بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأساس الاجتماعي لقضية المرأة

« السابق التالي »

النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي

أولاً وقبل أي شيء، يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً؛ هل بالإمكان ظهور حركة نسوية موحدة في ظل مجتمع قائم على التناقضات الطبقية؟ والحقيقة أن النساء اللواتي يشاركن في حركة التحرر الوطني، في نظر المراقبين المحايدين، لا يمثلن كتلة واحدة متجانسة واضحة.
وعالم النساء منقسم لمعسكرين، تمامًا مثلما هو عالم الرجال؛ وهكذا، فإن تطلعات ومصالح أحد هذيَن المعسكريَن يجعله قريباً من الطبقة البرجوازية، في حين أن المعسكر الآخر وثيق الصلة بالبروليتاريا، والتي يوفر مطلبها بالتحرر حلاً كاملاً لقضية المرأة. ورغم أن كلا المعسكرين يرفع شعار “تحرر المرأة”، إلا أن أهدافهما ومصالحهما مختلفة. فكل معسكر من المعسكرين يستمد – دون وعي – نقطة انطلاقه من مصالحه الطبقية، مما يصبغ أهداف ومهام كل معسكر بصبغة مختلفة تماماً عن الآخر.

وعلى الرغم من أن المطالب النسويّة تبدو جذريّة، إلا أنه يجب علينا ألا نغفل عن حقيقة أن النسويات لا يمكنهن، انطلاقاً من موقفهن الطبقي، النضال من أجل تحول جذري في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي الحالي للمجتمع، والذي دونه لا يمكن أن تكتمل عملية تحرر المرأة.

وفي بعض الأحيان وفي ظل ظروفٍ محددة، قد تتطابق المهام قصيرة الأجل للنساء من جميع الطبقات، ولكن الأهداف النهائية للمعسكرين، هي التي تحدد اتجاه الحركة والتكتيكات المتبعة، والتي تختلف اختلافًا تامًا بين المعسكرين. بالنسبة للنسويات فإن الوصول إلى المساواة في الحقوق مع الرجال في إطار العالم الرأسمالي القائم بمثابة نهاية ملموسة بل وكافية في حد ذاتها، بينما تعني المساواة في الحقوق، أما بالنسبة لنساء البروليتاريا في الوقت الراهن، فما هي إلا مجرد وسيلة لإحراز تقدم في النضال ضد العبودية الاقتصادية للطبقة العاملة.

تنظر النسويات للرجال بوصفهم العدو الرئيسي، وذلك لأن الرجال استحوذوا على كل الحقوق والامتيازات لأنفسهم، تاركين للنساء القيود والواجبات وحسب. ويعد انتصارًا لدى النسويات عندما يتم الاعتراف بامتيازٍ سابق كان حصريًا للذكور فقط، وأُقِرَ به لـ “الجنس اللطيف”. ولكن، نساء البروليتاريا لهن موقف مختلف. إنهن لا يعتبرن الرجل عدوًا، أو ظالمًا؛ بل على العكس، فهن ينظرن للرجال بوصفهم رفاقهم، الذين يشاركوهم العمل اليومي الشاق، ويناضلون معهم من أجل مستقبلٍ أفضل.

إن المرأة ورفيقها الذكر مُستعبَدين من قبل الظروف الاجتماعية نفسها؛ نفس القيود الرأسمالية المقيتة تقمع ارادتيهما، وتحرمهما معًا من مباهج ومتع الحياة. صحيح أن للنظام الحالي عدة جوانب محددة تكمن فيها المعايير المزدوجة في التعامل مع النساء، كما أنه صحيح أيضًا أن ظروف العمل المأجور أحيانًا تحول المرأة العاملة إلى منافس وخصم للرجل. لكن، حتى في ظل هذه الظروف المجحفة، فإن الطبقة العاملة تعي تمامًا من هو المذنب.

إن المرأة العاملة، لا تقل أحوالها بؤسًا عن نظيرها الرجل، كلاهما يمقت هذا الوحش النهم ذو الأسنان الذهبية، الذي يعيش على امتصاص دماء ضحاياه ليتضخم على حساب الملايين من الأرواح البشرية، وحش لا يعنيه كثيرًا كون ضحيته رجل، أو امرأة أو حتى طفل. ومن ناحية أخرى، تبدو تطلعات النساء البرجوازيات غريبة وغير مفهومة. إنها تطلعات غير مطمئنة للبروليتاريا؛ تطلعات لا تعد نساء البروليتاريا بالمستقبل المشرق الذي لطالما حلمت به البشرية المُستغَلة.

إن هدف نساء البروليتاريا النهائي لا يمنعهن، بالطبع، من الرغبة في تحسين أوضاعهن في ظل النظام البرجوازي الحالي، ولكن ما يعرقل تحقيق هذه الرغبات باستمرار، هي العقبات الناجمة عن طبيعة الرأسمالية ذاتها. لن تحصل المرأة على كامل حقوقها إلا في عالم العمل الاشتراكي، عالم الوئام والعدالة. والنسويات غير راغبات وغير قادرات على فهم هذا الأمر؛ إنهن يعتقدن أنه طالما تم قبولهن رسميًا بنص القانون، فإن هذا يعني فوزهن بمكان مريح في العالم القديم ذاته القائم على الاستغلال والقهر والعبودية،عالم المشقة والعويل.

وهذا صحيح إلى حدٍ ما. بالنسبة لأغلب نساء البروليتاريا، المساواة في الحقوق مع الرجال قد تعني الحصول على حصة متساوية من الظلم، لكن، بالنسبة لـ “القلة المختارة”، أي البرجوازيات، فإن المساواة في الحقوق تفتح أمامهن بالفعل الأبواب أمام حقوق وامتيازات أخرى جديدة وغير مسبوقة، كانت حكرًا حتى الآن على رجال الطبقة البرجوازية بمفردهم. لكن، كل امتياز جديد تفوز به المرأة البرجوازية يعد سلاحًا في يدها تستغل به شقيقتها الصغرى، كما أنه يعمّق الصدع ويعزز الانقسام بين نساء المعسكرين المتضاديّن، حيث تتضارب مصالحهما بشكل حاد، وتصبح التناقضات بين تطلعاتيهما أكثر وضوحًا.

أين، إذًا، “قضية المرأة” العامة تلك؟! أين هي وحدة المصالح والمهام التي لدى النسويات الكثير ليقولن عنها؟! إن نظرة متمعنة وهادئة للواقع توضح أن وحدة من هذا النوع لا وجود لها كما أنه من المستحيل وجودها. عبثًا حاولت النسويات طمأنة أنفسهن بقولهن أن “قضية المرأة” ليست لها أي علاقة بالحزب السياسي، وأن “الحل يكمن فقط بمشاركة جميع الأحزاب ومع كل النساء”؛ هذا وفقًا لما صرحت به إحدى رائدات الحركة النسوية الألمانية. ولكن منطق الحقائق من حولنا يجبرنا على رفض وهم النسويات المريح هذا.

لقد أدت شروط وأشكال الإنتاج لخضوع النساء عبر التاريخ البشري، وتدريجيًا أصبحن في موضع الاضطهاد والتبعيّة، الوضع الذي لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا. نحن بحاجة إلى ثورة هائلة في الهيكل الاجتماعي والاقتصادي بأكمله، قبل أن تشرع النساء في استرداد ما فقدن من مكانة واستقلالية. إن المشكلات التي كانت تبدو في وقت ما صعبة للغاية في نظر أكثر المفكرين براعة، تم تجاوزها وحلها الآن، ليس من خلال النظريات الجامدة، ولكن عن طريق كل شروط الإنتاج القوية. نفس القوى التي استعبدت المرأة لآلاف السنين، تقودها الآن، في مرحلة متقدمة من التنمية، نحو طريق الحرية والاستقلال.

لقد أولت نساء الطبقات البرجوازية اهتمامًا بقضية المرأة في منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا – وكان هذا بعد مضي مدة طويلة على التحاق نساء البروليتاريا بميدان العمل. حينها، وبسبب النجاحات الوحشية التي حققتها الرأسمالية في ذلك الوقت، ضربت موجات من الحاجة الطبقات الوسطى. وتسببت التغيرات الاقتصادية في عدم استقرار الوضع المالي للبرجوازية المتوسطة والصغيرة، وهكذا واجهت نساء البرجوازية معضلة ذات أبعاد خطيرة، إما قبول الفقر، أو المطالبة بالحق في العمل.

وبدأت زوجات وبنات تلك الطبقات الاجتماعية في طرق أبواب الجامعات، والمعارض الفنية، ودور النشر، والمكاتب، ليشغلن جميع المهن التي كانت متاحة أمامهن ولم تكن رغبة النساء البرجوازيات في الحصول على العلم، أو الانتفاع بالثقافة نتيجة مفاجئة، الأمر المفاجئ حقاً كان نضوج وعيهن بحاجتهن لتأمين قوت يومهن.

لقد لاقت نساء البرجوازية، منذ البداية، مقاومة شديدة من الرجال. ودارت معركة شرسة بين أصحاب الوظائف من الرجال، دفاعاً عن “وظائفهم الصغيرة المريحة”، وبين النساء المبتدئات في كسب قوت يومهن. أدى هذا الصراع إلى ظهور “الحركة النسوية” – كمحاولة من النساء البرجوازيات للتكاتف وتجميع قواهن معًا ضد العدو، ضد الرجل. وبدخولهن ميدان العمل افتخرت البرجوازيات بأنفسهن باعتبارهن “طليعة الحركة النسوية”. لكنهن نسين، أن بفوزهن في قضية الاستقلال الاقتصادي تلك، كما في بقية المجالات، كن يسرن على خطى شقيقاتهن الصغريات، كن يجنين ثمار الجهود التي بذلتها أيدي نساء البروليتاريا المقروحة.

هل من الممكن عندئذ القول بأن النسويات هن الرائدات على طريق عمل المرأة، بينما ملئت مئات الآلاف من النساء العاملات المصانع وورش العمل تقريبًا في جميع البلدان، حيث أخذن يغزون فروع الصناعة المختلفة فرعًا بعد الآخر، من قبل حتى أن تولد الحركة البرجوازية النسوية. فقط بفضل حقيقة أن النساء العاملات استطعن أن يحظين بمكانة واعتُرِفَ بهن في سوق العمل العالمية، ما كانت البرجوزيات ليتمكن من الوصول لهذا الوضع المستقل في المجتمع، وهو الأمر الذي تتيه به النسويات فخرًا.

لقد كان من الصعب علينا تحديد ولو حتى واقعة واحدة، عبر تاريخ نضال النساء العاملات من أجل تحسين ظروفهن المادية، ربما تكون الحركة النسوية العامة قد شاركت فيها بشكل ملحوظ. إن كل ما حققته المرأة العاملة في مجال تحسين ظروفهن المعيشية، كان ثمرة الجهود التي بذلتها الطبقة العاملة بصفة عامة، ونضال نساء البروليتاريا بشكل خاص. إن تاريخ نضال النساء العاملات من أجل تحسين ظروف العمل والحياة الكريمة، هو ذاته تاريخ نضال البروليتاريا من أجل التحرر.

إن لم يكن السبب هو الخوف من انفجار خطير بسبب حالة الغضب والسخط بين العمال، ما الذي يفرض على أصحاب المصانع رفع الأجور، وخفض ساعات العمل وتحسين ظروفه؟! ما الذي، إن لم يكن الخوف من “الإضرابات العمالية”، يقنع الحكومة بسن تشريع للحد من استغلال رأس المال للعمال؟!

لم يتبنى حزب واحد على مستوى العالم الدفاع عن النساء بنفس الطريقة التي اتبعها الحزب الاشتراكي الديمقراطي. فالمرأة العاملة، أولاً وقبل أي شيء، هي جزء من الطبقة العاملة ككل، وكلما زاد رضا الفرد عن وضعه داخل الأسرة العاملة وعن الرعاية الاجتماعية بشكل عام، كلما زادت الفوائد التي تجنيها الطبقة العاملة في مجملها على المدى الطويل.

وفي مواجهة الصعوبات الاجتماعية المتنامية، تجد المناضلة المخلصة للقضية نفسها في خضم من الحيرة والتشتت. فهي لا تسطيع إلا أن ترى كم هو قليل ما قدمته الحركة النسوية بشكل عام للمرأة العاملة، وكيف أن الحركة عاجزة عن تحسين ظروف عمل ومعيشة الطبقة العاملة. لذلك من الطبيعي أن يبدو مستقبل البشرية رماديًا، باهتًا وغامضًا في نظر أولئك النسوة اللاتي يناضلن من أجل المساواة ولكن دون تبنٍ لمفاهيم عالم البروليتاريا، دون أن يؤمنّ إيمانًا راسخًا بإمكانية وجود نظام اجتماعي أكثر كمالاً، خاصة مع بقاء العالم الرأسمالي الحالي كما هو دون تغيير. لذا فإن فكرة التحرر تبدو لهن منقوصة وغير موضوعية. أي قنوطٍ هذا الذي يحكم قبضته حول أولائك النسوة مرهفات الحس!

إن الطبقة العاملة وحدها هي القادرة على الحفاظ على الروح المعنوية في هذا العالم الزاخر بالعلاقات الاجتماعية المشوّهة. بخطواتها الثابتة والمدروسة تتقدم بشكل مطرد نحو هدفها، وتجذب المرأة العاملة إلى صفوفها. لقد انطلقت المرأة العاملة بكل شجاعة على طريق العمل الشائك بساقها الرخوة وجسدها العليل، رغم المنحدرات الخطرة على طول الطريق، ورغم كونها فريسة سهلة في متناول يد وحوش ضارية.

ولكن فقط باتخاذ هذا المسار ستتمكن النساء من تحقيق هدفهن الذي يبدو بعيدًا لكنه مغريًا، هدفهن في تحرر حقيقي في عالم العمال الجديد. خلال هذه المسيرة الصعبة نحو المستقبل المشرق، تعلمت المرأة العاملة التي كانت حتى عهدٍ قريب مستعبدة ومضطهدة ومهانة وبلا أية حقوق، كيف تتخلص من عقلية العبيد التي لطالما علقت بها، وخطوة تلو الأخرى حولت نفسها إلى عامل مستقل، ذو شخصية مستقلة. إنها، تلك التي كانت تناضل في صفوف الطبقة العاملة، هي من نجحت في منح المرأة الحق في العمل؛ إنها هي، “الشقيقة الصغرى”، من مهدت الأرض أمام امرأة المستقبل “الحرة”، و”المستقلة”.

إذن، تُرى ما السبب الذي يجعل المرأة العاملة تسعى للاتحاد مع النسويات البرجوازيات؟! مَن، في الواقع، المستفيد في حالة حدوث مثل هذا التحالف؟! بالتأكيد ليست المرأة العاملة. إنها مخلِّصة نفسها؛ ومستقبلها بين يديها هي. المرأة العاملة تحمي مصالحها الطبقية ولا تنخدع بالخطب الرنانة حول “العالم الذي تتقاسمه جميع النساء”. يجب ألا تنسى المرأة العاملة والحقيقة أنها بالفعل لا تنسى، أنه في حين أن هدف نساء البرجوازية هو تأمين وضعهن الاجتماعي في ظل الإطار العام للمجتمع الذي يعادينا، فإن هدفنا هو بناء، على أنقاض هذا العالم الذي عفا عليه الزمن، مجتمع العمال العالمي المشرق، حيث التضامن الرفاقي والحرية المبهجة.

« السابق التالي »