بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلم والتقنية والمجتمع

« السابق التالي »

2- انتصار المادية الجدلية

تتمثل مهمة العلم والتكنولوجيا في إخضاع المادة للإنسان، إلى جانب المكان والزمان، غير المفصولين عن المادة. صحيح أن هناك بعض الكتب المثالية – ليست ذات طابع ديني ولكن تلك الفلسفية – حيث يمكنك قراءة أن الزمان والمكان ما هما إلا بعض من تصنيفاتنا العقلية، وأنهما ناتجان عن متطلبات تفكيرنا، لكن في الحقيقة لا شيء يتوافق معهما في الواقع بالفعل.

لكن من الصعب أن نتفق مع هذا الرأي. لو أن أي فيلسوف مثاليّ، بدلاً من أن يصل في الوقت المحدد للحاق بقطار الساعة الثامنة مساءًا، يتعين عليه الذهاب متأخر دقيقتين، فما سيراه هو مؤخرة القطار المغادر للمحطة بدونه، وحينها ستقنعه عيناه أن الزمان والمكان لا يمكن فصلهما عن الواقع المادي. إن مهمة العلم هي تقليص المسافات، والاقتصاد في الوقت لإطالة حياة الإنسان، وتسجيل الماضي لإثراء الحياة ورفعها إلى مستوى أعلى.

هذا هو السبب وراء الصراع مع الزمان والمكان، والذي يكمن في جوهره الصراع من أجل إخضاع المادة للإنسان، التي تشكل الأساس ليس فقط لكل شيء موجود بالفعل، ولكن هي أساس كل خيال أيضًا. إن نضالنا من أجل تحقيق الإنجازات العلمية نفسه مجرد منظومة متكاملة من ردود الأفعال، بمعنى، الظواهر الفيسيولوجية التي نشأت على أساس تشريحي، وهذه الأسس التشريحية بدورها تطورت من عالم غير عضوي، تطورت من خلال علوم الكيمياء والفيزياء. كل علم ما هو إلا تراكم للمعرفة، استنادًا إلى الخبرة المتعلقة بالمادة ولخصائصها، ولفهم شامل حول كيفية إخضاع هذه المادة لمصالح واحتياجات الإنسان.

كلما توصل العلم إلى اكتشافات تتعلق بالمادة، وتكشفت أمامنا خصائص “غير متوقعة” لها، كلما اشتعل حماس الفكر الفلسفي المنحط للبرجوازية لمحاولة استخدام تلك الخصائص أو المظاهر الجديدة للمادة لإظهار عدم أهمية المادة.

إن التقدم في العلوم الطبيعية فيما يتعلق بمسألة إخضاع المادة، يقابله صراع فلسفي ضد النزعة المادية. حاول الفلاسفة، وحتى بعض العلماء، استخدام ظاهرة النشاط الإشعاعي في صراعهم ضد المادية: كان هناك دائمًا الذرات والعناصر، وكانوا أساس المادة والفكر المادي، ولكن الآن تحولت هذه الذرة لأجزاء في أيدينا، وانقسمت لإلكترونات، وفي البداية عند ظهور النظرية الإلكترونية وعندما بدأت تحظى بشعبية، تسبب هذا في إشعال صراع محتدم داخل حزبنا، حول ما إذا كانت هذه النظرية دليل إثبات مع أو ضد المادية.

وكل من هو مهتم بهذه القضايا سيستفيد استفادة كبيرة بقراءة كتاب فلاديمير إيليتش لينين حول “المادية والمذهب النقدي التجريبي”. وفي الواقع لم تكن ظاهرة النشاط الإشعاعي “الغامضة”، ولا ظاهرة موجات البث اللاسلكي الكهرومغناطيسي التي لا تقل “غموضًا” عنها، السبب في أي ضرر، ولو بسيط، للمادية.

يمكن توجيه ظاهرة النشاط الإشعاعي، التي أدت إلى ضرورة التفكير في الذرة كمنظومة معقدة من الأجزاء الدقيقة التي “لا يمكن تصورها”، ضد الماديّة فقط من خلال النموذج البائس للماديين المبتذلين، ذلك النموذج الذي يعترف بأن المادة هي فقط كل ما يمكن الإحساس به باليد المجردة. ولكن هذه شهوانية، وليست مادية. فكل من الجزيئات، أي الجسيمات الكيميائية، والذرة، أي الجسيمات المادية، هي أشياء لا يمكن التحقق منها من خلال حاستي الإبصار أو اللمس. لأن أجهزتنا الحسيّة، على الرغم من كونها أولى الأدوات المعرفية، ليست هي على الإطلاق الملاذ الأخير للمعرفة. فالعين والأذن البشرية هي أجزاء من أجهزة بدائية جدًا، غير كافية للوصول حتى للعناصر الأساسية للظواهر الفيزيائية والكميائية، إلى حد أننا أثناء تفكيرنا عن الواقع نسترشد فقط بالنتائج اليومية لأجهزتنا الحسيّة، لذلك من الصعب علينا تخيل أن الذرة منظومة معقدة، وأن لديها نواة، وتدور حول هذه النواة إلكترونات، وبالتالي، ينتج عن هذا ظاهرة النشاط الإشعاعي.

إن خيالنا بشكل عام اعتاد على تقبل الفتوحات المعرفية الجديدة بصعوبة شديدة. عندما اكتشف كوبرنيكوس في القرن السادس عشر، أن الشمس ليست هي من تدور حول الأرض، لكنها الأرض هي التي تدور حول الشمس، بدا هذا رائعًا، ولكن لايزال الخيال المحافظ حتى الآن يواجه صعوبة في التكيف مع هذه الحقيقة. نلاحظ هذا في حالة الأشخاص الأميين، أو بين الأجيال الجديدة من تلاميذ المدارس. إلا أننا، أي من هم على قدر من العلم، ورغم حقيقة أنه على ما يبدو لنا نحن، أيضًا، من أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، فإننا لا نرتاب في أن ما يحدث في الواقع هو العكس، لأن هذا مؤكد من خلال مراقبة شاملة ورصد واسع النطاق للظواهر الفلكيّة.

فالدماغ البشري هو نتاج لتطور المادة، وفي نفس الوقت هو أداة إدراك هذه المادة؛ تدريجيًا يعدل من نفسه بما يتوافق مع وظائفه، ويحاول التغلب على أوجه قصوره، فيبتكر المزيد من الأساليب العلمية جديدة، ويتخيل المزيد من الآلات المعقدة والدقيقة، يتحقق من عمله مرارًا وتكرارًا، وخطوة بخطوة ينفذ إلى أعماق لم يكن يدركها من قبل، ويغير مفهومنا عن المادة، ومع ذلك، دون الانفصال عن الأساس لكل ما هو موجود بالفعل.

النشاط الإشعاعي، كما ذكرنا آنفًا، لا يشكل بأي حال من الأحوال تهديدًا للماديّة، كما أنه في نفس الوقت يعد انتصارًا عظيمًا للجدليّة. فحتى وقت قريب افترض العلماء أن هناك حوالي تسعين عنصرًا في العالم، تلك العناصر كانت بعيدة عن التحليل ولا يمكنها أن تتحول من واحد للآخر، وإذا جاز التعبير، فالأمر أشبه بسجادة للكون مكونة من تسعون خيطًا مختلفة الصفات والألوان. هذا المفهوم يتناقض مع الماديّة الجدليّة، التي تتحدث عن وحدة المادة، وأيضًا عن، وهو الأهم، قابلية عناصر المادة وقدرتها على التحول. الكيمايئي العظيم، ماندليف، ظل وحتى نهاية حياته مقاومًا لفكرة أن العناصر يمكن أن تتحول من شكل لآخر؛ وكان يعتقد اعتقادًا راسخًا في استقرار هذه “التوحدات”، رغم أنه كان على دراية جيدة بظاهرة النشاط الإشعاعي.

لكن هذه الأيام، لا يصدق أي من العلماء في قدرة العناصر على التحول. ومن خلال عملية النشاط الإشعاعي، تمكن الكيميائيون من “التفكيك” المباشر لثمانية أو تسعة عناصر، وهكذا أيضاً قضوا تماماً على آخر بقايا الميتافيزيقا في المادية. والآن ثبت علمياً إمكانية تحويل عنصر كيميائي إلى آخر. أدت عملية النشاط الإشعاعي إلى انتصار حاسم للفكر الجدلي.

تستند ظاهرة الراديو على البث اللاسلكي للموجات الكهرومغناطيسية. واللاسلكية لا تعني على الإطلاق انتقال غير مادي. فالضوء لا يأتي فقط من المصابيح، بل من الشمس أيضًا، وينتقل إلينا أيضًا دون مساعدة الأسلاك. نحن معتادون تمامًا على الانتقال اللاسلكي للضوء ولمسافات طويلة جدًا. ورغم هذا، قد أصابتنا دهشة شديدة، حينما بدأنا في نقل الأصوات عبر مسافات أقصر كثيرًا، بمساعدة نفس تلك الموجات الكهرومغناطيسية التي تكمن وراء ظاهرة الضوء. وجميعها ظواهر للمادة، وتحولاتها عبر الزمان والمكان. الاكتشافات الحديثة وتطبيقاتها التقنيّة دليل على أن المادة ذات إمكانات أكثر تنوعًا وثراءًا مما كنا نعتقد حتى الآن. ولكن، كما كان من قبل، لا شيء يحدث من فراغ.

أبرز علمائنا يقولون أن العلم، لا سيما الفيزياء، وصلت في الفترة الأخيرة إلى نقطة تحول. فمنذ وقت ليس ببعيد، كانوا يقولون، أننا لازلنا نقترب من المادة “ظاهريًا”، أي من زاوية مراقبة مظاهرها، لكننا الآن قد بدأنا في النفاذ بشكل أعمق من أي وقت مضى إلى داخل المادة، لمعرفة هيكلها، وسنكون قريبًا قادرين على تعديلها من “الداخل”. من شأن الفيزيائي الجيد، بطبيعة الحال، أن يكون قادرًا على التحدث عن هذا الأمر أفضل مني. تأخذنا ظاهرة النشاط الإشعاعي إلى مشكلة تحرير طاقة الذرة الداخلية. فالذرة تحتوي داخلها على طاقة قوية خفيّة، ومهمة الفيزياء العظمى هي دفع هذه الطاقة إلى الخارج، نزع الفلينة الكابحة بحيث تندفع الطاقة الكامنة في صورة نافورة. ليصبح بالإمكان استبدال الطاقة الناتجة عن الفحم والنفط بالطاقة الذرية، التي ستصبح أيضًا القوة المحركة الأساسية.

وهذه ليست مهمة مستحيلة، ويالها من آفاق تلك التي تفتحها أمامنا! هذا وحده يعطينا الحق في أن نعلن أن الفكر العلميّ والتقنيّ يقترب من نقطة تحول عظيمة، وأن الحقبة الثورية المتعلقة بتطور المجتمع البشري سيصاحبها حقبة ثورية أخرى في مجال إدراك المادة والتحكم فيها. وستفتح الباب لإمكانيات تقنيّة غير محدودة أمام البشرية المحررة.

« السابق التالي »