بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السوق الدستوري

السوق الدستوري

ف. لينين

 

كما لاحظت الدوائر الارستقراطية فى سانت بطرسبورج بصواب كامل، فان بوليجين يلعب الآن لكسب الوقت. فهو يحاول أن يؤجل الإصلاحات التى وعد بها القيصر لأطول امد ممكن، وأن يختزلها إلى توافه لن تقلص باى حال من سلطة القيصر الاوتوقراطى ومن الموظفين الأوتوقراطيين. وبدلا من دستور، فانه يعد، كما اشرنا قبلا ذات مرة فى جريدة فبريود {1} بتشكيل هيئة استشارية لاتتمتع بأى حق مهما كان. الآن لدينا تأكيدا بشأن ماقلناه، اى، نص مشروع بوليجين المنشور فى الجريدة الليبرالية الالمانية فوسيشه تسايتونج. وفقا لتلك الجريدة، فقد ذكر كل من بوليجين، يرمولوف، شرباتوف، ميشرسكى والأمير موروسوف بوصفهم مؤلفى المشروع وهو فى جوهره كما يلى :

(1) مجلس دولة، و (2) جمعية دولة. يمكن تقديم أى مشروعات قوانين بواسطة أى عضو فى مجلس الدولة أو بواسطة عدد لايقل عن عشرين عضوا من اعضاء الجمعية. تناقش مشروعات القوانين وتمرر بواسطة الجمعية، بعد ذلك للمجلس واخيرا للقيصر لنيل موافقته. يقرر القيصر الشكل الذى ستصبح به مشروعات القوانين قانونا، او يعترض عليها جميعا.

وهكذا، فان” دستور” بوليجين لايحد من الحكم الاوتوقراطى على الاطلاق ولكنه ينشئ مجرد هيئتين استشاريتين على وجه الحصر : مجلس اعلى ومجلس ادنى! يتكون المجلس الاعلى، او مجلس الدولة، من 60 عضوا تنتخبهم جمعيات النبلاء من 60 محافظة ( بما فيها المحافظات البولندية ) وكذلك من الاعضاء الذين يعينهم القيصر من بين الموظفين الرسميين والضباط. على الا يتجاوز العدد الاجمالى للاعضاء 120 عضوا. مدة العضوية ثلاث سنوات.و يمكن لجلسات المجلس ان تكون علنية او مغلقة، وفقا لما يقرره المجلس.

يتكون المجلس الادنى، او جمعية الدولة من اعضاء منتخبين فقط ( ويمكن للوزراء ورؤساء الدوائر ان يتواجدوا فى كلا الهيئتين بحكم وظائفهم )،اى : 10 ممثلين من كل من ال 34 زيمستفو من زيمستوفات المحافظات ( اجمالى 340 )، 8 ممثلين من كل من الثلاث محافظات التى لديها مؤسسات زيمستفو ولكنها تفتقر لمؤسسات للنبالة ( اجمالى 24 ) 8 من كل من التسع محافظات الشمالية ( 72 )، 5 من كل من المحافظات البولندية العشر ( 50 )،5 من كل من محافظات البلطيق الثلاث (15 )،30 من سيبريا، 30 من القوقاز،15 من اسيا الوسطى واقليم ماوراء القوقاز، 32 من فنلندا،20 من المدن الكبرى ( سانت بطرسبورج،6، موسكو، وارسو، اوديسا،2، لودز، كييف، ريجا، وكلياركوف، واحد لكل منها ) 10 من الكهنة الارثوذوكس اليونانيين، واحد لكل من الكاثوليك، اللوثريين، الارمن، المسلمون، واليهود. ويبلغ اجمالى هذا 643 عضوا. على هذه الجمعية ان تنتخب لجنة تنفيذية تتكون من رئيس، واثنين من نواب الرئيس، و15 عضوا. وسوف تكون مدة عضويتهم ثلاث اعوام. على ان تكون اللجنة التنفيذية مؤسسة دائمة، وتلتقى الجمعية مرتان كل عام : فى فبراير ومارس ثم فى اكتوبر ونوفمبر. وسوف تكون الجلسات علنية او مغلقة وفقا لما تقرره الجمعية. يتمتع الاعضاء بحصانة شخصية طوال مدة عضوية الجمعية. وتقتصر العضوية على الرعايا الروس الذين لاتقل اعمارهم عن 25 عاما، ويجيدون القراءة والكتابة باللغة الروسية. وسوف يتقاضون اجرا يبلغ 3000 روبلا فى العام.

سوف تجرى الانتخابات كما يلى : فى كل من محافظات الزيمستفو الاربعة والثلاثين، سوف ينتخب عضوين بواسطة مجلس النبلاء، ثلاثة بواسطة جمعية زيمستفو المحافظة، واحد من المدن من قبل منتخبين خاصين، ثلاثة من الفلاحين من قبل منتخبين خاصين، وواحد من التجار، وايضا بواسطة المنتخبين. وسوف ينتخب المندوبين من المحافظات التى لاتوجد بها زيموستفات على اساس مشابه، ونحن لن نعدد كل هذه المؤسسات البيروقراطية البوليسية العبثية. وحتى نصف الطريقة المقترحة للانتخابات غير المباشرة، سوف نضرب مثلا باجراء انتخابات ممثلى الفلاحين فى زيمستوفات المحافظات.

تنتخب كل مقاطعة ريفية صغيرة ثلاثة ناخبين. يلتقى هؤلاء فى مركز الناحية، ويترأسهم ماريشال النبلاء (!) ويختاروا ثلاث منتخبين من الدرجة الثانية. هؤلاء المنتخبون يلتقون فى عاصمة المحافظة، ويترأسهم ماريشال نبلاء المحافظة، وينتخبوا ثلاث ممثلين للفلاحين، ويتعين ان يكونوا هم انفسهم فلاحين. وهكذا تجرى الانتخابات على ثلاث مراحل!

لايعمل السيد بوليجين بشكل ردئ على الاطلاق. فهو يتقاضى اجره من القيصر عن خدمات يقدمها. ودستوره, كما يمكن للقارئ ان يلاحظ، صورة زائفة للتمثيل الشعبى بكل مافى الكلمة من معنى. ان سلطة الاوتوقراطية، كما بينا، لم يجر تقييدها على اقل تقدير. وكلا الهيئتين لها طابع استشارى محض، بينما القيصر وحده هو من له سلطة ان يقرر. وجملة الامر ببساطة هو ان هناك وعدا جميلا لم يقطع ليحافظ عليه. فى المحل الاول، فان هذا ” تمثيل ” للنبالة بصفة خاصة، لملاك الارض. وللنبالة نصف الاصوات فى المجلس الاعلى وقريبا من النصف فى المجلس الادنى (من الممثلين العشرة لكل زيمستفو محافظة، اثنان من النبالة مباشرة وثلاثة من مجالس الزيستفو، وهى حسب كل النوايا والاهداف مجالس للنبالة ). ومشاركة الفلاحين فى الانتخابات مستبعدة بشكل يثير السخرية. ان نظام الانتخابات على ثلاث درجات يضمن ان عامة الشعب قد جرى استبعادهم تماماقبل دخولهم الى الجمعية.
وفى المحل الثانى، فاننا لنصدم بالاقصاء الكامل للعمال. ان التمثيل فى برلمان الخراف هذا مؤسس بالكامل على مبدأ الطبقة الاجتماعية. مامن “طبقة ” عمالية ولايمكن ان تكون. وفى حالة سكان المدن والتجار، يجرى التلاعب بشدة بالانتخابات حتى ان البورجوازية الصناعية والتجارية تصفى عبر درجات المنتخبين المتباينة، وانه لمما ينير لنا الوضع للغاية ان نرى كيف تزاح البورجوازية الى الخلف مقارنة بالنبلاء. ان خدام القيصر، فيما يبدو، لايخشون كثيرا ليبرالية ملاك الارض، انهم لاذعون بما يكفى ليدركوا تحت هذه القشرة الليبرالية الطبيعة المحافظة العميقة لهذا ” الجنتلمان المتوحش “.{2}

وسوف يخدم غرضا مفيدا للغاية ان نجعل دستور بوليجين معروفا على نطاق واسع فى اوساط العمال والفلاحين. لايمكن لنا ان نظهر بشكل اشد وضوحا المطامح الفعلية والاساس الطبقى للسلطة القيصرية التى يفترض ان تقف فوق الطبقات. ولايمكن لنا ان نتخيل الا بصعوبة مادة افضل لدروس موضوعية فى حق الاقتراع العام المباشر والمتساوى من خلال تصويت سرى.
انه لمن المثير ايضا ان نرى هذا “الدستور” الهزيل دستور ملاك الارض والبيروقراطيين فى ضوء التقارير الاخيرة عن الاحزاب السياسية. وباستثناء الاحزاب المتطرفة، الارهابيون والرجعيون، فان مراسلا انجليزيا ما) ( الذى يتضح انه يختلط ب” المجتمع ” وعلى ذلك لايرى العوام مثل العمال ) يحصى ثلاثة احزاب : (1) المحافظون، او حزب الجامعة السلافية ( النظام “السلافى” : للقيصر، قوة السلطة، لرعاياه، قوة الرأى، اى, جمعية تمثيلية ذات سلطات استشارية فقط )، (2) الحزب الليبرالى او “الانتهازى” ( وقائده، شيبوف، وبرنامجه — مثله مثل كل الانتهازيين – ” الجلوس بين مقعدين” و (3) الراديكالى او ( “أو”!هذه غاية فى الدلالة ) الحزب الدستورى، الذى يضم معظم اناس الزيمستفو، اساتذة جامعة “وطلبة” (؟). برنامجه : حق الاقتراع العام مع التصويت السرى.

يقال ان المحافظين يلتقون الان فى سانت بطرسبورج، وسوف يلتقى الليبراليون فى اول مايو فى موسكو، والراديكاليون فى نفس الوقت فى سانت بطرسبورج. ويقال ان الدوائر الحكومية تنظر الى التصويت السرى بوصفه “اعلانا للجمهورية “. و”الراديكاليون ” هم الاكثر عددا من بين كل الاحزاب.

ان مشروع بوليجين، وفقا لكل الظواهر، هو مشروع الحزب المحافظ. ويشبه مشروع معسكر اوسفوبجدينيه للغاية برنامج الحزب “الراديكالى او الدستورى” ( فى الواقع، ليس راديكاليا بالمرة وان كان دستوريا بائسا ). واخيرا” الليبرالى”, او حزب شيبوف ويحتمل انه يتطلع اكثر قليلا مما قدمه بوليجين واقل قليلا مما تطلبه الدستوريون.

السوق يعاين يوما مشهودا. والمساومة نشطة. والسادة المهذبون يبرزون من اجل سعر مرتفع وكذلك السادة البارعين من البلاط. كل شئ يشير الى ان كل منهما يعملان قليلا بعجلة ثم – يعقدان صفقة، قبل ان يتدخل العمال والفلاحون.
تلعب الحكومة لعبة عميقة. انها تهدد الليبراليين ب “راديكاليى” اسفوبجدينية، وهى تهدد الاخيرين بشبح الجمهورية. اذا ماترجمنا ذلك الى لغة المصالح الطبقية، وخاصة المصالح الرئيسية – استغلال العمال من قبل البورجوازية – تعنى هذه اللعبة : دعونا نتوصل لاتفاق، اعزائى ملاك الارض والتجار، دعونا نقسم السلطة سلميا، فى روابط من التناغم، قبل ان يتاخر الوقت على ذلك، قبل ان تشتعل الثورة الشعبية الحقيقية، قبل ان يفاجئنا نهوض كل الطبقة العاملة وكل الفلاحين، الذين لن يبتلعوا دساتير هزيلة، وانتخابات غير مباشرة، او اى هراء بيروقراطى.

على البروليتاريا الواعية الا تكون لديها اوهام. فالضمان الوحيد للتحرر الحقيقى من كامل نظام القنانة، نظام الحكم المطلق يكمن فيها فقط، فى الطبقة العاملة يدعمها الفلاحون، فى انتفاضة مسلحة يقومان بها، فى نضالهما المستميت تحت شعار ” الموت او الحرية”.

هوامش

{1} انظر ص 273 من هذا المجلد.
{2} الجنتلمان المتوحش – شخصية فى حكاية كتبها سالتيكوف شيدرين تحت نفس الاسم.

المصدر : ماركس، انجلز، الاعمال الكاملة، المجلد السادس، ص ص 540 – 544، دار التقدم، موسكو، 1975