بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إنجلز وأصل المجتمع البشري

« السابق التالي »

القسم الثاني أصل الطبقات والدولة

انتهى كتيب الدور الذى لعبه العمل بفقرات قليلة تُشير إلى كيف أنه، بمجرد أن ترسَّخ النوع البشرى بيولوچيا، أدى عمله فى العالم بالتالى إلى تغيرات متعاقبة فى مؤسساته الاجتماعية. وانطلق كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، المؤلَّف بعد ذلك بثمانى سنوات، من هذه الرؤى، مطوِّرا التفسير الشامل لتطور المجتمع البشرى.

وقد أكد [أصل العائلة] أن البشر عاشوا فى الأصل فى مجتمعات بدون ملكية خاصة بالمعنى الذى نستخدمه اليوم للكلمة (أىْ، لا ثروة خاصة، فى مقابل، مثلا، فُرَش الأسنان)، وبدون أىّ انقسام إلى طبقات، وبدون أىّ سيطرة للرجال على النساء. غير أن تغيرات فى الطريقة التى تعاون بها البشر لإنتاج أسباب عيشهم أدت إلى أنْ تحلّ محل هذه المجتمعات “الشيوعية البدائية” مجموعة متعاقبة من أشكال المجتمع الطبقى، تمثل الرأسمالية الحديثة شكلها الأحدث. ومع المجتمع الطبقى جاءت الدولة وأشكال مختلفة من العائلة جرى فيها اضطهاد النساء.

وإذا كان قد تم تجاهل الدور الذى لعبه العمل من جانب العلوم الاجتماعية الراسخة، فإن أصل العائلة كانت تجرى إدانته بشكل منهجى. وكانت فكرة “الشيوعية البدائية” بأكملها مرفوضة باعتبارها قصة خرافية. وكانت تجربة عالمة الأنثروپولوچيا الأمريكية إليانور ليكوكEleanor Leacock نموذجية. وهى تخبرنا كيف أنه كان “مقبولا بشكل عام عندما كنت طالبة أن “الشيوعية الفعلية” التى أشار إليها لويس هنرى مورجان و فردريك إنجلس لم توجد مطلقا فى الحقيقة”(82).

وجزئيا، كان الهجوم على إنجلس سياسيا، مرتبطا بالهجوم العام على الأفكار الاشتراكية. لكن الهجوم كان يتوافق أيضا مع تيار عام غير تاريخى، وغير تطورى فى السوسيولوچيا والأنثروپولوچيا الاجتماعية. وعلى حين أنه فى القرن التاسع عشر كانت هذه الفروع من المعرفة قد نشأت باعتبارها محاولات تأملية لإثبات كيف تطور كل التاريخ البشرى عضويا إلى معجزة الرأسمالية الحديثة، فإنه فى القرن العشرين كان التيار فى الاتجاه المعاكس – ليرفض أىّ مفهوم للتطور الاجتماعى مهما كان. وكانت هناك تفسيرات عديدة للحياة داخل ثقافات فردية. وكانت هناك محاولات لإثبات كيف كانت لمختلف أشكال مجتمعات “بدائية” بعينها “وظيفة” تتمثل فى استمرار المجتمع. وكانت هناك حتى محاولات لتقديم “نظرية” لقيام أىّ مجتمع وكل مجتمع بوظيفته، حيث كانت المحاولات الأكثر مبالغة والأكثر عقما هى كتابات تالكوت پارسونز Talcott Parsons. غير أنه كان هناك دحض لأى محاولة لتفسير التطور الاجتماعى.

غير أنه طوال هذه الفترة، أثبتت الأبحاث الفعلية لعدد من علماء الأنثروپولوچيا الاجتماعية وجود عدد هائل من المجتمعات لم توجد فيها طبقات، أو الدولة، أو اضطهاد النساء كما نعرفه اليوم- على سبيل المثال كُتُب Coming of Age in Samoa [بلوغ سن الرشد فى ساموا] ﻠ مارجريت ميد Margaret Mead ، و Patterns of Culture [نماذج الثقافة] ﻟ روت بينيديكت Ruth Benedict، وحتى Argonauts of the Western Pacific and Sex and Repression in Savage Societies [مغامرون غرب المحيط الهادئ والجنس والقمع فى المجتمعات الوحشية] ﻟ برونيسلاو مالينووسكى Bronislaw Malinowski و African Political Systems [الأنظمة السياسية الأفريقية] ﻟ ميير فورتس Meyer Fortes و إيڤانز پريتشارد Evans Pritchard.

فقط فى فرع معرفى واحد، هو فرع الأركيولوچيا، كانت مفاهيم التطور تواصل وجودها. وربما كان هذا جزئيا لأن الأركيولوچيين وجدوا عظاما بشرية وقطعا أثرية مستقرة فى طبقات چيولوچية وُضعت فى مراحل مختلفة فى الماضى ولهذا كانوا ميالين إلى النظر إليها على أن بعض الطبقات منها كانت تتلو الأخرى. غير أن هذا كان أيضا لأن أبرز شخصية فى الأركيولوچيا البريطانية كان اشتراكيا من الجناج اليسارى، هو ڤ. جوردن تشايلد V. Gordon Childe، الذى انجذب إلى طبعة ستالينية للماركسية فى ثلاثينيات القرن العشرين واستعمل بعض رؤى إنجلس ليتصالح مع أوجه القصور فى تفسيراته الخاصة السابقة للتغير الثقافى (التى اعتمدت على مخططات تفصيلية “انتشرت” من خلالها الثقافة من مجتمع إلى آخر) (83).

ثم فى أواخر ستينيات القرن العشرين تغير المناخ الفكرى- تغيرا لا يمكن فصله عن تبدلات أوسع فى ذلك العقد. وعلى حواف العالم الأكاديمى بدأ بعض الأنثروپولوچيين (ومن بينهم ماركسيون مثل إليانور ليكوك ومعادين للإمپريالية مثل ريتشارد لى) يعملون مع الأركيولوچيين (الذين كانوا غالبا متأثرين ﺒ جوردن تشايلد) على التطوير التفصيلى لتفسيرات تطورية للمجتمع البشرى. وقد قاموا بالفعل بإعادة إثبات صحة الأفكار التى ظلت مُدانة طوال جيلين، خاصة وجهة النظر المتعلقة بأن البشرية عاشت طوال مئات الآلاف من السنين فى مجتمعات بدون طبقات، وبدون ملكية خاصة، وبدون الدولة.

وفى الوقت الحاضر، يمكن لشخص واسع التأثير وغير ماركسى مثل إرنست جيلنر Ernest Gellner أن يوافق على أنه على مدى فترة طويلة عاش البشر باعتبارهم “صيادين/جامعين … يتحددون بواقع أنهم لا يملكون أىّ وسائل للإنتاج، أو لتراكم، أو لتخزين الثروة أو يملكون القليل منها”، فى مجتمعات “تتميز بدرجة منخفضة من تقسيم العمل”(84). ويستطيع ريتشارد لى أن يؤكد باحترام تام: “قبل نشوء الدولة ورسوخ اللامساواة الاجتماعية، عاش الناس طوال ألفيات فى مجموعات اجتماعية تقوم على أساس عشائر صغيرة الحجم، اشتملت فيها المؤسسات الأساسية للحياة الاقتصادية على الملكية الجماعية أو المشتركة للأرض والموارد، والتشارك المعمَّم فى توزيع الطعام، والعلاقات السياسية المساواتية نسبيا”.

ولا يعنى هذا أننا نستطيع ببساطة أن نتبنى كل وجهات نظر إنجلس وأن نتعامل معها باعتبارها مقدسة لا تقبل الجدال. وقد لاحظ هو نفسه فى 1891 أن ما كان كتبه فى 1884 قد احتاج إلى مراجعة لأخذ “التقدم المهم” فى المعرفة فى الاعتبار. ونحن نعيش ليس بعد سبع سنوات بل بعد أكثر من 100 سنة من ذلك الزمن. وكما ذكرت كريستين ووارد جيلى Christine Ward Gailey، فى دراسة تُعَدّ إلى أقصى حد ضمن إطار التراث الذى أرساه إنجلس، فإن كثيرا من المعطيات “الإثنوجرافية” (أىْ الأنثروپولوچية) فى أصل العائلة قد تجاوزتها أبحاث لاحقة(85). وهناك نواة أساسية فى مناقشة إنجلس فى أصل العائلة تبقى ذات قيمة قصوى. غير أن من الضرورى أن نخرجها من القبر من نطاق بيانات غير صحيحة فى الواقع ووجهات نظر تأملية تعامل معها بعض أدعياء الماركسية على أنها إنجيل منذ ذلك الحين واستخدمها خصومها لتشويه كل رؤى إنجلس(86).

الشيوعية البدائية

كانت نقطة البدء عند إنجلس إعادة صياغة للرأى الذى كان قد أبداه هو وماركس فى 45-1846، وهو أن الطرق التى يؤمِّن بها البشر معاشهم من الطبيعة تحدد كيف يتعاونون مع بعضهم البعض وأن يضعوا بهذا الأساس لمجتمعات يعيشون فيها:

يتمثل العامل الحاسم فى التاريخ، فى التحليل الأخير، فى إنتاج وإعادة إنتاج الحياة المباشرة … فمن جهة إنتاج وسائل العيش، والطعام، والكساء، والمأوى، والأدوات اللازمة لذلك؛ ومن جهة أخرى إنتاج البشر أنفسهم، إعادة إنتاج النوع. والنظم الاجتماعية التى يعيش فى ظلها البشر فى عصر تاريخى بعينه وبلد بعينه مشروطة بكلا هذين النوعين من الإنتاج …(87).

وكان مورجان، قد توصل بشكل مستقل تماما عن ماركس و إنجلس إلى استنتاج مماثل إلى حد ما(88).

البشر هم الكائنات الوحيدة التى يمكن أن يقال إنها حققت سيطرة مطلقة على إنتاج الطعام … وبدون وضع أساس العيش ما كان بمستطاع البشر إعادة إنتاج أنفسهم فى مناطق مختلفة … وفى نهاية المطاف على كل سطح الأرض …

وبالتالى فإن من المحتمل أن العصور الكبرى لتقدُّم البشر قد تميزت بشكل مباشر إلى هذا الحد أو ذاك بالتوسع فى مصادر العيش (89).

وقد حذا إنجلس حذو مورجان فى تقسيم تاريخ البشر إلى ثلاث مراحل كبرى – الوحشية، والبربرية، والحضارة. وكانت لكل مرحلة منها “ثقافة متميزة وأسلوب حياة خاص إلى هذا الحد أو ذاك وفريدا من نوعه” وقامت على أسلوب خاص لتحقيق وسائل العيش(90).

الوحشية- الفترة التى ساد فيها امتلاك المنتجات الطبيعية، الجاهزة للاستخدام؛ وكانت الأشياء التى ينتجها الإنسان أدوات تُسهِّل هذا الامتلاك، بصفة رئيسية.

البربرية – الفترة التى تم فيها اكتساب المعرفة الخاصة بتربية الماشية وزراعة الأرض، حيث تم تعلُّم طرق زيادة إنتاجية الطبيعة من خلال النشاط البشرى.

الحضارة – الفترة التى تم فيها اكتساب المعرفة بالمزيد من تحسين المنتجات الطبيعية، وبالصناعة بمعناها الدقيق وبالفن (91).

وقد عكست المصطلحات ذاتها الأحكام المسبقة لأواخر القرن التاسع عشر، المتعلقة بفكرة ما يسمى بالمجتمعات “البدائية” على أنها “وحشية” و”بربرية”. غير أن مورجان و إنجلس اللذين رفضا إلى حد كبير تلك الأحكام المسبقة، كانا قادرين على استخدام هذه التمييزات من أجل فهم ما هو رئيسىّ لأىّ دراسة علمية للتطور الاجتماعىّ للبشر: التمييز بين مجتمعات يحصل فيها البشر على معاشهم من خلال جمع التوت، والجوز، والجذور، وصيد المخلوقات البرية (ما يسمى بمجتمعات “الجمع-الصيد” أو مجتمعات “البحث عن الطعام” “foraging” societies)؛ ومجتمعات يزرع فيها البشر الأرض ويرعون قطعان الثدييات (“مجتمعات زراعية”)؛ ومجتمعات على قدر يكبر أو يصغر من الحضرنة (“الحضارة” بالمعنى الحرفى للقيام على المدن) (92). وقد مكَّن هذا بدوره إنجلس من تحدى أحكام مسبقة أرثوذكسية عديدة حول المجتمع.

ويزعم أغلب المفكرين الرجعيّين أن “المجتمعات البدائية” هيراركية بشكل ملحوظ، تحت هيمنة الذكور الوحشيين العدوانيين القتلة(93). وبما أن هذه المجتمعات كانت موجودة لفترة أطول من “الحضارة” بكثير، يقال إنه ينتج عن ذلك أن الطبيعة البشرية وحشية وعدوانية وقاتلة كذلك.

وكان رأى إنجلس مختلفا للغاية. فقد أكد أن المجتمعات المبكرة كانت منظمة على أسس مختلفة تماما عن المجتمعات الطبقية، مستخدما كنموذج له وصف مورجان عن الإيروكوا Iroquois فى أمريكا الشمالية. ولم تكن هناك ملكية خاصة عندهم ولا انقسام إلى طبقات. ولم توحِّدهم دولة بمعنى “سلطة عامة محدَّدة منفصلة عن مجموع أولئك المعنيين فى كل حالة”. وبدلا من ذلك، كانوا منظمين من خلال تجمعات ممتدة، ومتشابكة من ‘قربى الدم’” (أىْ من أشخاص أقارب لبعضهم البعض، أو يعتقدون ذلك على الأقل) – تجمعات أطلق عليها إنجلس اسم چنتيز (جمع: چينز) [مجموعة عائلات ينحدر أفرادها من سلف ذكورى مشترك] أو “عشائر”، أو “قبائل”، أو “أخويات” ويطلق عليها الأنثروپولوچيون الحديثون عادة اسم “بَدَنات” lineages (ج: بَدَنة) [جماعة قرابة ذات سلف مشترك – المترجمة]:

هذا التكوين العشائرى رائع فى كل بساطته الشبيهة ببساطة الأطفال. كل شيء يجرى بسلاسة بدون جنود، أو رجال درك، أو شرطة (پوليس)؛ بدون نبلاء، أو ملوك، أو حكام، أو أمراء الشرطة، أو قضاة؛ بدون سجون وبدون محاكمات. وكل الخصومات والنزاعات يقوم بتسويتها مجموع أولئك المعنيين جميعا … ورغم أن هناك شئونا مشتركة عديدة أكثر مما فى الوقت الحاضر – تقوم بإدارة الأسرة الحيازية بصورة مشتركة وشيوعية عدة عائلات، والأرض ملكية قبلية، حيث يتم بشكل مؤقت فقط تخصيص الحدائق الصغيرة للأسرة – وكان ما يزال الأمر لا يحتاج إلى أىّ قطعة صغيرة من آلتنا الإدارية الضخمة المعقدة.

ولا يمكن أن يكون هناك فقراء ومحتاجون – تعرف الأسرة الحيازية الشيوعية الطابع و”الچينز” مسئوليتهما تجاه كبار السن والمرضى وأولئك المعاقين بسبب الحرب. والجميع أحرار ومتساوون، بما فيهم النساء. ولا يوجد بَعْدُ مجال للعبيد ولا، كقاعدة، لإخضاع قبائل أجنبية …

هكذا كان البشر والمجتمع البشرى قبل ظهور التقسيمات الطبقية …(94).

وقد أيدت الدراسات الحديثة لمجتمعات الصيد-الجمع والمجتمعات الزراعية المبكرة الباقية المحتوى الأساسىّ لتفسير إنجلس. إذْ تعيش شعوب الصيد-الجمع فيما يسمى عادة ﺒ “مجتمعات الزُّمر” “band societies” [المجموعات الصغيرة البسيطة البنية الاجتماعية]” – التى تقوم على مجموعات ضيقة مفتوحة من 30 أو 40 شخصا والتى قد تدخل، من حين لآخر، مع مجموعات أخرى فى تجمعات أكبر تصل قوتها العددية إلى مائتىْ شخص. ولا توجد قيادة رسمية، وناهيك بالتقسيم الطبقى داخل هذه المجتمعات.

وكان اتخاذ القرارت الفردية ممكنا لكل من الرجال والنساء، فيما يتعلق بشئونهم الروتينية اليومية … والرجال والنساء على السواء أحرار فى حسم الطريقة التى سيقضون بها كل يوم: سواء الذهاب إلى الصيد أو الجمع، ومع مَنْ(95) …

ولم يكن هناك وصول متمايز إلى الموارد من خلال الملكية الخاصة للأرض ولا تخصُّص فى العمل أكثر من ذلك الخاص بالنوع [الذكر والأنثى] … وكان المبدأ الأساسىّ لمجتمعات الزُّمَر المساواتية يتمثل فى أن الناس كانوا يتخذون القرارات حول الأنشطة التى كانوا مسئولين عنها(96).

يتمتع الأعضاء الأفراد لمجتمعات الزُّمَر بمستوى من الاستقلال الذاتىّ بشكل أكبر بما لا يقاس من جماهير الناس فى المجتمعات الطبقية. غير أن هذا غير مصحوب بالأنانية فى علاقاتهم ببعضهم البعض. وعلى العكس، يكون التركيز على الكرم، على مساعدة الأفراد لبعضهم البعض:

لا يتم مطلقا استهلاك الطعام بصورة منفردة من جانب عائلة واحدة: يجرى دائما تقاسُمُه بين أعضاء مجموعة أو جماعة معيشية … ويتلقى كل عضو فى المعسكر نصيبا منصفا … وكان مبدأ التشارُك المعمَّم هذا هو ما تؤكده التقارير عن مجتمعات الصيد-الجمع فى كل قارة وفى كل نوع من البيئة(97).

وهناك ازدراء شديد جدا لمفاهيم المنافسة التى تعتبر أمرا مسلَّما به فى مجتمعنا. وكما يخبرنا ريتشارد لى عن شعب !كونج !Kung (98) فإن شعب صحراء كالاهارى (الذين يطلق عليهم اسم “البوشمان” Bushmen):

!كونج شعب مساواتىّ بشدة، وقد طوروا مجموعة من الممارسات الثقافية المهمة للحفاظ على هذه المساواة، أولا عن طريق الحد من أهمية الغطرسة والتفاخر، وثانيا عن طريق مساعدة أولئك الذين لم يحالفهم الحظ ليعودوا إلى الدخول فى اللعبة … ويتم تشجيع الرجال على الصيد بأقصى قدر يستطيعونه، ولكن السلوك الصحيح للصياد الناجح هو التواضع وعدم التفاخر(99).

ويخبرنا أحد أفراد !كونج:

نفترض أن رجلا يصطاد. إنه لا يجب أن يعود إلى البيت ويعلن مثل فَشَّار. “قتلت فريسة كبيرة فى الغابة!” يجب أولا أن يجلس فى صمت حتى آتى أنا أو شخص آخر ويصل إلى ناره ويسأل “ماذا فعلت اليوم؟” ويجيب بهدوء، “آه، أنا لا أُجيد الصيد. لم أر شيئا على الإطلاق … ربما مجرد فريسة صغيرة”. ثم أبتسم أنا، لأننى أعرف أنه قتل فريسة كبيرة(100).

وقد لاحظ شخص يسوعى مبكر عن شعب صيد-جمع آخر، هو شعب إينو “الجبليين” فى كندا أن: “الطاغيتين اللذين يذيقان كثيرين من إخوتنا الأوروپيين المعاناة والعذاب لا يسودان فى غاباتهما الضخمة – أعنى الطموح والجشع … وحيث إنهم راضون بالكفاف، لم يبع أحدهم نفسه للشيطان للحصول على ثروة”(101). وليس هناك زعماء أو رؤساء فى مثل هذه الزُّمَر. وهكذا كان أقزام مبوتى Mbuti فى الكونغو:

لم يكن لديهم زعماء مطلقا … وفى كل جانب من جوانب حياة الأقزام ربما كان هناك رجل أو رجلان أو امرأة أو امرأتان كانوا أكثر بروزا من آخرين، ولكنْ غالبا لأسباب عملية معقولة … كانت المحافظة على القانون شأنا تعاونيا … وكان يتم التعامل مع الجرائم الأكثر خطورة، مثل السرقة، من خلال علقة ساخنة كانت تُمارَس بشكل تعاونى من جانب كل مَنْ يشعرون بالميل إلى المشاركة، ولكن فقط بعد أن يشارك المخيم بأكمله فى مناقشة القضية … والحقيقة أن الأقزام يكرهون السلطة الشخصية ويتجنبونها (102).

وبين شعب !كونج “توجد بالفعل نماذج للقيادة”، ولكنها مختلفة جدا عن السلطة كما نعرفها. وفى المناقشات تميل آراء بعض الأفراد إلى أن تكون مؤثرة أكثر من أخرى. “يكون أولئك الأفراد فى العادة أشخاصا كبار السن عاشوا هنا أطول فترة … ولديهم بعض الملكات الشخصية الجديرة بالذكر كمتحدثين أو مجادلين أو متخصصين طقسيين أو صيادين”. ولكنْ،

مهما كانت مهاراتهم فإنه ليس لدى قادة !كونج سلطة رسمية. إنهم يستطيعون فقط إقناع الآخرين، لكنهم لا يفرضون إرادتهم على الآخرين مطلقا … ولا أحد منهم متغطرس أو متسلِّط أو متفاخر أو منعزل. ومن بين مواضعات !كونج، أن هذه السمات تَحرم الشخص تماما من أن يكون قائدا … وهناك سمة أخرى لا توجد قطعا بين قادة المخيمات التقليدية وهى الرغبة فى الثروة أو حب التملك(103).

والأهم من هذا – وكان إنجلس مخطئا فى هذه النقطة – أنه لم يكن هناك سوى القليل جدا من المجهود الحربى بين الصيادين-الجامعين. وربما كانت هناك بين الحين والآخر صدامات بين زُمَر مختلفة، ولكنها كانت ذات أهمية هامشية(104). وبين شعب !كونج، على سبيل المثال، يوجد تصوُّر تكون بموجبه بئر ماء ومساحة الأرض التى حولها “ملكًا” لمجموعة وتنتقل من جيل إلى جيل. غير أن مجموعات أخرى قد تستخدم الأرض، شريطة أن تطلب الإذن. “والنزاعات بين المجموعات على الطعام ليست غير معروفة بين شعب !كونج، ولكنها نادرة …”(105).

وتدحض مثل هذه الأدلة تماما المزاعم القائلة بأن كامل ما قبل تاريخ البشرية، من زمن الأوسترالوپيثيسينين وصولا إلى ظهور القراءة والكتابة، قام على “واجب القتل”، وبأن “زُمَر الصيد-الجمع تقاتلت على آبار الماء التى كانت تميل إلى الاختفاء تحت الشمس الأفريقية الحارقة”، وبأننا جميعا “أبناء قابيل”، وبأن” تاريخ الإنسان ظل يدور حول تطور الأسلحة المتفوقة … بحكم الضرورة الچينية”، وبأنه، لهذا، فإن مظهرا براقا فقط “للحضارة” يحجب “الابتهاج بالمجزرة ، والعبودية، والإخصاء، وأكل لحوم البشر” بصورة فطرية(106).

ولايمكن فهم خصائص “الشيوعية البدائية” عند مجتمعات الزُّمَر بالنظر إلى الطريقة التى يدبرون بها معيشتهم. والحجم الطبيعى للزُّمَر مقيد بالحاجة إلى الحصول على الطعام الكافى كل يوم فى منطقة مخيمهم. وداخل هذه المنطقة سوف يتحرك الأعضاء الأفراد بصورة مستمرة، من مصدر للطعام النباتى إلى مصدر آخر أو فى مطاردة الحيوانات. وسيكون على الزُّمرة بأكملها أن تتحرك بصورة متواصلة، عندما يتم استنفاد إمدادات الطعام فى موقع بعينه. وتحول الحركة المستمرة دون أى تراكم للثروة لأى عضو فى الزُّمرة، حيث يجب أن يكون كل شيء سهل الحمل. وفى معظم الأحيان قد يكون لدى فرد رمح أو قوس وسهم، وحقيبة للحمل أو القليل من الحلىّ الصغيرة. “والقيمة القصوى هى حرية الحركة … الرغبة فى التحرر من العبء والمسئوليات التى قد تتعارض مع الوجود المتنقل المجتمع”(107).

وينتج التركيز على قيمة الكرم عن الطريقة التى يعتمد عليها الصيادون والجامعون بشكل مكثف على بعضهم البعض. ويقوم الجامعون فى العادة بالإمداد ﺒالمصدر المعتمد عليه أكثر للطعام، ويقوم الصيادون بالإمداد بالمصدر الأكثر قيمة. ولهذا يعتمد أولئك الذين يتخصصون فى الصيد من أجل بقائهم اليومى على كرم أولئك الذين يجمعون، على حين يعتمد أولئك الذن يتخصصون فى الجمع – وأولئك الذين لا يكونون ناجحين مؤقتا فى الصيد – على إضافات ذات قيمة إلى نظامهم الغذائى من أولئك الذين ينجحون فى قتل الحيوانات. كذلك فإن الصيد نفسه لا يتألف فى العادة من الفرد الذكر البطل الذى يتوجه للعودة بصيد، بل بالأحرى من مجموعة من الرجال (وأحيانا مع المساعدة الإضافية للنساء والأطفال) يعملون معا لمطاردة واصطياد فريسة.

وهناك دائما تقريبا تقسيم للعمل فى هذه المجتمعات بين الرجال والنساء، حيث يقوم الرجال بمعظم أعمال الصيد والنساء بمعظم أعمال الجمع. وهذا لأن امرأة حاملا أو تُرضع طفلا لا يمكن أن تشارك فى الصيد إلا بتعريض نفسها للأخطار – مهدِّدة بذلك تكاثر الزُّمرة. غير أن هذا التقسيم لا يعادل سيادة الذكور كما نعرفها فى مجتمعنا الحالى. ويشارك كل من الإناث والذكور فى القرارات الرئيسية، مثل متى يُنقل المخيم أو ما إذا كان ينبغى ترك زُمرة ما والانضمام إلى أخرى. والوحدة الزوجية نفسها منظمة بصورة فضفاضة. ويمكن للأزواج فى أىّ مجتمع من هذه المجتمعات أن ينفصلوا دون أن يعرِّضوا فجأة مصدر رزقهم هم أو أطفالهم للخطر(108).

وهكذا كان إنجلس مُحقا فى الإصرار على أنه لم تكن توجد سيطرة منهجيّة على النساء فى هذه المجتمعات. ومن ناحية أخرى فإن من المحتمل أنه كان مخطئا فى تفصيلة واحدة مهمة – لقد بالغ فى تقدير الدور الذى لعبته البَدَنات فى معظم مجتمعات الصيد-الجمع. ذلك أن زُمَر الصيد-الجمع الباقية فضفاضة ومرنة. فالناس أحرار فى دخولها وتركها. وهم غير موجَّهين بإحكام بمجموعات بَدَنات. مع أن أعضاء زُمرة ما يكونون غالبا على قرابة ببعضهم البعض ولديهم، من خلال التزاوج، روابط فضفاضة مع زُمَر أخرى(109).

وكان اعتقاد إنجلس فى قوة الچينز أو العشيرة بين “المجتمعات البدائية” الموجودة كلها نتيجة للمعرفة الأنثروپولوچية فى زمانه. فقد اعتمد بصفة رئيسية على وصف مورجان من المصادر الأصلية عن مجتمع الإيروكوا ووصفه من المصادر الثانوية عن المجتمع الپولينيزى – هذين المجتمعين الزراعيين (أو البساتينيين) المبكرين – أكثر من مجتمعات الصيادين-الجامعين، التى لم يعرف عنها لا إنجلس ولا مورجان الكثير جدا.

والحقيقة أن مجتمعات الصيد-الجمع الموجودة حاليا ليست مماثلة بالضرورة لتلك التى عاشت فيها كل البشرية ذات يوم. ولشعوب مثل !كونج وموبوتى والإسكيمو والسكان الأستراليين الأصليين، تاريخ بطول تاريخنا نحن – ولا بد أن تاريخهم وقع فى البداية تحت تأثير مجتمعات زراعية مجاورة ثم، بشكل صادم، بالاستعمار الغربى(110). ولهذا يمكن أن تكون نماذجهم للحياة الاجتماعية مختلفة من نواحٍ عديدة عن تلك الخاصة بأسلافنا المشتركين. وربما كانت لهذه المجتمعات أبنية بَدَنات قوية، كما اعتقد إنجلس، غير أننا لا نملك دليلا يثبت ذلك.

على أننا فيما يتعلق بمسألة المساواة، نقف على أرض أصلب كثيرا. ولا بد من أن التشديد على التقاسُم، وقيم التعاون القوية، والتكوين المرن للزُّمَر قد ميز حياة أسلافنا على مدى عشرات الآلاف من السنين، تماما كما يميز مجتمعات الصيد-الجمع الحديثة. وتتلائم هذه القيم تماما مع حاجات حياة الصيد-الجمع المتنقلة. وهى ليست أنواع القيم التى توجد فى المجتمعات الطبقية، وبالتالى فإنه لا يمكن أن يكون وجودها بين مجتمعات الصيد-الجمع الحالية نتيجة ضغوط خارجية. ويشدِّد لى عن حق تماما، على أن “الدولة الرأسمالية بكل قوتها الاقتصادية والعسكرية واحتكارها تقريبا للأجهزة الأيديولوچية، لم تنجح فى استئصال جيوب لا تحصى ولا تعد للمشاعية (الشيوعية البدائية)”(111). ويشير هذا فى حد ذاته إلى الشيوعية البدائية باعتبارها مرحلة أسبق على صعود المجتمع الطبقى، باعتبارها كل البشرية فى مرحلة من مراحل تاريخنا.

ولهذا أهمية هائلة لأى مناقشات حول “الطبيعة البشرية”. ذلك أنه إذا كانت مثل هذه الطبيعة موجودة فإنها قد تشكلت عبر الانتخاب الطبيعى، خلال العهد الذى يبلغ طوله 2.5 مليون سنة من الصيد والجمع بين الظهور الأول ﻠﻠ هومو هابيلس والزراعة الأولى للمحاصيل على يد الإنسان العاقل بحلول الألفية الثامنة قبل الميلاد. و لى محق تماما فى الإصرار على أن:

التجربة الطويلة للتقاسُم المساواتىّ هى التى شكلت ماضينا. ورغم تكيُّفنا الظاهر مع الحياة فى المجتمعات الهيراركية، ورغم سجل المسار الكئيب فى الواقع لحقوق الإنسان فى أجزاء عديدة من العالم، هناك علامات على أن البشرية تحتفظ بإحساس راسخ بالمساواتية، وبالتزام راسخ بمعيار العون المتبادل، وبإحساس راسخ بالجماعة(112).

المزارعون الأوائل

يعيش أكثر من 99.9 فى المائة من البشرية اليوم فى مجتمعات تشكلت نتيجة تغيُّر بدأ منذ حوالى 10 آلاف سنة. وكان هذا التغير يشمل بناء قرى مستقرة، واستخدام مجموعات أدوات جديدة أكثر تنوعا وأكثر تعقيدا من العظم والخشب والحجر (ومن هنا مصطلح neolithic [نيوليثى] الذى يعنى the new stone age [العصر الحجرى الحديث])، واستخدام الأوانى الطينية للتخزين والطبخ، وربما وهو الأهم الفلاحة الأولى للتربة.

ويشار اليوم إلى هذا التغيُّر فى العادة بمصطلح جوردون تشايلد “الثورة النيوليثية/ثورة العصر الحجرى الحديث”. وقد اعتبرها إنجلس مساوية للانتقال من “الوحشية” إلى “البربرية”. وأكد أنها بدأت مع إدخال الفخار ثم استمرت فى نصف الكرة الشرقى (أوراسيا وأفريقيا) “مع استئناس الحيوانات”، وفى الأمريكتين “مع زراعة النباتات الصالحة للطعام بوسائل الرى ومع استخدام طوب الطمى (قراميد مجففة فى الشمس) والحجر للبناء”(113). وفى نصف الكرة الشرقى ولكنْ ليس فى الأمريكتين، أعقبت ذلك “مرحلة عليا من البربرية” … “بدأت مع صهر الحديد”. وهنا نلتقى لأول مرة بالنصل الحديدى للمحراث الذى تجره الماشية، وهذا ما جعل من الممكن زراعة الأرض على نطاق واسع و، فى شروط ذلك الزمن، زيادة غير محدودة تقريبا فى وسائل العيش. و”فى علاقة بهذا نجد أيضا إزالة الغابات وتحويلها إلى أراضٍ صالحة للزراعة ومراعٍ – وهو مرة أخرى ما كان يمكن أن يكون مستحيلا بدون الفأس والمعزقة الحديدييْن. ولكنْ جاءت مع هذا أيضا زيادة سريعة فى السكان والكثافة السكانية فى مساحات صغيرة …”(114). وقد أرست هذه التغيرات فى الإنتاج خلال “البربرية”، كما واصل إنجلس مؤكدا، الأساس لأول تطور للمجتمع الطبقى:

إلى مَنْ كانت تنتمى هذه الثروة الجديدة؟ لا شك فى أنها كانت تنتمى فى الأصل إلى الچينز. غير أن الملكية الخاصة لقطعان الماشية لا بد أنها تطورت فى مرحلة مبكرة … وعلى أعتاب التاريخ الثابت نجد فى كل مكان أن قطعان الماشية هى بالفعل الملكية المنفصلة لرؤساء العائلة، تماما بنفس الطريقة التى كانت بها كذلك المنتجات الفنية للبربرية، والأوانى المعدنية، والمنتجات الترفية و، أخيرا، الماشية البشرية – العبيد.

ومن الآن أيضا تم اختراع العبيد أيضا. وكان العبد بلا قيمة [حيث] لم تكن قوة عمل الإنسان تُدرّ فى هذه المرحلة أىّ فائض له وزنه فوق تكلفة إعالته. ومع إدخال تربية الماشية، والأشغال المعدنية، والنسج و، أخيرا، الزراعة الحقلية، تغيَّر هذا …(115).

وكان تفسير إنجلس خاطئا فى عدد من النقاط المهمة. ذلك أن المجتمع الطبقى والحضارة تطورا بالفعل فى أمريكا الوسطى والجنوبية كما فى أوراسيا وأفريقيا. وقد بدأت زراعة الأرض (رغم عدم استخدام المحراث)، تقريبا فى نفس الوقت الذى جرى فيه استئناس الحيوانات، وليس بعده. ولم يكن الشكل الأول للمجتمع الطبقى هو العبودية، التى يبدو أنها كانت شكلا هامشيا لاستغلال الطبقات المضطهدة حتى العصر الإغريقى-الرومانى. غير أن الصورة الكلية التى يقدمها عن ظهور المجتمع الطبقى صحيحة من الناحية الأساسية.
لقد مر التنظيم الكلى للمجتمع بتغيُّر جذرى حيث طورت المجموعات البشرية أساليب جديدة للحصول على موارد عيشها. ففى أزمنة مختلفة انتقلت من الصيد-الجمع إلى الزراعة، بشكل مستقل عن بعضها البعض (فى أقاليم عديدة من الأمريكتين، وثلاث مناطق مختلفة على الأقل فى أفريقيا، ومرتفعات العراق، ووادى الإندوس، والهند الصينية، ووديان وسط پاپوا–غينيا الجديدة، والصين(116)).

وحيثما ذهب التغيُّر التراكمى إلى مدى أبعد أدى إلى أول انقسام إلى طبقات، وإلى الدول الأولى، وإلى أول اضطهاد منهجى للنساء. غير أن التغيُّر الكامل حدث على مدى فترة طويلة جدا من الزمن – أربعة آلاف أو خمسة آلاف سنة فى الحالة المدروسة أكثر، أىْ حالة بلاد ما بين النهرين (العراق الحالى). وفى معظم المجتمعات لم يذهب التغير مطلقا بعيدا إلى هذا الحد، إلى حد أنه حتى منذ قرن ونصف كان ملايين الناس ما يزالون يعيشون فى مجتمعات زراعية غير طبقية.

وقد اقتضى الشكل الأول للزراعة (المسمى فى العادة ﺒ “البستنة”) تنظيف الأرض (عن طريق قطع الغابات والأدغال بالفئوس ثم إحراق الباقى)، ثم زرع وحصد الحبوب أو الدرنات، باستخدام معزقة أو عصا للحفر. وفى العادة كانت خصوبة الأرض تغدو مستنفدة بعد عامين. وكان يُسمح بالعودة إلى البرية ويتم تنظيف مساحة جديدة للزراعة. ولم يكن إنتاج المحصول من مساحة بعينها من الأرض من زراعة “القطع والحرق” المتنقلة هذه تصل تقريبا إلى حجم الزراعة من الأشكال اللاحقة القائمة على الرى أو المحراث، ولكنه كان أكبر إلى حد بعيد من ذلك الذى يتم الحصول عليه من معظم أشكال الصيد والجمع.

وكانت لهذا فى حد ذاته عواقب اجتماعية مباشرة. فلم يعد الناس بحاجة إلى التنقل طوال الوقت، كما كان الحال مع الصيد والجمع؛ والواقع أن التنقل بين البذر والحصاد كان سيغدو مدمرا. وللمرة الأولى، صار من المعقول صُنْع الأوانى الطينية الثقيلة وتخزين الأشياء فيها. وكان إمداد الطعام المحلى كافيا فى أغلب الأحيان لإعالة خمسة أو عشرة أضعاف الناس أكثر من قبل، الأمر الذى سمح بالحياة القروية للمرة الأولى.

وحدثت أيضا، بالضرورة، تغيرات فى التركيب الداخلى لكل مجموعة اجتماعية. من ناحية، صارت الأسرة الحيازية، أقل اعتمادا على التعاون مع باقى المجموعة للحصول على موارد عيشها: كانت هناك حاجة إلى التعاون على النطاق الواسع للمجموعة فى تنظيف الأرض، غير أن كل أسرة كان يمكن أن تبذر وتحصد قطعة الأرض الصغيرة الخاصة بها التى قامت بتنظيفها بنفسها. ومن ناحية أخرى كان لا مناص من أن تكون هناك طرق لتأمين تقديم العون من الأسر التى كان لديها قدر كبير من العمل ولكنْ القليل من الأفواه إلى تلك التى لديها قدر كبير من الأفواه ولكنْ القليل من العمل – خاصة تلك التى كان لديها الكثير من الأطفال الصغار(117). ذلك أن الأطفال كانوا يمثلون إمداد العمل فى المستقبل للقرية ككل، وإنْ لم تتم العناية بهم بالقدر الكافى فإنه كان لا مناص من أن تنقرض المجموعة نفسها فى نهاية المطاف.

والواقع أن الانتقال إلى الزراعة قد أحدث تغيُّرا مهما جدا فى حاجات المجموعة فيما يتعلق ﺒ الإنجاب reproduction. وفى ظل الصيد والجمع، أدت الحاجة إلى حمل الأطفال، فى كل من الجولة اليومية للجمع وفى الانتقالات الدورية لكل المخيم، إلى تقييد صارم لمعدل المواليد. ولم تكن النساء قادرات على تحمُّل أن يكون لديهن أكثر من طفل واحد يحتاج إلى الحمل فى وقت واحد، ولهذا كان يتم الفصل بين الولادات بثلاث أو أربع سنوات (إذا اقتضت الضرورة من خلال الامتناع الجنسى، أو الإجهاض، أو قتل المولود). أما مع الحياة القروية المستقرة القائمة على الزراعة، على النقيض، فإن الطفل كان لم يَعُدْ بحاجة إلى الحمل بعد أن يبلغ عمره عدة أشهر، بل إنه كلما زاد عدد الأطفال، كانت تزيد مساحة الأرض التى يمكن تنظيفها وزراعتها فى المستقبل. وصار الإمداد بالطعام واللوازم الأخرى من أجل الإنجاب شيئا رئيسيا لديناميات المجتمع.

وهناك شيء آخر كان ينبغى توفيره إذا كان للمجموعة أن تزدهر – آلية جديدة ما للسيطرة الاجتماعية. وكان يمكن لنزاع كبير فى زُمرة صيد وجمع أن يُحَلّ ببساطة عن طريق انشقاق الزُّمرة عن طريق تركها من جانب أفراد. وكان من الصعب أن يكون هذا الخيار مفتوحا بالنسبة لمجموعة من المزارعين بمجرد قيامهم بتنظيف وزرع أرضهم. ولم يكن يمكنهم الاستمرار فى البقاء بعد الجدال، والصراعات، وانتهاكات المعاير الاجتماعية إلا إذا كانت هناك بنية فوقية للسيطرة أكثر تطورا بكثير من تلك القائمة بين مجتمعات الصيد-الجمع.

وهذا هو ما يمكن أن يفسر الدور الأكثر قيمة للبَدَنات. ذلك أنها تربط الناس فى المجتمعات الزراعية المبكرة بصورة أوثق بكثير من معظم مجتمعات الصيد-الجمع. فالناس يكونون قد بلوروا بوضوح مجموعة من الحقوق والواجبات إزاء أعضاء الأسر المعيشية الأخرى الذين يرتبطون بهم، إما بشكل مباشر من خلال القرابة أو بشكل غير مباشر من خلال المصاهرة أو روابط المجموعة العمرية. وكان يمكن للأعضاء الذين لا يملكون ما يكفى من الطعام أن يتوقعوا الحصول عليه من الذين يُسمّون “أعمامهم أو أخوالهم” أو “أولاد أعمامهم أو أولاد أخوالهم” فى بَدَنتهم (وليس فقط الأقارب المباشرون، بل أيضا أولاد أعمامهم وأخوالهم من الدرجة الثانية والثالثة وحتى الرابعة وهكذا). وقد تمثلت طريقة تحقيق الهيبة الاجتماعية فى امتلاك فائض كافٍ من الطعام تحت تصرف المرء لتمكينه من أن يكون بالغ العطاء.

وتكفل البَدَنات، من خلال منعها أن يجوع أىّ فرد من الأسرة المعيشية، إنجاب المجموعة ككل. غير أن هذا ليس كل شيء. فمثلما صارت مسئولة عن ممارسة السيطرة الاجتماعية على أعضائها، صارت أكثر تميُّزا بالطابع الرسمى بصورة أكبر بكثير فى طريقة عملها. ويبدأ اتخاذ القرار يتركز فى أيدى بعض أعضاء البَدَنات – وفى العادة أولئك الذين يكونون بين الأكبر سنا. وفى مجتمعات عديدة تمضى الأشياء إلى مرحلة أبعد بحيث تصير بعض البَدَنات ذات هيبة أكثر من أخرى. ويمكن حتى الوصول إلى المرحلة، كما فى تونجا Tonga حتى قبل الاتصال بالأوروپيين، حيث يكون الأشخاص القياديون (“الرؤساء”) فى البَدَنات ذات الهيبة قادرين على أن يتخلصوا من عبء العمل المنتج ويبدأوا فى تحويل أنفسهم إلى طبقة مستغلِّة(118).

المجتمعات الهيراركية الأولى

لماذا حدث هذا التمايُز؟ ويتفق التفسير الأكثر احتمالا مع الأسس التالية: بمجرد أن تستقر مجموعات بشرية فى مكان واحد فإنها تستطيع أن تبدأ فى تخزين كميات كبيرة من الطعام وأشياء أخرى ذات قيمة. وسوف يكون بمستطاع تلك البَدَنات الأكثر نجاحا فى هذا – حتى إذا كان هذا لأسباب عارضة بصورة خالصة، مثل أن تكون أكثر حظا بما يكفى لزراعة الأرض التى تكون أكثر خصوبة من المتوسط – أن تقدم هبات أكبر من بَدَنات أخرى، وأن تكتسب هيبة أكبر. و، بصورة مماثلة، ستكون أُسَر معيشية بعينها داخل كل بَدَنة قادرة على أن تصير أكثر ثراءً من أخرى وستكسب من جديد هيبة أكبر. وتشجع نفس قِيَم الكرم الماثلة فى صميم بنية مثل هذا المجتمع على تمايز فى المكانة الاجتماعية.

ويؤدى هذا إلى ظهور ما يسميه الأنثروبولوچيون “الرجال الكبار”، أىْ الأفراد الذين يكتسبون الهيبة الاجتماعية بسبب الثروة التى تحت تصرفهم. على أنه، وهذا مهم جدا، لا يستخدم هؤلاء الأفراد هذه الثروة لتحقيق رفاهيتهم الخاصة. إنهم يحققون الهيبة الاجتماعية لأنهم على وجه الدقة يعطونها لآخرين.

وفى أكثر أشكاله تطورا، ينشأ نظام كامل لتجميع الثروة والتخلِّى عنها. ويستخدم “الرجال الكبار” مكانتهم الاجتماعية ليجمعوا فى أيديهم أىّ فائض يُترك فى أيدى أعضاء آخرين فى بَدَنتهم. غير أنهم عندئذ يعززون هيبتهم الاجتماعية بإرجاع الفائض مرة أخرى من خلال مهرجانات احتفالية كبيرة إلى أولئك الذين يرتبطون بهم بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمكن لبَدَنة بعينها أن ترفع هيبتها الاجتماعية فوق الهيبة الاجتماعية الخاصة ببَدَنات أخرى، ترتبط بها من خلال المصاهرة، عبر عمل مهرجانات تلك البَدَنات.

وهذا نظام يتمتع فيه بعض الأفراد وبعض البَدَنات بهيبة اجتماعية أعلى من أخرى، حيث تنتهى فى بعض الحالات إلى تأسيس حكام وراثيين وبصفة رئيسية بَدَنات حاكمة. غير أن هذا لم يكن نظاما طبقيا، يستهلك فيه قسم من المجتمع الفائض الذى ينتجه قسم آخر. ورغم تأسيس هيراركيات وراثية أو شبه وراثية على أساس الهيبة الاجتماعية، يبقى نمط الإنتاج مشاعيا، مع نماذج استهلاكية تتسم بالمساواتية والتقاسُم.

ويلاحظ ريتشارد لى أن “عددا كبيرا من المجتمعات الرعوية ومجتمعات البستنة فى العالم الثالث تشترك فى نفس السمات” الخاصة ﺒ “مفاهيم الملكية المشاعية” مثل مجتمعات الجمع-الصيد. “وفى رئاسات قبلية عديدة وصفها الأنثروبولوچيون فى أفريقيا، وجزر المحيط الهادئ ومنخفضات جنوب أمريكا، نلاحظ، على سبيل المثال، أن كثيرا من الجزية التى يتلقاها الحكام يُعاد توزيعها على الرعايا”، وتقيِّد وتُوازن سلطة الحكام قوى الرأى العام والمؤسسات الشعبية”(119). وهكذا فبين شعب النامبيكوارا Nambikwara فى أمريكا الجنوبية:

ليس على الزعيم الحاكم أن يعمل جيدا فقط. إن عليه أن يحاول، وستتوقع منه مجموعته أن يحاول، أن يعمل أفضل من الآخرين … ورغم أنه لا يبدو أن الزعيم الحاكم فى مركز متميز من وجهة النظر المادية، إلا أنه يجب أن تكون تحت سيطرته كميات كافية من فائض الطعام، والأدوات، والأسلحة، والحلىّ … وعندما يرغب أو يحتاج فرد، أوعائلة، أو زُمرة بأكملها، إلى شيء ما، فإن الالتجاء يكون للحاكم. إذن، فالكرم من المتوقع أن يتسم به الحاكم الجديد(120).

ويمكن أن يؤدى هذا حتى إلى أن يمرّ القائد بوقت عصيب من الناحية المادية أكثر من أولئك الذين يحكمهم. هكذا فإن قائد منتدًى بين شعب بوساما Busama غينيا الجديدة “يكون عليه أن يعمل بجدّ أكثر من أىّ شخص آخر لكى يحافظ على مخزونه من الطعام … ويكون عليه أن يكدح طول اليوم – “ويداه لا تتحرران مطلقا من الأرض، وجبهته تتصبب عرقا بشكل مستمر”(121). وفى مثل هذه المجتمعات تظل قِيَم أساسية عديدة قريبة إلى قِيَم مجتمعات الصيد-الجمع أكثر منها إلى القِيَم التى نفترض وجودها فى المجتمعات الطبقية. وهكذا، لاحظ مراقب فى أوائل القرن الثامن عشر لمجتمعات البستنة عند قبائل الإيروكوا أنه “إذا قابل كوخ من الإيروكوا الجياع كوخا آخر لم يستنفد المواد الغذائية بصورة كاملة، فإن الأخير يتقاسم الطعام مع القادمين الجدد … دون انتظار أن يُطلب منه ذلك، رغم أن أعضاءه يعرِّضون أنفسهم بذلك لنفس مخاطر الهلاك مثل أولئك الذين ساعدوهم …”(122). وتظهر قصة مشابهة فى دراسة كلاسيكية عن شعب النوير الرعويين(123).

على أن هذه القيم المشاعية والمساواتية تواجه غالبا بدايات التحدى، مع محاولة الأسرة المعيشية التهرب من التزاماتها الأوسع بطريقة لا تحدث بين الصيادين-الجامعين. وتوجد غالبا – مختبئة تحت الأيديولوچية المشاعية المساواتية – ميول أولية لوضع حاجات الأسرة المعيشية فوق حاجات المجتمع. وعلى سبيل المثال فإن البيمبا Bemba فى شرق أفريقيا سوف يخفون البيرة عندما تحدث زيارة من قريب مُسنّ لهم، قائلين له “واأسفاه، نحن فقراء تعساء، وليس لدينا شيء نأكله”(124). وبين شعب المورى Maoris هناك قول مأثور: “اِشْوِ فأرك (وهو طبق مفضل) وعليه فروه، حتى لا يزعجك شخص ما”(125). وبعد أن أدى إعصار إلى نقص حاد فى الطعام بين شعب تيكوپيا Tikopia – وهو شعب مشهور بكرمه – بدأت الأسرة المعيشية تتجنب أن تأكل عندما يكون أشخاص كانوا يعتزمون تقاسُم الطعام معهم حاضرين(126).

وليس هذا السلوك المتناقض نتيجة نوع من”طبيعة بشرية” أنانية بصورة متأصلة، بل هو تناقض ماثل فى صميم بنية نظام الإنتاج ذاته. كذلك فإن الإنتاج نفسه لا يعتمد على التعاون من جانب المجموعة بأكملها، كما هو الحال فى مجتمعات الصيد-الجمع، بل يقوم إلى حد كبير على العناية بالمحاصيل والحيوانات من جانب أفراد الأسرة المعيشية(127). وتهتم البَدَنة والمجموعة بالتوزيع وإعادة الإنتاج، بدلا من الإنتاج. وكما تعبِّر كارين زاكس Karen Sachs، هناك “تناقض” فى هذا “النمط للإنتاج” بين “علاقات الإنتاج” التى تقوم على أساس البَدَنة و”قوى الإنتاج” التى تعتمد بصفة رئيسية على الأسرة المعيشية(128).

ويعتمد بقاء المجتمع على كل من الاهتمامات الفردية الخاصة للأُسَر المعيشية التى تعزز الإنتاج والتقاسم التعاونى الغيرى داخل المجموعة الذى يقوم بتأمين إعادة الإنتاج التشاركى. ويعنى هذا أن الأسرة المعيشية تُبْدِى المقاومة لالتزاماتها تجاه المجتمع الأعرض فى حالة نشوء أوضاع تكون فيها حياتها هى نفسها فى خطر. إنها ليست مسألة منفعة فردية ضد الرفاهية الاجتماعية، بل هى مسألة تصادُم حاجات عنصر واحد فى نمط الإنتاج مع عناصر أخرى.

وفى العادة تنجح الأسرة المعيشية فى التوفيق بين الضغوط المتعارضة، ولا ينهار النظام. غير أنه ليس من الصعب أنْ نرى كيف يمكن لتغيرات لداخلية (تقنيات إنتاجية جديدة) أو لضغوط لخارجية (كوارث طبيعية، إنهاك الأرض، تأثير المجتمعات الأخرى) أنْ تخلق شروط أزمة حادة لا يعود فيه النظام القديم قادرا على الاستمرار، مما يؤدى بأسرة معيشية غنية ما أو بَدَنات إلى الإحجام تماما عن التزاماتها القديمة. وهكذا فإن ما كان ثروة تُوهَب للآخرين فى مقابل الهيبة الاجتماعية صارت عندئذ ثروة يجرى استهلاكها بينما يعانى الآخرون. و”فى الأشكال المتقدمة من الرئاسة القبلية … فإن ما يبدأ بقيام رئيس قبلى بالتخلى عن إنتاجه لمنفعة الآخرين ينتهى، بشكل ما، إلى أن يتخلى الآخرون عن إنتاجهم لمنفعة الرئيس”(129).

هناك تغير آخر بالغ الأهمية فى الانتقال من مجتمعات الجمع-الصيد إلى الزراعة. وللمرة الأولى صار هناك معنى لنشاط حربى منهجى. والثروة التى يجرى تخزينها هى الثروة التى يمكن سرقتها من مجموعات أخرى من المزارعين. وعلى حين أن الصدامات بين الزُّمَر المتنافسة نادرة جدا بين مجتمعات الصيد-الجمع، “يغدو النشاط الحربى المنظم بهدف الدفاع عن الأرض أو توسيعها مرضا متوطنا … بين مجتمعات البستنة”(130).

ولكن الحرب تسمح ﻠبعض الأفراد والبَدَنات باكتساب هيبة اجتماعية عظيمة لأنها تركز النهب والجزية من مجتمعات منافسة فى أيديها. وتصير الهيراركية أكثر حدة، حتى إذا بقيت هيراركية مرتبطة بالقدرة على منح أشياء إلى الآخرين. وإلى هذا الحد، يكون النشاط الحربى عاملا يفتح الباب أمام إمكانية نشوء علاقات طبقية فى مواجهة أزمة اجتماعية كبرى بعينها.

وهكذا تقترح كريستين وارد جيلى اعتبار أن محاولات المجموعات ذات المكانة العالية من الرؤساء فى تونجا بين سنتىْ 1100 ميلادية و 1400 ميلادية للتحلل من التزاماتهم تجاه الناس ذوى المكانة المتدنية – لمحاولة تشكيل أنفسهم فى الطبقة الحاكمة – كانت نتيجة لانتصارهم فى المعركة على سكان جزر أخرى.

أصل الزراعة

هناك مشكلة حيرت زمنا طويلا أولئك الذين درسوا الانتقال من الصيد-الجمع إلى الزراعة. لماذا قام الناس بالتغيير؟ وكان من المعتاد اعتقاد أن التغيير قد أدى بالضرورة إلى تحسينات فى حياة الناس جعلتهم يقبلونه بسهولة. غير أنه فى الوقت الحاضر هناك الكثير من الأدلة التى تدحض أىّ مفهوم بمثل هذه البساطة. وفى كثير من مجتمعات الصيد-الجمع والبستنة كان الناس يعملون أقل بالفعل وكانوا على الأقل يتغذون جيدا فى مجتمعات تقوم على الزراعة الكثيفة. وهكذا يمكن أن يبدو أن شعب !كونج فى صحراء كالاهارى عاشوا فى منطقة تخلو من أى موارد كبيرة لمواصلة حياة البشر. غير أنهم تمتعوا بنظام غذائى متوازن ومُدْخَل imput من السعرات الحرارية أكثر فى الواقع من المتوسط فى الهند الحديثة – ولم يحتاجوا إلى العمل أكثر من ثلاث أو أربع ساعات فى اليوم. ويبدو أنهم عاشوا فيما سماه مارشال سالينز Marshall Sahlins “مجتمع الوفرة الأصلى”(131).

ويفسر هذا لماذا رفضت مجتمعات صيد-جمع كثيرة القيام بالانتقال إلى الزراعة، حتى عندما كانت على إدراك كامل لتقنيات زراعية بعينها. فقد اعتبروا الزراعة تتطابق مع عبء عمل ثقيل بصورة غير ضرورية.

وتركز تفسيرات أحدث للانتقال من مجتمعات الصيد-الجمع إلى مجتمعات زراعية بدلا من ذلك، على كيف أن تغيرات بعينها استطاعت أن تخلق توترات فى مجتمعات الصيد والجمع قبل الانتقال إلى الزراعة. وبوجه خاص، أكدت أنه ليست كل مجتمعات الصيد-الجمع فى حالة تنقُّل بشكل مستمر. وقد جد بعضها مصدرا ثابتا إلى حد ما للطعام لتغذيتهم فى مخيمات مستقرة، تتطور أحيانا إلى قرى تصل قوتها العددية إلى مئات عديدة. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على السكان الأصليين للساحل الپاسيفيكى الشمالى الغربى لأمريكا، الذين يتغذون من إمدادات السمك الوفيرة. ومما له دلالته، أنه يوجد فى مثل هذه المجتمعات بالفعل انقسام طبقى اجتماعى ما: لأنه يمكن تخزين فائض ولأن على مجموعة اجتماعية كبيرة نسبيا أن تتماسك فإن بعض الأشخاص يحصلون على هيبة اجتماعية (ومع ذلك ليس على سلطة أو على مستويات معيشة أكثر ارتفاعا) من خلال تحقيق هذه المهام(132). على أن هناك، فى الوقت نفسه، مزايا للحياة بالنسبة لغالبية الناس أكثر من حياة مجتمعات الصيد-الجمع المترحلة. ولا يعود من الضرورى حمل الأطفال الصغار بصورة متكررة لمسافات طويلة، وبالتالى لم تعد هناك أى حاجة إلى إبعاد المسافة بين الولادات، إما عن طريق الإجهاض وقتل الأطفال أو من خلال الامتناع عن الجنس. وتقدم التجمعات الاجتماعية الدائمة الأكبر فرصا أكثر للتنشئة الاجتماعية، هذه الفرص التى تكون محصورة فى العادة بين سكان الصيد-الجمع الرحل إلى الأسابيع القليلة من العام التى تقيم فيها زُمَر مختلفة عديدة مخيماتها معا.

وإذا كانت الحياة بالنسبة إلى الصيادين-الجامعين الرُّحَّل أسهل منها بالنسبة إلى المزارعين، فإنها حتى أسهل من ذلك بالنسبة إلى الصيادين-الجامعين غير الرُّحَّل، بشرط أن يكون لديهم إمداد غذائى ضخم مستقر. وليس من المدهش أن يُؤْثر بعض الصيادين-الجامعين الرُّحَّل أسلوب الحياة الجديد وأن يكون هناك فى ظل مثل هذه الشروط نمو سكانى سريع.

غير أن أسلوب الحياة الجديد اعتمد على التوفر الفعلى لإمدادات محلية وفيرة من المواد الغذائية البرية. فإذا اختفت هذه الإمدادات لسبب ما، واجه الناس مشاكل هائلة. وكانت مجتمعاتهم أضخم من أن يعودوا إلى أسلوب للحياة يقوم على زُمَر متجولة صغيرة. كان ذلك سيقتضى قطيعة كاملة مع أسلوب حياة راسخ، وتمزقا اجتماعيا ضخما، وتعلُّم (أو إعادة تعلُّم) تقنيات الحياة – ومن المحتمل معاناة مجاعة على نطاق واسع فى البداية. وبالتالى كان لديهم حافز للتطلع إلى طرق جديدة للحصول على الطعام، حتى إذا اقتضى هذا تكثيفا للعمل.

هذا ما يبدو أنه حدث فى الهلال الخصيب فى الشرق الأوسط. فمنذ حوالى 11 ألف سنة قبل الميلاد تغيرت الأحوال المناخية فى المنطقة بطريقة توفر لشعوب “ناتوفيان” “Natufian” المحلية مصدرا وفيرا من كل من اللحوم (من قطعان الظباء) والحبوب البرية، بحيث إنه كان بإمكانهم أن يبدأوا العيش فى مجموعات مستقرة كبيرة (قرى)، دون أن يكون عليهم أن يتخلوا عن نمط الصيد-الجمع فى العيش. غير أنه بعد حوالى ثلاث ألفيات، تغيرت الأحوال الإيكولوچية مرة أخرى، فلم يعودوا قادرين على الاعتماد لوقت طويل على القطعان البرية والحبوب البرية لتغذيتهم. و”انعكس اختلال التوازن بين السكان والموارد فى الضيق الغذائى، ووأد الإناث، وتناقص استهلاك اللحوم”(133).

وعند هذه النقطة اعتمد بقاء البشر بالنسبة لسكان المجتمع على تغيير طريقتهم فى الحياة. وكان هناك اتجاهان يمكن أن يسير فيهما التغيير: نحو وضع الجهد فى زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات التى كانوا قد جمعوها واصطادوها من قبل، أو، بدلا من ذلك، نحو ترك حياة القرية بالانقسام إلى زُمَر صغيرة كان من الممكن أن تجوب الأرض باحثة عن الإمدادات الغذائية الموجودة بشكل طبيعى والتى لم تكن لتتوفر قريبة فى متناول أيديهم. ويبدو بالفعل أن الناتوفيان ساروا فى كلا الاتجاهين. استخدم البعض معرفتهم عن الحياة النباتية والحيوانية للشروع فى زراعة البذور واستئناس قطعان الماشية، وارتد آخرون إلى أسلوب حياة أجداداهم الرُّحَّل. ونحن لا نعرف على أى أساس قامت المجموعات المفردة باختياراتها. غير أن ما يبدو أكثر احتمالا هو أن أولئك الذين اتخذوا الزراعة فعلوا ذلك بالموافقة على إعادة تنظيم لاقتصادهم المحلى تحت إشراف أولئك الأفراد ذوى الهيبة الاجتماعية الذين كانوا مسئولين من قبل عن تجميع وإعادة توزيع الفوائض(134).

ويوضح مثل هذا التفسير لماذا حدث الانتقال إلى الزراعة، بشكل مستقل، فى أجزاء عديدة مختلفة من العالم(135). لقد كان ذلك نتيجة نشوء مجتمعات الصيد-الجمع التى صارت ناجحة فى استغلال الموارد الغذائية المحلية إلى حد أنها كانت أضخم من أن تتكيف معها حينها، بعد مئات أو آلاف السنين، عندما جفت تلك الموارد. وعند تلك النقطة كان عليها إما أن تتغير أو تموت.

وبمجرد أن حدث الانتقال إلى الزراعة بين أى مجموعة فى منطقة ما، حدث شيء ما لا رجعة فيه. فقد بدأ سكان تلك المجتمعات التى تمارس الزراعة فى النمو بشكل أسرع بكثير من سكان المجتمعات التى كانت لا تزال تعتمد على الصيد والجمع. ووفرت الفوائض التى مكَّنهم أسلوب حياتهم المستقر من تخزينها الأساس للتخصص المتزايد فى صُنْع منتجات الإنسان، فى البداية من الحجر، وفيما بعد من النحاس والنحاس الأصفر. وبين منتجات الإنسان الجديدة كانت الأسلحة التى صنعوها وكدَّسوها لمحاربة بعضهم البعض – أسلحة يمكن استخدامها أيضا لإزاحة جيرانهم الصيادين-الجامعين من التربة الأكثر إنتاجا. وبدأت المجتمعات الزراعية الجديدة فى الانتشار خارجة من أماكنها الأصلية، لتمتد براعمها إلى أماكن جديدة حيث تنمو، فاتحةً أو محوِّلة مجتمعات الصيادين-الجامعين التى تحيط بها. ولهذا، على سبيل المثال، انتشرت الزراعة من مرتفعات الهلال الخصيب منذ حوالى 8 آلاف إلى 9 آلاف سنة عبر سهول المنطقة وعبر جنوب شرق أوروپا منذ حوالى 7 آلاف إلى 8 آلاف سنة ثم إلى شمال أوروپا منذ 4 آلاف إلى 4 آلاف وخمسمائة سنة(136).

ولم يختف الصيد والجمع فى كل مكان فقد بقيت ملاذات إيكولوچية ذات حياة حيوانية برية وفيرة وسط مناطق زراعية، فسمحت بالبقاء آلاف السنين لمجتمعات آثرت أن تواصل الصيد والجمع. وفى بعض الأحيان وجدت المجموعات الزراعية أن من الضرورى أن تعود إلى الصيد والجمع فيما كانت تنتقل إلى مناطق جديدة. ومع ذلك فإننا لا يمكن أن نخطئ ملاحظة الاتجاه العام نحو سيطرة الزراعة على مناطق بأكملها، مع إزاحة الصيادين-الجامعين الباقين إلى المناطق غير الملائمة للزراعة – الغابات، الصحارى، المناطق القطبية الشمالية المقفرة.

المجتمعات الطبقية الأولى

قليلة جدا هى المجتمعات الزراعية التى تطورت إلى مجتمعات طبقية كاملة نتيجة لتطورها الداخلى. وقد بدأ هذا فى الحدوث فى بلاد ما بين النهرين منذ حوالى 6 آلاف سنة، وفى مصر، وإيران، ووادى الإندوس، والصين، بعد ذلك بمئات عديدة من السنين، وفى النيل الأوسط (فيما يسمى الآن السودان) وشرق البحر المتوسط بعد هذا بألف سنة، وفى أمريكا الوسطى، والمنطقة الأنديانية [منطقة جبال الأنديس]، وهضاب أثيوپيا، وغرب وجنوب شرق أفريقيا بين ألفين وخمسمائة وألف سنة مضت(137). وفى كل تلك الحالات كانت الضغوط الرئيسية فى سبيل تطور نظام اجتماعى جديد متولِّدة داخليا. غير أنه فى معظم أنحاء العالم الأخرى، كانت الضغوط الخارجية ضرورية. ذلك أن مجتمعات البستنة أو المجتمعات الزراعية الخالصة القديمة واصلت الاستمرار إلى أن أدت التجارة الخارجية، أو الهزيمة العسكرية، أو الاستعمار، إلى التغير. وكان هذا صحيحا، على سبيل المثال، بالنسبة إلى أوروپا الشمالية حتى بين ألفين وخمسمائة وألف سنة مضت، وبالنسبة إلى هضبة غينيا الجديدة حتى أوائل ثلاثينيات القرن العشرين.

وقد ربط إنجلس ظهور المجتمع الطبقى بالزراعة الكثيفة والاستخدام الأول للمعادن. ووافق جوردون تشايلد على وجهة نظر مماثلة، مسمِّيًا عملية التغيير “الثورة الحضرية” (رغم أنه، بخلاف إنجلس، أدرك أنها أعقبت الزراعة المستقرة الأولى ﻠ “ثورة العصر الحجرى الحديث”) بآلاف السنين.

ومن ناحية، اصطدم النمو السكانى المرتبط بالزراعة المبكرة فى نهاية المطاف، فى كل مكان، بالحدود فى كمية الأرض التى يمكن فلاحتها باستخدام تقنيات قائمة. “كان نمو سكان العصر الحجرى الحديث مقيَّدا فى نهاية المطاف بالتناقض فى الاقتصاد الجديد”. وشجع هذا على لجوء متزايد إلى الصراع الحربى، ﺒ “فئوس القتال الحجرية وخناجر الصوان” التى صارت شائعة بشكل متزايد “فى المراحل اللاحقة من ثورة العصر الحجرى الحديث فى أوروپا”. ومن ناحية أخرى فإن قرية العصر الحجرى الحديث المكتفية ذاتيا لم يكن بمستطاعها مطلقا الإفلات من تهديد الكارثة الطبيعية:

كل جهودها وخططها يمكن أن تُحبطها أحداث ما تزال خارج سيطرتها: الجفاف أو الفيضانات، العواصف أو الصقيع، الآفات أو زوابع البَرَد، يمكن أن تدمِّر المحاصيل وقطعان الماشية … وكانت مخزوناتها أصغر من أن تُعينها على أىّ تعاقب ممتدّ للكوارث.

وفى نهاية المطاف قدمت الثورة الحضرية مخرجا من كلتا المشكلتين:

تم تجاوز أسوء تناقضات اقتصاد العصر الحجرى الحديث عندما صار المزارعون مقتنعين ﺒ، أو مجبرين على، انتزاع فائض من التربة فوق متطلباتهم المنزلية وعندما صار هذا الفائض متاحا لإعالة طبقات اقتصادية جديدة غير منخرطة بشكل مباشر فى إنتاج طعامها الخاص.
غير أن هذا، بدوره، اشترط تقدما تقنيا – “إضافات إلى رصيد العلوم”:

ربما كانت الألف سنة أو نحو ذلك السابقة مباشرة على عام ثلاثة آلاف قبل الميلاد أكثر خصوبة فى اخترعات واكتشافات مثمرة من أىّ فترة فى تاريخ البشرية السابق على القرن السادس عشر الميلادى. فقد جعلت منجزاتها من الممكن إعادة التنظيم الاقتصادية للمجتمع تلك التى أسميها “الثورة الحضرية”(138).

وقد شملت التطورات فى التكنولوچيا اكتشاف طريقة صهر النحاس ثم طريقة خلطه مع القصدير لإنتاج البرونز، واستعمال المحراث بدلا من المعزقة وقوة الحيوانات (الثيران فى البداية) لجرها عبر التربة، واستخدام أولى العربات ذات العجلات (والعربات الحربية)، وبناء قنوات وسدود منتظمة للرى، وطرق جديدة لبناء وإبحار القوارب.

واقتضت كل هذه التغيرات ما يسمِّيه تشايلد “تعديلات فى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية” – تغيرات فى علاقات الناس ببعضهم البعض، وكذلك فى علاقاتهم مع الطبيعة. وكان صهر المعادن مهنة أكثر مهارة بكثير من صُنْع الأوانى الفخارية، وانتهى إلى الاعتماد على مجموعات من المتخصصين من ذوى المهارة العالية، الذين كانوا ينقلون أسرار تجارتهم من جيل إلى جيل. وكان استعمال المحراث يميل إلى زيادة تقسيم العمل بين النوعين (الذكر والأنثى)، لأنه كان شكلا من العمل الثقيل لا تقوم به بسهولة نساء حوامل أو يقمن برعاية أطفال. ذلك أن بناء قنوات رى منتظمة وصيانتها كانا يميلان إلى يعنيا تعاون عشرات أو حتى مئات الأسر المعيشية، وإلى تشجيع تقسيم للعمل بين أولئك الذين كانوا يُشرفون على العمل وأولئك الذين كانوا يباشرونه.

وشجع استعمال العربات ذات العجلات والمراكب الشراعية الصغيرة على نمو التجارة بين مجموعات المزارعين المنفصلين على نطاق واسع – مانحا الناس الوصول إلى مجموعة من الأشياء النافعة التى لم يكونوا يستطيعون إنتاجها بأنفسهم. كذلك فإن الانتاجية المتزايدة للعمل كنتيجة لهذه التغيرات مكَّنتْ الحجم الوسطى للمستوطنة من الصعود بصورة هائلة، إلى أنْ أفسحت قرى العصر الحجرى الحديث المجال فى بعض المناطق للمدن. وقدم الفائض الموسَّع الناتج عن الإنتاجية المتزايدة دافعا إضافيا لاستعدادات الحرب.

ويصف جوردون تشايلد التحول الذى حدث فى بلاد ما بين النهرين، عندما استقر الناس فى وادى نهرى دجلة والفرات. لقد وجدوا أرضا كانت خصبة جدا، غير أنه لم يكن من الممكن فلاحتها عن طريق “أعمال الصرف والرى”، المعتمدة على “الجهد التعاونى”(139). وتشير دراسة أحدث كثيرا عن بلاد ما بين النهرين أجراها ميزيلز Maisels إلى أن الناس الذين كانوا قد تعلموا بالفعل الزراعة على الأرض المروية بشكل طبيعى وجدوا، فى الألفية الرابعة قبل الميلاد، أن “قنوات النهر كانت تتدفق بين السدود [الضفاف الطينية] التى كان المطلوب فقط هو كسرها محليا لتوسيع إنتاجية المساحات المجاورة. وأمكن بالتالى تحقيق مستويات مرتفعة ومتواصلة من الإنتاج نظرا للشروط الزراعية الصحيحة”. غير أنه لم يكن يجرى استهلاك كل هذا الإنتاج المتزايد فى الحال. فقد كان يتم ادخار بعضه:

وكانت الفوائض مطلوبة للتبادل مقابل منتجات معيشية رعوية وأخرى، على حين كان يجب الاحتفاظ بمخزونات إضافية استعدادا لسنوات الجفاف، والآفات، والتلف الموسمى المتزايد، على سبيل المثال نتيجة العواصف … ومثل هذه الاحتياطيات … تعنى وسائل دائمة لتنظيم الإنتاج والاستهلاك بحيث يوجد دائما هامش أمان(140).

وعلى مدى آلاف السنين تحولت المستوطنات الزراعية القائمة على طرق جديدة للرى إلى بلدات، والبلدات إلى مدن. وانتهى مخزون الغلال إلى أن يتطلب مبانى ضخمة ، بارزةً خارج الأرض المحيطة، ترمز للناس على استمرار وحماية الحياة الاجتماعية. وصار أولئك الذين أشرفوا على مخازن الغلال المجموعة الأكثر هيبة اجتماعية فى المجتمع. وباختصار، ظهرت معابد يُشْرف عليها كهنة(141).

ومع تأسيس تجمُّع دائم من الإداريين الكهنوتيين ظهر شيء آخر ذو أهمية تاريخية هائلة: نسق من العلامات لحساب ثروة المجتمع، الألفباء الأولى. وكما عبَّر جوردون تشايلد:

لحساب إيرادات وإنفاق الإله ابتكرت الجماعات الكهنوتية التى تدير أراضى المعابد وأجازت نسقا من العلامات الاصطلاحية – على سبيل المثال الكتابة؛ وتمثل الوثائق المكتوبة الوحيدة [حتى سنة 2800 قبل الميلاد] جداول حساب. وبالتالى كان تراكم فائض اجتماعى كبير فى خزائن المعابد – أو بالأحرى مخازن الغلال – يمثل فى الواقع السبب فى التقدم الثقافى الذى اعتبرناه معيار الحضارة.

ويمكن النظر إلى الإله على أنه ممثل أو إسقاط للمجتمع، ولهذا كان الكهنة الذين يخدمونه يصيرون خدم للمجتمع، مع أنه لا شك فى أنه كان يُدفع لهم أفضل من باقى شعب الله(142).

وخلال الأجيال، صارت الطبقة الكهنوتية منفصلة بشكل متزايد عن باقى المجتمع، إلى أن كوَّنت طبقة ذات مصالح متميزة تماما. ويصف جوردون تشايلد كيف “مارس الكهنة المتميِّزون أشكالا متنوعة من الابتزاز (فارضين أثمانا فاحشة للمدافن، على سبيل المثال) وعاملوا أرض الإله (أىْ أرض المجتمع)، وماشيته، وخدمه، على أنها ملكيتهم هم الخاصة وعبيدهم الشخصيين”، مقتبسا من مرسوم مدينة Lagash منذ حوالى 2500 سنة قبل الميلاد:

دَخَل كبير الكهنة حديقة الفقراء وأخذ الخشب من هناك. وإذا جاور منزل رجل عظيم منزل رجل عادى، فإن الأول يمكن أن يستولى على المسكن المتواضع دون أن يدفع لمالكه أىّ تعويض ملائم.

“هذا النص العتيق”، يستنتج تشايلد، “يعطينا لمحات لا لبس فيها لصراع طبقى حقيقى … والحقيقة أن الفائض الذى أنتجه الاقتصاد الجديد كان يتركز فى أيدى طبقة صغيرة نسبيا”(143).

وفى بلاد ما بين النهرين، لم تكن الطبقة المستغَلة الأولى عبيدا مقهورين فى الحرب، كما أشار إنجلس فى الأصل (ووافق عليه جوردون تشايلد إلى حد ما)، غير أن شعب “إيرين” “erin”، الذين كانوا أسرا معيشية فلاحية مستقلة سابقا، تم إجبارهم على التبعية لتجمعات أقوى، خاصة المعبد، كانوا يعملون مقابل جرايات وأجور فى حفر القنوات، أو الفلاحة، أو فى الخدمة العسكرية(144).

وازداد حجم الاستغلال إلى أن صار ضخما. ويخبرنا ت. ب. چونز T.B. Jones كيف أنه فى لاجاش Lagash حوالى عام 2100 قبل الميلاد:

كانت دزينة أو أكثر من المعابد مسئولة عن فلاحة معظم الأرض الصالحة للزراعة. وكان حوالى نصف (المحصول) تستهلكه تكلفة الإنتاج (أجور العمال، تغذية حيوانات الجر، وما شابه ذلك) وكان الرُّبْع يذهب إلى الملك كضريبة ملكية. وكانت نسبة 25 فى المائة المتبقية تستحق للكهنة(145).

وكانت الإعاشة الطبيعية المعتادة للشغيل ثلاثة سيلات silla (حوالى 2.4 لترات) من الحبوب فى اليوم، بالإضافة إلى مكملات من البيرة والزيت. ومن المحتمل أن هذه الوجبة كان ينقصها الپروتين، والأملاح المعدنية، والڤيتامينات، ولكنها كانت مع ذلك تصل إلى ثلاثة آلاف سعر حرارى فى اليوم، أىْ أكثر بألف سعر حرارى فى اليوم مما يحصل عليه معظم الناس فى الهند أو أفريقيا جنوب الصحراء(146). هذا هو ما يسمَّى بمعجزات الرأسمالية بالمقارنة مع مجتمعات طبقية أخرى!

ومن المحتمل أن بلاد ما بين النهرين كانت بلا شك المثال الأول – وبالتأكيد المدروس أكثر – للانتقال إلى “الحضارة”. ولكنها كما رأينا لم تكن الوحيدة. فقد حدثت الشروط التى قادت إلى العناصر الأولى للحياة الحضرية والانقسام الطبقى، كما رأينا، فى أنحاء عديدة من العالم. وقد ضلَّلت إنجلس الأدلة التى كانت متاحة فى زمنه عندما نظر إليها على أنها ناشئة عن استعمال الحديد من جانب الشعوب “الرعوية” السامية والشعوب الناطقة باللغات الهندو-أوروپية فى أوراسيا. والأهم، أنه كانت حالات عديدة لمجتمعات زراعية تطورت، من تلقاء نفسها، إلى مستوى كان يمكن فيه تعبئة مئات أو حتى آلاف الأشخاص لتشييد صروح حجرية مهيبة – كما كان الحال مع المعابد الحجرية فى مالطا فى الألفية الثالثة أو الرابعة قبل الميلاد، والدوائر الحجرية للألفية الثالثة قبل الميلاد التى تمثل ستونهنچ Stonehenge أشهر مثال عليها، وتماثيل القرن الثامن عشر الميلادى لجزيرة إيستر Easter island، وأرصفة تاهيتى Tahiti المدرَّجة(147) .

وفى بعض الأحيان كان التطور نحو “الحضارة” يتأثر بتطور حدث فى مكان آخر(148). غير أن هذا لا يُغير واقع أن العمليات المؤدية إلى تشكُّل بلدات ومدن، وفى كثير من الأحيان إلى اختراع الكتابة، بدأت بشكل مستقل فى مواقع عديدة مختلفة، بسبب الدينامية الداخلية للمجتمع حالما تكون الزراعة قد تطورت متجاوزة نقطة بعينها. وهذا يجعل أىّ محاولة للادعاء بأن مجموعة واحدة من شعوب العالم “متفوقة” بطريقة ما على مجموعات أخرى لأنها تصل إلى “الحضارة” أولاً محاولة عديمة المعنى.

فى مكان بعد مكان، وصلت شعوب مختلفة إلى نقطة نهاية متماثلة، أجملها جوردون تشايلد على أنها “تجمُّع أعداد كبيرة من السكان فى مدن؛ والتمايُز داخل هؤلاء المنتجين الأوليين (الصيادين، المزارعين، إلخ.)، والصناع المهرة المتخصصين المتفرغين للعمل، والتجار، والموظفين، والكهنة، والحكام؛ واستعمال الرموز الاصطلاحية لتسجيل ونقل المعلومات (الكتابة)، والمعايير التقليدية لأوزان ومقاييس الزمان والمكان المؤدية إلى بعض علوم الحساب والتقويم”(149).

غير أن الطريق المحدَّد من الصيد-الجمع عبر البستنة والزراعة إلى الحضارة اختلف بشكل كبير من مجتمع إلى آخر(150).

وبالفعل تشير دراسات عن بدايات الانقسام إلى طبقات داخل مجتمعات زراعية “مشاعية” معاصرة إلى أن هذا يمكن أن يتخذ دروبا مختلفة – أحيانا مع بروز كبار السن فى البَدَنات متحوِّلين إلى رؤساء قبليين، وأحيانا مع تحوُّل “رجال كبار” إلى رؤساء قرى، وأحيانا مع تطور بَدَنات بكاملها إلى طوائف كهنوتية مغلقة، وأحيانا مع وصول أسرة معيشية ما إلى السيطرة على أسر أخرى. ويبدو أن بعض المجتمعات الطبقية الراسخة تماما قد تطورت بالفعل بالطريقة التى تحدث بها إنجلس عنها، من خلال النمو المباشر للملكية الخاصة فى الأرض، والمحاصيل، والحيوانات. غير أنه فى مجتمعات أخرى تشير الأدلة إلى طبقة حاكمة استغلت فى البداية باقى المجتمع بدون ملكية خاصة – على أُسُس أشار إليها ماركس وإنجلس (بشكل مضلل إلى حد ما) على أنها “نمط الإنتاج الآسيوى”(151). وفى تلك الحالات ظل الاستغلال الطبقى مموَّها داخل أشكال مشاعية قديمة للتنظيم الاجتماعى، أكثر منه مكشوفا بوضوح من خلال الملكية الخاصة. غير أنه كان استغلالا طبقيا مؤكدا بنفس القدر، حيث جرى تحويل التنظيم “المشاعى” القديم للإنتاج تحويلا كاملا فى الحقيقة من خلال الدفع الإجبارى للجزية للكهنة أو الپيروقراطيين المستغِلين. ولم يعد رؤساء التنظيمات المشاعية (سواء أكانت قرى، أو مجموعات بَدَنات، أو أسرا معيشية ممتدة) يسدُّون حاجاتهم وحدهم، بل صاروا بشكل متزايد أيضا الوسائل التى تُفرض من خلالها أوامر الطبقة الحاكمة على زملائهم(152).

ولا ينبغى أن تجعلنا الأشكال المتباينة التى نشأ فى ظلها المجتمع الطبقى ننسى التشابهات الهائلة من مجتمع لآخر. وفى كل مكان كانت هناك، فى البداية، شيوعية بدائية. فى كل مكان، بمجرد أن استقرت مجتمعات زراعية تكونت بعض البَدَنات وكان بمستطاع كبار البَدَنات أو “الرجال الكبار” البدء فى كسب الهيبة الاجتماعية من خلال دورهم فى القيام بإعادة توزيع الفائض القليل الذى كان موجودا لمصالح المجموعة بأكملها. فى كل مكان، مع نمو الفائض، انتهى هذا القسم الصغير من المجتمع إلى السيطرة على حصة أكبر من الثروة الاجتماعية، واضعةً إياه فى مركز كان بمستطاعه فيه أن يبدأ فى التبلور متحوِّلا إلى طبقة اجتماعية.

والأهم أنه حتى حيثما تبلور فى طبقة اجتماعية جماعية، كان بوسعها، على مدى مئات السنين، أن تلد طبقات من أصحاب الملكية الخاصة. ولا شك فى أن هذا هو ما حدث فى بلاد ما بين النهرين(153). والهند القديمة، “حيث لم تكن هناك فقط أدلة تُثْبت وجود الملكية الخاصة، بل أيضا … تغيرات دور الملكية الخاصة بصورة كبيرة عبر القرون”(154)، وربما يكون قد حدث فى تيتوهواكان Titohuacan فى أمريكا الوسطى(155). وحتى فى مصر، حيث كانت سلطة الملكية هائلة، كان هناك مَيْل لدى كل من المعابد وحكام الولايات المحلية (“nomes”) إلى تطوير القوة الاقتصادية الخاصة بهم بحلول نهاية الدولة القديمة (حوالى عام 2000 قبل الميلاد)، وبحلول العصر البطلمى كانت طائفة مغلقة جديدة من المحاربين تملك حوالى نصف الأرض(156). وقد حاول الألمانى الأمريكى الماركسى سابقا ڤيتفوجل Wittfogel تطوير نظرية شاملة عن “الاستبداد الشرقى”، قابلة للتطبيق على كل تلك المجتمعات، التى كانت القوة الاقتصادية فيها بصورة كاملة فى أيدى طبقة حاكمة جماعية كلية الجبروت؛ غير أن دراساته المبكرة عن الصين تشير إلى صورة مختلفة، كانت فيها پيروقراطية دولة، طبقة عليا محلية، وتجار، منخرطة فى معارك مريرة من أجل السيطرة فى صين القرن الخامس قبل الميلاد.

كيف بدأت الطبقة

رأينا إلى الآن أنه كان هناك، بالفعل، انتقال من مجتمعات الصيد-الجمع إلى مجتمعات حضرية، وأنه بالتوازى مع هذا حدث انتقال من مجتمعات شيوعية بدائية إلى مجتمعات طبقية. وليس هناك حول واقع هذا الانتقال أىّ شك فى الوقت الحالى. وهذا، فى حد ذاته، دفاع هائل عن إنجلس. كما أنه يدحض بعض وجهات النظر المعادية للاشتراكية الأكثر أساسية حول بشر أنانيين بصورة جوهرية فى سبيل جعل جماعة تعاونية مستحيلة.

غير أن نقطتين مهمتين ما تزالان غير محسومتين بشأن أصل الحكم الطبقى والدولة: لماذا انتقل الناس من الصيد-الجمع إلى الزراعة ثم إلى المدن؟ ولماذا قبلوا صعود طبقات حاكمة؟ ولماذا انتهى أولئك الحكام إلى أن يستغلوا بدلا من أن يخدموا باقى المجتمع؟

هذه أسئلة لم يُجب عليها إنجلس بصورة كاملة. وكما تشير جيلى، فإن تفسيره فى أصل العائلة يبدو فى بعض النقاط أنه يساوى مجرد إلقاء المسئولية على الجشع. فقد وجد بعض الناس أن فى أيديهم فائضا واستخدموه على حساب الآخرين(157). وفى ضد دوهرنج Anti-Dühring يقدم إنجلس تفسيرا أشمل، مع التشديد على المزايا الأولية للمجتمع ككل فى وضع الفائض جانبا بطريقة تجعل من غير الممكن استهلاكه فى الحال من جانب المنتجين. غير أنه يظل لا يفسر لماذا يجب إذن أن يكون الناس مدفوعين إلى استهلاك الكثير من هذا الفائض بأنفسهم، أو لماذا يجب أن يقبل آخرون هذا(158).

وهناك وجهة نظر بين التطوريين الأكاديميين بشأن هذه المسألة على وجه التحديد. وقد طرح إى. آر. سرڤيس E.R. Service ما يمكن أن يُسمَّى نظرية “وظيفية” لنشأة الدولة (وبصورة ضمنية، نشأة الطبقات). وتقول هذه النظرية إن الحكام ظهروا لأنه كان فى مصلحة الجميع أن يظهروا. “حقق هذا التطور الإمكانات الكامنة الهائلة التى تكمن فى القيادة الممركزة …” وقد نشأت عن “المحاولات البسيطة للقادة البدائيين لتأبيد سيطرتهم الاجتماعية من خلال تنظيم مثل هذه المنافع لأتباعهم”(159). ومقابل هذا، يؤكد مورتون فريد Morton Fried أن تشكُّل الدولة لم يكن “وظيفيا” بالنسبة لكل المجتمع، بل كان جزءًا من عملية استغلَّ عن طريقها قسم من المجتمع وأكره الباقى (160).

غير أن هذا لا يفسر لماذا كان ينبغى فجأة أن تقوم مجموعة لم تَستغل أو تضطهد من قبل فى القيام بذلك، ولا لماذا تحمَّل باقى المجتمع هذا الاستغلال والاضطهاد الجديدين.

وتكمن الطريقة الوحيدة للإجابة على مثل هذه الأسئلة فى تشديد ماركس على التفاعل بين تطور علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج(161). فالطبقات تنشأ عن الانقسامات التى تحدث فى المجتمع مع ظهور طريقة جديدة لدفع الإنتاج إلى التقدم. وتكتشف مجموعة أنها تستطيع زيادة الثروة الاجتماعية الكلية إذا ركزت الموارد فى أيديها، منظمةً الآخرين على العمل تحت قيادتها. وهى تنتهى إلى النظر إلى مصالح المجتمع ككل على أنها تكمن فى سيطرتها هى على الموارد. وهى تدافع عن تلك السيطرة حتى عندما يعنى ذلك جعل الآخرين يعانون. وهى تنتهى إلى النظر إلى التقدم الاجتماعى على أنه يتجسد فيها هى ذاتها وفى حماية مورد رزقها هى ضد الانفجارات المفاجئة للندرة (بسبب ضعف المحصول، والآفات، والحروب، إلخ.) والتى تسبب ضائقة لجميع الآخرين.

وليس من الصعب أن نفهم كيف أدى انتشار الفلاحة إلى ضغوط من أجل تغيُّرات فى الإنتاج اشترطت إشرافا من أعلى. ومن المحتمل أن المجتمعات الزراعية الأولى وطدت نفسها فى مناطق ذات تربة خصبة بصورة استثنائية. غير أنه مع انتشارها انتهى البقاء إلى أن يعتمد على التغلب على شروط أصعب بكثير. وتطلَّب ذلك إعادة تنظيم أبعد للعلاقات الاجتماعية. وقد أكد رينفرو Renfrew أن:

سكان العصر الحجرى الحديث القليلين نسبيا استطاعوا فى الواقع أن يختاروا تُرْبات مثل المناطق الطميية الخصبة التى كان محصولها المحتمل أكبر عدة مرات من مناطق جرى استخدامها فيما بعد للزراعة … وعلى سبيل المثال فإن انتشار الاستقرار إلى مناطق تكون محاصيلها أكثر عرضة للتقلبات عند سقوط الأمطار، كان من شأنه أن يزيد الحاجة إلى آليات إعادة توزيع يمكن أن تسمح باستعمال الفائض المحلى بصورة كاملة(162).

وقد أبدى د. ر. هاريس Harris D.R. ملاحظات مماثلة فيما يتعلق بالزراعة المدارية فى أفريقيا وجنوب شرق آسيا. وكانت فى البداية،
نطاقا صغيرا ومعتمدا على التعامل البارع مع النظام الإيكولوچى بدلا من خلق أنظمة إيكولوچية صناعية عن طريق تحولات على نطاق واسع … والتقنيات … التى كانت فى العادة مقتصرة على العمل البشرى باستعمال أدوات بسيطة مثل الفئوس، والسكاكين، وعصىّ الزرع، والمعازق. وكانت “وحدة العمل” هى “العائلة”، ولم تكن هناك حاجة إلى “مستوى من التنظيم الاجتماعى” أكثر تعقيدا من التنظيم الاجتماعى للقبيلة المنقسمة البسيطة (163).

غير أن الزراعة التى تنتج أكثر تتطلب أيضا “وحدات عمل أكبر من العائلة” ومستوى “أكثر تعقيدا” من “التنظيم الاجتماعى” يتم تحقيقه عبر “وساطة رئاسات قبلية ذات منزلة ودول منقسمة إلى طبقات اجتماعية مع فلاحين مستقلين”(164).

وكانت مجموعات ذات هيبة اجتماعية عالية، فى مجتمعات غير طبقية سابقة تشرع فى تنظيم العمل المطلوب لتوسيع الإنتاج الزراعى عن طريق إنشاء أعمال رى أو تنظيف مساحات واسعة من أراض جديدة. وكانوا ينتهون إلى النظر إلى سيطرتهم هم على الفائض – واستعمال بعضه لحماية أنفسهم ضد التقلبات الطبيعية – على أنها فى مصلحة الجميع. وكذلك كانت تفعل المجموعات الأولى التى استعملت التجارة الكبيرة لزيادة المجموعة المتنوعة الكلية المتاحة للاستهلاك. كما كان هذا هو الحال مع تلك المجموعات التى كانت الأكثر خبرة فى انتزاع الفوائض من مجتمعات أخرى عن طريق الحرب. وبهذه الطريقة، كان تقدم قوى الإنتاج فى أى منطقة يحوِّل المجموعات والأفراد الذين كانوا يحققون هيبة اجتماعية فى السابق عن طريق القيام بوظائف إعادة توزيع وووظائف احتفالية إلى طبقات فرضت مطلب انتزاع الفائض على باقى المجتمع.

وفى أنحاء كثيرة من العالم كانت المجتمعات قادرة على الازدهار حتى العصر الحديث بدون اللجوء إلى أساليب العمل الكثيفة مثل استعمال المحاريث الثقيلة أو الأشغال الهيدروليكية الكثيفة. وكان هذا صحيحا فيما يتعلق بجانب كبير من أمريكا الشمالية، وجزر المحيط الهادئ، وپاپوا-غينيا الجديدة فى المناطق الداخلية، وأنحاء من أفريقيا وجنوب شرق آسيا. غير أنه فى شروط أخرى انتهى البقاء إلى اعتماد تقنيات جديدة. وقد نشأت طبقات حاكمة من تنظيم مثل تلك الأنشطة، وهكذا نشأت مدن، ودول، وما نسميه عادةً بالحضارة. ومن هذه المرحلة فصاعدا، كان تاريخ المجتمع دون شك تاريخ الصراع الطبقى.

ولم يكن بمستطاع مثل هذه المجموعات الاحتفاظ بالفائض فى أيديها فى أزمنة كان المجتمع بأكمله يعانى فيها ضائقة هائلة ما لم تجد طرقا لفرض إرادتها على باقى المجتمع، وما لم تكن قد أسست هياكل إكراهية، ودول، ومدونات قانونية، وأيديولوچيات تدعمها. غير أنه بمجرد أن تكون مثل هذه الهياكل ومثل هذه الأيديولوچيات قائمة، فإنها كانت تؤبد سيطرة مجموعة بعينها على الفائض حتى عندما كانت لا تعود تخدم هدف دفع الإنتاج إلى التقدم. وهكذا فإن طبقة نشأت لتكون حافزا على الإنتاج تستمر حتى عندما لا تعود تمثل حافزا كهذا. وستحميها بنية فوقية عسكرية-قضائية-أيديولوچية يمكن أن تشكِّل عبئا متزايدا على إنتاج المجتمع ككل.

وقد ظهر هذا بشكل دراماتيكى مع جميع الحضارات الكبرى الأولى عندما، بعد فترة تطول أو تقصر، انهارت وسط سخط داخلى هائل: الأزمات الكبرى للمجتمع السومرى فى حوالى بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، التحلُّل المؤقت للدولة المصرية فى أواخر الدولة القديمة حوالى عام 1800 قبل الميلاد، انهيار الحضارتين الميسينية والكريتية بعد منتصف الألف الثانى قبل الميلاد، انهيار حضارة تيوتيهواكانTeotihuacan  فى أمريكا الوسطى حوالى عام 700 الميلادى. وقد ثبت هذا بصورة متكررة منذ ذلك الحين، منذ سقوط الإمپراطورية الرومانية إلى الأزمة الحالية للرأسمالية العالمية.

وكانت الطبقة فى ذلك الحين، كما أصر ماركس وإنجلس دائما، تطورا ضروريا بمجرد أن تواجه الندرة المجتمع. غير أنه كما أصرَّا أيضا، بمجرد أن تكون الطبقة قد توطدت فى السلطة، اعتمد المزيد من التقدم على النضال ضدها. وقد كتب إنجلس عن سقوط الشيوعية البدائية قائلا:

كان محكوما على هذا التنظيم بالانقراض. فقد … اقتضى شكلا متخلفا تماما للإنتاج، إذ إن سكانا قليلين متفرقين للغاية انتشروا على أرض واسعة، وبالتالى السيطرة الكاملة تقريبا على الإنسان من جانب طبيعة خارجية، غريبة، معادية، غير مفهومة بالنسبة له …

وقد تحطمت قوة هذه المجتمعات الأصلية … نتيجة تأثيرات تبدو لنا من البداية تدهورا، سقوطا من العظمة الروحية البسيطة للمجتمع … القديم. وتبدأ أحقر المصالح – الجشع المنحط، الشهوانية الوحشية، البخل الدنيئ، النهب الأنانى للممتلكات العامة – فى المجتمع المتحضر الجديد، المجتمع الطبقى … والمجتمع الجديد … لم يكن مطلقا شيئا آخر سوى تطور الأقلية على حساب الأغلبية الساحقة المستغَلَّة والمضطهَدة؛ وهى كذلك فى الوقت الحاضر أكثر من أىّ وقت مضى(165).

ونحن لا نستطيع العودة إلى الشيوعية البدائية حتى لو كان ذلك هو ما نريده. إن هذا سيعنى محو 99.9 فى المائة من البشرية (كان عدد سكان جنوب فرنسا الباحثين عن الطعام منذ 30 ألف سنة حوالى 400 وكان عدد سكان العالم بأكمله منذ 10 آلاف سنة حوالى 10 مليون). غير أن ماركس وإنجلس أصرا على أن هذا غير ضرورى. فقد خلقت الرأسمالية ثروة كبيرة جدا بحيث صار من الممكن، للمرة الأولى فى تاريخ البشرية، أن نتصور، ليس شيوعية بدائية، بل “شيوعية متقدمة”. والأهم أننا إذا لم نتحرك نحو هذا، فإننا لن نشهد استمرارا بسيطا للمجتمع القائم بل سنشهد نكوصا من خلال “التدمير المتبادل للطبقات المتصارعة”. وكما يعبِّر إنجلس فى أواخر أصل العائلة، فإننا نصل إلى “مرحلة فى تطور الإنتاج لن يكفّ فيها وجود الطبقات عن أن يكون ضروريا فحسب، بل سيصير عائقا إيجابيا أمام الإنتاج”(166).

 إشارات القسم الثاني

82: E. Leacock, Women in Egalitarian Society, in Myths of Male Dominance (New York, 1981), p.31.

83: انظرْ B. Trigger, V. Gordon Childe.

84: E. Gellner, Plough, Sword and Book (London, 1991), p.16.

85: C. Ward Gailey, From Kinship to Kingship (Austin), p.16.

86: كان هذا صحيحا فيما يتعلق ببعض التفسيرات الستالينية. غير أنه كان صحيحا أيضا فيما يتعلق ببعض الأشخاص من اليسار الحقيقى. وهكذا فإن تفسير إيڤيلين ريد Evelyn Reed فى Women’s Evolution [تطور النساء]، رغم أنه انتقادى للغاية فى كثير من الأحيان للأرثوذكسية القديمة المعادية للتطورية، يخطئ عن طريق إساءة التفسير بصورة جدية لمعطيات أنثروپولوچية بحيث يجعلها تتلاءم مع إنجلس فى نقاط بعينها فى أصل العائلة. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على تأكيداتها بخصوص “التنافس” المرير بين ذكور البشر المبكرين، حول الدور المزعوم “أكل لحم البشر” cannibalism بين ذكور البشر المبكرين فى المجتمعات “البدائية” وحول العلاقة المزعومة بين التوريث على أساس خط الذكر والاعتراف بالأبوة. وللاطلاع على نقد شامل لعمل ريد، انظرْ عرض إليانور ليكوك النقدى فى Eleanor Leacock, Myths of Male Dominance (New York, 1981), pp.183-194.

87: F. Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State (Moscow, n.d.), p.6.

88: رغم أنه فى حالة مورجان كانت هذه الرؤية المادية ممتزجة بنظرة مثالية، تؤكد أن “المؤسسات الاجتماعية والمدنية، بمقتضى ارتباطها بحاجات بشرية دائمة، تطورت من جذور أولية قليلة من الفكر”، L.H. Morgan, Ancient Society, p.5. كما ينبغى أن نضيف أن مورجان لم يكن ثوريا. وكان يعتقد أن الديمقراطية البرچوازية كانت الشكل الأعلى للمجتمع البشرى الذى كانت كل المجتمعات تسعى جاهدة إليه.

89: Ibid., p.24.

90: Ibid., p.18.

91: Engels, The Origin of the Family, op. cit., pp.42-43.

92: فى الواقع، يوسِّع علماء الآثار المحدثون هذا التعريف قليلا ليشمل مجتمعات بعينها لا تلعب فيها المدن الدور الرئيسى، مثل مصر القديمة المبكرة وثقافة المايا Maya فى أمريكا الوسطى، لأنها تشتمل على معظم السمات الأخرى المرتبطة فى العادة بمجتمعات حضرية – مجموعات مستقلة من الحرفيِّين والإداريِّين، والاستعمال الواسع النطاق للمعادن، ومعرفة القراءة والكتابة، وإلخ. وبالطريقة نفسها يُدْرجون فى العادة مجتمعات مثل مجتمعات الإنكا أو المجتمعات قبل-الإسلامية فى غرب أفريقيا، التى كانت توجد فيها مدن ودول ولكنْ دون ألفباء.

93: رغم أن أحد كبار خبراء الثاتشرية Thatcherism، هايك Hayek، قد اختلف مؤكدا أن آلاف السنين من الشيوعية البدائية أنتجت ما نظر إليه على أنه “غرائز فطرية” خطِرة للغاية، تؤدى بالناس فى الوقت الحاضر إلى الرغبة فى “توزيع عادل، تُستعمل فيه السلطة المنظمة فى أن يُخصَّص لكل شخص ما يستحقه”، “للإقناع بالأهداف المشتركة المتصوَّر أنها مرغوبة” و “لتحقيق منفعة للأشخاص المعروفين”.

94: Engels, The Origin of the Family, op. cit., pp.157-159.

95: E. Friedl, Women and Men, the Anthropologist’s View (New York, 1975).

96: E. Leacock, Women’s Status in Egalitarian Societies, Myths of Male Dominance, op. cit., pp.139-140.
97: R. Lee, The !Kung San (Cambridge, 1979), p.118.

98: تدل علامة “!” فى بداية !Kungعلى صوت “نقر” click غير موجود فى اللغات الهندو-أوروپية.

99: R. Lee, op. cit., p.244.

100: Guago, quoted in Richard Lee, op. cit., p.244.

101: Le P.P. Lejeune (1834), quoted in M. Sahlins, Stone Age Economics (London, 1974), p.14.

102: Colin Turnbull, The Forest People (New York, 1962), pp.107, 110 and 124-5.

103: R. Lee, op. cit., pp.343-345.

104: E. Friedl, Women and Men, op. cit., p.15.

105: R. Lee, op. cit., p.336-338.

106: كل العبارات المقتبسة من R. Ardrey, op. cit., pp.300, 30 and 399.

107: W. Lloyd Warner, A Black Civilisation (New York, 1964), quoted in Sahlins, Stone Age Economics, op. cit., p.12.

108: E. Friedl, Women and Men, op. cit., p.14.

109: انظرْ R. Lee, op. cit., p.55. انظرْ أيضا C. Turnbull, The Forest People, op. cit., p.127; M. Sahlins, Stone Age Economics, op. cit., p.123.

110: كما لاحظ م. سالينز M. Sahlins، “ملتقطو الطعام الباقون أشخاص متفرقون … يعيشون فى مآوٍ هامشية … غير نموذجيِّين مع نمط الإنتاج … محجوزين عن المناطق الأفضل على الأرض، فى البداية عن طريق اقتصادات زراعية، وفيما بعد عن طريق اقتصادات صناعية”. وهناك “إمكانية أن تكون إثنوجرافيا الصيادين وجامعى الثمار سِجِلَّ ثقافات ناقصة. وكان من الممكن أن تختفى المجموعات الهشة للطقوس والتبادل بلا أثر، ضائعة فى المراحل الأولى من الكولونيالية، عندما هوجمت وأُربكت العلاقات بين المجموعات التى تتوسط بينها”: Stone Age Economics, op. cit., p.8 and p.38. وللاطلاع على أدلة على أن بعض المبادئ المختلفة للتنظيم الاجتماعى ربما كان قد جرى تطبيقها بين شعب اﻠ !كونج the !Kung منذ قرن وإلى الآن، انظرْ R. Lee, op. cit., p.340. وللاطلاع على تفكير بشأن الطريقة التى ربما كانت مجتمعات الصيد-الجمع فى العصر الحجرى القديم تختلف بها عن مجتمعات الاعتراف، انظرْ R. Foley, Hominids, humans and hunter-gatherers, in T. Ingold, D. Riches and J. Woodburn, Hunters and Gatherers, Vol.I (London, 1988, p.207-221.

111: R. Lee, Reflections on primitive communism, in T. Ingold, D. Riches and J. Woodburn, Hunters and Gatherers, Vol.I (New York, 1991), p.262.

112: R. Lee, Reflections on primitive communism, op. cit., p.268.

113: F. Engels, The Origin of the Family, op. cit., p.37.

114: Ibid., p.41.

115: Ibid., p.87.

116: انظرْ J.V.S. Megaw (ed.), Hunter Gatherers and the First Farmer Beyond Europe, and the essays by M. Dolukhanov, G.W.W. Baker, C.M. Nelson, D.R. Harris and M. Tosi in C. Renfrew (ed.), Explaining Cultural Change, op. cit.

117: هذه واحدة من وجهات النظر الرئيسية فى M. Sahlins’ Stone Age Economics.

118: C. Ward Gailey, Kinship to Kingship (Austin 1987), pp.67.

119: R. Lee, Reflections on primitive communism, as above, p.262.

120: C. Levi Strauss, quoted in M. Sahlins, Stone Age Economics, op. cit., p.132.

121: H.I. Hogbin, quoted in M. Sahlins, ibid., p.135.

122: J.F. Lafitau, quoted in R. Lee, Reflections on primitive communism, op. cit., p.252.

123: E. Evans-Pritchard, quoted in R. Lee, Reflections on primitive communism, op. cit., p.252.

124: A Richards, quoted in M. Sahlins, Stone Age Economics, op. cit., p.125.

125: R. Firth, quoted in M. Sahlins, Stone Age Economics, op. cit., p.125.

126: R. Firth, quoted in M. Sahlins, ibid., p.129.

127: وهكذا يُحيل م. سالينز M. Sahlins إلى نمط الإنتاج المنزلى the domestic mode of production، انظرْ Stone Age Economics, op. cit.. وعلى النقيض تُحيل ك. زاكس K. Sachs إلى نمط الإنتاج المشترك the corporate mode of production، انظرْ Sisters and Wives, op. cit., p.109.

So M. Sahlins refers to “the domestic mode of production”, Stone Age Economics, op. cit.. By contrast, K. Sachs refers to “the corporate mode of production”, see Sisters and Wives, op. cit., p.109.

128: K. Sachs, ibid., op. cit., p.116-117.

129: M. Sahlins, op. cit., p.140.

130: E. Friedl, Women and Men, an Anthropologist’s View (New York, 1975), p.51.

131: انظرْ M. Sahlins, op. cit., chapter one, R. Lee, !Kung San, op. cit., and C. Turnbull, The Forest People, op. cit..

132: هذه ملاحظة أبداها أ. تيستار A. Testart, Les chasseurs-cuedleurs ou l’origin des inegalités, Paris 1982.

133: D.O. Henry, From Foraging to Agriculture (Philadelphia, 1989), p.227.

134: يؤكد د. أو. هنرى D.O. Henryأن انهيار الشروط الإيكولوچية من أجل البحث “المعقد” عن الطعام كان يتسبب عن التغيرات المناخية. غير أن من الجائز أن السبب كان يتمثل فى الأثر التراكمى على البيئة نتيجة زيادة أعداد الباحثين عن الطعام. وربما كان لتزايد السكان أثر هائل على حجم القطعان الثديية البرية التى كانوا يتغذون عليها، مما أحدث نقصا حادا مفاجئا. ويمكن لهذا أن يفسر السبب فى وجود حالات تاريخية متكررة، فى أنحاء مختلفة من العالم، لمجتمع يقوم على البحث المعقد عن الطعام (أحيانا، كما فى بعض أنحاء أمريكا اللاتينية ذات اللجوء المحدود إلى البستنة) أن يقوم فجأة إما بالاتجاه بصورة كاملة إلى الزراعة أو بالعودة إلى الصيد والجمع المتنقلين.

135: للاطلاع على تفاسير الانتقال إلى الزراعة فى الأمريكتين، انظرْ، على سبيل المثال، R. McAdams, The Evolution of Urban Society (London, 1966), pp.39-40; F. Katz, Ancient American Civilisations (London, 1989), pp.19-22; W. Bray, From Foraging to Farming in Mexico, in J.V.S. Megaw (ed.), Hunters, Gatherers and the First Farmers outside Europe, p.225-234.

136: وفقا ﻠ P.M. Dolukhonov, The Neolithisation of Europe:a chronological and ecological approach. فى C. Renfrew (ed.), Explaining Cultural Change op. cit., p.331-336. وهذه التواريخ، كما فى كل مكان آخر، تقريبية ويمكن تماما أن تكون موضوعا للمراجعة فى ضوء معرفة أحدث.

137: للاطلاع على تقديرات التواريخ، انظرْ C.K. Maisels, The Emergence of Civilisation (London, 1990); M. Rice, Egypt’s Making (London, 1990); M.I. Finlay, Early Greece: the Bronze and Archaic ages (London, 1981); F. Katz, Ancient American Civilisations, op. cit.; and G. Connah, African Civilisations (Cambridge 1987).

138: V. Gordon Childe, What Happened in History, op. cit., pp.59-62.

139: Ibid., p.80-81.

140: C.K. Maisels, The Emergence of Civilisation: from hunting and gathering to agriculture, cities and the state in the Near East (London, 1993), p.297.

141: C.K. Maisels, ibid., p.297.

142: V. Gordon Childe, Social Evolution (London, 1963), pp.155-6.

143: V. Gordon Childe, What Happened in History, op. cit., p.88.

144: See C.K. Maisels, op. cit., p.146.

145: T.B. Jones, quoted in C.K. Maisels, op. cit., p.184.

146: T.B. Jones and J.W. Snyder, quoted in C.K. Maisels, op. cit., p.186.

147: للاطلاع على مناقشة بشأن هذه المنشآت الحجرية قبل الحضرية، انظرْ C. Renfrew, Before Civilisation (Harmondsworth, 1976).

148: من المؤكد بالتالى أن التطورات فى بحر إيچه شجعها ما حدث فى البر الآسيوى إلى الجنوب الشرقى والبر الأفريقى إلى الجنوب، ومن المرجح أن بعض التطورات فى مصر (أنواع الغلال التى كانت تُزرع، وبعض القطع الأثرية) قد تأثرت، إلى درجة محدودة، باتصالات مع حضارة ما بين النهرين الأسبق تطورا؛ ومن الممكن تماما أن حضارات أمريكا اللاتينية كان لها اتصال ما مع حضارات شرق وجنوب شرق آسيا.

149: V. Gordon Childe, Social Evolution, op. cit., pp.160-161.

150: Ibid., pp.160-161. ويؤكد جوردون تشايلد أنه: “لا شك فى أنه فى العالم القديم كانت حضارة المحراث قد حلت محل حضارة المعزقة قبل ظهور الحضارة. غير أن المحراث كان غير معروف عند المايا المتحضرين، الذين لم تكن لديهم أىّ حيوانات مستأنسة على الإطلاق … وفى كريت وأوروپا المعتدلة المناخ وكذلك فى المناطق القريبة من آسيا كانت المركبات ذات العجلات مستعمَلة قبل تحقيق الحضارة، غير أن مثل هذه المركبات لم تكن معروفة على النيل على مدى 1500 سنة بعد ظهور الحضارة … وفى مصر وكريت وبين السلتيِّين كانت الحضارة مسبوقة بارتقاء مكانة الملوك المقدسين الذين يتركز فى أيديهم الفائض الاجتماعى. وفى بلاد مابين النهرين، على النقيض، كان المعبد الخاص بإله فوق بشرى هو الذى يؤدى هذه الوظيفة … على حين أن ‘القبور الملكية’ لم تتميز إلا لاحقا …”

151: نظرات ماركس النافذة إلى إمكانيات مجتمع تحوز فيه طبقة حاكمة بيروقراطية أملاكا عقارية وتستغل باقى المجتمع بصورة جماعية من المحتمل أن يكون قد أسيئ تطبيقها فى كتاباته عن هند أوائل القرن التاسع عشر، حيث كانت توجد ملكية خاصة واسعة النطاق للأرض على مدى أكثر من ألف عام. انظرْ R. Tharpar, Ancient Indian Social History (Hyderabad, 1984).

152: ملاحظة أبدتها جيلى C. Gailey, op. cit., p.22.

153: انظرْ، على سبيل المثال، C.K. Maisels, op. cit., p.269.

154: R. Tharpar, Ancient Indian Social History, op. cit., p.19.

155: انظرْ المناقشة الخاصة بهذه المسألة فى F. Katz, Ancient American Civilisations, op. cit., p.70.

156: تقديرات واردة فى A.B. Lloyd, The late period, in B. Trigger, Kemp, O’Connor and Lloyd, Ancient Egypt, A Social History, op. cit., p.310.

157: C. Gailey, op. cit.

158: And, to be honest, Gailey does not succeed in such explanation either.

159: E.R. Service, Classical and modern theories of the origins of government, in R. Cohen and E.R. Service (eds.), Origin of the State.

160: M.H. Fried, The state, the chicken and the egg, or what came first?, in R. Cohen and E.R. Service, ibid., p.35.

161: خاصةً فى المقدمة الشهيرة ﻠ The Critique of Political Economy.

162: C. Renfrew, The emergence of civilisation, in C. Renfrew (ed.), Explaining Cultural Change, op. cit., p.421 and p.424. والأهم أن الزراعة ذاتها يمكن أن تُزعزع استقرار البيئة – عن طريق خفض مستوى المياه الجوفية أو استنفاد التربة – مما يؤدى إلى “مزيد من زعزعة الاستقرار” فى المجتمع و”الضغوط المحلية على السكان”، مما يؤدى إلى التغيير، انظرْ C. Renfrew, op. cit., p.427.

163: D.R. Harris, The prehistory of tropical agriculture, in C. Renfrew (ed.), Explaining Cultural Change, op. cit., p.398-9.

164: Ibid., p.399.

165: F. Engels, The Origin of the Family, op. cit., p.160-161.

166: Ibid., p.286.

« السابق التالي »