بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأساس الاجتماعي لقضية المرأة

« السابق التالي »

الزواج ومشكلة الأسرة

دعونا نولي اهتمامنا إلى جانب آخر من قضية المرأة، وهي قضية الأسرة. ومن المعلوم تمامًا، أن إيجاد حل لمثل هذه القضية الملحة والمعقدة أمرًا ضروريًا من أجل تحرر حقيقي للمرأة. إن النضال من أجل الحقوق السياسية، من أجل الحق في الحصول على شهادات الدكتوراة والدرجات الأكاديمية الأخرى، والنضال من أجل أجر مساوٍ للرجل نظير ذات العمل، كل هذه الأمور ليست هي مجمل النضال من أجل المساواة. ولكي تصبح المرأة حرة حقًا، عليها التخلص من القيود الثقيلة المتمثلة في الشكل الجائر الحالي للأسرة، والذي أصبح باليًا بالفعل. وبالنسبة للنساء، فإن إيجاد حل لقضية الأسرة أمرًا لا يقل أهمية عن تحقيق المساواة السياسية والاستقلال الاقتصادي.
في هيكل الأسرة الحالي، والذي يقره العرف والقانون، المرأة ليست مضطهدة كشخص وحسب، وإنما مضطهدة كزوجة وكأم أيضاً. في معظم بلدان العالم المتحضر، وبنص القانون المدني تعتمد المرأة بشكل أو بآخر على زوجها، كما أن هذا القانون يمنح الزوج، ليس فقط حق التصرف في ممتلكاتها وإنما يمنحه الحق في الهيمنة المادية والمعنوية عليها. وحينما تنتهي العبودية الرسمية والقانونية، تبدأ سيطرة قوة ما نطلق عليه “الرأي العام”، والبرجوازية هي من أنشأت هذا الرأي العام وتدعمه، وذلك بهدف الحفاظ على “مؤسسة الملكيّة المقدسة”. كما أن هناك سلاح آخر تستخدمه البرجوازية وهو رياء “ازدواجية الأخلاق”. المجتمع البرجوازي يسحق النساء بسبب ركائزه الاقتصادية الشرسة، مستغِلاً قوة عملها في مقابل أجر زهيد جدًا.

فالمرأة محرومة من حقها كأي مواطن في أن تجهر بصوتها عاليًا دفاعًا عن مصالحها، وعوضًا عن هذا، يمنحها المجتمع البديل الأكرم وهو عبودية الزواج، أو أن تحترف الدعارة – التجارة التي يضطهدونا ويحتقرونها في العلن، ويشجعونها ويدعمونها سرًا. هل من الضروري التأكيد على الجوانب المظلمة في الحياة الزوجية المعاصرة، وإبراز معاناة النساء فيما يتعلق بوضعهن في إطار الهيكل الحالي للأسرة؟! لقد كُتب وقيل الكثير بالفعل حول هذا الموضوع، فالأعمال الأدبية مليئة بالصور المحزنة للأفخاخ الي تنصبها الحياة الزوجية والعائلية للنساء. كم من أعمال درامية صيغت في هذا الشأن! وكم ممن دُمرت حياتهن!

ولهذا، من المهم بالنسبة لنا أن نلاحظ أن هيكل الأسرة بهذا الشكل يضطهد، بدرجة أو بأخرى، النساء من جميع الطبقات، ومن كل شرائح المجتمع. وذلك لأن العادات والتقاليد تقيد وتضطهد الأم الشابة أيًا كانت الطبقة المنتمية إليها؛ كما أن القانون يضع كل من المرأة البرجوازية، والعاملة، والفلاحة، جميعهن تحت وصاية الزوج.

ألم نكتشف على الأقل أحد جوانب قضية المرأة والذي يمكن لجميع النساء من مختلف الطبقات أن يتوحدن حوله؟! ألا يستطعن أن يناضلن معًا ضد الظروف التي تقمعهن؟! أليس من الممكن أن تخفف مشاعر الحزن والمعاناة التي يقتسمنها جميع النساء من حدة العداء الطبقي فيما بينهن، أليس من الممكن أن توحد هذه الحالة تطلعاتهن وتوفر إمكانية العمل المشترك من أجل النساء من شتى المعسكرات؟! هل هناك احتمالية لتعاون مشترك بين نساء البرجوازية ونساء البروليتاريا إذا كان هذا التعاون قائمًا على أساس الأهداف والرغبات المشتركة؟!

فالنسويات يناضلن من أجل “الحق في الأمومة” ومن أجل أشكال أكثر تحررًا للزواج؛ إنهن يرفعن أصواتهن دفاعًا عن امرأة هي في نظر المجتمع “عاهرة”. انظروا كيف يزخر الأدب النسوي بالنماذج الساعية إلى إيجاد أشكال جديدة للعلاقات، كما أنه يطالب بشدة بإرساء مبدأ “المساواة الأخلاقية” بين الجنسين. أليس صحيحاً أن المرأة البرجوازية وهي تناضل في ميدان التحرر الاقتصادي، وفي كفاحها من أجل حل قضية الأسرة، تقبع خلف جيش قوي مؤلف من ملايين النساء العاملات الرائدات على طريق “المرأة الجديدة”، ورغم ذلك تنسب كل تلك الأمجاد للنسويات؟!

هنا في روسيا، مارست نساء البرجوازية المتوسطة – ذلك الجيش من الأجيرات المستقلات اللاتي التحقن بسوق العمل خلال فترة ستينيات القرن الثامن عشر- منذ أن حصلن على استقلالهن، العديد من الممارسات المرتبكة والفوضوية فيما يتعلق بمسألة الزواج.
لقد استبدلن بشجاعة شكل الأسرة المرتبط بالزواج الكنسي التقليدي، بأنماط أكثر مرونة من العلاقات، والتي كان من شأنها تلبية احتياجات طبقتهن الاجتماعية. لكن الحل الشخصي لمثل هذه القضايا من قبل نساءٍ فرادى، لا يغير الوضع، ولا يخفف من قتامة الصورة العامة للحياة العائلية. لو أن هناك قوة قادرة على تدمير شكل الأسرة الحديث، فلن تكون هي الجهودٍ الجبارة لبعض الفرادى الأقوياء المنفصلين، بل ستكون قوى الإنتاج القوية الصلبة، التي رغم جمودها تمهد بلا هوادة لحياة على أسس جديدة.

إن النضال الفردي البطولي للفرادى من شابات العالم البرجوزاي، اللاتي تحدين المجتمع، وطالبن بالحق في “الحب” دون توصيات ودون قيود، ينبغي أن يكن مثالاً تحتذي به النساء القابعات في أسر القيود العائلية. هذا ما نادت به أكثر النسويات تحررًا في الخارج، كما نادى به أيضًا التقدميون من المطالبين بالمساواة داخل بلادنا. إن قضية الزواج، بعبارة أخرى، يتم حلها من وجهة نظرهم دون النظر بعين الاعتبار إلى الأوضاع الخارجية؛ بمعنى، أنها يتم حلها بمعزل عن التغييرات التي تحدث في الهيكل الاقتصادي للمجتمع ككل. وفي هذه الحالة، تصبح الجهود البطولية المتناثرة لبعض الفرادى كافية. فقط، اسمح للمرأة بأن “تجرؤ”، وعندها ستحل قضية الزواج.

ولكن النساء اللاتي لا يتحلين بالشجاعة الكافية يهززن رؤوسهن بارتياب. “هذا الوضع ملائم للغاية لبطلات الروايات، اللاتي أسعدهن حظهن بالكاتب الحكيم، والأصدقاء العطوفين غير الأنانيين، إلى جانب تحليهن بقدر لا بأس به من الجمال والجاذبية، مما ساعدهن على مواجهة المجتمع وتحديه. ولكن ماذا عن أولئك النسوة اللاتي لا يمتلكن رأس مال، وأجورهن زهيدة، من ليس لديهن أصدقاء، ولا يتمتعن بالقدر الكافي من الجاذبية والجمال؟!”، إلى جانب أن قضية الأمومة تشغل عقل المرأة التي تناضل من أجل الحرية. هل “الحب الحر” ممكناً؟!

هل يمكن أن يُقبل هذا بحيث يصبح توجه عام، أي أن يتم قبوله بوصفه قاعدة سلوكية عامة، بدلاً من كونه استثناءات فردية، وفقًا للهيكل الاقتصادي لمجتمعنا؟! هل من الممكن تجاهل عنصر المليكة الخاصة في الزواج المعاصر؟! هل من الممكن تجاهل، على نحو فردي، عقد الزواج الرسمي دون الإضرار بمصالح النساء؟! خاصة وأن عقد الزواج هو الضمان الوحيد للحيلولة دون وقوع تبعات الأمومة وصعوباتها على عاتق المرأة وحدها.

أليس ما حدث في الماضي مع الذكور من العمال يتكرر الآن مع النساء؟! التخلص من الروابط التنظيمية، دون وضع قواعد جديدة تحكم سلوك السادة، ما أعطى لرأس المال السلطة المطلقة للتحكم في العمال. إن شعار “حرية التعاقد بين العمال ورأس المال” الذي يبدو مغريًا، أصبح وسيلة لاستغلال رأس المال للعمال استغلالاً صريحًا. إن طرح فكرة “الحب الحر” باستمرار على المجتمع الطبقي المعاصر، بدلاً من المطالبة بتحرير المرأة من مشاق الحياة الأسرية بشكل حقيقي، حتمًا سيضع على كاهلها عبء جديد، وهو مهمة رعاية أطفالها، وحدها ودون مساعدة.

فقط عبر مجموعة متكاملة من الإصلاحات السياسية في مجال العلاقات الاجتماعية – إصلاحات من شأنها نقل الالتزمات من الأسرة إلى المجتمع والدولة – يمكن خلق وضع إلى حد ما يتحقق فيه مبدأ “الحب الحر”. ولكن هل يمكن جديًا توقع أن تتولى الدولة الطبقية الحديثة، بغض النظر عن مدى ديمقراطيتها، مسئولية الأمهات والأطفال، تلك المسئولية التي تضطلع بها الآن الوحدة الفردية المسماة بالأسرة الحديثة؟! فقط التحولات الجذرية لكل علاقات الإنتاج هي التي بإمكانها خلق الشروط الاجتماعية اللازمة لحماية النساء من الجوانب السلبية لحالة “الحب الحر”. ألسنا على دراية بأن الفساد والتشوه في الظروف الحالية يحاولون التسلل عبر انتحال هذه التسمية المريحة؟!

لو دققنا في كل هؤلاء السادة الذين يمتلكون ويديرون المشاريع الصناعية، الذين يجبرون العاملات والموظفات ممن يعملن لديهم على تلبية نزواتهم الجنسية، وذلك عن طريق التهديد بالفصل للضغط من أجل الوصول لتحقيق أغراضهم، هؤلاء ألا يمارسون “الحب الحر” ولكن على طريقتهم؟! سادة المنازل الذين يغتصبون خادماتهم، ويلقون بهن وهن حوامل إلى عرض الطريق، ألا يندرج هذا تحت تعريف “الحب الحر”؟!

ولكن، نحن لا نتحدث عن هذا النوع من “الحرية” التي يبتغيها دعاة الزواج الحر. على العكس، نحن نطالب بقبول أن تكون “الأخلاق وحدها” هي الملزمة لكلا الجنسين. نحن نرفض الحرية الجنسية بشكلها الحالي، ومعيارنا الأخلاقي الوحيد هو أن يكون أساس أية علاقة حرّة هو الحب الحقيقي.

ولكن، أصدقائي الأعزاء، آلا تعتقدون أن مفهوم “الزواج الحر”، حين يُمارس في ظل ظروف المجتمع الراهنة، قد يؤدي إلى نتائج تختلف اختلافًا ضئيلاً عن الممارسة المشوهة للحرية الجنسية؟! حين تتحرر النساء من تلك الأعباء المادية التي تخلق في الوقت الحالي نوعًا من التبعية المزدوجة، تبعية لرأس المال، وتبعية للزوج، حينها فقط يمكن تطبيق مفهوم “الحب الحر” دون أن تؤدي عواقبه لجلب المزيد من الأحزان للنساء.

بخروج النساء إلى العمل ومن ثم تحقيق الاستقلال الاقتصادي، تحقق قدر من الإمكانية لـ “الحب الحر”، لاسيما بالنسبة للنساء المتعلمات الأعلى أجرًا. لكن تبعية النساء لرأس المال بقيت كما هي، وتشتد وطأة تلك التبعية كلما باعت نساء البروليتاريا قوة عملهن.
هل شعار “الحب الحر” قادر على تحسين الوضع البائس لأولئك النسوة، اللاتي بالكاد يكسبن ما يمكنهن من البقاء على قيد الحياة؟! ولكن، ألا يُمارس بالفعل مفهوم “الحب الحر” داخل الطبقات العاملة، وعلى نطاق واسع بحيث أخذت البرجوازية، وفي أكثر من مناسبة، تدق ناقوس الخطر، وتشن الحملات الأخلاقية ضد “فساد” و”فجور” البروليتاريا؟! ويجدر هنا الإشارة إلى أنه عندما تتحمس النسويات بشأن أشكال جديدة من العلاقات خارج نطاق الزواج، فإن هذه الأشكال لابد وأنها قد حازت قبول نساء البرجوازية المستقلات، إنهن يتحدثن عن “الحب الحر”، ولكن عندما تتدارس البروليتاريا الأمر نفسه، عندئذ يشرن البرجوزيات إلى هذه العلاقات بوصفها “العلاقات الجنسية الغير منضبطة”. وهذا يلخص موقفهم.

لكن، في الوقت الحاضر كل أشكال العلاقات بالنسبة للمرأة العاملة، سواء قبلتها الكنسية أم لا، تشترك جميعها في عواقبها الوخيمة التي تقع على عاتق المرأة. والحقيقة، أن جوهر قضية الزواج والأسرة بالنسبة للزوجة والأم العاملة لا يكمن في شكله الخارجي دينيًا كان أم علمانيًا، ولكن تكمن الأزمة في الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية، التي تحدد الالتزامات الصعبة المعقدة للنساء العاملات. بالطبع، ما يهم المرأة العاملة هو أيضًا، ما إذا كان لزوجها حق التصرف في دخلها، ما إذا كان القانون يكفل له الحق في إجبارها على الحياة معه، في حين أنها لم تعد تريد هذا، وهل بإمكانه أن يأخذ أطفالها قسرًا بعيدًا عنها، وغير ذلك الكثير.

مع ذلك، فإن نصوص القانون المدني تلك ليست هي التي تحدد وضع المرأة في الأسرة، كما أن هذه النصوص ليست هي المسئولة عن التباس وتعقيد قضية الأسرة. إن قضية العلاقات ستتوقف عن كونها من أكثر القضايا إيلامًا لغالبية النساء فقط عندما يعفي المجتمع النساء من المهام المنزلية البائسة، التي لا مفر منها في الوقت الحالي (نظرًا لوجود الاقتصادات الأهلية الفردية)، وأن يتولى المجتمع ككل مسئولية رعاية النشأ، وأن يحمي الأمومة، وأن يؤمن للطفل حقه في أن تبقى أمه إلى جواره على الأقل في الأشهر الأولى من عمره، دون أن يكون هذا سببًا في فقدانها عملها.

حين تعارض النسويات عقد الزواج القانوني الديني، فتلك المعارضة لا تزيد عن كونه نضال ضد صنم مقدس. ولكن، من جهة أخرى، فإن نساء البروليتاريا، يشنن حربًا ضد العوامل التي تقف وراء الشكل الحالي للزواج والأسرة. ويعلمن تماماً أنهن وأثناء سعيهن لإحداث تغييرات جذرية في ظروفهن المعيشية، يساعدن أيضًا في إعادة تشكيل العلاقات بين الجنسين. وهنا يكمن الفرق الرئيسي بين رؤية البرجوازية والبروليتاريا فيما يتعلق بقضية الأسرة المعقدة.

والحقيقة أن النسويات ودعاة الإصلاح الاجتماعي يؤمنون، بسذاجة، في إمكانية خلق أشكالاً وأنماطًا جديدة للعلاقات الزوجية والأسرية في ظل الخلفية القاتمة للمجتمع الطبقي المعاصر، وألزموا انفسهم بضرورة البحث عن تلك الأشكال الجديدة. وإذا كانت الحياة نفسها لم تنتج هذه الأشكال حتى الآن، فمن الضروري، أو هكذا يعتقدون، أن نبتكر بعض من هذه الأشكال مهما كلف الأمر. وهذه الأشكال لابد، في اعتقادهم، أشكال وسيطة للعلاقات الجنسية، بحيث يمكنها حل القضية المعقدة للعائلة في ظل النظام الاجتماعي الحالي. كما يطرح منظرَّي العالم البرجوازي – الصحفيون والكتَّاب والنساء المناضلات من أجل التحرر – واحًدا بعد الآخر، “الترياق الأسري”، و”التركيبة الأسرية” الجديدة.

يالها من طوباوية تبدو عليها هذه الصيغ الأسرية، يالها من مسكنات ضعيفة عندما نتأملها في ضوء الواقع القاتم لبنية الأسرة الحديثة. قبل أن تتم ممارسة وتطبيق هذه الصيغ لـ “العلاقات الحرة” و”الحب الحر”، من الضروري قبل كل شيء أن تبدأ خطوات الإصلاح الجذري لجميع العلاقات الاجتماعية بين الناس. علاوة على ذلك، فإن المعايير الأخلاقية والجنسية، كذلك علم نفس البشرية بأكمله لابد وأن يخضعوا لتطور شامل، هل الإنسان المعاصر قادر نفسيًا على التعامل مع مفهموم “الحب الحر”؟

ماذا عن الغيرة التي تنهش حتى نفوس أفضل البشر؟! وإحساس الملكية عميق الجذور، الذي لا يسعى لامتلاك جسد الآخر فحسب وإنما روحه أيضًا؟! العجز عن توفير القدر اللازم من احترام فردية الآخر؟! وعادة تبعية الشخص لمن يحب، أو تبعية من يحبه له؟! والشعور بالمرارة والإحباط الذي يسببهما الهجر، والإحساس بالوحدة الشديدة، تلك المشاعر التي يختبرها المرء عندما يتوقف من يحبه عن حبه له ويقرر الرحيل؟! أين يمكن أن يجد هذا الشخص الوحيد، الذي تفت الوحدة عضده، العزاء والسلوى؟!

الجماعيّة، بمباهجها وخيبات أملها وتطلعاتها الخاصة، هي أفضل مخرج للطاقات العاطفية والفكرية للفرد. ولكن هل الإنسان المعاصر قادر على التعامل مع الجماعيّة بطريقة تجعله يشعر بتأثير التفاعلات المتبادلة؟ وهل الحياة الجماعيّة قادرة بالفعل، في الوقت الحاضر، على أن تحل محل الاهتمامات الشخصية البائسة للفرد؟! بدون “المتفرد”، “منقطع النظير” توأم الروح، حتى الاشتراكيون، وأنصار الجماعية سيشعرون بالوحدة في هذا العالم القائم المعاد لهم؛ فقط الطبقة العاملة هي التي تحمل شعلة المستقبل رغم خفوتها، حيث تسود علاقات اجتماعية أكثر تناغمًا وانسجامًا بين الناس. إن قضية الأسرة معقدة ومتعددة الأوجة كالحياة نفسها. والنظام الاجتماعي الحالي غير قادر على حلها.

طُرحت صيغ وأشكال أخرى للزواج. العديد من النساء التقدميات والمفكرين الاجتماعيين يعتبرون أن الزواج ما هو إلا وسيلة لإنتاج الذريّة. فالزواج في حد ذاته، وفقًا لهم، لا يحظى بأهمية خاصة بالنسبة للنساء، وإنما الأمومة هي الغرض من ورائه، هي هدف المرأة المقدس، ومهمتها في الحياة. وبفضل بعض الدعاة من أمثال “روث براي” و”إيلين كاي”، فإن المُثُل البرجوازية التي تعترف بالمرأة كأنثى لا كشخص، قد اكتسبت هالة مقدسة من “التقدميّة”. ولقد احتكر الأدب الأجنبي هذا المفهوم وجسّده في صورة شخصيات نسائية تقدميّة بكل حماس.

وحتى هنا في روسيا، في فترة ما قبل العاصفة السياسية (1905)، قبل مراجعة وتنقيح القيم الاجتماعية السائدة، فإن قضية الأمومة قد جذبت اهتمام الصحافة اليومية. فلا يمكن لشعار “الحق في الأمومة” أن يخلق استجابة حيّة واسعة النطاق داخل الأوساط النسائية. وهكذا، على الرغم من حقيقة أن جميع الاقتراحات التي قدمتها النسويات في هذا الصدد كانت خيالية ومثالية، فإن القضية كانت هامة جدًا وآنية بحيث كان من الصعب على النساء تجنبها.

فقضية مثل قضية “الحق في الأمومة” لا تمس فقط نساء الطبقة البرجوازية لكنها أيضًا، ربما بشكل أكبر، تمس نساء البروليتاريا أيضًا. الحق في أن تصبح أم – تلك هي الكلمات الذهبية التي تصل مباشرةً إلى “قلب أي أمرأةٍ” والقوة التي تدفع القلب للخفقان على نحو أسرع. إن الحق في إرضاع المرأة لـ “طفلها” رضاعة طبيعية، وأن تشهد أولى بوادر وعيه وإدراكه للعالم من حوله، الحق في رعاية أجسادهم الدقيقة الصغيرة وحماية أرواحهم الرقيقة من الأشواك والمعاناة وهم يخطون أولى خطواتهم في الحياة – أي أم تلك التي يمكن ألا تدعم مثل هذه المطالب؟!

مرة أخرى، يبدو أننا عثرنا على قضية يمكنها توحيد النساء، ولو لوقت قصير، من الطبقات الاجتماعية المختلفة: يبدو أننا قد وجدنا، أخيرًا، الجسر الذي يمكن أن يربط بين النساء من المعسكريين المتعاديين. دعونا نلقي نظرة فاحصة، لنكتشف ما الذي فهمته المرأة البرجوازية من قضية “الحق في الأمومة”. ثم يمكننا أن نرى ما إذا كان، في الواقع، بإمكان نساء البروليتاريا الاتفاق مع حلول قضية الأمومة كما طرحها نشطاء البرجوازية المطالبين بالمساواة في الحقوق. ففي نظر مدافعيها المخلصين، فإن الأمومة تحظى بمنزلة خاصة مقدسة. سعيًا لتحطيم الأحكام المسبقة التي تصم المرأة لمجرد ارتكابها لفعل طبيعي – إنجاب طفل – وذلك لأن هذا الفعل لم يقدسه القانون، فإن المدافعون عن الحق في الأمومة أمسكوا العصا من الاتجاه الآخر: بالنسبة لهم، أصبحت الأمومة الهدف من حياة المرأة.

تعتقد “إيلين كاي” أن الالتزام بمتطلبات الأمومة والأسرة يعني استمرار وجود هذا الشكل الانعزالي للأسرة ، حتى في ظل المجتمع الاشتراكي. وأن التغيير الوحيد، كما تراه هي، سيتمثل في استبعاد أشكال الزواج القائمة على الاستغلال المادي أو البدني، وسيعقد الزواج فقط بناءًا على الرغبة المتبادلة، دون طقوس أو شكليات – الحب والزواج سيكونان مترادفان حقًا.

ولكن هذا الشكل الانعزالي للأسرة، كان نتيجة لفردية العالم الحالي، بتنافسيته المحمومة، وضغوطه، وعزلته؛ الأسرة بشكلها الحالي هي نتاج النظام الرأسمالي المتوحش. وحتى الآن لا تزال “كاي” تأمل في توريث شكل الأسرة للمجتمع الاشتراكي! ويخدم هذا الأمر روابط الدم والقرابة الحالية، وهذا حقيقي، بوصف تلك الروابط مصدر الدعم الوحيد في الحياة، وبوصفهم الملاذ الأوحد في أوقات الشدة والمحن. ولكن هل سيكون لمثل تلك الروابط أية ضرورة أخلاقية أو اجتماعية في المستقبل؟! لا تجيبنا “كاي” عن هذا السؤال. ولطالما أظهرت ولعها واحترامها لما يسمى بـ “الأسرة المثالية”، هذه الوحدة الأنانية من البرجوازية المتوسطة والتي ينظر إليها أنصار الهيكل البرجوازي للمجتمع بمزيد من الإجلال والتقديس.

ولم تكن الموهوبة “إيلين كاي”، رغم شططها، هي الوحيدة التي ضلت طريقها داخل التناقضات الاجتماعية. فربما لا توجد قضية أخرى يتوصل فيها الاشتراكيون أنفسهم بالكاد إلى اتفاق مثلما يبدو في قضية الزواج والأسرة. لو أننا بصدد إجراء دراسة استقصائية بين الاشتراكيين، فإن النتائج على الأرجح ستأتي غريبة جدًا. هل الأسرة تذوي وتضمحل؟! أو هل هناك أسباب تؤدي إلى الاعتقاد بأن فشل الشكل الأسري الحالي ليس سوى أزمة عابرة؟! وهل سيحافظ مجتمع المستقبل على الشكل الحالي للأسرة، أم سيُدفن مع النظام الرأسمالي؟! مثل هذه الأسئلة قد تتلقى إجابات مختلفة للغاية.

بنقل المهام التربوية من الأسرة إلى المجتمع، ستخف وطأة آخر رابطة تعمل على إبقاء الشكل الأسري الانعزالي؛ ستتسارع وتيرة عملية التفكك، وستبدأ الأشكال الجديدة للعلاقات المستقبلية في الظهور، ولو بشكل غير كامل الوضوح. ما الذي بإمكاننا أن نقوله عن هذه الأشكال غير الواضحة، المختبئة بفعل مؤثرات الوقت الحاضر؟!

هل يتعين علينا تكرار أن الاتحاد الحر بين المحبين سيحل محل النموذج الإلزامي الحالي للزواج؟! وأن مثالية الحب الحر، كما رسمها الخيال الجائع للنساء اللواتي يناضلن من أجل تحررهن، بلا أدنى شك تتوافق إلى حد ما مع المعايير المنظِمة للعلاقات بين الجنسين التي سينشئها المجتمع. ومع ذلك، فإن التأثيرات الاجتماعية معقدة جدًا وتفاعلاتها متنوعة للغاية بحيث يستحيل التنبؤ بماهية العلاقات في المستقبل، في حالة حدوث تغيير جذري للنظام برمته. لكن بطء تطور نضج العلاقات بين الجنسين هو دليل واضح على أن الزواج التقليدي وانعزالية الأسرة محكوم عليهما بالفناء.

« السابق التالي »