقسيم أكثر تعقيدا للعمل: أدى صُنْع الأدوات وتطور القدرة اللغوية على التنسيق بصورة أفضل للنشاطات الإنتاجية إلى التحويل التدريجى لدماغ قرد أعلى إلى دماغ إنسان حديث.

وسادت وجهة نظر دارون عن تتابع المراحل الأبحاث المتعلقة بأصل الإنسان على مدى الجانب الأكبر من قرن، مؤدية إلى اعتقاد أن أىّ “حلقة مفقودة” بين القِرَدة العليا والبشر كان لها دماغ كبير ولكنْ مع قامة قرد أعلى مُلْقية كامل الدراسات الخاصة بتطورنا جانبا. وقد شجعت على مدى حوالى خمسين عاما على قبول إحدى الخِدَع العلمية الكبرى لكل العصور – فضيحة پيلتداون Piltdown affair، حيث تم تقديم جمجمة إنسان وفك قرد أعلى على أنها بقايا لأحد أقدم أسلافنا. وقد أدى هذا على مدى ثلاثين عاما إلى رفض الأخذ بجدية لاكتشاف حقيقى، وهو اكتشاف ريموند دارت Raymond Dart فى جنوب أفريقيا لبقايا كائن شبيه بالقرد الأعلى كان قد تبنَّى السَّيْر على قدمين. ولم يتم التخلى عن تتابع المراحل عند دارون فى نهاية المطاف حتى اكتشاف دونالد چونسون Donald Johanson فى 1974 لهيكل عظمى كامل عمره ثلاثة ملايين ونصف مليون سنة له دماغ بحجم دماغ قرد أعلى وقامة منتصبة(6). عند ذلك فقط استطاع الأركيولوچيون أن يبدأوا فى تفسير تطور مجموعة من الهياكل العظمية من مجموعة أخرى(7).

تقييم وجهة نظر إنجلس اليوم

ولكن إذا كان إنجلس محقا، بصورة مدهشة، بهذا الصدد فى مواجهة دارون، فإلى أىّ مدى كان باقى تفسيره متماسكا؟ والواقع أن لدينا اليوم معرفة أكثر بكثير مما كانت فى زمن إنجلس. غير أنه ما تزال هناك مشكلات كبرى فى التوفيق بينها.

وتستند معظم المعرفة المادية عن قِرَدتنا العليا وأسلافنا البشر المبكرين إلى نتائج الأبحاث الخاصة بشظايا عظمية متفرقة، وأسنان عرضية، وقطع صغيرة من الصخر ربما كانت أو لم تكن ذات مرة أدوات. وباستخدام مثل هذا الأدلة، يغدو على الدارسين فى أصل الإنسان أن يحاولوا تخمين كيف كان شكل الهياكل العظمية الكاملة، وطبيعة الأعصاب والعضلات التى كانت تكسوها ذات يوم، والقدرات العقلية للمخلوقات التى كانت تنتمى إليها، وكيف كانت تطعم نفسها، والسياق الاجتماعى الذى عاشت فيه. وكما عبر أحد الأركيولوچيين البريطانيين الرئيسيين، كريس سترينجر Chris Stringer فإن:

مجال تطور الإنسان مليئ بأسلافنا المهجورين والنظريات التى تنسجم معهم … وكان الفشل فى إدراك التعقيدات التى تنطوى عليها محاولة تفسير أحفوريات قليلة مُبعثرة بصورة متباعدة فى المكان والزمان يميز نهج حتى العاملين الأكثر كفاءة، الأمر الذى كان يؤدى إلى تفسيرات ساذجة … و يمكن بالتالى أن تنهار كل الصروح التطورية، تماما مع ما يرتبط بها من أسلاف وأخلاف، مع كل تطور فى النظرية، أو بحث فرضية أساسية، أو اكتشاف جديد(8).

وعلى هذا فإنه كان من المفترض حتى أواخر السبعينيات، على سبيل المثال، أن هناك أربعة عصور جليدية فى اﻠ 800 ألف سنة الأخيرة. ويُعتقد الآن أنه كانت هناك على الأقل ثمانية عصور جليدية(9). ومرة أخرى فحتى منذ 20 سنة كان من المقبول به بشكل عام أن انفصال أسلافنا عن هذه القِرَدة العليا الضخمة حدث مع قرد أعلى عُرف ﺒ راماپيثيكاس Ramapithecus، منذ 15 مليون سنة. ويُعتقد الآن عادةً أن هذا الانفصال حدث مع تطور “القِرَدة العليا الجنوبية” أوسترالوپيثيكاس Australopithecus، التى عاشت فى شرق وجنوب أفريقيا منذ 3 أو 4 ملايين سنة(10).

ويجعل تبعثر المعلومات الموثوقة من السهل على الناس أن يقوموا بتخمينات تفصيلية لا أساس لها عما أن يكون قد حدث، دون حقائق تثبتها أو تنفيها – الطبعة الحديثة من قصص تخمينية Just So stories التى كتبها راديارد كيپلينج Rudyard Kipling للأطفال منذ ما يقرب من قرن. ويقدِّم كل أنواع الكُتّاب الذين يكتبون عن تطور الإنسان فرضيات على طريقة، “وهكذا، ربما، نستطيع أن نفسر نزول قِرَدة عليا بعينها من فوق الأشجار لحاجتها إلى أن تقوم ﺒ X [س]”. وبعد أقل من فقرتين، تكون “ربما” قد مضت إلى حال سبيلها، وتصير X [س] أصل البشرية.

وهذه الطريقة هى السمة المميزة الخاصة بالسوسيو-بيولوچيين(11)، غير أن هناك أيضا بعض المنظِّرين الجيدين جدا الذين يقعون فيها فى بعض الأحيان(12). إنها طريقة يجب أن يرفضها الماركسيون. إننا غير معنيين بحكى القصص من أجل حكى القصص. ولهذا سأحاول التركيز على ما نعرفه على وجه اليقين.

السِّجِلّ المؤكد: أقاربنا

من المقبول به بوجه عام أن أقرب أقربائنا هى قِرَدة الشيمپانزى، وقِرَدة الشيمپانزى القزمة (أو قِرَدة البونوبو bonobos)(13) والغوريلا(14). وتشير الدراسات الخاصة بالمادة الچينية إلى أننا نتشارك فى سلف مشترك منذ حوالى 4 إلى 7 ملايين سنة مضت وإلى أننا حتى فى الوقت الحاضر، وبعد التطور فى اتجاهات مختلفة، لا تزال لدينا نسبة حوالى 97.5 بالمائة من الچينات مشتركة مع قِرَدة الشمپانزى. ومن الناحية الچينية، “يرتبط الإنسان والشيمپانزى أكثر من ارتباط الحصان والحمار، أو القط والأسد، أو الكلب والثعلب”(15).

ولا تزال هذه حقيقة غير مريحة بالنسبة للمثاليِّين من كل الأنواع، وهى تؤكد وجهة نظر ماركس القائلة بأن التاريخ البشرى جزء من التاريخ الطبيعى. ولكن يستغلها فى كثير من الأحيان ماديون ميكانيكيون محدثون يزعمون أننا ببساطة “قِرَدة عليا عارية” وأنه يمكن إلقاء اللوم فيما يتعلق بكل أخطاء المجتمع على تكويننا الچينى الثديىّ الموروث. وكما عبَّر عن ذلك أحد التفسيرات الشعبية عن أصل الإنسان فإن:

الهيراركية تمثل مؤسسة بين جميع الحيوانات الاجتماعية وما يدفع شخصا إلى السيطرة على زملائه يمثل غريزة عمرها ثلاثة أو أربعة ملايين سنة … والدافع البشرى إلى الحصول على ممتلكات هو التعبير البسيط عن غريزة حيوانية أقدم عدة مئات من السنين من الجنس البشرى ذاته … وجذور القومية محفورة بقوة فى الحقل الاجتماعى الخاص تقريبا بكل أنواع عائلة الرئيسات المعنية الخاصة بنا … ويستجيب الباحثون عن الهيبة الاجتماعية لغرائز حيوانية تمثل كذلك سمات مميزة لقِرَدة البابون baboons، وغربان الزيتون، وسمك القد الصخرى، والبشر(16).

وينتهى حتى نص سوسيو-بيولوچى من المفترض أنه أكثر تطورا، ويدعى أنه يأخذ فى اعتباره تأثيرات التطور الثقافى وكذلك الچينى، إلى أن “التعصب الأعمى” و”العدوان الجماعى” ينبعان من [مرحلة] الحتمية الچينية genetic determination – “استجابة الخوف من الغرباء، والنزوع إلى الارتباط بمجموعات المراحل المبكرة من أنشطة اللعب الاجتماعى، والميل العقلى إلى تقسيم المتصلات continua إلى مجموعات داخلية ومجموعات خارجية”(17).

ومن مثل وجهات النظر هذه، تستند الماركسية إلى خطأ مفزع – “المغالطة الرومانسية” المتمثلة فى الفشل فى فهم الأساس الچينى لأهوال المجتمع الحديث وإلقاء اللوم عنها بدلا من ذلك على “البيئة الاجتماعية”(18)، حيث يتمثل “الخطأ الرئيسى” للماركسية فى “فهم الطبيعة البشرية على أنها مفككة نسبيا وعلى أنها إلى حد كبير أو بصورة كلية نتاج قوى اجتماعية-اقتصادية خارجية”(19).

غير أن المغالطة تكمن فى الواقع فى أىّ دعوى متعلقة ﺒ “قرد أعلى عارٍ” بأننا يمكن أن نقرأ من سلوك القرد الأعلى أساسا چينيا ما راسخا فى صميم سلوك البشر. فهى تتجاهل سمة هى الأكثر أهمية للتكوين الچينى للبشر وهى التى تفرّقنا عن كلٍّ من أولاد أعمامنا الأقربين. ذلك أن تلك المخلوقات مبرمجة من الناحية الچينية بخصائص ضيقة تزودها بالسلوك الملائم لنطاق محدود من البيئات، بينما نتصف نحن على وجه التحديد بمرونة هائلة جدا فى سلوكنا تمكِّننا وحدنا فى الواقع فى العالم الحيوانى، من النجاح فى العيش فى أى جزء من الكرة الأرضية. وهذا فارق أساسى بيننا وبين القِرَدة العليا الحالية. وهكذا فإنه لا يمكن أن توجد الغوريلات خارج الغابات المدارية المطيرة، ولا قِرَدة الشيمپانزى خارج مناطق الغابات فى أفريقيا جنوب الصحراء، ولا قِرَدة الچيبون gibbons خارج قمم الأشجار فى جنوب شرق آسيا، ولا الأورانج-أوتانجات Orang-utangs خارج جزر قليلة فى إندونيسيا؛ وعلى العكس من ذلك، استطاع البشر العيش عبر مساحات شاسعة فى أفريقيا وأوروپا وآسيا، على مدى نصف مليون سنة على الأقل. إن “خصوصيتنا” الچينية تتمثل على وجه التحديد فى أننا لسنا مختصِّين ولا مقيَّدين بأىّ نطاق محدود للسلوك الغريزى.

وأكثر من هذا، تستند وجهات النظر المتعلقة ﺒ “القِرَدة العليا العارية” إلى نماذج تبسيطية جدا لسلوك القِرَدة العليا.

وحتى ستينيات القرن العشرين، كان يتم إجراء تقريبا كل الدراسات المتعلقة بالقِرَدة العليا فى حدائق الحيوان، مثل الوصف الشهير الذى قدمه سولى زوكرمان Solly Zuckerman فى ثلاثينيات القرن العشرين للحياة فى حظيرة الشيمپانزى المسيَّجة فى حديقة حيوان لندن. وكانت تلك الدراسات تضع القِرَدة العليا ضمن نموذج أوسع للسلوك يعتمد على دراسات قِرَدة البابون (رغم أن قِرَدة البابون قِرَدة ولها فوارق چينية جوهرية مختلفة تماما عن كل القِرَدة العليا). وكان يُنظر إليها على أنها نباتية بصورة كاملة تقريبا، مع قدرة قليلة على التعلم وبلا أىّ شيء يمكن، بأىّ اتساع للخيال، أن يُسمَّى ثقافة. وفوق كل شيء، كان يُنظر إليها باعتبارها عدوانية بشكل فطرى، حيث تكون الذكور متورطة فى منافسة جنسية وحشية على الإناث ولا يتحقق الحفظ على النظام إلا من خلال هيراركية “للسيطرة” يفرضها “الذكر المسيطر” alpha male العدوانى بأقصى قدر من النجاح.

وكانت دراسات قِرَدة الشيمپانزى، وقِرَدة الشيمپانزى القزمة، والغوريلا فى المناطق البرية، فى الثلاثين سنة الأخيرة، قد تحدت أىّ نموذج كهذا(20)، مشيرة إلى أن استخلاص استنتاجات عن سلوك القِرَدة العليا من الحياة فى أقفاص حدائق الحيوان باعتباره أشبه تقريبا باستخلاص استنتاجات عن سلوك الإنسان من دراسات حالة عن سجناء لفترة طويلة فى محمية دارتمور(21). والاستنتاجات الرئيسية التى يمكن استخلاصها هى أن:

1: قِرَدة الشيمپانزى وقِرَدة الشيمپانزى القزمة أكثر اجتماعية مما اعتدنا أن نعتقد. ذلك أن المواجهات العدوانية أقل تواترا بكثير من التفاعلات الودية. وتجرى تسوية معظم المواجهات العدوانية بدون عنف(22).

2: الذكور ليست متورطة فى تنافس مرير متواصل للسيطرة على الإناث. “فى قطيع الشيمپانزى، بخلاف قرد البابون الذى يعيش فى الساڤانا، يكون الذكر المسيطر متسامحا نسبيا إزاء اهتمام الذكور الآخرين بالإناث: الممارسة الجنسية المختلطة هى الوضع الطبيعى للأشياء…”(23). و”بصفة عامة لا تكاد توجد علامة على الغيرة والعدوانية”. وتبادر الإناث باتصالات جنسية عديدة ويكون تعاونهن أساسيا إذا كان على الذكور إقامة علاقات خاصة معهن(24).

3: دور “السيطرة” بين قِرَدة الشيمپانزى والغوريلا كان مبالغا فيه فى الماضى. ولا توجد هيراركية واحدة لكل النشاطات بين قِرَدة الشيمپانزى، وبين قِرَدة الغوريلا تبدو “السيطرة” فى كثير من الأحيان أقرب إلى ما يمكن أن نسميه القيادة أكثر منه إلى السيطرة(25).

4: هناك سلوك مكتسب بالتعليم ومنقول اجتماعيا أكثر كثيرا مما كان يُعتقد، واستخدام أكثر كثيرا لأدوات بدائية. وتستخدم قِرَدة الشيمپانزى الحجارة لتكسير الجوز، والعصىّ لجمع النمل الأبيض من الجحور، وأوراق الأشجار كإسفنجات لاستخلاص السوائل للشرب

. 5: قِرَدة الشيمپانزى ليست نباتية تماما. فهى تصطاد حيوانات صغيرة (على سبيل المثال، القِرَدة الصغيرة) عندما تسنح الفرصة وتحصل بذلك على حوالى 10 فى المائة من غذائها من مصادر غير نباتية. والصيد نشاط اجتماعى: تطارد بعض قِرَدة الشيمپانزى القِرَدة الصغيرة، وتنتظرها أخرى وتتربص لها وتقتلها.

6: القِرَدة العليا لا تتصرف كأفراد متنافسة عندما يأتى وقت استهلاك الطعام. وإذا وجد أحد قِرَدة الشيمپانزى مصدرا لطعام جيد – شجيرة مثمرة جيدا ببراعم صالحة للأكل، على سبيل المثال – فإنه يقوم بإبلاغ القِرَدة العليا الأخرى. ورغم أن قِرَدة الشيمپانزى العادية تستهلك الغذاء النباتى بشكل فردى (ما عدا الأم التى تمد صغارها بالطعام)، إلا أنها تتقاسم اللحم مع بعضها البعض(26)، بينما تتقاسم قِرَدة الشيمپانزى القزمة بعض الغذاء النباتى أيضا.

7: الأشكال الأولية للاتصال تلعب دورا مهما بين القِرَدة العليا. وتُستخدم الإيماءات ليس فقط لجذب الانتباه بل أيضا للدلالة على نوايا بعينها – مثلما يحدث عندما تخبر أنثى من قِرَدة الشيمپانزى القزمة ذكرا إلى أىّ مدى ترغب فى الجنس(27). وتُستخدم مجموعة من الأصوات لأغراض مختلفة، للإشارة إلى خطر أو مصدر وفير للطعام.

8: يتنوع السلوك الاجتماعى للقِرَدة العليا من مجموعة إلى أخرى داخل كل نوع، مبينا أنه لا يعتمد فقط على عوامل غريزية، مبرمجة چينيا، بل أيضا على الأرض الطبيعية التى تعيش عليها والتقنيات التى اكتسبتها بالتعليم والتى لديها للتعامل مع هذه الأرض.

ومعظم هذه التطورات ملحوظة فى قِرَدة الشيمپانزى القزمة أكثر من قِرَدة الشيمپانزى العادية والغوريلا. وهناك تقاسُم أكثر فى الطعام، ومبادرات أكثر من جانب الإناث فى النشاط الجنسى، ومزيد من القطيعة مع نموذج السيطرة عند “قِرَدة” البابون فى التفاعل الاجتماعى حيث تميل مجموعة من الإناث إلى لعب دور رئيسى فى تماسك قطيع القِرَدة(28).

وقد أدى هذا إلى تصورات بأن “قِرَدة الشيمپانزى القزمة تقدم مفاتيح عديدة لفهم طبيعة ‘الحلقة المفقودة’ بين القِرَدة العليا والبشر”(29). ومهما يكن من شيء فإن الدليل المستمد من القِرَدة العليا فى البرية، ومن قِرَدة الشيمپانزى القزمة على وجه الخصوص، يتحدى الصورة المألوفة للسلوك العدوانى والتنافسى بصورة فطرية. ويبين هذا أيضا كيف أنه فى أحوال بعينها تظهر العناصر التى نفكر فيها فى العادة على أنها أشكال بشرية على وجه الحصر للسلوك تظهر بين أقارب البشر الأقربين – وكذلك استطاعت أيضا أن تبدأ فى الظهور بين أسلافنا العاديين منذ أكثر من 4 ملايين سنة.

أسلافنا

نعرف القليل جدا على وجه التأكيد عن أسلافنا من نوعىْ القرد الأعلى والإنسان المبكر (الهومينيد). غير أن الذى نعرفه فعلا يميل إلى الإشارة إلى اعتماد مخلوقات، هى أوسترالوپيثيسينيس Australopithecines (يعنى “قِرَدة عليا جنوبييِّن”)(30) على قدمين للمشى. وكانت هذه المخلوقات، فى معظم النواحى الأخرى، أقرب إلى القِرَدة العليا منها إلى البشر، وكانت أدمغتها لا تزال أكبر قليلا من حجم دماغ الشيمپانزى، فكانت تتراوح بين 385 و 500 سنتيمتر مكعب وليس هناك دليل حاسم على صنع الأدوات بينها(31). ولهذا يتم تصنيفها على أنها قِرَدة عليا، وليست بشرا.

وترجع بقايا الإنسان الأول(32) إلى 2.5-2 مليون سنة مضت. وكان الدماغ أكبر بشكل ملحوظ (بنسبة تصل إلى 50 بالمائة) من دماغ الأوسترالوپيثيسينيس وقِرَدة الشيمپانزى(33)، وقد سُمِّىَ هذا النوع هومو هابيليس homo habilis (أو “الإنسان الماهر”) حيث تم العثور عليه لأول مرة، فى مضيق أولدوڤاى Olduvai Gorge فى شرق أفريقيا، جنبا إلى جنب مع أدوات حجرية. ويشير شكل أسنانه إلى غذاء خليط من اللحم والنبات، فى مقابل الغذاء النباتى غالبا للقِرَدة العليا الحديثة الضخمة.

ومنذ 1.6 مليون سنة، وُجِد بشر بأدمغة أكبر كثيرا – يوصفون عادة باعتبارهم نوعا جديدا، هومو إيريكتاس homo erectus (“الإنسان المنتصب القامة” upright man) – فى أفريقيا وانتشر سريعا خارجا من أفريقيا إلى الأراضى الأوروآسيوية. وعلى مدى المليون سنة التالية استمر حجم الدماغ فى الكبر إلى أن وصل إلى حوالى ألف سنتيمتر مكعب – وهو نفس حجم دماغ بعض البشر الحديثين modern humans، حتى ولو كان أصغر من متوسط دماغنا. وبحلول ذلك الحين كانت الأسنان مهيأة بشكل واضح لأكل اللحوم، مما يُثبت أن الصيد مضى جنبا إلى جنب مع جمع الأغذية النباتية. وكان يتم تشكيل الأدوات الحجرية فى نماذج معيارية (يُشار إليها عادة على أنها [الحضارة/ الصناعة] الأشولية acheulean) لمنتجات مختلفة – فؤوس يدوية، سواطير، مكاشط، وإلخ.. ومما له دلالته أن الذكور كانوا فى المتوسط أكثر عددا من الإناث بحوالى 20 فى المائة فقط (بالمقارنة مع تمثيل الذكور ضعف الإناث بين الأوسترالوپيثيسينيس والقِرَدة العليا الضخمة). ويدل هذا على أن الدفاع ضد الحيوانات المفترسة كان يعتمد بشكل أكبر كثيرا بالتأكيد على التعاون داخل كل مجموعة وعلى استخدام الأدوات كأسلحة أكثر من الشجاعة الطبيعية لأىّ فرد ذكر.

ومنذ حوالى 500 ألف سنة تم العثور على مجموعة متنوعة من النماذج البشرية عبر أفريقيا وأوروپا وآسيا وكانوا يشبهون البشر الحديثين حيث كانت لهم أدمغة ضخمة (كانت فى بعض الحالات أكبر من أدمغتنا)، وجماجم رفيعة. ويجرى تصنيف هؤلاء على أنهم “الإنسان العاقل/العارف القديم” “archaic homo sapiens”، باعتبارهم أقدم نسخة لنوعنا نحن. والمعروفون بصورة أفضل منهم هم النياندرتاليون، الذين عاشوا فى أوروپا وفى أنحاء من الشرق الأوسط من حوالى 150 ألف إلى حوالى 35 ألف سنة.

وأخيرا، يبدو من الناحية التشريحية أن البشر الحديثين (المعرفون غالبا بالإنسان العاقل العاقل/العارف العارف homo sapiens sapiens) قد تطوروا فى أفريقيا ومن المحتمل فى الشرق الأوسط منذ 200 ألف إلى100 ألف سنة(34). ومنذ 40 ألف سنة أخذوا ينتشرون فى كل أنحاء أفريقيا وآسيا وأوروپا وأخذت سفنهم ترسو لأول مرة فى أستراليا. ومنذ 12 ألف سنة على الأكثر كانوا قد عبروا من شمال شرق آسيا إلى الأمريكتين(35).

ومنذ وقت طويل دارت مناقشات حول علاقة البشر الحديثين والنياندرتاليين. وعندما تم العثور على أول هيكل عظمى نياندرتالى منذ 140 سنة، كان يُنظر إليه على أنه ممثل لنوع أكثر بدائية بكثير منَّا نحن، إذ كان يتصف بسمات عديدة وحشية أشبه بسمات القِرَدة العليا (ومن هنا كان الاستخدام الدارج ﻟ “النياندرتالى” ليعنى الشبيه بالحيوان أو البربرى). ومنذ أربعين سنة كان ما يزال من المفترض أنه طريق تطورى مسدود – “نموذج بشرى تطوَّر فى المناخات الأكثر برودة للعصر الجليدى فى أوروپا قبل أن يختفى”(36). ثم تأرجح البندول الفكرى إلى الاتجاه المعاكس: كان التشديد على الدماغ النياندرتالى الضخم ووجوه الشبه بينه وبين دماغنا نحن.

واليوم يتأرجح البندول على الأقل فى جزء من طريق العودة إلى الوراء مرة أخرى، مع وجهة النظر الأكثر شعبية التى ترى أن البشر الحديثين تطوروا على طول خط منفصل تماما عن “البشر القدماء” “archaics” [“الإنسان العاقل/العارف القديم”] ، ناشئين من مجموعة من الإنسان المنتصب القامة، معروفة فى العادة باعتبار أنها عاشت فى أفريقيا. غير أنه لا تزال هناك مقاومة جوهرية لوجهة النظر هذه المتمثلة فى “الخروج من أفريقيا” من جانب أولئك الذين يرون بعض الاستمرارية على الأقل بين “البشر القدماء” وبيننا(37). وهكذا فإن الأدلة من الندرة إلى حد أن وجهات النظر قد لا تُحسم مطلقا بصورة نهائية(38). ومهما كانت أهمية هذا الجدال من منظور علمى خالص، فإنه ليس مهما بوجه خاص عندما يدور النقاش حول فهم طبيعة البشر الحديثين(39).

نوع وُلِدَ من الدم؟

يعتمد كثير من تنظير “القِرَدة العليا العارية” على افتراض أن أسلافنا كانوا مشتبكين فى صراع دموى مستمر مع أنواع أخرى وفيما بينهم فى آن معا. هكذا يؤكد أردرى Ardrey أن، “الإنسان نشأ من خلفية شبيهة بالإنسان لسبب واحد فقط: لأنه كان قاتلا”(40). ومن هذا يجرى استخلاص استنتاج بأن جريمة القتل موجودة فى چيناتنا، ويتم التحكم فيها بصعوبة عن طريق آليات الحضارة. وقد تم تشجيع مثل وجهات النظر هذه من خلال الأفكار المتعلقة بتطور الإنسان المبكر التى قام بتطويرها ريموند دارت Raymond Dart بعد اكتشاف البقايا الأولى للأوسترالوپيثيسين. فقد زعم أن الاكتشافات العظمية تُثْبت أن الصيد كان العامل الرئيسى فى تطور أقدم أسلافنا الذين لم يكونوا قِرَدة عليا، وأنه كان هناك “الانتقال الوحشى من قِرَدة عليا إلى إنسان”(41). وما يزال يتم ترويج مثل هذه الآراء فى بعض الأوساط. غير أن الكثير من الأدلة التى انتشرت لتبريرها يحيط بها الشك. ولم يكن من المحتمل أن تكون أكوام دارت العظمية النتيجة للصيد البشرى. ولم يكن أولاد أعمامنا الأقربين، خاصةً اﻟبونوبو bonobos، عدوانيين بشكل خاص. وكما سنرى، فإن الحرب كانت غير موجودة وكانت النباتات تُزوِّد بغذاء أكثر من اللحوم فى تلك المجتمعات الباقية الشبيهة بتلك التى عاش فيها أسلافنا حتى حوالى 10 آلاف سنة مضت.

على أنه يمكن لتفسير واحد لموقف “الخروج من أفريقيا (أىْ: الأصل الأفريقى)” أن يدعم أطروحة “الولادة من الدم”. وهو يقوم على دعوى أن علماء الچينات أثبتوا أن بعض چيناتنا نشأت من امرأة واحدة فى أفريقيا منذ ما بين 100 ألف و200 ألف سنة. ويقال إن البشرية بدأت معها، مع المنحدرين منها الذين انتشروا خارجين من أفريقيا، “والذين حلوا محل البشر المحليين القدماء فى جميع أنحاء العالم … بطريقة مفاجئة وعنيفة”(42). والنتيجة هى أن البشر الحديثين كانوا يمارسون إبادة جماعية بدائية ضد شعوب كانت شديدة الشبه بهم وأن هذا يشير إلى سمات مميزة مولعة بالحرب متأصلة فى صميم طبيعتنا ذاتها.

غير أن المناقشة بأكملها تدور بشأن التباس أولى بين ما يحدث مع الچينات وما يحدث لحاملى تلك الچينات. فكل فرد لديه على الأقل زوج واحد من الچينات لكل صفة منقولة چينيا واحد من أمه وواحد من أبيه(43). غير أنه ليس لكل چين منهما بالضرورة أثر مساوٍ على البنية الجسمانية للفرد وأحيانا يكون چين واحد “مسيطرا”، مُخْفيا تماما وجود الآخر، رغم أن لكل منهما فرصة متساوية فى الانتقال إلى ذرية هذا الفرد. وعلى هذا النحو، يمكن أن يكون لطفل، عينا أحد والديه زرقاوان وعينا الآخر بنيتان، عينان بنيتان، غير أنه يظل قادرا على نقل العيون الزرقاء إلى أطفاله هو.

ويحدث التطور عندما يظهر شكل جديد لچين الأمر الذى يمكن أن يغيِّر الصفات المميزة الجسمانية لفرد ما، ويزيد على هذا النحو من فرص استمرار ذلك الفرد فى النسل. وفى نهاية المطاف، سوف يحل الشكل الجديد للچين بصورة كاملة محل الشكل القديم. غير أنه فى الفترة الانتقالية (التى قد تكون فترة طويلة جدا) تستطيع أجيال متوالية من الأفراد أن تحمل شكلىْ الچين كليهما، حيث تظهرعند بعض الأفراد صفات مميِّزة جديدة غير أنها تظل تنقل إلى بعض ذريتهم صفات مميِّزة لچينات قديمة. كذلك فإن أولئك الذين تظهر عندهم صفات مميِّزة جديدة يمكن أن ينقلوا الچين الخاص بصفة مميِّزة قديمة إلى بعض ذريتهم. وعندما ينتهى الچين الجديد إلى السيطرة فإنه يفعل ذلك غالبا بين أشخاص ينتمون إلى سلف مشترك (المالك الأول للچين) غير أن لهم أيضا أسلافا آخرين كثيرين(44). ولهذا فإن وجود أصل أفريقى للبشر الحديثين لا يستوجب أن تكون لنا جميعا سلف أنثى بعيدة واحدة، وواحدة فقط، قام المتحدرون منها بمحو سلف كل شخص آخر؛ بل يعنى بالأحرى أنه كان لدينا على الأقل سلف واحد مشترك وكذلك أسلاف آخرون كثيرون أيضا.

ولا شك فى أن آلان ولسن Allan Wilson، الذى قام بأول بحث چينى يشير إلى وجود السلف الأنثى الأفريقية المشتركة، لم يكن يعتقد أنها المصدر الوحيد الذى جئنا منه. كما كتب اثنان من زملائه بعد وفاته بوقت قصير حول مثل هذه التفسيرات: “إنها خلطت بين هجرة وانقراض الچينات مع چينات هؤلاء السكان. ولا يوجد ما يدل على أن حواء كانت المرأة الأولى، وفى وقت بعينه، الوحيدة”(45).

ويعترف كريس إسترينچير، وهو أحد أبرز أعضاء مدرسة “الأصل الواحد” بأنه “خلال الآلاف القليلة من سنين التعايش المحتمل بين النياندرتاليين والإنسان العاقل/العارف الحديث، ربما كان قد حدث تدفق چينى شامل بين المجموعات…” (46)وفى مؤتمر 1987 عن أصل الإنسان كان هناك “اتفاق عام على أنه رغم وجود فروق مورفولوچية كبيرة بين الإنسان العاقل/العارف القديم والحديث، فإنه لا يمكن استبعاد التهجين أو الاستمرارية المحلية بين المجموعتين”(47). ويعزز هذه الإمكانية واقع أن المجموعتين قد تعايشتا على مدى عدة آلاف من السنين فى مناطق بعينها حيث عاشتا فى نفس المواقع (ولكنْ ليس معا بالضرورة) واستخدمتا أدوات متشابهة.

وحتى إذا كان البشر لم يتناسلوا مع النياندرتاليين وأفراد قدماء آخرين من نوعنا، فإنه لا ينتج عن ذلك على الإطلاق أنهم أزاحوهم من أماكنهم عن طريق العنف. ذلك أن إحلال مجموعة حيوانية لنفسها محل مجموعة حيوانية أخرى خلال آلاف قليلة من السنين لا يشترط العنف. إنه يشترط فقط أن تكون إحداهما أكثر نجاحا من الأخرى فى الحصول على وسائل العيش من البيئة. ويؤدى هذا إلى زيادة عددها، واستنفاد الموارد المتاحة للمجموعة الأخرى إلى أن لا يعود معدل مواليدها كافيا لتعويض معدل وفياتها. وقد جرت الإشارة إلى نماذج يمكن أن يكون قد حدث فيها هذا فى حالة البشر الحديثين والنياندرتاليين خلال ألف سنة فقط، دون أن تقتل إحداهما الأخرى بوحشية(48).

الدماغ، والثقافة، واللغة، والوعى

ويتمثل جانب بالغ الأهمية من المناقشة بشأن الخط الدقيق لأسلاف البشر الحديثين فى مسائل أخرى كثيرا ما يجرى ربطها بها. وتتعلق هذه المسائل بأصل الثقافة واللغة.

وينشأ الجدال لأن الأدوات العظمية والحجرية فى حد ذاتها، لا تُخبرنا كيف عاش أسلافنا، أو إلى أىّ درجة كان هناك اتصال فيما بينهم، أو إلى أىّ مدى كانوا ناجحين فى جمع المواد الغذائية النباتية والصيد، أو حتى ما إذا كانوا قد حكوا قصصا لبعضهم البعض، أو مارسوا طقوسا، أو كانت لديهم أفكار داخلية. والحقيقة أن البنية الجمجمية للهيكل العظمى لا تسمح لنا حتى بأن نعرف بالتفصيل كيف تم بناء الدماغ، وناهيك بما فعل هذا الدماغ. ولا تستطيع الأدوات الحجرية الباقية لأسلافنا أن تخبرنا بأىّ شيء عن أدواتهم الخشبية والعظمية (التى من المحتمل أنها كانت منتشرة بشكل أكبر كثيرا، لأن هذه المواد أسهل فى التشكيل من الحجر)، وما إذا كانوا قد استخدموا أم لا جلود الحيوانات والمواد النباتية للزينة (الأمر الذى من شأنه أن يدل على الخيال) بالإضافة ببساطة إلى أكلها والاحتفاظ بها دافئة.

هكذا فإنه تماما مثلما توجد تخمينات تفصيلية متعارضة حول چينولوچيات الأجسام المادية التى تأتى منها الهياكل العظمية، هناك تفسيرات متناقضة تماما لتطور عقولهم وثقافاتهم.

وتوجد مجموعتان رئيسيتان من النظريات. أولا هناك تلك التى تنظر إلى الثقافة واللغة على أنهما تنشآن مبكرا جدا فى تاريخ الهومينيد، على الأقل فى زمن الإنسان الماهر (منذ 2 مليون سنة) عندما أخذ البشر يتعاونون فى استخدام الأدوات للحصول على مورد رزق. ويُنظر إلى تطور الثقافة واللغة والدماغ والذكاء البشرى على أنه عملية تراكمية طويلة، بدأت منذ 2 مليون سنة واستمرت حتى وصول أول بشر حديثين بصورة كاملة، منذ حوالى 100 ألف سنة أو أكثر. وأدت ضرورة مواجهة البيئة والوضع المنتصب القامة الذى اتخذه الأسلاف الهومينيد، فى كل جيل، إلى الانتخاب الطبيعى لتلك الچينات التى شجعت على الذكاء والعِشْرة الاجتماعية. وكما عبرت نانسى ميكپيس تانر Nancy Makepiece Tanner فإن:

الانتخاب من شأنه أن يُفضِّل بشدة صغار السن الأكثر ذكاءً الذين يستطيعون أن يُنفِّذوا بصورة فعالة السلوك الجديد … وكان من الممكن أن تحدث إعادة تنظيم (الدماغ) بأقصى سرعة: الصغار الذين لم يفعلوا ذلك وماتوا قبل سن الإنجاب لم يورِّثوا چيناتهم. وكان لا مناص من أن يفضِّل الانتخاب صغار السن الذين كانوا فضوليين ومازحين والذين قد تم تلقينهم سلوك أعضاء المجموعة الآخرين، فكانوا يقلدون مهارات صُنْع الأدوات والخبرة البيئية، وتعلموا أن يتعرفوا على ويتفاعلوا مع شبكة اجتماعية واسعة ومتنوعة(49).

وقد انطلقت معظم مثل هذه التفسيرات من إنتاج جلين آيزيكس Glyn Isaacs، الذى أكد أن مجموعات عظام الحيوانات التى عُثر عليها إلى جانب الأدوات فى أولديوڤاى Olduvai تشير إلى وجود “أساسات مساكن” بين الإنسان الماهر حملوا إليها جثث الحيوانات التى تم اصطيادها ليتم تقاسُمها فيما بينهم(50). وهناك زعم بأن الأدوات نفسها، لا يمكن أن يكون قد تم صُنْعها دون مستوى من المهارة اليدوية والذكاء يتجاوز المستوى الخاص بالقِرَدة العليا. وكما يؤكد چون جوليتJohn Gowlett فإننا:

نعرف على وجه التأكيد أن صُنْع الأدوات يرجع على الأقل إلى 2 مليون سنة … خلال عملية فصل مئات من قِطَع الدقشوم … فى تسلسل … بحيث تكون كل خطوة فردية خاضعة للأهداف النهائية … ويحتاج ضرب قِطَع الدقشوم المفردة إلى المهارة اليدوية والتنسيق بين اليد والعين، وكذلك التقدير السليم لخصائص تكسُّر الحجر. وأكثر من هذا، فإنه يحتاج إلى القدرة على “إدراك” من أين ستأتى قِطَع الدقشوم (51).

وجنبا إلى جنب مع هذا التشديد على صُنْع الأدوات والتطور العقلىّ ينتشر زعمٌ بأن جمجة الإنسان الماهر تشير إلى تنظيم شبيه الإنسان بصورة نوعية للدماغ، مكتملا بالتطور الأول لمناطق مهيأة للكلام (منطقتىْ بروكا وڤيرنيكه Broca’s and Wernicke’s areas)، وهو ما “يشير بقوة إلى أنه حتى منذ 2 أو 3 مليون سنة كان الانتخاب الطبيعى يعمل على التكيف والدور الإيكولوچى-الوظيفىeco-niche adaptation وإلى أن السلوك المعرفى والاجتماعى كانا يمثلان بالتأكيد البؤرة الرئيسية”(52).

ووفقا لهذه النظرة، تتوافق التضخمات المتعاقبة للدماغ على مدى 2 أو 3 مليون سنة مع الاعتماد المتزايد على المهارات التواصلية والمعرفية، والتى كانت بدورها ضرورية لانتقال المعرفة الخاصة بالمزيد من صُنْع الأدوات، من أجل الجمع والصيد التعاونيين ومن أجل التماشى مع الشبكات الأكثر كثافة بكثير للتفاعلات الاجتماعية التى نشأت من هذين النشاطين على السواء.

وقد ادعى بعض أنصار هذا التفسير أن هناك أدلة أركيولوچية تدعمه: العثور على “مخيمات بسيطة” base camps بين الإنسان الماهر، وبقايا استخدام النار بين الإنسان المنتصب القامة، و”مواقع الدفن الطقسية”، وبقايا رسوم المغرة والجلد ochre skin painting، وبناء الأكواخ بين البشر القدماء. وهناك زعم بأن كل هذه الأدلة تشير إلى تعقيد متزايد للحياة الاجتماعية، وإلى انتقال متزايد للثقافة، وإلى اتصال رمزى متزايد، وإلى تعبيرات عن الذكاء والخيال الفنى مماثلين ﻟ، وإنْ كانت أقل تطورا من، تلك التى بين البشر الحديثين.

وإذا كان هذا النموذج للتطور البشرى صحيحا، فإنه يُثْبت صحة تفسير إنجلس. وكما يؤكد تشارلز وولفسون Charles Woolfson، فإنه يعنى أن “الخطوط العريضة لنظرية إنجلس، ككل، يدعمها البحث المعاصر، وأنه، من هذه الجهة، يُعَدّ مقال إنجلس استباقا علميا لامعا لما يُعتقد الآن أنه النموذج المحتمل لتطور الإنسان”(53).

التحدى المثالى الجديد

غير أن هذا النموذج يواجه بعض التحديات الحادة فى السنوات القليلة الأخيرة. وقد قامت هذه التحديات على عدد من المزاعم.

أولا، أن كثيرا من الأدلة الأركيولوچية غير موثوقة. وربما كانت “المخيمات البسيطة” base camps التى استخدمها الإنسان الماهر عند آيزيكس متطورة قليلا عن نُسخ البشر المبكرين من عشش قِرَدة الشيمپانزى وربما كانت عظام الحيوانات ناتجة عن النبش الفردى لبقايا حيوانات تركتها حيوانات أخرى آكلة للحوم، وليست ناتجة عن الصيد المنظم اجتماعيا(54). كما أن بقايا الجماجم لا تُخبرنا بما فيه الكفاية عن شكل الأدمغة التى كانت الجماجم تحتوى عليها ذات يوم لكى يتسنى لنا استنتاج وجود مناطق متخصصة (منطقتىْ بروكا وڤيرنيكه) تم تكريسها للكلام(55). ويمكن فى الحقيقة تفسير البقايا التى يُزعم أنها تُبيِّن بناء أكواخ بين الإنسان المنتصب القامة واستخدام الزينة بين الإنسان العاقل/العارف القديم بطرق مختلفة جدا لا تقتضى أىّ مستوى مرتفع من الثقافة. كذلك فإن المدافن الطقسية المزعومة ربما كانت ناتجة فقط عن أحداث طبيعية – على سبيل المثال انهيار أسقف كهوف على شاغليه(56).

ثانيا، يتمثل الدليل الأكثر إقناعا لدينا فى الأدوات الحجرية الباقية، التى لا تتغير إلا قليلا جدا طيلة مليون سنة من استمرار الإنسان المنتصب القامة والتاريخ الذى يبلغ طوله مئات الآلاف من السنين للنياندرتاليين. والشيء اللافت للنظر، كما يزعم هؤلاء، ليس أنه يوجد تغيير، بل أنه لم يحدث تقدم أكبر بكثير، وأسرع بكثير، وأكثر منهجية بكثير. ولم يحدث حتى ظهور ثقافات “العصر الحجرى القديم الأعلى” upper palaeolithic للبشر الحديثين منذ حوالى 35 ألف سنة. وحتى ذلك الوقت، هناك زعم بأن إنتاج الأدوات لم يختلف اختلافا كيفيا عما يحدث بين أنواع الثدييات غير البشرية(57). وفى ذلك الحين فقط وجدنا أدلة غير قابلة للتحدى على الإنتاج الفنى (رسوم الكهوف) والسلوك الطقسى (الدفن الاحتفالى، إلخ.).

ثالثا، هناك زعم بأنه لا الإنسان المنتصب القامة ولا النياندرتاليون كانوا يملكون حنجرة قادرة على إصدار أكثر من جزء من نطاق الأصوات التى يُصدرها الإنسان الحديث، وبأنهم كانوا، لهذا السبب، عاجزين عن استعمال اللغة كما نعرفها اليوم(58).

وأخيرا، يُزعم أن هذا النموذج يقوم على نسخة تدريجية عتيقة من النظرية التطورية، تتغير فيها الأنواع قليلا فى وقت ما مع ظهور طفرات چينية فردية وانتخابها. وتقبل النظرية التطورية الأكثر حداثة إمكانية ما يسميه جود و إيلدردچ “التطور المتقطع” الذى يمكن وفقا له أن يجرى أىّ تغيّر چينى يمكن أن يحدث فى الانفجارات(59).

وقد تمثل التأثير الكلى لوجهات النظر المختلفة فى تشجيع طريقة فى السنوات الأخيرة تنظر إلى “نمط الحياة البشرية بصورة مميزة” على أنه نشأ مؤخرا جدا فى التاريخ، كنتيجة ﻟ “ثورة بشرية” أنتجت لأول مرة الثقافة واللغة. ويُعبر عن ذلك تفسير حديث جدا لوجهة النظر هذه على النحو التالى:

كانت لدى الإنسان المنتصب القامة قدرة دماغية حديثة إلى حد كبير، غير أن من الجلى أنها كانت أضأل للغاية مما أظهرت فى طريق الثقافة البشرية. وإذا اعتبرنا أصل الإنسان مفهوما على أنه يعنى بدايات ثقافة بشرية يمكن تمييزها، فإنه لا مناص من اعتبار 3.5 مليون سنة من 4 مليون سنة من تاريخ الهومينيد، فترة من فترات ما قبل التاريخ…(60)

ويبدو من المحتمل أن التغيرات الأكثر شأنا حدثت فقط بعد نشوء الإنسان العاقل. بل ربما كانت قد بدأت فى وقت لاحق، بعد أن حلّ البشر الحديثون من الناحية التشريحية محل التنويعات المبكرة للإنسان العاقل(61).

وإذا كان هذا صحيحا، فإن تفسير إنجلس كان إذن بعيدا عن الفهم الصحيح من الناحية الجوهرية. ولا بد من أنه كان هناك شيئ آخر غير العمل التعاونىّ وراء تطور البشرية. غير أن وجهة النظر هذه كانت تنطوى على ثغرات ضخمة لا يمكن أن تسدها التفسيرات المادية.
ولا يُثبت الدليل المتعلق بالأدوات الحجرية أنه لم يحدث أىّ تقدُّم فى الثقافة. ولا يمكن مطلقا أن يكون الحجر المادة الوحيدة المستخدمة من قِبل أسلافنا الإنسان الماهر و الإنسان المنتصب القامة لصُنْع الأدوات، حتى وإنْ كانت المادة الأكثر قدرة على البقاء عَبْرَ أهوال الزمن. ولا شك فى أنهم استخدموا الخشب، والعظام، وجلود الحيوانات، والنار، للتغلب على مصاعب بيئتهم، ومن المحتمل أنهم وجدوا طرقا للجمع بين أنواع مختلفة لصيد الحيوانات بالمصائد وللحمل (62). وربما كانت كل هذه المواد على نفس مستوى أهمية الحجر بالنسبة لهم، إنْ لم تكن أكثر أهمية، ويمكن أن يكون قد تم استخدامها بطرق متغيرة لا تُحصى ولا تُعَدّ، لم تترك أىّ أدلة تقريبا. أكثر من هذا فإن تغيرا بطيئا فى الأدوات الحجرية لا يتساوى مع عدم التغير مطلقا. ولا شك فى أنه لا يُثْبت أنه صنعتها مخلوقات عديمة التطور العقلىّ والثقافىّ التراكمى.

وكما يُشير ماكجرو MacGrew، هناك فجوة ضخمة بين الأدوات التى استخدمتها قِرَدة الشيمپانزى وتلك التى استخدمها الإنسان الماهر، وناهيك ﺒ الإنسان المنتصب القامة:

قِرَدة الشيمپانزى صانعة ومستخدمة ماهرة للأدوات … هناك أشياء بعينها لا نرى قِرَدة الشيمپانزى تفعلها … فهى لم تصنع أدوات حجرية من الدقشوم … وهى لم تستخدم عصىّ الحفر للوصول إلى الجذور … وهى لم تستخدم مقذوفات أو سلالم للوصول إلى الفاكهة البعيدة(63).

ويزعم إس. ت. پاركر S.T. Parker و ك. ر. جيبسون K.R. Gibson، مستخدميْن الإطار المفاهيمى عند پياچيه Piaget لتطور اللغة عند البشر، أن الأدلة تُرَجح أن الهومينيد المبكرين لا بد أنهم كانوا يتمتعون “بذكاء ولغة مماثلين لذكاء ولغة الأطفال الصغار”(64). ويؤكد توماس وين Thomas Wynn أنه بنهاية الفترة الأشولية Acheulian period، منذ 300 ألف سنة، كان البشر المبكرون قد وصلوا بالفعل إلى المرحلة العليا الثانية من التطور العقلى البشرى، مرحلة “العمليات الملموسة”، مع “السيمترية التامة تقريبا للفئوس اليدوية”، الأمر الذى يُشير إلى قدرة على “قابلية التعديل، وحفظ الموارد، وتصحيح الأخطاء، إلخ.”(65).

وربما كانت الأدوات الحجرية قد تغيرت ببطء شديد ببساطة لأنها كانت ملائمة للمهام التى حُدِّدت لها – وبنفس الطريقة التى تُبْدى بها بعض الأدوات الأساسية للنجارة قليلا من التغيير منذ عصور المصريين القدماء إلى أوائل القرن العشرين. وحتى إذا كانت الأدوات الحجرية قد تغيرت ببطء، فإن هذا لا يعنى أنها كانت قد صُنعت بسهولة أو أن من الممكن أنها كانت نتيجة لقيام الناس ببساطة بمحاكاة الآخرين دون إنعام التفكير فيما كانوا يفعلون.

ولا شك فى أنه لا يمكن استعمال الأدوات الحجرية لتبرير إدعاءات بوجود فجوة هائلة بين أول بشر حديثين والبشر “القدماء” المتأخرين. وليس كل ما هناك أن كلا المجموعتين تعايشتا على مدى عشرات عديدة من آلاف السنين، فقد اشتركتا أيضا فى ثقافات. وحتى منذ 40 ألف سنة استخدم البشر الحديثون فى أوروپا والشرق الأوسط نفس النوع من الأدوات اﻟموستيرية Mousterian التى استخدمها النياندرتاليون (كما أقر آدم كوپر Adam Kuper الذى يوافق وجهة النظرالرائجة القائلة بأن “ثقافة بشرية بصورة مميزة” ترجع فقط إلى من 25 ألف إلى 35 ألف سنة)(66). ومع ذلك فإن آخر النياندرتاليين الذين كانوا ما يزالون باقين منذ 35 ألف سنة كانوا قد تعلموا استخدام بعضا من نفس التكنولوچيات الأكثر تقدما التى كان يستخدمها جيرانهم البشر الحديثون(67).

وحتى بعد أن تقدَّم البشر الحديثون منتقلين إلى هذه التكنولوچيات الجديدة، كان التغيير فى كثير من الأحيان بطيئا جدا، “بدون أىّ تطورات تكنولوچية رئيسية، ولا أىّ زيادة ذات شأن فى قدرة الإنسان على توليد الطاقة” لفترة طويلة(68). ففى المنطقة التى توجد فيها فرنسا الحالية، على سبيل المثال، كانت هناك فجوة تصل إلى 20 ألف سنة بين وصول ثقافة “العصر الحجرى القديم الأعلى” منذ 35 ألف سنة ورسوم الكهوف المجدلينية magdalenian فى لامارش La Marche. وانقضت 10 آلاف سنة أخرى قبل أن تحل تقنيات زراعة محل الصيد والجمع فى تلك المنطقة.

و بالتالى فإن الصورة هى صورة تطور بطئ لتقنيات على مدى 2 إلى 3 مليون سنة، ببعض التسريع منذ 200 ألف إلى 150 ألف سنة فيما كان النياندرتاليون والبشر الحديثون الأوائل يظهرون. وحدث مزيد من التسريع منذ 30 ألف إلى 35 ألف سنة، بين كل من السكان المتزايدين من البشر الحديثين والسكان النياندرتايين المتناقصين؛ ومزيد من التغيُر السريع منذ زمن رسومات الكهوف منذ حوالى 15 ألف سنة؛ وتطور سريع جدا مع ظهور الزراعة منذ من 10 آلاف إلى 5 آلاف سنة؛ والتسريع الهائل على مدى الألف سنة الأخيرة. ويدل هذا على أنه، رغم أن من الممكن أنه كانت هناك اختلافات بيولوچية مهمة بين البشر القدماء والحديثين إلا أن سرعة التجديد لم تتوقف، بالضرورة، على هذا. وكان لا مناص من أن يرتبط هذا بشيء آخر.

وحتى إذا كان ﻠ الإنسان المنتصب القامة والبشر القدماء نطاق صوتى محدود أكثر كثيرا من البشر الحديثين – وقد شكك بعض علماء الحفريات فى هذا الاستنتاج(69) – فإن هذا لا يعنى أن النياندرتاليين والبشر القدماء الآخرين كانوا يفتقرون إلى اللغة تماما. إنه يعنى ببساطة أنهم لم يكونوا يتواصلون مع بعضهم البعض بصورة جيدة مثلنا. وكما يكتب ليبرمان Liberman ذاته، الممثل الرئيسى للرأى الذى يشدد على الحدود اللغوية للنياندرتاليين، فإن: “النمذجة الكمپيوترية لا تظهر النياندرتاليين الهومينيد على أنه ينقصهم الكلام واللغة بصورة كلية؛ ذلك أن لديهم المتطلبات التشريحية اللازمة لإنتاج نُسخ أنفية لكل أصوات الكلام البشرى باستثناء أصوات [I] و[u] و[a] والصوامت الحلقية، ومن المحتمل أنه كانت لهم لغة وثقافة متطورتان تماما بوضوح”(70).

وأخيرا فإن وجهة النظر القائلة بأن التطور المتقطع إلى مراحل punctuated يمكن أن يحدث لا تُثْبت، فى حد ذاتها، أنه حدث بالفعل بمثل هذه الطريقة لإنتاج الثقافة واللغة فجأة. وهناك حجة قوية ضد هذا – وهى حجة حجم الدماغ. وإذا كان تطور البشرية هو النتيجة لتغيرات سريعة جدا فى اتجاه نهاية فترة من ملايين السنين، فعندئذ تستطيع أن تتوقع أن تظهر السمة الأكثرتمييزا ﻠ الإنسان العاقل – الحجم الضخم لدماغنا بالمقارنة بأجسامنا. والحقيقة أن الصياغة الأصلية لفرضية التطور المتقطع التى قدَّمها جولد و إيلدريدچ كانت تلتزم بهذه النظرة، حيث يؤكدان أن الدماغ لم يكد يزداد حجمه على مدى المليون سنة التى عاش فيها الإنسان المنتصب القامة. ولكنْ، كما أشار سترينچر، هناك “أدلة قليلة” تدعم هذا النظرة(71).

ويترك هذا مشكلة لأىّ نظرية تنظر إلى “الثورة البشرية” باعتبارها حدثت فجأة منذ نصف مليون سنة بإحلال الإنسان المنتصب القامة محل الإنسان العاقل، وناهيك ﺒ 35 ألف سنة مضت بعد تطور البشر الحديثين من الناحية التشريحية: لماذا كان ﻠ الإنسان المنتصب القامة دماغ ضعف حجم دماغ الأوسترالوپيثيسيين، وكان للنياندرتاليين دماغ بالحجم الحديث؟ لم يكن من الممكن أن يكون هذا ببساطة لأداء العمليات العقلية التى أمكن أن يؤديها أسلافهم قبل ذلك ملايين السنين.

وفى الوقت نفسه فإنه لا يمكن تصور أن أسلافنا الذين عاشوا منذ مليون سنة كان يمكن أنْ يبقوا على قيد الحياة لو أنهم لم يكونوا قد طوروا طرقا للتعاون معا للتغلب على مصاعب بيئتهم ولنقل المعرفة إلى بعضهم البعض على نطاق أكبر من الناحية الكيفية من ذلك الذى يتم العثور عليه بين أولاد أعمامنا القِرَدة العليا. إذ أنهم بحلول ذلك الحين كانوا يتحركون بالفعل إلى خارج وديان أفريقيا حيث نشأ نوعهم ليستعمروا مناطق كثيرة من أوراسيا، مما يُثْبت أنهم كانوا قادرين ليس فقط على العيش فى بعض الملاذات الإيكولوچية المحصورة، بل أيضا على تكييف مجموعة متنوعة من البيئات لحاجاتهم – متعلمين التمييز بين تلك المجموعات المتنوعة من النباتات التى يعثرون عليها حديثا وكانت صالحة للطعام وتلك التى كانت سامة، ومتعلمين صيد أنواع جديدة من الحيوانات، ومتعلمين حماية أنفسهم من حيوانات مفترسة جديدة، ومتعلمين التغلب على مصاعب مناخات جديدة.

جدل العمل والعقل

تُعَدّ الأدلة الأركيولوچية المباشرة عن العمل الاجتماعى- أو عن أىّ شكل آخر للسلوك – بين أسلافنا ضعيفة بالضرورة. غير أن الأدلة الظرفية شاملة.

انظرْ إلى الملامح التى ميزت الإنسان المنتصب القامة عن القِرَدة العليا. فقد كان يسير على قدمين وفقد طريق الهروب السهل من الحيوانات المفترسة الذى تمثل فى الهروب إلى أعلى الأشجار؛ وكان صغارهم يستغرقون وقتا أطول إلى حد كبير ليكبروا (وهكذا كانوا يحتاجون إلى فترة أطول من الحماية من جانب كبارهم)؛ وصار ذكور هذا النوع عندئذ أكثر من الإناث فقط بنسبة 20 فى المائة فى المتوسط، وليس 100 فى المائة، وبالتالى فإن البنية الجسمانية لهذا النوع لم تكن بشكل رئيسى للدفاع؛ وتعرَّض لنقص كبير فى حجم الأنياب (الأسنان الطويلة المدببة على الجانبين التى تستطيع بها القِرَدة والقِرَدة العليا تهديد الحيوانات المفترسة المحتملة وقتل الحيوانات الصغيرة من أجل الطعام)؛ وجرى تكييف أسنانه الخلفية (الضروس) لنظام غذائى يحتوى على اللحم، مع استبعاد أىّ مواد نباتية تتطلب كثيرا من الطحن أثناء المضغ؛ وأعيد تشكيل اليد، مع تطور إبهام يستطيع الإمساك بالأشياء الصغيرة واستعمالها؛ ولم يعد الاهتمام الجنسى عند الإناث يتركز بشكل رئيسى حول وقت التبويض؛ وكما سبق أن رأينا، كانت هناك زيادة هائلة فى حجم الدماغ.

ولم يكن يمكن لمخلوق بهذه التوليفة من الملامح أن يواصل البقاء إلا إذا كان قد طور بعض لوسائل إحلال بعض الخصائص الجسمانية التى كان فقدها. وكان عليه أن يكون قادرا على الدفاع عن صغاره لفترات من الوقت أطول من أولاد عمه من القِرَدة العليا رغم فقدان الأنياب الضخمة، وقدرات تسلق الأشجار، والبنية الجسمانية الضخمة للذكر لدى القِرَدة العليا. وكان عليه أن يكون قادرا على التعامل بصورة فعالة مع تنويعة من النباتات أكثر من القِرَدة العليا رغم أنه كانت لديه ضروس لم تكن بنفس الجودة فى الطحن. وكان عليه أن يجد طريقة ما لتقطيع لحم الحيوانات، سواء اصطادها بنفسه أو اعتمد فقط على العثور على جثث تركتها حيوانات مفترسة أخرى. وتُشير كل هذه الأشياء إلى اعتماد هائل على استخدام أشياء من صُنْع الإنسان من أنواع متنوعة للدفاع، والتقطيع، والحفر، والجمع، والطحن. وهى تُشير أيضا إلى مستوى من التنظيم الاجتماعى أكبر بكثير مما يوجد حتى بين القِرَدة العليا الأكثر اجتماعية: هذا هو ما يُحتمل أنه يُفسر التغير فى نموذج النشاط الجنسى للإناث، بتشجيع الصلات الدائمة بين الجنسين بدلا من الممارسة الجنسية السريعة المحمومة التى تتركز حول أيام قليلة كل شهر والتى توجد بين قِرَدة الشيمپانزى العادية. غير أن المعرفة الخاصة بالتقنيات الضرورية ومواكبة المستوى الهائل من التعاون الاجتماعى الموجود فى الحياة الاجتماعية على هذا النطاق كانتا تتطلبان مستوى لقدرة الدماغ أعلى بكثير مما كان الحال فى السابق. وعلى مدى ألفيات عديدة استطاعت هذه المخلوقات التى تغيرت چيناتها بمثل هذه الطريقة التى تمكنها بصورة أفضل من التعلم من، والتواصل مع، والعناية ﺒ، بعضها البعض اكتساب ميزة فيما يتعلق بالبقاء والإنجاب. وكان بوسع الانتخاب الطبيعى أن يُحدث التطور فى اتجاه شبكات عصبية أوسع نطاقا، وأكثر كثافة، وأكثر تعقيدا بصورة متزايدة، قادرة على توجيه الوظائف الحركية المعقدة لليد والتعلم منها واستخدام تغيرات دقيقة فى الإشارة أو الصوت للتواصل.

فقط إذا نظرتَ إلى الأشياء بهذه الطريقة تستطيع أن تفسر لماذا كان نوعنا قد وُهِبَ بالفعل هذه القدرات منذ 35 ألف سنة ليطور نطاقا جديدا بالكامل من التكنولوچيات. ويكمن التفسير فى 2 مليون سنة من التطور التراكمى، مع تشجيع العمل فى كل مرحلة لليد الماهرة والمزيد من الروح الاجتماعية، والدماغ الأكبر. وفى كل مرحلة جعلت اليد الماهرة والمزيد من الروح الاجتماعية والدماغ الأكبر وجود أشكال أكثر تقدما من العمل ممكنا. غير أن كل هذا جعل العمل الحلقة المفقودة الحقيقية فى قصة التطور البشرى، كما ألحَّ إنجلس عن حق.

وكانت لمثل هذا العمل نتائج هائلة بالنسبة للدماغ. ذلك أن أولئك الأفضل تعاونا مع الآخرين فى إنتاج الأدوات واستخدامها كانوا أولئك الذين تعرَّضت أدمغتهم لتغيرات فى البنية والحجم جعلتهم أفضل فى تنسيق الوظائف الحركية متحكمين فى الأيدى بالرؤية والسمع، فيما كانوا يصيرون أكثر استجابة لإشارات الآخرين من نوعهم(72). وكانت عملية تراكمية فى طريقها إلى الحدوث حيث يعتمد فيها البقاء على الثقافة، والقدرة على المشاركة فى الثقافة، على هبة چينية شجعت على الجمع بين الروح الاجتماعية، والتواصل، والمهارة اليدوية، والقدرة على التفكير المنطقى.

وهذا هو ما يفسر لماذا كان أسلافنا قادرين، منذ مليون أو ما قارب المليون من السنين، على التحرك خارجين من الوطن الأفريقى لأسلافهم لينتقلوا إلى الظروف المناخية المختلفة جدا لأوراسيا، ولماذا كان النياندرتاليون قادرين على البقاء فى الظروف القاسية للعصر الجليدى الأوروپى على مدى 100 ألف سنة أو أكثر. ومهما كانت اختلافاتهم عنا كثيرة أو قليلة، فإنهم ما كانوا ليستطيعوا البقاء ما لم تكن لديهم على الأقل أعضاء ناشئة أساسية للثقافة، واللغة، والذكاء. وعلى كل حال فقد كانوا مثلنا من ناحية واحدة مهمة جدا: لم يكن لديهم شيئ آخر يحميهم – لا فرو فى أجسامهم، ولا سرعة كبيرة فى الهروب، ولا أنياب أو مخالب، ولا قدرة سريعة على الاختفاء فى الأشجار.

وهذا هو ما يفسر أيضا تطور تلك الصفات البشرية الأكثر خصوصية، اللغة والوعى. وتتمثل السمة المميزة فى اللغة البشرية، بالمقارنة بالأصوات والإشارات التى تُصْدرها حيوانات أخرى، فى أننا نستخدم كلمات للإحالة إلى أشياء ومواقف ليست موجودة أمامنا بالفعل. ونحن نستخدمها للتجريد من الواقع الذى يجابهنا ولوصف وقائع أخرى. وبمجرد أن نستطيع أن نفعل هذا مع آخرين، فإننا نستطيع أيضا أن نفعله مع أنفسنا، مستخدمين “الكلام الداخلى” الذى يستمر داخل رؤوسنا لنتصوَّر مواقف جديدة وأهدافا جديدة. ولا يمكن أن تكون القدرة على فعل هذه الأشياء قد ظهرت دفعة واحدة. ولا بد من أنها نَمَتْ على مدى أجيال عديدة عندما تعلَّم أسلافنا فى الممارسة العملية، عبر العمل، التجرد من الواقع المباشر وتغييره – عندما بدأوا فى استخدام الأصوات والإشارات ليس فقط للدلالة على ما كان أمامهم مباشرة أو ما رغبوا فيه مباشرة (وهذا هو ما تفعله بعض الحيوانات) بل للدلالة على كيف أرادوا تغيير شيئ ما وكيف رغبوا فى أن يساعدهم آخرون. ونحن نعرف أنه فى استخدام الأدوات كان هناك تغير ذو شأن من القِرَدة العليا إلى البشر المبكرين: كان القرد الأعلى يلتقط عصا أو حجرا لاستخدامه كأداة؛ أما البشر المبكرون منذ 2 مليون سنة فكانوا بالفعل لا يقومون فقط بتشكيل العصا أو الحجر، بل كانوا يستخدمون أحجارا أخرى للقيام بالتشكيل، ولا شك فى أنهم كانوا يتعلمون من بعضهم البعض كيف يقومون بهذا. ولا يتضمن هذا فقط تصورات عن أشياء مباشرة (المواد الغذائية)، بل أيضا عن أشياء انتقلت مرة من المباشرة (الأداة التى تستطيع جلب المواد الغذائية) وانتقلت مرتين من الواقع المباشر (الأداة التى تستطيع تشكيل الأداة التى تجلب المواد الغذائية). ويشمل هذا أيضا التواصل، سواء بالإشارة أو بالصوت، حول أشياء انتقلت على مرحلتين من الشروط المباشرة – فى الواقع، الاستخدام الأول للأسماء المجردة، والصفات، والأفعال. وبالتالى فإن تطور العمل وتطور التواصل كانا يسيران معا يدا فى يد، بالضرورة. ومع تطورهما كليهما، كانا يقومان فى آن معا بتشجيع انتخاب تلك الچينات الجديدة التى جعلت الناس أكثر مهارة فى الأمرين معا: اليد الأكثر خفة، والدماغ الأكبر حجما، والحنجرة التى أصدرت نطاقا أوسع من الأصوات.

ولا تقتضى مثل هذه التطورات مجرد تغيُّرات كمية. ومع تعزيز نمو العمل، ونمو الروح الاجتماعية، ونمو اللغة، بعضها البعض، مشجعةً انتخاب مجموعة كاملة من الچينات الجديدة، كانت تظهر شبكات جديدة من خلايا الأعصاب فى الدماغ، جاعلة من الممكن حدوث مجموعات جديدة بكاملها من التفاعل بين الناس والعالم من حولهم. وربما فسر هذا جيدا لماذا تطور فجأة نوع جديد من البشر عاش إلى جانب هؤلاء الذين سبقوهم ثم حلوا محلهم، كما حدث مع الظهور المتعاقب ﻠ الإنسان الماهر، و الإنسان المنتصب القامة، وأنواع متنوعة من البشر القدماء. وبالتالى فربما كان الحال يتمثل فى أن البشر الحديثين قد حلوا فى نهاية المطاف محل النياندرتاليين لأنهم كانوا قادرين على التواصل أسرع وأوضح مع بعضهم البعض (رغم أن من المحتمل ألا نعرف مطلقا على وجه اليقين ما إذا كان الحال كذلك).

ولهذا كان يجب أن يكون هناك تمييز لطريقة تحوُّل الكم إلى كيف، وللطريقة التى أدت بها الحياة الحيوانية من خلال تغيرات متعاقبة إلى ذلك الشكل الجديد من الحياة الذى نسميه “الحياة البشرية”، التى كانت لها ديناميكية خاصة بها، تشكلت من خلال عملها وثقافتها وليس من خلال چيناتها. غير أن هذا لا يجب أن يؤدى إلى السقوط فى مثالية جديدة تنظر إلى الثقافة واللغة على أنهما تنشآن من اللامكان فى الماضى القريب إلى حد ما. وإذا كان مثل هذا النهج هو الموضة فى بعض الدوائر، فليس هذا لأنه يمكن أن يقدِّم تفسيرا ماديا علميا لأصلنا، بل لأنه يتناسب مع المزاج الأكثر اتساعا بكثير للإنتليچنسيا منذ أواخر السبعينيات. ففى كل فرع معرفى كانت هناك محاولة لفصل اللغة والأفكار عن تطور الواقع المادى. وكما كان الحال فى أيام ماركس و إنجلس، فإن النضال من أجل العلم إنما هو نضال ضد كل من المثالية والمادية الميكانيكية – حيث تتخذ المثالية اليوم شكل الموضات “ما بعد الحداثية”، والمادية الميكانيكية للسوسيوبيولوچيا(73).

نهايات مفتوحة

هناك تفاصيل عديدة فى قصة تطور البشر، لم تُحسم بعد وربما لن تُحسم أبدا، بسبب قلة الأدلة. ويُفسر هذا سلسلة بأكملها من المجادلات التى ما زالت تتواصل والتى تشيع الحرارة فى المؤتمرات الأكاديمية وتقدِّم قليلا من المعلومات المثيرة الجذابة لصحفيِّى العلوم.

هناك، على سبيل المثال، جدال جذاب حول لماذا تبنَّت مجموعة من القِرَدة العليا السير على رجلين فى المحل الأول. ويقول معظم الثقاة أن هذا كان لأن التغير المناخى قضى على الغابات حيث عاش أسلافنا من القِرَدة العليا، مقدِّما للأسلاف من القِرَدة العليا اختيارا بين الانسحاب إلى الغابة المتبقية أو التكيف مع بيئة مفتوحة بصورة أكبر. وكان من الممكن عندئذ أن يلتقط الانتخاب الطبيعى الخصائص الچينية بين المجموعات التى انسحبت إلى الغابة وتكيفت مع ذلك النوع من الحياة، تلك الخصائص التى نجدها فى قِرَدة الغوريلا فى الوقت الحاضر. وبنفس الطريقة كان من الممكن أن يلتقط بين ساكنى الأرض المُعشبة الخصائص “التعاونية” واستخدام الأدوات المنقول ثقافيا الذى نجده بين البشر: “حصل الهومينيد على أغذية نباتية ريانة بشكل أقل وربما أكثر صعوبة فى العثور عليها فى البيئة الجديدة، فى منطقة الساڤانا فى شرق أفريقيا. وقد تخصصوا بأن صاروا أكثر ذكاءً وذوى قدمين، وباستخدام الأدوات”(74).

وعلى النقيض من هذا، يدعى آخرون أن الأدلة الأركيولوچية تُشير إلى أن القِرَدة العليا الأولى ذات الساقين عاشت فى الغابات، وليس فى الأدغال أو الأرض المُعشبة(75).

وهناك جدال آخر حول دور الصيد فى الخطى الأولى على طول خط الهومينيد. وكان إحياء المناقشة حول الجوانب الاجتماعية للتطور البشرى قد تلقى تشجيعا هائلا من مؤتمر الإنسان الصياد فى 1966 الذى عقده ريتشارد لى Richard Lee و إرڤين ديڤور Irven DeVore والذى اجتذب الأركيولوچيين والأنثروپولوچيين الذين يدرسون مجتمعات الصيادين-الجامعين فى الوقت الحاضر. وكما يدل عنوان المؤتمر، كان التشديد على الصيد باعتباره النشاط الاجتماعى التكوينى(76). غير أنه تمت معارضة هذا فى الحال من جانب أولئك(77) الذين قالوا إن الأدلة الأركيولوچية الخاصة ﺒ الإنسان الماهر أشارت إلى النبش الفردى (أكل الحيوانات المقتولة بالفعل من جانب حيوانات أخرى آكلة للحوم) وليس إلى الصيد التعاونى. قد أدى هذا بدوره إلى الرد السريع بأنه لا بد أنه كان لدى أسلافنا دافع إلى النبش بصورة جماعية (يمكن للأعداد أن تُخيف الحيوان آكل اللحوم الذى يقتل الفريسة فى المكان الأول، بينما كان لا يكاد يكون هناك معنى لأن يقوم الفرد من الهومينيد بالاحتفاظ لنفسه، أو نفسها، بجثة أكبر كثيرا من أن يأكلها شخص واحد قبل أن يتعفن) (78).

وفى الوقت نفسه، ومن اتجاه آخر، تم التشديد على أن ذوى القدمين القدماء كانوا بالضرورة صيادين غير ناجحين، غير أنه كان لا بد أنه كان عليهم لكى يربوا صغارهم وليكونوا جامعين ناجحين للطعام النباتى أن يصيروا مستخدمين لأدوات اجتماعية: “ووفقا لكل الدلائل، امتلكت جماعات الأسلاف الشبيهة بالشيمپانزى منذ 5 مليون سنة عناصر سلوكية وتشريحية أساسية لتطوير تكيُّفٍ للجمع حيث كان من الممكن استغلال مجموعة كاملة من أغذية نباتات الساڤانا باستخدام الأدوات…”(79). وكان على الصغار أن يمرُّوا بتنشئة اجتماعية شاملة إذا كان لهم أن يتعلموا أداء مثل هذه المهام، التى تقوم بإعلاء شأن “رابطة الأم-الذرية”، حيث تكون الإناث “باعتبارهن المركزالضرورى للمجموعة الاجتماعية: نماذج حركية ملائمة لتعلُّم صُنع واستخدام أدوات الجمع للحفر، أو الطرْق، أو القشط، أو الفتح، أو تقسيم الأغذية، ولحمل الأدوات، والطعام، والأطفال الصغار، وللدفاع ضد الحيوانات المفترسة” (80).

وأخيرا، هناك الجدال الذى تمت الإشارة إليه من قبل، بصورة عابرة، بشأن العلاقات بين مختلف نماذج الهومينيد التى تم العثور عليها – الأنواع المتباينة من الأوسترالوپيثيسيين، و الإنسان الماهر، و الإنسان منتصب القامة، والأنواع المختلفة من “البشر القدماء”، والنياندرتاليين، والبشر الحديثين.

غير أنه لا ينبغى لأىّ خلاف من هذه الخلافات بين المحترفين أن يحجب أحد أكثر التطورات إثارة فى التاريخ الفكرى عبر الثلاثين سنة الأخيرة – إثبات صحة خط التحليل المعروض فى الكُتيب غير المنشور، وغير المكتمل، الذى كتبه فردريك إنجلس بعد قراءة دارون. ويُخبرنا تريجر Trigger كيف أن:

يُثْبت عمل إنجلس أنه كان من الممكن مفهمة النظرية المادية الجديدة لتطور البشر التى كانت موجودة بالفعل فى سبعينيات القرن التاسع عشر. غير أن من الجلىّ أن مفاهيم دارون المثالية بصفة جوهرية عن تطور البشر كانت متوافقة مع معتقدات معظم علماء الطبقة الوسطى فى أوروپا الغربية أكثر مما كانت مفاهيم كبير الثوريين إنجلس. ولهذا لم يكن من المدهش أن يتم تجاهل عمل إنجلس …
وتمثلت النتيجة فى أن البحث عن أصل البشر استغرق ثلاثة أرباع قرن سار خلالها فى دروب مسدودة، حتى ستينيات القرن العشرين، حيث “أرسى كينيف أوكلى Kenneth Oakley، و شيروود ووشبيرن Sherwood washburn و ف. كلارك هاويل F. Clark Howell أُسُس بناء نظرية جديدة للتطور كانت رغم أنه جرى الوصول إليها عن طريق الاستقراء إلى حد كبير، وثيق الشبه بعمل إنجلس المنسى طويلا”(81).

إشارات القسم الأول

1: كان تاريخ الفلسفة البرچوازية الحديثة إلى حد كبير جدا تاريخا للجدال بين نظرتيْن، بين التجريبية والعقلانية، رغم أنه يتشابك مع مجادلات أخرى، حول كيف نحقق الوصول إلى المعرفة.

2: لم يُكْمله مطلقا، غير أنه نُشر فيما بعد فى شكله غير المكتمل بعد وفاته بقليل، فى المجلة الاشتراكية الألمانية Die Neue Zeit.

3: مستخدما تعليقات ماركس الغزيرة على كتاب مورجان، المنشورة باعتبارها: Karl Marx, Ethnological Notebooks.

4: نشر جريجور مندل Gregor Mendel بالفعل اكتشافاته فى مجلة مغمورة كانت تصدر فى برنو Brünn (Brno) فى 1865، غير أن لم يقم علماء بيولوچيا آخرون بإعادة اكتشافها حتى منعطف القرن.

5: B. Trigger, Comment on Tobias, Piltdown, the Case Against Keith, in Current Anthropology, Vol.33, No.3, June 1992, p.275.

6: للاطلاع على وصف لكل هذه التشوُّشات، انظرْ A. Kuper, The Chosen Primate (London, 1994), pp.33-47.

7: حول ندرة المحاولات المتعلقة بتفسير تطور البشر حتى ستينيات القرن العشرين، انظرْ مقدمة: R. Foley (ed.), Hominid Evolution and Community Ecology (London, 1984), p.3

8: C. Stringer,‘Human evolution and biological adaptation in the Pleistocene, in ibid., p.53.

9: N. Roberts, Pleistocene environment in time and space, in ibid., p.33.

10: يعنى مثل هذا التغيُّر السريع فى حالة المعرفة أنه فيما عدا ذلك يمكن أن تصير أعمال مفيدة للغاية عتيقة من نواحٍ مهمة. وينطبق هذا، على سبيل المثال، مثل التفسير الماركسى عند تشالرز وولفسون Charles Woolfson لكثير من المعلومات المتعلقة بتطور البشرى، على The Labour Theory of Culture [نظرية الثقافة على أساس العمل]، رغم أنه لم يُطبع إلا فى 1982 ورغم أن وجهة نظره الأساسية قريبة جدا من وجهة النظر التى أقدمها هنا. وفيما كنت أكتب هذا المقال، ظهرت تقارير فى الصحافة العلمية تشير إلى أن أحفور إنسان چاوة “Java man” الشهير كان أقدم مما كان يُعتقد بمليون سنة (New Scientist, 7 May, 1994) وأن النموذج الأقدم إلى الآن وهو أوسترالوپيثيسينيس (إنسان العصر الپليوسينى) Australopithecine كان قد تم العثور عليه فى إثيوپيا.
11: وأحد أتباعهم “الراديكاليِّين” فيما يفترض هو كريس نايت Chris Knight. وكتابه Blood Relations (Yale, 1991) [علاقات الدم] عبارة عن قصة تخمينية  Just So storyللغاية. مع الكثير من المعلومات الحقيقية المشوَّهة فى محاولة لتبرير مزاعمه. انظرْ عرضى Blood Simple, International Socialism 54, Spring 1992, p.169.

12: إنجلس نفسه يقع فيها فى بعض المواضع فى The Origin of the Family، ولكنْ انظرْ لاحقا.

13: نوع منفصل من Pan paniscus، من قِرَدة الشيمپانزى الشائع Pan troglodytes.

14: رغم أن قلة من علماء الحيوان ما يزالون يؤيدون فكرة الأورانج أوتانج. انظرْ، على سبيل المثال، J.H.J. Schwartz, The Red Ape (London, 1987) [القرد الأحمر]، قدم پيتر أندروز Peter Andrews عرضا نقديا له فى: New Scientist, 14 May 1987.

15: S.I. Washburn and R. More, Only Once, in P B Hammond, Physical Anthropology and Archaeology (New York, 1976), p.18.

16: R. Ardrey, African Genesis (London, 1969), pp.9-10.

17: C.J. Lumsden and E.O. Wilson, Genes, Mind and Culture (Cambridge, Mass, 1981), p.258.
18: R. Ardrey, op. cit., p.170.

19: C.J. Lumsden and E.O. Wilson, op. cit., p.354.

20: كان من غير السهل إجراء هذه الدراسات بطريقة محكومة علميا. وقد شملت مجموعات متفرقة تصل أعدادها فى كثير من الأحيان إلى 40 أو أكثر وفى العادة عبر أحراش كثيفة وبين قمم أشجار لا يستطيع البشر الوصول إليها بسهولة، مع إدراك أن وجود البشر ذاته يمكن أن يؤثر على سلوك القِرَدة العليا (حيث تتصارع قِرَدة الشيمپانزى الصغيرة ، على سبيل المثال، على الطعام عندما يتم تقديمه لها من جانب مصدر بشرى واحد بطريقة قد لا تحدث منها عندما تأكل من حياة نباتية متفرقة). ونتيجة لهذا تغدو الأدلة مفتوحة على تفسيرات مختلفة. غير أنها جميعا تشير فى اتجاه مختلف جدا إلى نموذج “البابون” baboon القديم. للاطلاع على مناقشات تأخذ فى اعتبارها دراسات الحياة البرية، انظرْ Bernstein and F.O. Smith (eds.), Primate Ecology and Human Origins (New York, 1979); W.C. McGrew, Chimpanzee Material Culture, in R.A. Foley, The Origins of Human Behaviour (London, 1991), pp 16-20. وللاطلاع على أبحاث أصلية، انظرْ J. Goodall, The Chimpanzees of Gombe (Cambridge, Mass, 1986); M.P. Giglieri, The Chimpanzees of Kibale Forest (New York, 1984); A.F. Dixson, The Natural History of the Gorilla (London, 1981); B.M.F. Galiliki and G. Teleki, Current Anthropology, June 1981.

21: وبالتالى فإن العدوانية بين الذكور حول التزاوج متواترة فى حالة الأَسْر أكثر مما فى الحياة البرية “بسبب القدرة الأكبر للذكور على السيطرة على الإناث”، وفقا ﻠ R.H. Nadler, “Aggression in Common Chimps, Gorillas and Orang-utangs”؛ وتمارس إناث قرود الشيمپانزى القزمة الخيار على الذكور التى تتزاوج معها فى الحياة البرية بطريقة لا تستطيع بها ذلك فى حالة الحبس فى القفص، وفقا ﻠ J.F. Dahl, Sexual Aggression in Captive Pygmy Chimps. وتظهر خلاصات كل من الورقتين البحثيتين فى International Journal of Primatology, 1987, p.451.

22: للاطلاع على أدلة على هذا، انظرْ N.M. Tanner, Becoming Human (Cambridge, 1981), pp.87-89.

23: R. Leakey and R. Lewin, Origins (London, 1977), p.64.

24: N.M. Tanner, Becoming Human, op. cit., pp.95-96. See also Dixson, op. cit., p.148.

25: A.F. Dixson, op. cit., p.128. ومن المدهش أن آردرى Ardrey يسلِّم بأن الغوريلا ليس عدوانيا أو مدفوعا ﺒ “ضرورة إقليمية” territorial imperative – ثم يستنتج أنه فقد “غرائزه الحيوية” vital instincts، وأن “إكراهات أولية عامة” universal primate compulsions قد اضمحلت لأن هذا النوع “محكوم عليه بالهلاك”! انظرْ R. Ardrey, as above, pp.126-127.

26: هذا له مغزاه. فالمواد الغذائية النباتية كبيرة الحجم نسبيا وتوجد على أشجار وشجيرات متفرقة. ولا توجد أىّ ميزة للفرد أو القطيع فى تناول الطعام كله فى نفس المكان. وعلى النقيض، لا يمكن الحصول على اللحم إلا إذا تعاونت قِرَدة شيمپانزى عديدة فى قتل حيوان واحد – وليس من المرجح أن يحدث هذا مالم تكن الفريسة مشتركة بينها.

27: انظرْ رسومات لوكيليما Lokelema، أنثى عمرها 25-35 عاما، و بوسوندرو Bosondro، ذكر عمره من 5.5 إلى 7.5، فى N.M. Tanner, On Becoming Human, op. cit., pp.124-125.

28: A.L. Zihlman, Common Ancestors and Uncommon Apes, in J.R. Durrant, Human Origins (Oxford, 1989), p.98.

29: Ibid., p.98. See also J. Kingdon, Self Made Man (London, 1993), p.25. ويوضح كرونين Croninأن الأدلة الجزيئية تشير إلى أن پان پانيسكاس  pan paniscusهو “الأصل الباقى” relic stock الذى انحدرت منه الغوريلات، وقِرَدة الشيمپانزى العادية، والبشر، مقتبس فى N.M. Tanner, On Becoming Human, op. cit., p.58.

30: فى العادة يجرى تصنيف أوسترالوپبثيسينات Australopithecines إلى ثلاثة أو أربعة أنواع. أحدها أوسترالوپبثيسيكاس أفاريسيس Australopithecus afaresis(ويوجد منه هيكل عظمى كامل، يُلَقَّب ﺒ “لوسى” Lucy)، يُنظر إليه على أنه السلف المباشر للكائنات البشرية الحديثة؛ والآخران يُنظر إليهما فى العادة على أنهما نهايتان تطوريتان ميتتان evolutionary dead ends، باعتبارها مخلوقات تكيفت مع مواطن إيكولوچية بعينها ولكنها لم تستطع إحداث انتقال إلى مواطن جديدة عندما تغيرت المنطقة.

31: نظر دارت Dart، مكتشف الهياكل العظمية الأولى للأوسترالوپيثيسينات، إلى عظام حيوانية توجد معها على أنها دليل على قيام الأوسترالوپيثيسينات بالصيد. غير أنه جرى الاعتراض على هذا الزعم منذ ذلك الحين، ويُعتقد فى العادة أن هذه العظام جمعتها الضباع.

32: لا يوجد تفسير مقبول بصورة شاملة لمسألة أين ينتهى خط القِرَدة العليا ويبدأ خط البشر، ولا لمسألة كيف يجرى تمييز خط البشر إلى أنواع مختلفة. على أن معظم التفسيرات الحالية تضع الأوسترالوپيثيكاس Australopithecus مع القِرَدة العليا وتقبل الجمجمة 1470 التى عمرها مليونان من السنين على أنها تخص أقدم نوع بشرى معروف، الإنسان الماهر homo habilis. انظرْ، على سبيل المثال،R. Leakey and R. Lewin, Origins Revisited (London, 1993), p.117.

33: P.V. Tobias, The brain of homo habilis, Journal of Human Evolution, 1987, p.741; R. Leakey, Recent fossil finds in Africa, in J.R. Durant (ed.), Human Origins (Oxford, 1989); N.M. Tanner, On Becoming Human, op. cit., p.254.

34: هناك زعم بأن بقايا هياكل عظمية عُثر عليها فى أومو فى إثيوپيا ونهر كلاسيس والكهف الحدودى فى جنوب إفريقيا تخص البشر الحديثين الذين عاشوا منذ130 ألف سنة، و من80 ألف سنة إلى 100 ألف سنة. غير أن هذه الأدلة يعترض عليها أشخاص مثل ميلفورد وولپوف و ألان ثورن، انظرْ، على سبيل المثال، مقالهما: Milford Wolpoff and Alan Thorne, see, for example, The case against Eve, New Scientist, 22 June 1991، والملخص الموجز للتعليقات النقدية فى مؤتمر كامبريدچ عام 1987 بشأن أصل الإنسان فى S. McBrearty, The origins of modern humans, Man 25, 1989, p.131. وهناك أيضا زعم بأن بقايا البشر الحديثين تشريحيا التى عُثر عليها فى قفزيه Qafzeh فى فلسطين يبلغ عمرها من80 ألف سنة إلى100 ألف سنة، انظرْ، على سبيل المثال، ماكبريترى McBrearty, p.131، الذى يعلق بأن “هذا ينسجم مع أىٍّ من الأصل الأفريقى أو الجنوب غرب آسيوى للبشر الحديثين”.

35: هناك كثير من الجدال بشأن عمر مختلف البقايا البشرية المبكرة فى الأمريكتين. وللاطلاع على تلخيص لوجهات النظر، انظرْ Gordon R. Willey, The Earliest Americans, in P.B. Hammond (ed.), Physical Anthropology and Archaeology, op. cit.

36: ملاحظة أبداها Graves, New Models and Metaphors for the Neanderthal Debate, Current Anthropology, Vol.32, No.5, December 1991, p.513. وللاطلاع على وصف لهذه المناقشة منذ أكثر من نصف قرن مضى، انظرْ V.G. Childe, What happened In History (Harmondsworth, 1954), p.30.

37: تسمَّى هذه النظرة البديلة أحيانا “النظرة المتعددة الأقاليم” وممثلها الأكثر شهرة هو ميلفورد وولپروف Milford Wohlpoff.

38: هناك شكوك بشأن “أطروحة من أفريقيا” الكاملة من جانب أشخاص مثل روچر ليكى Roger Leakey الذى لا يُنسب أيضا إلى الموقف المتعدد الأقاليم تماما. انظرْ، على سبيل المثال، Leakey, Recent fossil finds in Africa, in J.R. Durant, op. cit., p.55: “أعتقد أن العالم كان مأهولا منذ100 ألف سنة مضت بمجموعات متميزة أقاليميا من نفس النوع؛ وأنا لا أحبذ فكرة أن الشكل الحديث لنوعنا كان له أصل جغرافى واحد …” وتُبيِّن الأدلة الأحفورية المستمدة من أنحاء منفصلة على نطاق واسع من العالم فى نظرى إلى أن “الإنسان العاقل homo sapiens فى شكله الحديث نشأ من نوع من شكل أقدم حيثما كان موجودا”. ورأيه أكثر اعتدالا بكثير فى كتابه الصادر فى 1993، Origins Reconsidered[إعادة نظر فى أصل الإنسان]، غير أن هذا الكتاب تم تأليفه بالاشتراك مع روچر ليوين Roger Lewin، الذى يؤيد فكرة الأصل الواحد. ومن الجائز أن التأليف المشترك يوضح السبب فى أن الكتاب يقدم مثل هذه النظرة العامة الممتازة لهذه المناظرة، انظرْ R. Leakey and R. Lewin, Origins Reconsidered, 1993, pp.211-235. وللاطلاع على عروض أخرى للمناظرة، انظرْ Roger Lewin, DNA evidence strengthens Eve hypothesis, New Scientist, 19 October 1991; J Poulton, All about Eve, New Scientist, 14 May 1987; C Stringer, The Asian Connection, New Scientist, 17 November 1990; Scientists Fight It Out and It’s All about Eve, Observer, 16 February 1992; M. Wohlpoff and A. Thome, The Case Against Eve, New Scientist, 22 July 1991; S. McBrearty, The Origin of Modern Humans, Man 25, pp.129-143; R. Leakey, Recent Fossil Finds in Africa, and C. Stringers, Homo Sapiens: Single or Multiple Origin, both in J.R. Davent (ed.), Human Origins (Oxford, 1989); P. Mellors and C. Stringer (eds.), The Human Revolution (Edinburgh, 1989); P. Graves, New Models and Metaphors for the Neanderthal Debate, Current Anthropology, Vol.32, No.5, December 1991; R.A. Foley, The Origin of Human Behaviour (London, 1991), p.83.

39: يُنظر إلى الفكرة “المتعددة الأقاليم” أحيانا على أنها تقدم بطريقة ما تبريرا للعرقية، حيث إنها تؤكد أن الناس فى مختلف مناطق العالم بدأوا يطورون سمات مميزة بعينها منذ مئات الآلاف من السنين وليس منذ عشرات الآلاف من السنين. غير أن هذا يعنى الوقوع فى خطأ منطقى أولى. ولأن هذه الفكرة تفترض معدلا للتطور، وبالتالى لتطور الاختلافات بين البشر، أبطأ كثيرا من فكرة الأصل الواحد، فإنه لا يمكن الاعتماد عليها لإثبات أن التمايز النهائى كان أكبر بأى شكل.

تماما كما أن من الخطأ ادعاء أن أصل البشر الحديثين فى أفريقيا يدحض العرقيِّين البيض أو حتى يثبت أن الأفريقيِّين “عِرْق” متفوق على “البيض”. ويمكن لعرقىّ أبيض أن يقبل بسهولة أصلا أفريقيا للبشر الحديثين، وأن يصروا بعد ذلك على أن هذا يثبت أن الأفريقيِّين أكثر “بدائية” لأنهم “تطوروا أقل” من “البيض”، مقيمين دعواهم على أساس وجهة النظر القائلة إنه إذا كان الإنسان الحديث قد استطاع أن يتطور بسرعة بالغة إلى نوع منفصل ومتفوق من النياندرتاليِّين منذ 100 ألف سنة أو ما يقرب من ذلك، فلماذا لم يكن بمستطاع البيض أن يتطوروا إلى نوع منفصل ومتفوق على السود منذ 20 ألف سنة؟ وكانت هذه بالفعل وجهة النظر العرقية خلال العقود الكثيرة التى كان يُنظر فيها إلى النياندرتاليِّين على أنهم “قِرَدة عليا بشرية بدائية”.

ووجهات النظر العرقية خاطئة ليس بسبب فرضية أو أخرى بشأن أصل الإنسان، بل لأنه لا وجود لأى دعم لها فيما نعرفه عن البنية الچينية والبيولوچية للبشر الأحياء الآن. ذلك أنه لا يمكن تقسيم النوع البشرى إلى مجموعات فرعية متميزة، يتألف كل منها من أفراد متميزين عن أولئك الذين فى مجموعات فرعية أخرى بمجموعة كاملة من الچينات والسمات المميزة الجسمانية. وعلى الأكثر يمكن تقسيم النوع البشرى إلى مجموعات وفقا لاختلافات فى سمات فردية مميزة خاصة مثل كمية الميلامين فى البشرة، أو ميْل الشعر إلى التجعد، أو لون العينين، أو فصيلة الدم، أو الطول، أو طول الأنف، أو ما إلى ذلك. وتشمل مجموعة الناس من ذوى الميلامين الأقل أناسا كثيرين من ذوى العيون البنية. وتشمل مجموعة الناس من ذوى الأنوف الضخمة أناسا من ذوى كل مستويات الميلامين. ويميل هذا الطابع المتداخل إلى التركز فى بعض مناطق العالم: وهكذا لا يتطابق التوزيع الچغرافى لفصائل الدم مطلقا مع التوزيع الچغرافى للميلامين (أىْ “لون” البشرة)، كما أنه لا يتطابق مع توزيع الچين المنجلى (الذى يوجد بين اليونانيِّين، والأتراك، والعرب، والأفارقة). وعلى هذا فإن مفهوم الإدراك العام عن العِرْق – وهو نتاج لتجارة العبيد والفتح الإمپريالى – لا يمكن استخدامه كمقولة علمية صحيحة. وللاطلاع على مناقشة كاملة عن هذه الأمور، انظرْ F.B. Livingstone, On the non-existence of human races, in Current Anthropology, 3 (1962), p.279؛ انظرْ أيضا تعليق ت. دوبچانسكى T. Dobzhansky على وجهة نظر ليڤنجستون Livingstone، فى نفس المكان.

وسيكون خطأً جوهريا أن يبنى أى شخص حجته ضد العرقية بالاعتماد على نظريات عن الماضى من المحتمل أن تغدو موضع شك مع اكتشاف جديد لعظام عتيقة أو تقنيات جديدة لفك شفرة الماضى الچينى للبشرية.

40: R. Ardrey, African Genesis (London, 1967), p.20.

41: R.A. Dart, The Predatory Transition from Ape to Man, International Anthropological and Linguistic Review, Vol.1, No.4, 1953.

42: هذا هو عرض وجهة النظر هذه من جانب اثنين من خصومها: M. Wolpoff and A. Thome (The Case Against Eves, New Scientist, 22 June 1991). غير أن نفس التعليق يُبْديه على هذه الفرضية بعض أولئك الذين يؤيدونها.

43: أنا أقوم بتبسيط وجهة النظر هذه هنا لكى أسهِّل متابعتها بقدر الإمكان. والواقع أن معظم السمات المميزة هى نتاج لأزواج كثيرة مختلفة من الچينات. غير أن هذا لا يؤثر على صحة فكرتى. للاطلاع على وصف شعبى أكمل لأحدث نظرية چينية، انظرْ S. Jones, The Language of Genes (London, 1993), Ch 2.

44: يميز علماء الچينات بين التحول المستمر لنوع بكامله إلى نوع جديد يحل محل النوع القديم من خلال الانتخاب الچينى gene selection (“anagenesis”) وانقسام نوع فرعى ليتطور إلى نوع جديد إلى جانب النوع القديم cladogenesis. انظرْ مقدمة R. Foley (ed.), Hominid Evolution and Community Ecology, p.15. ويسمى أليكسيڤ Alexeev أولئك الذين ينظرون إلى النوع البشرى بكامله باعتبار أنه يتطور إلى نوع جديد على أنهم كليِّون lumpers، وإلى أولئك الذين ينظرون إلى مجموعة صغيرة تنقسم لتكوين مجموعة جديدة على أنهم تقسيميِّون splitters. انظرْ O. Alexeev, The Origins of the Human Race (Moscow, n.d.), p.101.

45: يقودهم هذا إلى الإشارة إلى أن “حواء الأفريقية” African Eve والفرضيات “المتعددة الأقاليم” “multi-regionalist” hypotheses [فرضيات النشأة المتعددة المناطق الجغرافية للإنسان بما فى ذلك الإنسان المنتصب القامة والإنسان النيانديرتالى والإنسان الحديث (العاقل العاقل أو العارف العارف) منذ مليونىْ سنة، والفرضية البديلة هى نشأة الإنسان الحديث الأفريقى الأصل منذ حوالى 100-200 ألف سنة وهجرته منذ حوالى 50 ألف سنة إلى باقى العالم ليحل محل الأشكال القديمة – المترجمة] لا تستبعدان بعضهما بالضرورة: “إذا كانت الچينات التى تتحكم فى شكل الجمجمة فى الحمض النووى د.ن.أ، وهو ما يبدو محتملا، فإنها يمكن أن تغيِّر بصورة محلية التواتر كنتيجة لضغوط الانحراف أو الانتخاب البيئى المحلى. ونحن لا نرى بالتالى أىّ عدم ملاءمة فى الأصل الأفريقى لكل النسيج الميتوكوندريالى البشرى والاستمرار المحلى لبنية عظمية متميزة. ولا شك فى أن وجود كل منهما يعزز النظرة إلى الجنس البشرى باعتباره نوعا واحدا هجينا”، انظرْ T. Rowell and M.C. King, letter in New Scientist, 14 September 1991.

46: C. Stringer, Homo sapiens, single or multiple origin, in J.R. Durant, op. cit., p.77.

47: S. McBrearty, op. cit., p.134.

48: انظرْ، على سبيل المثال، P. Graves, op. cit., p.521, and E. Zubrow, quoted in R. Leakey and R. Lewin, Origins Reconsidered, p.234-5.

49: N.M. Tanner, op. cit., p.155.

50: للاطلاع على ملخصات لوجهات نظر آيزيكس Isaacs، وانتقادات بينفورد Binford وآخرين لها، انظرْ R.J. Blumenschine, Breakfast at Olorgesalie, Journal of Human Evolution, Vol.21, No.4, October 1991, and J.M. Sept, Was there no place like home?, Current Anthropology, Vol.33, No.2, April 1992.

51: J.A. Gowlett, The Mental Abilities of Early Man, in R. Foley (ed.), op. cit..

52: مستشهد به فى N.M. Tanner, op. cit.، انظرْ أيضا P.V. Tobias, The brain of homo habilis, Journal of Human Evolution, 1987, p.741.

53: C. Woolfson, The Labour Theory of Culture, op. cit., p.3.

54: J.M. Sept, Was there no place like home?, op. cit., and Binford, quoted in R.J. Blumenshine, Breakfast at Olorgesailie, p.307.

55: وجهة نظر يستشهد بها P. Graves, op. cit., p.519.

56: Robert Cargett’s view, referred to in R. Leakey and R. Lewin, Origins Reconsidered, p.270; see also M.C. Stimer, T.D. White and N. Toth, The Cultural Significance of Grotta Guaterii Reconsidered, Current Anthropology, Vol.32, No.2, April 1991.

57: من المدهش جدا أن هذه الحجة يطرحها بقوة بالغة شخص راغب فى أن يكون ماركسيا هو كريس نايت Chris Knight, op. cit.
58: وجهات نظر ليبرمان Lieberman يشتمل عليها كتابه Uniquely Human (Cambridge Mass, 1991).

59: انظرْ Gould and Eldridge, Paleobiology 3, 1977؛ وللاطلاع على نقد لوجهات نظرهما، انظرْ Cronin and others, Nature 292; for a summary of the debate, see C. Stringer, Human Evolution and Biological Adaptation in the Pleistocene, in R.A. Foley (ed.), Hominid Ecology, p.57.

60: A. Kuper, op. cit., p.53.

61: Ibid., p.79.

62: يشدد على أهمية الجدائل أو الخيوط من نوع ما جوناثان كينجدون Jonathan Kingdon، الذى تستطيع معرفته بإيكولوچيا الثدييات الأفريقية أن تُلقى ضوءًا هائلا على الشروط التى وجد فيها البشر المبكرون أنفسهم، انظرْ كتابه Self Made Man, op. cit., p.51.

63: W.C. McGrew, Chimpanzee Material Culture, in R.A. Foley (ed.), The Origins of Human Behaviour (London, 1991, p.19-20.

64: .S.T. Parker and K.R. Gibson, The Importance of Theory for Reconstructing the Evolution of Language and Intelligence, in A.B. Chiarelli and R.S. Corrucinia (eds.), Advanced Primate Biology (Berlin, 1982), p.49.

65: T. Wynn, Archaeological Evidence for Modern Intelligence, in R.A. Foley (ed.), The Origins, op. cit., pp.56-63.

66: A. Kuper, op. cit., p.89.

67: P. Graves, op. cit., pp.519-521; R.A. Foley, The Origins, op. cit., p.83.

68: N. David, On upper palaeolithic society, ecology and technological change: the Noaillan case, in Colin Renfrew (ed.), Explaining Cultural Change (London, 1973),p.276.

69: يزعم ب. أرينسبورج B. Arensburg و ب. ڤاندرميرش B. Vandermeersch أن العظم اللامى hyoid bone لإنسان نيانديرتالى من60 ألف سنة مضت عُثر عليه فى كهف كيبارا Kebara فى جبل الكرمل فى إسرائيل يشير إلى أنه “يبدو أن الأساس المورفولوجى لقدرات الكلام البشرى كانت متطورة تماما”، مستشهد به فى R. Leakey and R. Lewin, Origins Reconsidered, op. cit., p.272. ويعترض ليبرمان Lieberman على أهمية هذا الاكتشاف. وللاطلاع على عرضه الخاص لهذه المناظرة، انظرْ كتابه Uniquely Human, op. cit., p.67.

70: Lieberman, ibid., p.65.

71: C. Stringer, Human Evolution and Biological Adaptation in the Pleistocene, in R.A. Foley (ed.), op. cit., p.64.

72: حتى ليبرمان Lieberman، رغم اقتناعه بأن الاستعمال التام للُّغة كان تطورا لاحقا، يشدد على دور العمل: “من المحتمل أنْ تكون الآليات الدماغية التى تسيطر على الكلام مستمدة من آليات سهَّلت المهام اليدوية الدقيقة التى تُؤَدَّى بيد واحدة”.

73: هذه النقطة مهمة جدا حيث إن واحدا من أفضل داحضى السوسيوبيولوچيا، ستيفين جولد Stephen Gould، يُبدى فى أحدث أعماله بعض العلامات على انزلاق “بعد-حداثىّ” ما. ففى كتابه Bully for Brontosaurus، يميل نحو قبول فكرة أن اللغة ظهرت فجأة منذ 35 ألف سنة، على حين أنه فى كتابه Wonderful Life (London, 1989) [حياة رائعة] يوجز خطوطا عريضة لفلسفة كاملة للتاريخ تشدد على ميلها الصدفى وعشوائيتها أكثر من وضوحها، كما هو الحال عندما يكتب: “لا يرتكز تفسير تاريخىّ على استدلالات مباشرة من قوانين الطبيعة، بل على تتابع لا يمكن توقعه لحالات سابقة، حيث يكون لأىّ تغير رئيسى فى أىّ خطوة فى التتابع قد بدَّل النتيجة النهائية. وبالتالى فإن هذه النتيجة النهائية معتمدة على، أو مشروطة ﺒ، كل شيء جاء من قبل – البصمة التى لا تُمحى والحاسمة للتاريخ” (p.283). غير أنه ليس كل شيء “مشروطا” فى الواقع. وفى بعض الأحوال، من المرجح أن تحدث أشياء بعينها، فى كل من العالم البيولوچى والتاريخ – فى مواجهة انقراضات واسعة النطاق، ومن المرجح أن تكون مخلوقات بعينها ذات بنية چينية بعينها قادرة على البقاء أكثر من مخلوقات أخرى، وفى مواجهة تغيُّرٍ ما فى البيئة يكون من المرجح أن تكون أنواع بعينها من العمل البشرى والتنظيم الاجتماعى قادرة أكثر من أنواع أخرى على النجاح فى التغلب على المصاعب، وفى مواجهة تغيرات بعينها فى المجتمع من المرجح أن تستجيب طبقات ذات مصالح بعينها بطرق بعينها. وهذا هو السبب فى أننا لا نستطيع فقط أن نكتب التاريخ، بل نستطيع استخدامه، فى حدود معينة، فى تنوير الحاضر. ولا يمكننى أن أمتنع عن الإحساس بأن جولد نفسه كان سيعترف بهذا فى ستينيات القرن العشرين الراديكالية ويُعتبر موقفه الحالى إلى حد كبير انعكاسا للأنماط الفكرية المتغيرة أكثر منها اقتناعا شخصيا. كما يجب أن نضيف أن البساطة الممتازة للُّغة التى يعبِّر بها عن أفكار علمية يمكن أن تموِّه واقع أن وجهات النظر التى يعبر عنها تكون فى بعض الأحيان وجهات نظر يقاومها بشدة باحثون آخرون (كما هو الحال مع تفسيره الخاص لاكتشافات بورجيس شيل Burgess Shale فى Wonderful Life).

74: N.M. Tanner, op. cit., p.56.

75: R.J. Rayner and others, Journal of Human Evolution, Vol.24, p.219, quoted in S. Bunney, Early Humans were Forest Dwellers, New Scientist, 10 April 1993.

76: انظرْ، على سبيل المثال، مساهمة W.S. Laughlin, Hunting, its Evolutionary Importance, in P.B. Hammond, op. cit., p.42.

77: على سبيل المثال L. Binford, Bones, Ancient Man and Modern Myths (New York, 1981).

78: انظرْ، على سبيل المثال، B.J. King, Comment on J.M. Sept, Was there no place like home?, Current Anthropology, Vol.33, No.2, April 1992, p.197.

79: N.M. Tanner, op. cit., p.139.

80: Ibid., p.149.

81: B. Trigger, comment on Tobias, Piltdown, the Case Against Keith, in Current Anthropology, Vol.33, No.3, June 1992.

 

« السابق التالي »