بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العلم والتقنية والمجتمع

« السابق التالي »

3- الإذاعة العسكرية والخرافة

ريما قد حان الوقت الآن للاقتراب أكثر من القضايا السياسية والعملية. ما هي العلاقة بين تقنيّة البث الإذاعي والنظام الاجتماعي؟ هل هو اشتراكي أم رأسمالي؟ لقد طرحت هذا السؤال لأنه، ومنذ أيام قليلة خلت، أعلن الإيطالي الشهير، ماركوني، في برلين أن نقل الصور من على بعد عبر موجات هيرتس هي هدية رائعة للسلام، متنبئًا بنهاية سريعة للحقبة العسكرية. لماذا ينبغي أن يحدث هذا؟ لقد أعلنت نهايات تلك الحقب مرات عدة، إلى الحد الذي جعل بدايتها ونهايتها مختلطة وملتبسة بالنسبة لدعاة السلام.

إن حقيقة أننا سنتمكن من الرؤية من على مسافات بعيدة تفترض وضع حد ونهاية للحروب! بالتأكيد، إن إختراع وسيلة لنقل صورة حيّة من على مسافة كبيرة مهمة جذابة للغاية، لأنها إهانة للعصب البصري، أن يكون العصب المسئول عن السمع، والفضل للراديو، متميزًا عنه الآن في هذا المجال. ولكن افتراض أن هذا الأمر سوف يضع حدًا للحروب محض سخف وحسب، ويظهر فقط أنه في حالة العظماء من أمثال ماركوني، كما هو الحال مع غالبية الأشخاص المتخصصين في أحد فروع العلم دون غيره – حتى أنه ربما يجوز للمرء أن يقول غالبية الناس بشكل عام – يسيطر التفكير العلميّ على الدماغ، ويجعله يفكر في المسألة بشكل جزئيّ، وليس كليّ، فقط في بعض الأقسام الصغيرة.

تمامًا كما في حالة الأقسام الداخلية التي يصعب اختراقها من هيكل السفينة البخارية، يتم وضعها بحيث إذا ما تعرضت السفينة لحادث فإن تلك الأقسام تحول بين غرقها كلها مرة واحدة، كذلك في الوعي البشري هناك العديد من الأقسام التي لا يمكن اختراقها: في أحد الأقسام يمكن أن تجد، وربما حتى في حزمة من هذه الأقسام، التفكير العلمي الأكثر ثورية، ولكن خلف الأقسام تكمن المحافظة والتشبث بالتقاليد إلى أقصى درجة. وهنا تكمن أهمية الماركسية ومغزاها العظيم، كفكر يعمم كل التجربة الإنسانية، مما يساعد على تحطيم تلك الأقسام الداخلية للوعي من خلال النظرة المتكاملة للعالم. ولكن، لنقترب أكثر من القضية التي نتناولها، لماذا، تحديدًا، إذا كان المرء يرى عدوه، لماذا لابد وأن ينهي هذا اندلاع الحروب؟ في أوقات سابقة عند اندلاع حرب ما كان الخصوم يتقابلون وجهًا لوجه. هكذا كانت تجري الأمور في زمن نابليون.

إن اختراع الأسلحة بعيدة المدى دفعت تدريجيًا بالخصوم بعيدًا عن بعضهم البعض، وأدت إلى وضع أصبحوا فيه يتبادلون إطلاق النار على أهداف غير مرئية. فإذا ما أصبح الهدف الخفيّ مرئيًا، هذا فقط سيعني أن الثالوث الهيجلي قد انتصر في هذا المجال أيضاً – بعد الفكرة ونقيضها، يأتي “توليف” الإبادة المتبادلة.

أتذكر ذلك الوقت عنما قال العلماء أن تطوير الطائرات من شأنه وضع نهاية للحرب، لأنها قد تدخل كتل سكانية في غمار العمليات العسكرية، مما يؤدي إلى تخريب الحياة الاقتصادية والثقافية لبلدان بأكملها، وما إلى ذلك. في الواقع، لقد فتح اختراع “آلة أثقل من الهواء تطير” فصلاً جديدًا أشد قسوة في تاريخ العسكرية. وليس هناك شك أننا الآن، أيضًا، نقترب من بداية فصل أكثر دموية وأكثر رعبًا.

للعلم والتكنولوجيا منطقهما الخاص – منطق إدراك الطبيعة والسيطرة عليها من أجل صالح البشرية. لكن لا يتطور كل من العلم والتكنولوجيا في الفراغ، وإنما في المجتمع الإنساني، الذي يتكون من طبقات. والطبقة الحاكمة، هي التي تمتلك، وتتحكم في التكنولوجيا ومن خلالها تسيطر على الطبيعة. التكنولوجيا في حد ذاتها لا يمكن أن تسمى عسكرية أو سلمية. المجتمع الذي تسيطر عليه طبقة حاكمة عسكرية، تصبح فيه التكنولوجيا في خدمة العسكرية.

وتقوض التكنولوجيا والعلم، بما لا يرقى للشك، الخرافات. ولكن طبيعة المجتمع الطبقي تخلق قيودًا هائلة في هذا المجال أيضًا. لنأخذ أمريكا كمثال، هناك تذاع خطب الكنيسة من خلال الراديو، ما يعني أن الإذاعة تُستخدم كوسيلة للدعاية والشعائر الدينية. هذا الأمر لا يحدث هنا، أعتقد هذا – آمل أن جمعية أصدقاء الراديو يراقبون هذا؟ (ضحك وتصفيق) في ظل النظام الاشتراكي، العلم والتكنولوجيا، مثل كل شيء آخر، يوجهان دون شك ضد التحيزات الدينية، ضد الخرافات، الخرافات التي تعكس ضعف الإنسان أمام الإنسان، أو ضعفه أمام الطبيعة. الصوت الوحيد الذي يمكن أن يبث عبر الإذاعة لجميع أنحاء البلاد ويكون بالفعل “صوت من السماء” هو صوت آت من متحف العلوم التطبيقية! (ضحك).

« السابق التالي »