بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلم والتقنية والمجتمع

التالي »

1- عصر جديد من الفكر العلمي والتقني

أيها الرفاق، لقد عُدت لتوي من تركمانستان، حيث حضرت الاحتفال بعيدها القومي. تركمنستان الجهورية الشقيقة الواقعة في وسط آسيا تحتفل اليوم بالذكرى السنوية لتأسيسها. بالطبع، سيبدو ذكر تركمانستان وكأنه موضوع بعيد الصلة عن تقنية الراديو، وبعيدًا عن جمعية أصدقاء الراديو، لكن في الواقع، هناك صلة وثيقة جدًا بينهما. لأنه وبسبب بعد المسافة بيننا وبين تركمانستان، يجب أن تكون أكثر قربًا للمتواجدين في هذا المؤتمر.

ونظرًا لضخامة واتساع مساحة بلدنا الاتحادية، والتي تضم تركمانستان فيما تضم – والتي تغطي مساحة تصل إلى نحو 600 ألف فيرست[1]، أي أنها أكبر من ألمانيا، أكبر من فرنسا، أكبر من أي دولة أوروبية، أرض يتناثر فيها السكان بين الواحات، حيث لا توجد طرق ممهدة – وكما قلت، نظرًا لهذه الظروف، ربما تكون تقنيّة الراديو قد اخترعت خصيصًا لصالح تركمانستان، كي تتواصل معنا. نحن بلد متخلف؛ وبلدنا بالكامل، بما في ذلك حتى المناطق الأكثر تقدمًا، متخلفة للغاية من الناحية التقنيّة، وفي نفس الوقت ليس لدينا أي حق في البقاء على هذه الحالة، لأننا نبني الاشتراكية، وتفترض الاشتراكية وتتطلب مستوى عال من التقنية.

وكما أن شق الطرق وتعبيدها في المناطق الريفية يحسّن من أوضاع تلك المناطق ويبني جسورًا تعبر بهم للأمام (وكم نحن بحاجة ماسة للمزيد من هذه الجسور)، يتعين علينا في الوقت نفسه اللحاق بركب الدول الأكثر تقدمًا في مجال أحدث الانجازات العلميّة والتقنيّة – ومن بين هذه التقنيات، وفي المقام الأول، تقنيّة الراديو. يمكنني القول بأن اختراع كل من التلغراف والهاتف ربما يكون وكأنه حدث خصيصًا من أجل إقناع المتشككين فيما بيننا بالإمكانيات غير المحدودة الكامنة في العلم والتكنولوجيا، ولإظهار أن كل الإنجازات التي سجلها العلم حتى الآن ليست سوى مقدمة موجزة لما ينتظرنا في المستقبل.

دعونا نلقي نظرة على الخمس وعشرين عامًا الأخيرة – فقط ربع قرن من الزمان – لنتذكر ما قد حققه الإنسان من إنجازات وفتوحات في مجال التكنولوجيا أمام أعيننا، أمام أعين الجيل الأقدم الذي أنتمي إليه. أتذكر – وربما أنا لست الشخص الوحيد بين الحضور الذي يتذكر هذا، رغم أن غاليبة الحضور هم من الشباب – ذاك الوقت حين كانت السيارات تعد من النوادر. وفي نهاية القرن الماضي، لم يكن هناك أي حديث عن الطائرة. وفي العالم بأسره، على ما أعتقد، لم يكن هناك سوى 5 آلاف سيارة، بينما يقدر عددهم الآن بنحو 20 مليون سيارة، منهم 18 مليون سيارة في أمريكا وحدها – 15 مليون سيارة صغيرة و3 ملايين شاحنة. لقد أصبحت السيارة، وأمام أعيننا، وسيلة مواصلات ذات أهية قصوى ولا غنى عنها.

لازلت أتذكر الأصوات المضطربة المشوشة التي لاحظتها وأنا أستمع للفونوغراف لأول مرة. كنت آنذاك في المستوى الأول من المدرسة الثانوية، حينها كان قد وصل إلى “أوديسا” أحد الرجال هواة المغامرة، أثناء ترحاله بين جميع أنحاء مدن جنوب روسيا، وبحوزته فونوغراف أسمعنا إياه. والآن يعد الجرامافون، حفيد الفونوغراف، واحداً من أهم المعالم المألوفة والأكثر انتشارًا للحياة المنزلية.

والطائرات؟! في عام 1902، أي منذ ثلاثة وعشرون عامًا مضت، نشر الكاتب هـ. ج. ويلز (معظمنا يعرف رواياته عن الخيال العلمي) كتابًا، بيّن فيه، في أكثر من موضع، أن في رأيه الشخصي (وكان يعتبر نفسه ذو خيال مغامر وجريء فيما يتعلق بالمسائل التقنيّة) أنه، تقريبًا، وبحلول منتصف القرن العشرين الحالي سيتم ليس فقط اختراع، بل سيكون هناك وبشكل متقن، آلة أثقل من الهواء لكنها تطير، وستستخدم أيضًا في العمليات الحربية. هذا الكتاب كتب عام 1902. ونحن نعلم علم اليقين أن الطائرات قد لعبت دورًا واضحًا وحاسمًا في الحرب الإمبريالية – ولايزال هناك خمسة وعشرون عامًا يفصلون بيننا وبين منتصف القرن!

والتصوير السينمائي؟! هذا أيضًا ليس شأنًا تافهًا. لوقت قصير جدًا مضى لم يكن قد ظهر بعد؛ العديد من الحضور يتذكر ذلك الوقت. ومع ذلك، وفي أيامنا هذه، من المستحيل أن نتخيل حياتنا الثقافية بدون السينما.

كل هذه الابتكارات دخلت حياتنا خلال الربع الأخير من القرن، والتي أنجز خلالها الجنس البشري أيضًا، بالإضافة إلى ذلك، بعض الأمور التافهة الأخرى مثل الحروب الإمبريالية، حيث دمرت مدن وبلدان بأكملها، وأبيد جراءها ملايين البشر. وفي سياق نفس الربع قرن هذا، اندلعت أكثر من ثورة في سلسلة من البلدان، وإن كان ذلك على نطاق أقل مما حدث في بلدنا.

خلال خمس وعشرين عامًا، تعرضت الحياة لغزو السيارات، والطائرات، والجرامافون، والسينما، والتلغراف، والهاتف. لو أننا فقط نتذكر حقيقة أن الأمر، ووفقًا لحسابات العلماء الافتراضية، قد تطلب نحو 250 ألف سنة كي تنتقل البشرية من حياة الصيد البسيطة إلى تربية الماشية، عندها سيبدو هذا الجزء الضئيل من الزمن، خمسة وعشرين عامًا، تقريباً لا شيء. ولكن، علام يدل هذا الوقت الضئيل؟! إنه دليل على أن التكنولوجيا دخلت في مرحلة جديدة، مرحلة يتسارع فيها معدل تطورها باستمرار.

علماء الليبرالية – هم فقط دون غيرهم – من اعتادوا على تصوير تاريخ الجنس البشري كخط مستقيم ومستمر من التقدم. وكان هذا خطأ. إن مسار التقدم منحني، مكسور، ومتعرج. الحضارة تتقدم الآن، وتنحدر الآن. كانت هناك حضارة آسيا القديمة، كانت هناك حضارة العصور القديمة، والحضارة اليونانية والرومانية، ثم أخذت الحضارة الأوروبية في التطور، والآن تتجلى الحضارة الأمريكية في صورة ناطحات السحاب.

ما الذي تبقى من الحضارات السابقة؟ّ! ما الذي تراكم نتيجة التقدم التاريخي؟! فقط العملية التقنيّة، وطرق البحث. فقط الفكر العلمي والتقنيّ، ولكن، ليس دون انقطاعات أو فشل، هو الذي استمر. حتى لو تأملت في هذه الأيام البعيدة القادمة حين ستتوقف الشمس عن التألق وتموت كل أشكال الحياة على الأرض، رغم هذا سيظل أمامنا متسع من الوقت.

أعتقد أنه وفي خلال القرون المقبلة، سيتقدم الفكر العلمي والتقنيّ، في ظل مجتمع اشتراكي التنظيم، دون انقطاعات، أو تعرج، أو فشل. سيكون قد نضج إلى الحد الذي يجعله مستقلاً علميًا، ويقف بثبات على قدميه، وهكذا سيمضي قُدمًا بطريقة ثابتة، سابقة التخطيط، جنبًا إلى جنب مع نمو القوى الانتاجية التي يترابط معها بدرجة وثيقة.

1) فيرست: الفيرست وحدة قياس روسية للمساحات تساوي 1,067 كيلو متر. (المترجمة)

التالي »