بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأدب والثورة

التالي »

الثقافة البروليتارية والفن البرووليتاري

تبدع[1] كل طبقة سائدة ثقافتها، وبالتالي فنها. وقد عرف التاريخ الثقافات الرقية الخاصة بالعصور القديمة الكلاسيكية والشرق، والثقافة الإقطاعية المميزة للقرون الوسطى في أوروبا، والثقافة البورجوازية التي تهيمن اليوم على العالم. ومن هنا يبدو أنه من البديهي أن تبدع البروليتاريا بدورها ثقافتها وفنها.

بيد أن المسألة ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها للوهلة الأولى. فالمجتمع الذي كان فيه مالكو الأرقاء يشكلون الطبقة الحاكمة عاش على مدى قرون عديدة. وكذلك حال الإقطاعية. والثقافة البورجوازية ظهرت الى حيز الوجود منذ خمسة قرون، هذا اذا لم نؤرخ لها الا ابتداء من أول تظاهرة علنية وصاخبة لها، أي عصر النهضة. لكنها لم تدرك ملء تفتحها الا في القرن التاسع عشر، وعلى نحو أدق في نصفه الثاني. ويبين التاريخ أن تكوين ثقافة جديدة حول طبقة سائدة يتطلب زمنا طويلا، ولا يكتمل الا في المرحلة التي تسبق الانحطاط السياسي لتلك الطبقة.

هل سيتاح للبروليتاريا الزمن الكافي لإبداع ثقافة “بروليتارية”؟ الحق أن البروليتاريا، بعكس عهد مالكي الأرقاء والإقطاعيين والبورجوازيين، تعتبر ديكتاتوريتها مرحلة انتقالية قصيرة. وحين نريد التنديد بالتصورات المتفائلة أكثر مما ينبغي بصدد الإنتقال الى الاشتراكية، ننوه بأن مرحلة الثورة الاجتماعية، على الصعيد العالمي، لن تدوم شهورا وإنما سنينا وعشرات السنين، ولكن ليس قرونا وكم بالأحرى ألوفا من الأعوام. فهل تستطيع البروليتاريا في هذه الحقبة من الزمن أن تبدع ثقافة جديدة؟ انه لمما يزيد الشكوك مشروعية أن سني الثورة الاجتماعية ستكون سني صراع حاد بين الطبقات، يحتل فيها الهدم والتدمير مكانا أوسع من ذاك الذي سيحتله نشاط بناء جديد. على كل حال، ستنفق البروليتاريا جوهر طاقتها في الاستيلاء على االسلطة، والمحافظة عليها، وتدعيمها، واستخدامها لتلبية الحاجات الماسة والملحة للوجود والصراع اللاحق. والحال أنه إبان هذه المرحلة الثورية، التي تشتمل في حدود بالغة الضيق على إمكانية بناء ثقافي مخطط، تدرك البروليتاريا ذروة توترها وأكمل تظاهرات طابعها الطبقي. والعكس أيضا صحيح: فكلما توفر للنظام الجديد المزيد من الحماية والأمان من التقلبات العسكرية والسياسية، وكلما تحسنت شروط الإبداع الثقافي وصارت أكثر إيجابية، ذابت البروليتاريا بسرعة أكبر في المجتمع الاشتراكي وتحررت من مميزاتها الطبقية، أي كفت عن أن تكون هي البروليتاريا. وبعبارة أخرى، لا مجال أثناء مرحلة الدكتاتورية لإبداع ثقافة جديدة، أي لأوسع أشكال البناء التاريخي وأرحبها. وبالمقابل، سيكون البناء الثقافي منقطع النظير في التاريخ حين لن يعود هناك من ضرورة لقبضة الدكتاتورية الحديدية، وحين لن يعود لها طابع طبقي، ومن هنا يتوجب أن نخلص بوجه عام لا الى انه ليس هناك ثقافة بروليتاريا فحسب، بل الى أن مثل هذه الثقافة لن تظهر الى حيز الوجود ابدا. وليس ثمة داع، والحق يقال، للتأسف على ذلك: فالبروليتاريا أخذت مقاليد السلطة بين يديها على وجه التحديد كي تضع حدا نهائيا للثقافة الطبقية وكي تفتح الطريق أمام ثقافة إنسانية.

إن الكلام المبهم الغامض عن الثقافة البروليتارية، قياسا على الثقافة البورجوازية ومعارضة لها، قائم على خلط غير نقدي بالمرة بين المصائر التاريخية للبروليتاريا والمصائر التاريخية للبورجوازية. والمنهج المبتذل، الليبرالي المحض، القائم على أساس المقايسات التاريخية الشكلية، لا يمت بأي صلة قربى الى الماركسية. وليس هناك أي تشابه فعلي بين الدورة التاريخية للبورجوازية والدورة التاريخية للطبقة العاملة.

لقد بدأ تطور الثقافة البورجوازية قبل عدة قرون من استيلاء البورجوازية على زمام سلطة الدولة بواسطة سلسلة من الثورات. وحتى يوم كانت البورجوازية لا تزال الطبقة الثالثة، شبه المحرومة من الحقوق، كانت تلعب دورا هاما، لا يني يتعاظم، في جميع مضامير التطور الثقافي. ونستطيع أن نتبين ذلك بتمام الوضوح في تطور الهندسة المعمارية. فالكنائس القوطية لم تُشد على حين غرة، بدفع من إلهام ديني. ففي كاتدرائية كولونيا وهندستها ونحتها تلخيص لكل تجربة الإنسانية في مضمار الهندسة المعمارية منذ أيام الكهوف، وجميع عناصر هذه التجربة تتضافر وتسهم في أسلوب جديد يعبر عن ثقافة عصره، أي في التحليل الأخير بنية ذلك العصر وتقنيته الاجتماعيتين. لقد كانت البورجوازية القديمة، بورجوازية الحرف والروابط المهنية، الباني الحقيقي للقوطيات.

والبورجوازية بتطورها واشتداد عودها، أي باغتنائها، تجاوزت عن وعي وإيجابية القوطيات وشرعت تبدع طرازها المعماري الخاص، لا للكنائس كما في السابق وإنما لقصورها. فانطلاقا من منجزات الفن القوطي التفتت نحو العهود القديمة، الرومانية بوجه خاص، واستخدمت الهندسة المعمارية المغربية، وأخضعت ذلك كله لشروط الحياة المدينية الجديدة وحاجاتها، فخلقت بذلك النهضة (ايطاليا في أواخر الربع الأول من القرن الخامس عشر). وفي مقدور الاختصاصيين أن يحصوا، وهم يحصون فعلا، العناصر التي تدين بها النهضة للعهود القديمة، والعناصر التي تدين بها للعصر القوطي، حتى يروا الى أي جانب يميل الميزان. وعلى كل حال، لم تبدأ النهضة الا بعد أن استشعرت الطبقة الاجتماعية الجديدة، المشبعة بالثقافة أصلا، القوة الكافية في نفسها لتنفض عنها نير الفن القوطي، ولتعتبره مع كل ما سبقه محض مادة بناء، ولتخضع عناصر الماضي التقنية لأهدافها المعمارية. وهذا ينطبق أيضا على سائر الفنون، مع الفارق التالي وهو أن الفنون “الحرة”، بسبب مرونتها المفرطة، أي بحكم كونها غير خاضعة للأهداف النفعية ولمواد البناء بقدر خضوع الفن المعماري، لا تميط اللثام عن جدل هيمنة الأساليب وتعاقبها بنفس القدر من الوضوح والإقناع.
لقد تصرمت بين عصر النهضة والإصلاح اللذين كان هدفهما خلق شروط وجود فكري وسياسي أكثر مواءمة للبورجوازية في المجتمع  الإقطاعي، من جهة أولى، وبين الثورة التي حولت السلطة إلى البورجوازية (في فرنسا)، من الجهة الثانية، تصرمت ثلاثة قرون أو أربعة من نمو القوى المادية والفكرية  للبورجوازية. وقد أدى عصر الثورة الفرنسية الكبرى والحروب التي تمخضت عنها الى انحطاط مؤقت في مستوى الثقافة المادي. لكن النظام الرأسمالي رسخ قدميه بعد ذلك بوصفه نظاما “طبيعيا” و”أبديا”…
هكذا تكون السيرورة الأساسية لتراكم عناصر الثقافة البورجوازية وتبلورها في أسلوب مميًّز قد تحددت  بالخصائص الإجتماعية للبورجوازية بوصفها طبقة مالكة، مستغِلة: فالبورجوازية لم تنمُ وتتطور ماديا في رحم المجتمع الإقطاعي، مرتبطة به بألف رباط ورباط وجاذبة إليها الثروات فحسب، بل كسبت أيضا تأييد الأنتلجانسيا، خالقة لنفسها نقاط ارتكاز ثقافية (مدارس، جامعات، اكادميات، صحف، مجلات) قبل فترة طويلة من استيلائها على الدولة علنا وجهارا، على رأس الطبقة الثالثة. يكفي أن نعيد هنا الى الأذهان أن البورجوازية الألمانية، بثقافتها التقنية والفلسفية والعلمية والفنية المنقطعة النظير، قد تركت السلطة بين يدي طائفة اقطاعية وبيروقراطية حتى عام 1918، ولم تقرر أو بالأحرى لم تر نفسها ملزمة بالاستيلاء على مقاليد السلطة مباشرة الا حين شرع الهيكل المادي للثقافة الألمانية يتداعى وينهار.

قد يرد بعضهم على ذلك بقوله: لقد اقتضى ابداع فن المجتمع الرقي ألوف السنين، بينما كانت بضعة قرون كافية للفن البورجوازي. فلماذا إذن لا تكفي بضع عشرات من السنين للفن البروليتاري؟ إن الأسس التقنية للحياة لم تعد بالمرة على ما كانت عليه من قبل، ومن ثم فإن الإيقاع أيضا بات يختلف اختلافا عظيما. بيد أن هذا الاعتراض، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مقنعا جدا، يبقى في الواقع خارج المسألة.

مما لا مراء فيه أنه سيأتي حين، عبر تطور المجتمع الجديد، تتاح فيه للاقتصاد و البناء الثقافي والفن حرية في الحركة للتقدم أكبر بما لا يقاس. اما بصدد إيقاع هذه الحركة فليس في وسعنا حاليا أن نحلم به. ففي مجتمع يكون قد نفض عن كاهليه شاغل الخبز اليومي  بفجاجته وبلادته، وتهيء فيه المطاعم العامة طعاما طيبا حسب ذوق كل فرد، وتغسل فيه المغاسل البلدية بنظافة غسيل الناس جميعا، ويلقى فيه الأطفال، جميع الأطفال، غداء جيدا، ويتمتعون بالمرح والقوة و يتمثلون عناصر العلم والفن الأساسية كما يتمثلون الآحين والهواء وحرارة الشمس، في مجتمع لا تعود فيه الكهرباء و الإذاعة وسائل بدائية على ما هما عليه الان وانما مصادر لا ينضب لها معين للطاقة المركزة التي توجه بكبس الأزرار، ولا تعود فيه “أفواه لا مجدية”، وتتوجه فيه أنانية الإنسان المنعتقة – وما أعظمها من قوة! – بتمامها نحو معرفة الكون وتغييره وتحسينه، في مجتمع كهذا لن تكون دينامية التطور الثقافي قابلة لاي مقارنة مع ما عرفناه  في الماضي. لكن هذا كله لن يتحقق الا بعد مرحلة انتقال طويلة وشاقة، لا يزال علينا ان نقطعها بتمامها تقريبا. والحال أننا نتكلم هنا عن مرحلة الإنتقال هذه على وجه التحديد.

أليس عصرنا، العصر الراهن، ديناميا؟ انه لكذلك، والى اقصى حد. لكن ديناميته تتركز في مضمار السياسة. فالحرب والثورة ديناميتان، ولكن على حساب التقنية والثقافة الى حد كبير. صحيح أن الحرب أنتجت سلسلة طويلة من الإبتكارات التقنية. لكن الفقر العام الذي نجم عنها ارجأ لفترة طويلة التطبيق العملي لتلك الابتكارات التي كان من الممكن أن تحدث ثورة في الحياة اليومية. ذلك هو شأن الإذاعة والطيران والعديد من المبتكرات الكيميائية. ومن جهة اخرى، تخلق الثورة مقدمات مجتمع جديد. لكنها تفعل ذلك بطرائق المجتمع القديم، بصراع الطبقات والعنف والتدمير والإبادة. ولو لم تقم الثورة البروليتاريا لكانت الإنسانية اختنقت في تناقضاتها الذاتية. إن الثورة تنقد المجتمع والثقافة، لكن بواسطة جراحة مؤلمة للغاية. فجميع القوى الفاعلة مركزة في السياسة أثناء الصراع الثوري. وما تبقى منبود الى مرتبة ثانوية، وكل ما يسبب حرجا أو إرباكا يداس بالأقدام بمنتهى القسوة. ولهذه السيرورة، بالطبع، مدها وجزرها الجزئيان: فشيوعية الحرب قد أخلت الساحة للسياسة الإقتصادية الجديدة التي تمر بدورها بأطوار مختلفة. لكن ديكتاتورية البروليتاريا ليست، في جوهرها، التنظيم الاقتصادي والثقافي لمجتمع جديد، وإنما هي نظام عسكري ثوري يرمي الى النضال في سبيل اقامة ذلك المجتمع. لا يجوز أن ننسى ذلك. ولسوف يضع مؤرخ المستقبل في أغلب الظن نفطة أوج المجتمع القديم في 2 اب 1914، حين اغرقت القوة المهتاجة للثقافة البورجوازية العالم في نار الحرب الإمبريالية ودمها. وسوف يؤرخ لبداية تاريخ  الإنسانية الجديد بيوم 7 تشرين الثاني 1917 على أغلب الظن أيضا. ومن المرجح أن المراحل الأساسية لتطور الإنسانية ستقسم بوجه العموم كالآتي: “التاريخ” ما قبل التاريخي الإنسان البدائي، تاريخ العهود القديمة الذي كان الرق نقطة ارتكاز تطوره، العصور الوسطى القائمة على القنانة، الرأسمالية الاستغلالية على أساس نظام الاجارة، وأخيرا المجتمع الاشتراكي مع الإنتقال الذي سيتم، لنأمل ذلك، بدون ألم الى مشاعة يزول فيها كل شكل من اشكال السلطة. على كل حال، ستدخل الأعوام العشرون أو الثلاثون او الخمسون التي ستستغرقها الثورة البروليتارية العالمية في التاريخ بوصفها أصعب أشكال الإنتقال من نظام الى أخر، وليس البتة بوصفها عصرا مستقلا للثقافة البروليتارية.

في السنوات الراهنة، سنوات الهدنة واسترداد الأنفاس، قد تولد أوهام بصدد ذلك الموضوع في جمهوريتنا السوفياتية. وقد اولينا المسائل الثقافية اهتمامنا وعنايتنا. واذا سحبنا شواغلنا الحالية على مستقبل بعيد، فقد نتوصل الى تخيل ثقافة بروليتارية. أما في الواقع فإن بنائنا الثقافي، مهما يكن هاما وحيويا، يظل منضويا بكامله تحت جناح الثورة الأوروبية والعالمية. إننا ما زلنا جنودا في حملة. وأمامنا في الوقت الراهن يوم من الراحة، وينبغي أن نستفيذ منه لنغسل قمصاننا ونقص شعورنا، وقبل كل شيء لننظف البندقية ونشحمها. أن كل نشاطنا الاقتصادي والثقافي الحالي لا يعدو أن يكون ضربا من إعادة تنظيم لمتاعنا بين معركتين، بين حملتين. والمعارك الفاصلة لا تزال أمامنا، ولم تعد بعيدة جدا في أرجح الظن. والأيام التي نعيشها ليست هي بعد عصر ثقافة جديدة، وإنما هي في أحسن الأحوال المدخل الى ذلك العصر. وأول ما يتوجب علينا هو ان نحوز رسميا أهم عناصر الثقافة القديمة، بحيث تتوفر لنا القدرة على الأقل على شق الطريق أمام ثقافة جديدة.

تغذو المسألة في منتهى الوضوح اذا نظرنا إليها، كما هو واجب، على صعيدها العالمي. فالبروليتاريا كانت ولا تزال الطبقة غير المالكة. ومن هنا بالذات تضيق للغاية الإمكانية المتاحة لها لتمثل عناصر الثقافة البورجوازية التي صارت جزءا لا يتجزأ من تراث الإنسانية. صحيح أنه يمكن القول، بمعنى ما، أن البروليتاريا، وعلى الأقل البروليتاريا الأوروبية، عرفت هي الأخرى عهد إصلاحها، وعلى الأخص في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين أفلحت، من دون أن تتطاول مباشرة على سلطة الدولة، في الحصول على شروط حقوقية أكثر مواءمة لتطورها في ظل النظام البرجوازي. لكن في عهد “الاصلاح” هذا (البرلمانية والإصلاحات الاجتماعية)، الذي تطابق بصورة رئيسية مع مرحلة الأممية الثانية، وهب التاريخ الطبقة العاملة من العقود بقدر ما وهب تقريبا البورجوازية من قرون. هذا من جهة أولى. أما من الجهة الثانية فإن البروليتاريا لم تصبح البتة، خلال تلك المرحلة التمهيدية، طبقة أكثر غنى، ولم تركز بين يديها أي قوة مادية، بل إنها لم تزدد، على العكس من ذلك، الا حرمانا من وجهة النظر الاجتماعية والثقافية. لقد وصلت البورجوازية الى السلطة مسلحة  أتم التسليح بثقافة عصرها. لكن المهمة الأولي للبروليتاريا، عقب الاستيلاء على السلطة، هي أن تضع يدها على جهاز الثقافة الذي كان فيما سبق يخدم غيرها – الصناعات، المدارس، النشر، الصحافة، المسارح، الخ – وأن تشق لنفسها بفضل هذا الجهاز طريق الثقافة.

ومهمتنا في روسيا معقدة بحكم فقر تقاليدنا الثقافية والتدمير المادي الناجم عن أحداث السنوات العشر الاخيرة. فبعد زهاء ست سنوات من الاستيلاء على السلطة والنضال في سبيل الحفاظ عليها وتدعيمها، تجد بروليتاريا بلادنا نفسها مرغمة على استنفار جميع قوادها لخلق شروط الوجود المادية الأولية وللتدرب بكل ما في الكلمة من معنى على الف باء الثقافة. واذا كنا قد حددنا لأنفسنا كمهمة القضاء على الأمية من الآن وحتى الذكرى السنوية العاشرة لميلاد السلطة السوفياتية، فليس ذاك بلا سبب.
قد يعترض معترض بأنني أعطي مفهوم الثقافة البروليتارية معنى أوسع مما ينبغي. فاذا لم يكن هناك مجال لإبداع ثقافة بروليتارية كاملة، مدركة تمام تطورها، فإن في وسع الطبقة العاملة على كل حال أن تنجح في وضع خاتمها على الثقافة قبل أن تنحل في المجتمع الشيوعي. والحق أنه ينبغي قبل كل شيء التنديد بمثل هذا الإعتراض بوصفه انحرافا خطيرا عن موقع الثقافة البروليتاريا. فأن تكون البروليتاريا  مطالبة، خلال عهد ديكتاتوريتها، بأن تسم الثقافة بخاتمها، فهذا أمر لا يمكن أن يوضع موضع نقاش. بيد أن البون يبقى شاسعا بين ذلك وبين الثقافة البروليتارية، إذا كنا نعني بالثقافة نظاما متطورا ومتلاحما داخليا من المعرفة والمهارة في جميع ميادين الإبداع المادي والروحي. إن وصول عشرات الملايين من البشر الى تعلم القراءة والكتابة والى معرفة العمليات الأربع يشكل بحد ذاته حدثا ثقافيا، رفيع الأهمية. فالثقافة الجديدة لن تكون في ماهيتها بالذات أرستقراطية، حكرا لأقلية صاحبة امتيازات، بل ستكون ثقافة جماهيرية، عامة، شعبية. وسيتحول الكم الى كيف أيضا: فنمو الطابع الجماهيري للثقافة سيرفع من مستواها وسيغيرها في وجوهها كافة. ولن تتقدم هذه السيرورة الا عبر سلسلة من المراحل التاريخية. ومع كل خطوة ناجحة على هذا الطريق، ستتراخى الروابط الباطنية التي تجعل من البروليتاريا طبقة، وسيتلاشى بالتالي الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه ثقافة بروليتارية.

لكن ما شأن الشرائح العليا من الطبقة العاملة؟ طليعتها الأيديولوجية؟ ألا يمكن القول أننا نشهد من الآن في هذا الوسط، حتى ولو كان محدودا، تطور ثقافة بروليتارية؟ أليس لدينا الاكاديمية الاشتراكية؟ الأساتذة الحمر؟ إن ثمة من يقترف خطأ طرح المسألة على هذا النحو الشديد التجريد. فهو يرى الى الأمور كما لو أنه في المستطاع خلق ثقافة بروليتارية بالطرائق المخبرية. والواقع أن اللحمة الأساسية للثقافة منسوجة من العلاقات والتفاعلات القائمة بين انتلجانسيا الطبقة وبين الطبقة ذاتها. لقد حيكت الثقافة البورجوازية – التقنية، السياسية، الفلسفية، الفنية – من خلال تفاعل البورجوازية ومخترعيها وقادتها ومفكريها وشعرائها. كان القارئ يخلق الكاتب، والكاتب يخلق القارئ. وهذا يصح الى حد أكبر بكثير بالنسبة الى البروليتاريا، لأن اقتصادها وسياستها وثقافتها لا يمكن أن تشاد إلا على أساس مبادهة الجماهير الخلاقة. بيد أن المهمة الرئيسة للإنتلجانسيا البروليتارية في المرحلة الآتية مباشرة لا تكمن في تجريد ثقافة جديدة – لا تزال تفتقر الى الأساس – وإنما في العمل الثقافي العيني للغاية: مساعدة الجماهير المتأخرة مساعدة منهجية، مخططة، وبالتـأكيد نقدية، على تمثل العناصر الضرورية من الثقافة القائمة. كلا، لا يمكن إبداع ثقافة طبقية من خلف ظهر الطبقة. والحال أن بناء هذه الثقافة بالتعاون مع الطبقة، وبالإرتباط الوثيق بنهوضها التاريخي العام، يقتضي… بناء الاشتراكية، على الأقل في خطوطها الكبرى. ومصير الصفات الطبقية للمجتمع، على هذا الطريق، ليس التضخم، وإنما على العكس التقلص التدريجي حتى درجة الصفر، طردا مع نجاحات الثورة. ولئن كانت دكتاتورية البروليتاريا تحريرية، فهذا بمعنى أنها وسيلة مؤقتة – مؤقتة للغاية –  لتمهيد الطريق ووضع الأسس لمجتمع بلا طبقات ولثقافة قائمة على التضامن.
حتى يكون شرحنا لفكرة “مرحلة البناء الثقافي” في تطور الطبقة العاملة أكثر عينية، لنتوقف قليلا عند التعاقب التاريخي للأجيال، لا للطبقات. فالقول بأن الأجيال يخلف بعضها بعضا – حين يكون المجتمع في تقدم لا في انحطاط – يعني أن كل جيل منها يضيف وديعته إلى ما سبق للثقافة أن راكمته حتى ذلك الحين. لكن لا بد لكل جيل جديد، حتى يستطيع أن يفعل ذلك، من اجتياز فترة تدريب. فهو يتملك الثقافة القائمة، ويحولها على طريقته، ويجعلها مختلفة بقدر أو بآخر عن ثقافة الجيل السابق. وهذا التملك ليس خلاقا بعد، أي ليس إبداعا لقيم ثقافية جديدة، وإنما هو مقدمة له. وما قلناه يصلح الى حد ما، للإنطباق على مصير الجماهير الشغيلة التي ترتفع الى مستوى الخلق التاريخي. بيد أنه ينبغي فقط أن نضيف أن البروليتاريا، قبل أن تخرج من مرحلة التدريب الثقافي، تكون قد كفت أن تكون هي البروليتاريا، لنعد الى الأذهان مرة أخرى أن الشريحة العليا من الطبقة الثالثة، أي البورجوازية، أتمت تدريبها تحت سقف المجتمع الإقطاعي، وأنها تجاوزت، و هي لا تزال حبيسته، الطوائف الحاكمة القديمة من وجهة النظر الثقافية، وأنها غدت محرك الثقافة قبل أن تعتلي سدة السلطة. وليس هذا وضع البروليتاريا بوجه عام، ولا وضع البروليتاريا الروسية بوجه خاص: فقد اضطرت الى استلام مقاليد السلطة قبل أن تمتلك العناصر الأساسية من الثقافة البورجوازية؛ اضطرت الى التطويح بالمجتمع البورجوازي بالعنف الثوري على وجه التحديد لأن هذا المجتمع كان يسد دونها باب الثقافة. وتبذل الطبقة العاملة قصارى جهدها لتحول جهاز دولتها الى مضخة قوية لإطفاء عطش الجماهير الى الثقافة. وهذه مهمة لها أهمية تاريخية هائلة.لكن اذا كنا لا نريد أن نستعمل الكلمات بخفة، فإن ذلك ليس هو بعد خلق ثقافة بروليتارية صرف. ” الثقافة البروليتارية”، “الفن البروليتاري”، وما شابه ذلك من المصطلحات يستعمل عندنا في ثلاث حالات من أصل عشر حالات بدون روح نقدية للإشارة الى ثقافة المجتمع الشيوعي القادم وفنه؛ وفي حالتين من أصل عشر للاشارة الى أن بعض الشرائح الخاصة من البروليتاريا تكتسب بعض عناصر الثقافة الماقبل بروليتارية؛ وأخيرا في خمس حالات من أصل عشر لا يعدو الأمر أن يكون خليطا من الأفكار والألفاظ، لا ذنب له ولا رأس.

إليكم مثالا جديدا، بين مئات الأمثلة الاخرى، على استخدام متهاون ومغلوط وخطر بلا أدنى نقاش لتعبير “الثقافة البروليتارية “. فقد كتب الرفيق  سيزوف يقول: “إن القاعدة الاقتصادية ونظام البنى الفوقية المناظر لها يشكلان الخاصة الثقافية لعصر ما (اقطاعي، بورجوازي، بروليتاري)”. وهو بذلك يضع العصر الثقافي البروليتاري على سوية واحدة مع العصر البورجوازي. والحال أن ما يسميه هنا بالعصر البروليتاري ليس سوى الانتقال القصير الأمد من نظام إجتماعي وثقافي الى آخر، من الرأسمالية الى الاشتراكية. وقيام النظام البورجوازي سبقه هو الآخر عصر انتقال، لكن بعكس الثورة البورجوازية التي سعت، بقدر من النجاح، الى تأبيد سيطرة البورجوازية، تهدف الثورة البروليتارية الى تصفية وجود البروليتاريا كطبقة في اقصر أجل ممكن. وهذا الأجل مرهون مباشرة بنجاحات الثورة. أليس من المذهل أن نرى من يتناسى ذلك ويضع الثقافة البروليتارية على سوية واحدة والثقافة الاقطاعية أو البورجوازية؟

اذا كان الأمر كما نقول، فهل ينجم عن ذلك  أنه ليس لدينا علم بروليتاري؟ ألا يسعنا أن نقول أن التصور الماركسي للتاريخ والنقد الماركسي للإقتصاد السياسي يشكلان عنصرين علميين لا يقدران بثمن من ثقافة بروليتارية؟ أليس في ذلك تناقض؟
لا مراء في أن التصور الماركسي  للتاريخ ونظرية القيمة لهما أهمية كبرى سواء بوصفهما سلاحا طبقيا للبروليتاريا أو للعلم بوجه عام. و”بيان الحزب الشيوعي” يتضمن وحده من العلم أكثر مما تتضمنه مكتبات بكاملها، مكتظة بتلفيقات وتأملات وتزويرات أستاذية في الفلسفة والتاريخ. لكن هل نستطيع أن نقول على أساس ذلك أن الماركسية هي نتاج للثقافة البروليتارية؟ وهل نستطيع القول أننا نستخدم الماركسية فعلا من الآن لا في الصراعات السياسية فحسب، بل أيضا في المشكلات العلمية العامة؟
لقد تحدر ماركس وإنجلز من صفوف الديمقراطية البورجوازية الصغيرة، وبديهي أن ثقافة هذه الديمرقراطية هي التي كونتهما، وليس ثقافة بروليتاية ما. ولو لم توجد الطبقة العاملة بإضراباتها ونضالاتها وآلامها وانتفاضاتها، لما كانت وجدت الشيوعية العلمية، لأنه ما كانت وجدت الضرورة التاريخية لذلك. لقد شُيدت نظرية الشيوعية العلمية بكاملها على أساس الثقافة العلمية والسياسية البورجوازية، بالرغم من أنها أعلنت على هذه الأخيرة صراعا لا في سبيل الحياة، بل صراعا حتى الموت. وتحت ضربات التناقضات الرأسمالية، إرتفع الفكر الشمولي للديمقراطية البورجوازية، لدى أجرأ ممثليه وأعظمهم استقامة ونفاذ نظر، الى نفي عبقري للذات، مسلح بكل ترسانة العلم البورجوازي النقدية. ذلكم هو أصل الماركسية.

وجدت البروليتارية في الماركسية منهجها، ولكن ليس من الوهلة الأولى، ولا حتى بشكل تام حتى يومنا هذا. هذا المنهج يخدم اليوم بصورة رئيسية، بل أكاد أقول حصرا، أهدافا سياسية. ولا يزال التطوير المنهجي للمادية الجدلية وتطبيقها الواسع على المعرفة رهن الغد. وانما في مجتمع اشتراكي فحسب، ستكف الماركسية عن أن تكون محض أداة نضال سياسي لتصبح منهج خلق علمي، والعنصر والاداة  الأساسيين للثقافة الروحية.

لا جدال في أن كل علم يعكس بقدر أو بآخر ميول الطبقة السائدة. وكلما وضع علم من العلوم نصب عينيه في المقام الأول المهام العملية التي لها صلة  بالسيطرة على الطبيعة (الفيزياء، الكمياء، العلوم الطبيعية بوجه عام)، كانت مساهمته الإنسانية أعظم، بعيدا عن الاعتبارات الطبقية. وبالمقابل، كلما تعمق ارتباط علم من العلوم بأوالية الاستغلال الاجتماعية (الاقتصاد السياسي)، أوكلما أوغل في التعميم التجريدي للتجربة الإنسانية (كعلم النفس، لا بمعناه التجريبي والفيزيولوجي وانما بالمعنى المسمى ب”الفلسفي”)، تعمقت تبعيته لأنانية البورجوازية الطبقية، وتضاءلت أهمية مساهمته في المحصلة العامة للمعرفة الإنسانية. ويعرف مضمار العلوم التجريبية بدوره درجات مختلفة من التجرد والموضوعية العلمية، وذلك تبعا لسعة التعميمات التي تتم فيه. وبوجه عام، تفصح الميول البورجوازية عن نفسها بأكبر قدر من الحرية في الدوائر العليا للفلسفة المنهجية، في “تصور العالم”. لهذا كان من الضروري تنظيف بناء العلم من سافله الى عاليه، أو بتعبير أدق من عاليه الى سافله، إذ يتوجب البدء بالطوابق العليا. بيد أننا لن نكون الا سذجا لو تصورنا مع ذلك أن البروليتاريا مطالبة، قبل أن تطبق على البناء الاشتراكي العلم الموروث عن البورجوازية، بأن تخضع هذا العلم لمراجعة نقدية شاملة. ولو فعلنا ذلك لكنا أقرب ما نكون الى الأخلاقيين الطوباويين الذين يقولون: يتوجب على البروليتاريا، قبل أن تشيد مجتمعا جديدا، أن ترتقي الى مستوى الأخلاق الشيوعية. والواقع أن البروليتاريا لن تحول الأخلاق والعلم، على حد سواء، تحويلا جذريا الا بعد ان تشيد المجتمع الجديد، ولو في خطوطه العريضة. ألا نسقط هنا في حلقة مفرغة؟ وكيف السبيل الى تشييد مجتمع جديد بمساعدة العلم القديم والأخلاق القديمة؟ ان مقدارا قليلا من الجدل أمر لا بد منه هنا، من نفس ذلك الجدل الذي نسفحه بكثرة وغزارة في الشعر الغنائي، وفي الإدارة، وفي حساء الملفوف و الكاشية (1). إن الطليعة البروليتارية بمسيس الحاجة، حتى تبدأ بالعمل، الى بعض نقاط ارتكاز، الى بعض طرائق علمية قمينة بتحرير الوعي من نير البورجوازية الايديولوجي؛ وهي جزئيا متاحة لها من الآن، ولا يزال عليها جزئيا أيضا أن تقتنيها. ولئن سبق لها أن جربت منهجها الأساسي في معارك عديدة وفي شروط بالغة التنوع، فإن ذلك ليس هو العلم البروليتاري. إن الطبقة الثورية لا تستطيع أن توقف كفاحها لأن الحزب لم يقرر بعد هل عليه أن يقبل أو لا يقبل فرضية الكهارب والدوالف، ونظرية فرويد في التحليل النفسي، وعلم الوراثة، والاكتشافات الجديدة في رياضيات النسبية، الخ. صحيح أنه ستتاح للبروليتاريا، بعد الاستيلاء على السلطة، إمكانيات أعظم بكثير لتمثل العلم وإعادة النظر فيه. لكن هنا أيضا يسهل قول الأشياء بدلا من فعلها. فلا مجال لأن ترجئ البروليتاريا بناء الاشتراكية الى أن يكون علماؤها الجدد، الذين لا يزال العديدون منهم يركضون بسراويلهم القصيرة، قد تحققوا من جميع أدوات المعرفة ومن جميع سبلها وطهروها. إن البروليتايا، التي ستلفظ ولا بد كل ما يثبت عدم جدواه وزيفه ورجعيته، ستستخدم في جميع ميادين عملها البنائي طرائق العلم الراهن ونتائجه، وستأخذ بها بالضرورة مع ما تنطوي عليه من نسبة مئوية من العناصر الطبقية، الرجعية. وستبرر النتيجة العملية نفسها بنفسها في جملتها، لأن التطبيق، الخاضع لتوجيه الأهداف الاشتراكية، سيقوم تدريجيا بعملية تحقيق وانتقاء للنظرية ولطرائقها واستنتاجاتها. وإبان ذلك يكون قد نبت علماء جدد في شروط جديدة. على كل حال، يتوجب على البروليتاريا أن ترتقي بعملها البنائي الاشتراكي الى مستوى مرتفع بما فيه الكفاية، أي الى مستوى تلبية فعلية لحاجات المجتمع المادية والثقافية، قبل أن تتاح لها الإمكانية للشروع بتنظيف عام للعالم، من الاعلى الى الأسفل. ولا يدخل في نيتي هنا أن أقول أي شيء كان ضد العمل النقدي الماركسي الذي تسعى حلقات ومنتديات صغيرة كثيرة للقيام به في العديد من الميادين. فهذا العمل ضروري ومثمر. ولا بد من توسيعه وتعميقه بمختلف الصور الممكنة. بيد انه ينبغي علينا أن نحافظ على حس الإعتدال والحذر الماركسي في تقييمنا لأهمية تلك التجارب والمحاولات على ضوء البعد العام لعملنا التاريخي.

هل ينفي ما تقدم امكانية بروز علماء ومخترعين وكتاب مسرحيين وشعراء نوابغ من بين صفوف البروليتاريا، في الوقت الذي لا نزال فيه في مرحلة الديكتاتورية الثورية؟ بتاتا. لكن من الخفة الزائدة أن نطلق اسم الثقافة البروليتارية حتى على أفضل منجزات الممثلين الفرديين للطبقة العاملة. فمفهوم الثقافة لا يجوز أن يحول الى عملة تداولية فردية، وليس في مستطاعنا أن نقيس  تقدم ثقافة طبقة من الطبقات بحسب جوازات المرور البروليتارية لهذا أو ذاك من المخترعين أو الشعراء. فالثقافة هي المحصلة العضوية للمعرفة والمهارة التي تميز كل مجتمع، أو على الأقل طبقته الحاكمة. وهي تعانق جميع ميادين الإبداع الإنساني وتتغلغل فيها وتوحدها في نظام متلاحم. والمنجزات الفردية تعلو فوق هذا المستوى وترفعه تدريجيا.

فهل ثمة وجود لهذه الصلة العضوية بين شعرنا البروليتاري الحالي وبين النشاط الثقافي للطبقة العاملة في مجملها؟ بديهي أن لا، إن من العمال من يتمثل، فرديا أو فئويا، الفن الذي أبدعته الانتلجانسيا البورجوازية ويستخدم تقنيتها، على نحو انتقائي بالطبع في الوقت الراهن. ولكن هل ذلك بهدف التعبير عن عالمهم الداخلي، الذاتي، البروليتاري؟ بديهي أن لا. فعمل الشعراء البروليتاريين يفتقر الى تلك الخاصة العضوية التي لا يمكن أن تتأتى الا من ترابط صميم بين الفن وتطور الثقافة بوجه عام. وأعمالهم لا تعدوا أن تكون أعمالا أدبية لبروليتاريين محبوبين أو موهوبين، ولكنها ليست أدبا بروليتاريا. ولكن هل تكون، رغم ذلك، واحدا من مصادره ومنابعه؟

لا مراء في أن عمل الجيل الحالي ينطوي على العديد من البذور والجذور والمصادر التي سيرجع اليها ذات يوم بحاثة من البحاثين، مجتهد وكدود، انطلاقا من مختلف قطاعات ثقافة المستقبل، مثلما يرجع مؤرخو الفن الحاليون من مسرح إبسن إلى تمثيليات الأسرار الدينية، أو من الانطباعية والتكعيبية الى تصاوير الرهبان. ففي بنية الفن كما في بنية الطبيعة لا يضيع شيء، كما أن كل شيء مترابط. بيد أن الإنتاج الراهن للشعراء المتحدرين من البروليتاريا لا يزال بعيدا في الواقع، في الحياة، عينيا، عن أن يتطور على سوية واحدة والسيرورة التي تهيء شروط الثقافة الاشتراكية المستقبلة، أي سيرورة تثقيف الجماهير وتربيتها.
لقد أحزن الرفيق دوبوفسكوي، وألب عليه على ما يبدو، فئة من الشعراء البروليتاريين بمقال عبر فيه، الى جانب أفكار قابلة للنقاش، عن جملة من الحقائق المرة بالتأكيد بعض الشيء، لكن المحققة التي لا تقبل المنازعة(2). وقد وصل الى الاستنتاج التالي وهو أن الشعر البروليتاري لا يتواجد لدى جماعة “كوزنيتسا”(المصهر)، وإنما في صحف المصانع الجدارية بمؤلفيها الأغفال. وإن لفي ذلك فكرة صحيحة، وإن كان التعبير عنها لا يخلو من مفارقة. فعلى الأساس نفسه نستطيع، إذا شئنا، أن نقول بقدر مماثل من الصوابية أن ثمة اندادا بروليتاريين لشكسبير وغوته يغذون السير اليوم حفاة إلى إحدى المدارس البدائية. ولا جدال في أن فن شعراء المصانع اوثق ارتباطا بكثير من الناحية العضوية بحياة الجماهير العمالية ومشاغلها اليومية ومصالحها. لكن ليس هذا بأدب بروليتاري. وإنما هو محض تعبير مكتوب عن السيرورة الجنينية لارتفاع السوية الثقافية للبروليتاريا. وقد شرحنا آنفا أن بين الشيئين بونا شاسعا. فمراسلوا الصحف العماليون والشعراء المحليون والنقاد ينجزون عملا ثقافيا كبيرا يعزق الأرض ويهيئها لبذار المستقبل. لكن الحصاد الثقافي والفني المطلوب سيكون – لحسن الحظ !- اشتراكيا لا “بروليتاريا”.

يفصح الرفيق بلتنيف في مقال مثير للاهتمام حول “سبل الشعر البروليتاري”(3) عن فكرة مؤداها أن أعمال الشعراء البروليتاريين لعلى جانب عظيم من الأهمية، بصرف النظر عن قيمتها الفنية، بحكم ارتباطها المباشر بحياة الطبقة. ومن خلال الأمثلة التي يضربها الرفيق بلتنيف على الشعر البروليتاري يكشف للعيان، بصورة مقنعة الى حد ما، عن التغيرات في ذهنية الشعراء البروليتاريين، بالترابط مع التطور العام للحياة ونضالات البروليتاريا. ومن هنا بالذات يدلل الرفيق بلتنيف على أن نتاج الشعر البروليتاري – ليس كله، وانما الكثير منه – يشكل وثائق هامة في تاريخ الفن. لكن هذا لا يعني انها وثائق فنية. يكتب الرفيق بلتنيف عن شاعر عامل إرتفع بنفسه من المشاعر الدينية الى روح ثورية مناضلة: “أما وأن قصائده ضعيفة، قديمة الشكل، مليئة بالأخطاء، فهذا ما أسلم به، لكن ألا تشير الى طرق تقدم الشاعر البروليتاري؟”. بلا شك: فالأشعار حتى عندما تكون ضعيفة، بل حتى عندما تكون عديمة الرونق ومليئة بالأخطاء، قمينة بأن تدل على طريق التقدم السياسي لشاعر من الشعراء ولطبقة من الطبقات، ومن الممكن أن يكون لها دلالة عظيمة كظاهرة ثقافية. بيد أن القصائد الضعيفة، وكم بالأحرى تلك التي تنم عن جهل الشاعر، لا تدخل في باب الشعر البروليتاري لأنها، بكل بساطة، لا تدخل في باب الشعر أصلا. ومن المثير للإهتمام أن نلاحظ أن الرفيق بلتنيف، اذ يقيم توازيا بين التطور السياسي للشعراء العمال والتقدم الثوري للطبقة العاملة، يشير بصواب كبير الى أن الكتاب شرعوا منذ بضع سنوات، ولاسيما ابتداء من عهد السياسة الاقتصادية الجديدة، ينفصلون عن الطبقة العاملة، ويفسر الرفيق بلتنيف “ازمة الشعر البروليتاري” – المتواكبة بميل الشكلية والى… الجهالة المدعية – بنقص تكوين الشعراء السياسي وبقلة الانتباه الذي يخصهم به الحزب. وينجم عن ذلك، على حد قول بلتنيف، أن الشعراء “لم يقاوموا الضغط الهائل للايديولوجيا البورجوازية: بل طأطؤوا الرأس امامه أو هم في سبيلهم الى فعل ذلك”. إن هذا التفسير غير كاف بالمرة. أي “ضغط هائل للايديولوجيا البورجوازية” يمكن أن يوجد عندنا؟ المبالغة غير جائزة. ونحن لن ندخل في نقاش لمعرفة هل كان ام لم يكن في مستطاع الحزب أن يفعل أكثر مما فعل لصالح الشعر البروليتاري. فهذا لا يكفي لتفسير ضعف قدرة هذا الشعر على المقاومة، كما أن ضعف القدرة هذا لا تعوض عنه إيماءات “طبقية” حادة (على طريقة بيان “كوزنتسا”). ولب المسألة يكمن في أن الشعراء البروليتاريين في مرحلة ما قبل الثورة وفي المرحلة الأولى من الثورة كانوا لا يعتبرون نظم الشعر فنا له قوانينه الخاصة، بل كانوا يرون فيه وسيلة للشكوى من مصيرهم التعيس أو للإعراب عن مشاعرهم الثورية. لم يتنطع الشعراء البروليتاريون للشعر كفن وصنعة الا في الأعوام الأخيرة، بعد أن سكن قليلا توتر الحرب الأهلية. وقد اتضح في الوقت نفسه أن البروليتاريا لم تخلق بعد في قطاع الفن وسطا ثقافيا، بينما تتمتع الإنتليجانسيا البورجوازية بمثل هذا الوسط بصرف النظر عن جودته أو رداءته. وليست النقطة الأساسية أن الحزب أو قادته لم يقدموا “المساعدة الكافية”، وانما أن الجماهير لم تكن مهيأة فنيا. والحال أن الفن يتطلب كالعلم تهيئة وإعدادا. ان طبقتنا العاملة تملك ثقافتها السياسية – الى حد يكفي لتأمين ديكتاتورياتها – لكنها لا تملك ثقافة فنية. لقد كان لأشعار الشعراء البروليتاريين، ما داموا يسيرون في صفوف التشكيلات الكفاحية المشتركة، قيمتها كوثائق ثورية كما قلنا. ولكنهم حين اضطروا الى مواجهة مسائل الصنعة والفن، طفقوا بإرادتهم أو بغير إرادتهم يبحثون لأنفسهم عن وسط جديد. ليست المسألة اذن هنا محض مسألة قلة انتباه واهتمام، وانما مسألة شروط تاريخية أبعد غورا وأعمق. بيد أن هذا لا يعني البثة أن الشعراء العمال الذين دخلوا في هذه المرحلة من الأزمة قد خسرتهم البروليتاريا بصورة نهائية. واملنا وطيد بأن بضعة شعراء منهم على الأقل سيخرجون من هذه الأزمة وقد اشتد عودهم وقوي ساعدهم. مرة أخرى نقول ان هذا لا يعني أن جماعات الشعراء العمال الحاليين مقيض لها أن تضع الأسس الثابتة التي لا تتزعزع لشعر جديد وعظيم. لاشيء من ذلك بتاتا. وفي أرجح الظن، سيكون ذلك وقفا على الأجيال القادمة التي لا بد أن تمر هي الأخرى بمراحل من التأزم، لانه لا بد أن تبرز الى حيز الوجود ولأمد طويل انحرافات كثيرة تقع فيها الجماعات والحلقات وترددات واخطاء إيديولوجية وثقافية عديدة تكمن علتها العميقة في نقص النضج الثقافي لدى الطبقة العاملة.

إن التدرب على التقنية الأدبية يمثل وحده مرحلة لا غنى عنها وتتطلب زمنا. والتقنية تلاحظ بأجلى صورة لدى من لا يمتلكها. وفي وسعنا أن نقول بحق عن الكثيرين من الشعراء الشبان البروليتاريين انهم ليسوا هم الذين يمتلكون التقنية، وانما التقنية هي التي تسيطر عليهم. ولا يعدو الأمر بالنسبة الى بعضهم، الموهوبين منهم، أن يكون أزمة نمو. أما أولئك الذين لن يقدروا أبدا على امتلاك التقنية، فسيظهرون دائما “متكلفين”، مقلدين، متصنعين. ومن فاحش الخطأ أن نستنتج من ذلك أن العمال لا حاجة بهم إلى تقنية الفن البورجوازي. بيد أن الكثيرين  يقعون في هذا الخطأ، فتراهم يقولون: “أعطونا شيئا خاصا بنا، حتى وإن كان قبيحا، ولكن ليكن خاصا بنا”. ان مثل هذا الكلام خاطئ وخادع. فالفن القبيح ليس فنا، ولا حاجة بالتالي للشغيلة به، ان امتثالية “القبح”، التي تحمل بين طياتها في الواقع قسطا لا بأس به من الازدراء للجماهير، لبالغة الأهمية بالنسبة الى ذلك الطراز الخاص من الساسة الذين كلهم ريبة وشك بقوة الطبقة العاملة وان كانوا يتملقونها ويشيدون بها حين “يسير كل شيء على ما يرام “. ومن وراء الغوغائيين و الديماغوجيين، يردد الابرياء السذج تلك الصيغة التبسيطية شبه البروليتارية.  وليس هذا من الماركسية بشيء، وإنما هو ضرب من نزعة شعبوية  رجعية،  عليها القليل من طلاء الايديولوجيا “البروليتارية”. إن الفن الموجه الى البروليتاريا لا يمكن أن يكون فنا رديء النوعية. لا مناص من التعلم، بالرغم من ان “الدراسات” – التي تتم بالضرورة لدى العدو – لا تخلو من شيء من الخطر. لا مناص من التعلم، ومن الواجب أن تقاس أهمية المنظمات التي من شاكلة “برولتكولت”(4) على سبيل المثال، لا بالسرعة التي تخلق بها أدبا جديدا. وإنما بمساهمتها في رفع المستوى الأدبي للطبقة العاملة، ابتداء من شرائحها العليا.
ان تعابير من شاكلة “الأدب البروليتاري” و”الثقافة البروليتارية” خطرة من حيث أنها تضغط بصورة مصطنعة المستقبل الثقافي في إطار الحاضر الضيق، وتشوه المنظورات، وتضرب بعرض الحائط الأبعاد، وتزيف المعايير، وتنمي على نحو بالغ الخطورة عجرفة الحلقات الصغيرة.

لكن إذا نبذنا مصطلح “الثقافة البروليتارية”، فماذا نفعل عندئد ب”البرولتكولت”؟ لنتفق إذن على أن “البرولتكولت” يعني “النشاط الثقافي للبروليتاريا”، أي النضال المسعور في سبيل رفع المستوى الثقافي للطبقة العاملة. وفي الحقيقة، لن تتناقص أهمية “البرولتكولت” شعرة واحدة بنتيجة هذا التأويل.

***

يعلن  الكتاب البروليتاريون من جماعة “كوزنتسا”، في بيانهم المنهاجي الذي سبق ان أتينا بذكره، أن “الاسلوب هو الطبقة”، وأن الكتاب الذين من أصل اجتماعي أخر لا يسعهم، بالتالي، أن يخلقوا أسلوبا فنيا يتجاوب وطبيعة البروليتاريا. ومن هنا يبدو أنه من الغني عن البيان أن جماعة “كوزنتسا”، التي هي بروليتارية بتكوينها واتجاهها معا، هي في سبيلها الى إبداع الفن البروليتاري.

“الأسلوب هو الطبقة”. بيد أن الأسلوب لا يولد مع الطبقة في زمن واحد. فالطبقة تعثر على أسلوبها بسبل بالغة التشابك والتعقيد. وما أبسط الأمر لو أن الكاتب يستطيع، بمجرد أنه بروليتاري وفيّ لطبقته، أن يقف في مفترق الطرق ليعلن: “أنني أسلوب البروليتاريا!”.

“الأسلوب هو الطبقة”، لا في الفن فحسب، وإنما في السياسة قبل كل شيء. والحال أن السياسة هي المضمار الوحيد الذي أبدعت فيه البروليتاريا أسلوبها الخاص فعلا. كيف؟ ليس بالمرة عن طريق هذا القياس الساذج: لكل طبقة أسلوبها، البروليتاريا طبقة، إذن هي تعهد إلى هذه الجماعة البروليتاريا أو تلك بصياغة أسلوبها السياسي. كلا، لقد كان الطريق أشد تعقيدا بكثير. فإنشاء السياسة البروليتارية قد مر بالإضرابات الاقتصادية، بالنضال في سبيل حق الاتحاد، بالطوباويين الانكليز والفرنسيين، بمشاركة العمال في المعارك الثورية بقيادة الديمقراطية البورجوازية، ب”بيان الحزب الشيوعي”، بتأسيس الاشتراكية-الديمقراطية التي تخضع مع ذلك في مجرى الأحداث ل”أسلوب” طبقات اخرى، بانشقاق الاشتراكية-الديمقراطية وانفصال الشيوعيين، بنضال الشيوعيين في سبيل الجبهة الموحدة، وبسلسلة من المراحل التي لا تزال في قلب الغيب. وكل ما يتبقي من طاقة للبروليتاريا بعد تلبيتها المطالب الأساسية للحياة ذهب ويذهب الى إنشاء ذلك “الأسلوب” السياسي. ولئن كان الصعود التاريخي للبورجوازية قد تم بتعادل نسبي في جميع ميادين الحياة الاجتماعية، اذ راحت البورجوازية تغتني وتتنظم وتكوّن نفسها فلسفيا وجماليا وتراكم عادات السيطرة والهيمنة، فان سيرورة تقرير المصير الذاتي تتلبس بالنسبة الى البروليتاريا، بوصفها طبقة محرومة اقتصاديا، طابعا سياسيا ثوريا أحادي الجانب الى حد كبير، يجد أعلى تعبير له في الحزب الشيوعي.

إذا كنا نريد أن نقارن صعود البروليتاريا الفني بصعودها السياسي، فلا بد من القول بأن المرحلة التي نحن فيها حاليا في مضمار الفن هي على وجه التقريب عين المرحلة التي كانت تتلاقى فيها الحركات الجماهيرية الأولى الغضة العود مع جهود الانتلجانسيا وبعض العمال لتشييد أنظمة طوباوية. إننا نتمنى من كل قلوبنا لشعراء “كوزنتسا” أن يسهموا بقسطهم في إبداع فن المستقبل الذي سيكون اشتراكيا على الأقل، وإن لن يكون بروليتاريا. لكن من الخطأ الذي لا يغتفر في الطور الراهن، البدائي للغاية، من تلك السيرورة أن نمنح “كوزنتسا” احتكار التعبير عن “الأسلوب البروليتاري”. فنشاط “كوزنتسا” نسبة الى البروليتاريا يتموضع على نفس مستوى نشاط “ليف”(5) و”كروغ” وغيرهما من الجماعات التي تسعى الى التعبير عن الثورة فنيا. وبصدق ونزاهة نقول أننا لا نعرف أي  الجماعات ستسهم بالقسط الأعظم.

ان بيان “كوزنتسا” يصور الوضع الراهن في مضمار الفن بألوان قاتمة جدا واتهامية: “لقد ظهرت السياسة الاقتصادية الجديدة، بوصفها مرحلة من مراحل الثورة، الى حيز الوجود في مناخ فن يشبه مهارة الغوريلا”. و”على هذا كله تُنفق الموارد المالية… فبييلنسكي لم يعد له من أنداد. وعلى صحراء الفن يخيم الغسق… لكننا نرفع صوتنا ونعلي الراية الحمراء”، الخ. وعن الفن البروليتاري تتكلم الجماعة بألفاظ مفخمة، بل طنانة، بوصفه فن المستقبل من ناحية، وفن الحاضر من ناحية ثانية: “أن الطبقة العاملة المتراصة تبدع فنا على صورتها ونظيرها. ولغتها الخاصة، بأصواتها المتعددة وألوانها الغنية وصورها الثرة، تيسر ببساطتها ووضوحها ودقتها ظهور اسلوب عظيم”. اذا كان الأمر كذلك، فمن أين أتت إذن صحراء الفن، ولماذا يخيم فوقها بالضبط الغسق؟ ان هذا التناقض الصارخ لا يمكن أن يكون له سوى تفسير واحد: أن واضعي البيان يعارضون الفن الذي تحميه الحكومة السوفياتية، والذي هو صحراء يخيم عليها الغسق، بفن بروليتاري “رحب الأفق وعظيم الأسلوب”، وإن كان لا يحظى بالتقدير اللازم، اذ لم “يعد هناك وجود لبييلنسكي”، وإنما حل محله بعض “رفاق صحفيين تحدروا من صفوفنا واعتادوا أن يجروا كل شيء بالرسن”. ومع أني مهدد بدوري بان ادرج في “أخوية الرسن” فإني ساقول أن بيان “كوزنتسا” مشبع بعجرفة فئوية أكثر مما هو مشبع بروح رسلية طبقية. ان “كوزنتسا” تتحدث عن نفسها بوصفها الحامل الأوحد للفن الثوري، مثلها في ذلك بالضبط مثل المستقبليين والتخيليين و”الاخوان سيرابيون”(6) وغيرهم. أين هو، يارفاق، ذلك الفن “الرحب الأفق، العظيم الأسلوب، ذلك الفن الأبهي”؟ أين؟ الحق أنه كيفما قيَّمنا عمل هذا الشاعر أو ذاك من الشعراء ذوي الأصل البروليتاري – والحاجة هنا ماسة بالطبع الى عمل ناقد يقظ له فرديته الكاملة – فلا وجود لفن بروليتاري. لا يجوز أن نلعب بالكلمات الكبيرة. ليس صحيحا أنه ثمة وجود لأسلوب بروليتاري، وفضلا عن ذلك، رحب الأفق وأبهي. وإذا كان موجودا فأين؟ في ماذا؟ إن الشعراء البروليتاريين هم الآن في مرحلة التدريب، وفي وسعنا، حتى من دون أن نلجأ الى الطرائق المجهرية التي تستخدمها المدرسة الشكلية، أن نحدد التأثير الذي تمارسه عليهم مدارس أخرى، وفي المقام الاول مدرسة المستقبليين. هذا ليس  مأخذا عليهم، إذ ليس في الأمر من خطيئة. لكن لن يتمكن أي بيان من خلق أسلوب بروليتاري أبهي.

يتشكى أصحابنا قائلين: “ليس هناك من بييلنسكي”. ولو كنا ملزمين بأن نأتي بالدليل القانوني على أن نشاط “كوزنتسا” مشبع بالذهنية السائدة في العالم الصغير المغلق للأنتيلجانسيا وفي حلقاتها الصغيرة ومدارسها الصغيرة، لوجدناه في هذه العبارات الحزينة: “ليس هناك من بييلنسكي”. بديهي أننا لا نتكلم هنا عن بييلنسكي بوصفه شخصا، وإنما نتكلم عنه بوصفه ممثل تلك السلالة من النقاد االروس التي ألهمت الأدب القديم وسددت خطاه. وأصحابنا من جماعة “كوزنتسا” لم يتبينوا أن تلك السلالة لم يعد لها من وجود، وبالتحديد منذ أن اعتلت الجماهير العمالية خشبة المسرح السياسي. لقد كان بليخانوف في أحد جوانبه، وفي أهم جوانبه، بييلنسكي الماركسي، الممثل الأخير لتلك السلالة النبيلة من الكتاب. فعن طريق الأدب فتح بييلنسكي وانداده منفسا للرأي العام في عصرهم. وهذا ما كأنه دورهم التاريخي. فقد كان النقد الادبي ينوب عن السياسة ويمهد الطريق لها. وما كان محض أوهام وخيالات لدى بييلنسكي وسائر ممثلي النقد الجذري تلقى في زماننا هذا جسد ودم أكتوبر، وصار هو الواقع السوفياتي. ولئن لعب كل من بييلنسكي وتشيرنيشفسكي ودوبروليوبوف وبيسارييف وميخائيلوفسكي وبليخانوف، كل بطريقته الخاصة، دور الملهم العام للأدب، وعلى الأخص دور الملهم الأدبي للرأي العام الوليد، افلا يبدو الآن رأينا العام بأسره، بسياسته وصحافته واجتماعاته ومؤسساته، الترجمان الكافي عن سبله وطرقه الخاصة؟ إن حياتنا الإجتماعية بأسرها مسلط عليها ساطع الأضواء، فالماركسية تنير جميع مراحل نضالنا، وكل مؤسسة من مؤسساتنا تخضع من كل جوانبها لقصف النقد المتواصل. والتفكير في مثل هذه الشروط ببييلينسكي بزفرات أسف يزيح النقاب – وآأسفاه‌!‍‍ وآأسفاه!- عن روح استنكاف وعزوف مميزة للحلقات الفكرية الصغيرة، على أسلوب (ليس فيه من الأبهة شيء) شعبوي يساري، ملؤه الورع والتقوى. “ليس ثمة من بييلنسكي”. لكن بييلنسكي لم يكن في خاتمة المطاف ناقدا أدبيا بقدر ما كان دليلا ومرشدا للرأي العام في عصره. ولو أمكن لفيساريون بييلنسكي أن يرتد الى الحياة في أيامنا هذه، لكان صار في أرجح الظن – نحن لا نخفي ذلك عن “كوزنتسا” – عضوا في…المكتب السياسي. بل ربما صرّف الأمور برسن مرخي، أما كان يتشكى بالفعل من إضطراره إلى اسماع الناس شجي النغمات، وهو الذي كانت طبيعته تقضي عليه بالعواء كابن آوى؟.

***
ليس من قبيل المصادفة البتة أن يسقط شعر الحلقات الصغيرة، وهو يبذل قصارى جهده لكي يقهر عزلته، في رومانسية باهتة، هي رومانسية النزعة “الكونية”. ومؤدى الكونية ما يلي: ينبغي أن نحس بالعالم كوحدة، وأن نحس أنفسنا جزءا فعالا من هذه الوحدة، مع التطلع لا إلى التحكم بالأرض وحدها، وانما بالكون كله في المستقبل، وهذا بلا أدنى شك رائع وفي منتهى العظمة. فقد كنا نقطن في كورسك أو كالوغا البسيطتين، وها نحنذا قد استولينا على روسيا بأسرها، ونشق طريقنا نحو الثورة العالمية. فهل ينبغي علينا أن نكتفي ب”الحدود الأرضية” ؟ ألا فلنضع فورا الطوق البروليتاري حول برميل الكون. هل ثمة أسهل من ذلك؟ نحن نعرف كيف نتدبر أمرنا، ولا نخشى كائنا من كان!

تبدو الكونية، أو يمكن أن تبدو، في منتهى الجرأة والقوة والثورية والبروليتارية. أما في الواقع فنلفى في الكونية عناصر تتاخم الفرار: فأنصارها يهربون من القضايا الأرضية الشائكة – والبالغة الخطورة في ميدان الفن – ليحتموا بالأفلاك النجمية. من هنا تفصح الكونية عن آصرة قربى غير متوقعة بالمرة بالصوفية. وبالفعل، إن رغبة المرء في إدخال مملكة النجوم إلى تصوره الفني للعالم، لا على نحو تأملي فحسب وإنما بصورة موجبة فعالة، هي مهمة عسيرة بالأحرى، بصرف النظر حتى عن المعارف المتوفرة له في علم الفلك، ناهيك عن أنها، على كل حال، غير مستعجلة بالمرة… ولا يشق علينا أن نتبين أخيرا أن الشعراء إذا ما صاروا “كونيين” فليس ذلك لأن سكان درب المجرة يطرقون أبوابهم بإلحاح ويطلبون منهم جوابا، وإنما لان المعضلات الأرضية، التي لا تخفض جناحها الا ببالغ العسر للأداء الفني، تحثهم على الوثوب إلى عالم الغيب. بيد أنه لا يكفي أن يسمى المرء نفسه “كونيا” حتى يمسك بالنجوم في السماء، ولا سيما ان الكون منسوج بالفراغات ما بين النجوم أكثر منه بالنجوم بالذات. ونزوعهم المريب هذا الى سد ثغرات تصورهم و ثغرات عملهم الفني بمادة دقيقة كل الدقة، هي مادة المساحات الفضائية ما بين النجوم، ينذر بأن يجر بعض “الكونيين” الى أدق المواد وأرهفها، الروح القدس، الذي يرقد فيه عدد أكثر من وافٍ من الشعراء المتوفين.

ومما يزيد من خطورة الأنشوطات المتحركة والشباك الملقاة حول الشعراء البروليتاريين أن هؤلاء الشعراء لا يزالون غضاض العود، بل شبه مراهقين.

والثورة المظفرة هي التي أيقظت غالبيتهم على الشعر. فقد ولجوا عالمه من دون ان يكتمل تكوينهم بعد، محمولين على أجنحة العفوية والزوبعة والإعصار… والحق أن هذا الثمل البدائي استولى ايضا على نفوس كتاب بورجوازيين تماما، وكانت عاقبته صداع رأس رجعيا وصوفيا وما أشبه. أما المصاعب والإمتحانات الحقيقية فقد بدأت حين تباطأ إيقاع الثورة، وصارت الأهداف أكثر سديمية، وما عاد يكفي أن يسبح المرء في التيار وأن يبلع الماء ويصنع فقاقيع، وبات مطالبا بأن يدلل على  تيقظ وتبصر وبأن يتخندق ويحكم في نتائج الوضع. وعندئد  برز الإغراء: إلى الأمام نحو الكون! أما الأرض؟ أما الارض فمن الممكن أن تكون بالنسبة الى “الكونيين”، كما بالنسبة للصوفيين، وسيلة وواسطة.

إن شعراء عصرنا الثوريين بحاجة الى جيد المسقى(7)، والسقاية الأخلاقية هنا، وأكثر منها في أي مكان آخر، لا تقبل انفصالا عن السقاية الفكرية. انهم بحاجة الى تصور عن العالم، وبالتالي الى تصور عن الفن متماسك، مرن، مدعم بالوقائع. وحتى نفهم المرحلة الزمنية التي نحيا فيها لا فهما صحفيا وإنما بصورة فعلية عميقة، ينبغي أن نعرف ماضي الإنسانية، حياتها، كدحها، نضالاتها، آمالها، هزائمها ونجاحاتها. ولا مراء في أن علم الفلك و علم نشأة الكون شيء رائع! لكن ما تنبغي معرفته في المقام الاول هو التاريخ الإنساني والحياة المعاصرة في مختلف قوانينها وفي واقعها الفذ والشخصي.

***
من المثير للفضول أن نلاحظ أن أولئك الذين يفبركون صيغ الشعر البروليتاري المجردة يمرون عادة مرور الكرام بشاعر له الحق، أكثر من أي واحد آخر، في لقب شاعر روسيا الثورية. وتعريف ميول هذا الشاعر وقواعده الإجتماعية لا يقتضي منهجا نقديا معقدا: فدميان(8) حاضر أمامنا بكليته، دفعة واحدة. ليس هو بشاعر اقترب من الثورة، انخفض اليها، ارتضى بها؛ بل هو بلشفي سلاحه الشعر. وهنا بالتحديد تكمن قوة دميان الخارقة للمألوف. الثورة بالنسبة إليه ليست مادة للإبداع، بل هي المحكمة العليا، المحكمة التي وضعته بذاته في منصبه. كتابته خدمة اجتماعية، لا “في خاتمة الحساب” كما يقال عن الفن بوجه عام، بل أيضا ذاتيا، في وجدان الشاعر بالذات. وهذا من الأيام الاولى لخدمته التاريخية. فقد اندمج بالحزب، شب عن الطوق معه، مر بمختلف أطوار تطوره، تعلم يوما بعد يوم كيف يفكر ويحس مع الطبقة العاملة، وكيف يعيد انتاج عالم الأفكار والأحاسيس هذا في شكل مركز بلغة الشعر، تارة بدهاء الحكايات، وطورا بكآبة الأغاني وجرأة المقطعات الهجائية، تارة بسخط، وطورا بإطلاقه نداءات مدوية. لا هواية في غضبه وكرهه. انه يكره بالكره الصافي للحزب الأكثر ثورية في العالم. لديه أشياء ذات قوة هائلة تنم عن “معلمية” ناجزة، ولديه أيضا عدد لا بأس به من الأشياء التي لا تتجاوز المستوى الصحفي، اليومي، الثانوي المرتبة. وذلك يرجع الى أن دميان لا ينتظر، لكي يبدع، الفرص النادرة التي يدعو فيها ابولون الشاعر الى الذبيحة الإلهية، بل يعمل كل يوم، بحسب مقتضيات الأحداث.. واللجنة المركزية. بيد أن عمله يؤلف، اذا أخذناه في مجمله، ظاهرة جديدة مطلق الجدة، فريدة في نوعها. وليفتش بعدئذ صغار الشعراء من مختلف المدارس ممن لا يكرهون أن يتهكموا على دميان – بقولهم: أنظروا الى هذا الشويعر!-  ليفتشوا في ذاكرتهم علهم يعثرون على شاعر آخر له، بأشعاره، مثل ذلك التأثير المباشر والفعال على الجماهير! وأي جماهير؟ ملايين العمال والفلاحين والجنود الحمر! وفي أي زمن؟ في زمن هو أعظم الأزمان قاطبة!

لم يبحث دميان عن أشكال جديدة. بل انه يستخدم علانية وجهارا الأشكال القديمة المكرسة، المطوبة. لكن هذه الأشكال تعرف لديه بعثا حقيقيا، بصفتها وسيلة نقل منقطعة النظير لعالم الأفكار البلفشي. لم يخلق دميان ولن يخلق أبدا مدرسة؛ بل هو نفسه خلقته مدرسة تعرف باسم حزب روسيا الشيوعي، تلبية لحاجات عصر عظيم لن يكون له ند. ولو نحينا جانبا مفهوم الثقافة البروليتارية الميتافيزيقي كي نرى الى الاشياء من وجهة نظر ما تقرؤه البروليتاريا، ماهي بحاجة اليه، ما يستهويها ويثير حماستها ويدفع بها الى العمل، ما يرفع من مستواها الثقافي ويمهد بالتالي الميدان لفن جديد، نجد أن عمل دميان بييدني أدب بروليتاري فعلا وشعبي حقا، أي أدب ضروري حيوي الضرورة لشعب يستيقظ. قد لا يكون شعرا “أصيلا”، لكنه شيء أعظم من ذلك.

كتب ذات يوم رجل ليس في عداد الأواخر في التاريخ، هو فردينان لاسال، في رسالة موجهة الى ماركس وانجلز في لندن: “كم يحلو لي أن أعزف عن كتابة ما أعرفه، كي أحقق جزءا فقط  مما أستطيعه”.

بهذه الروح، يمكن لدميان أن يقول، لو شاء، عن نفسه: “يحلو لي أن أترك للآخرين مهمة الكتابة بأشكال جديدة وأكثر تعقيدا عن الثورة، بشرط أن أتمكن من الكتابة بنفسي بالأشكال القديمة من اجل الثورة”.

 

[1] كتب تروتسكي “الادب والثورة” في عامي 1922 و 1923 أثناء اجازته الصيفية – وكان يومئذ وزيرا للحربية – على شكل حلقات ظهرت تباعا في “البرافدا”. وقد تناول في القسم الأول من مقالاته أدب ما قبل الثورة، وقد رأينا عدم ادراج هذا القسم في الترجمة العربية لأنه يتناول بالتحليل المقتضب آثار كتاب وشعراء كثيرين لا تعني أعمالهم وأسماؤهم شيئا للقارئ العربي. وقد طوت، بالفعل، معظمهم يد النسيان بصورة نهائية. وبالمقابل رأينا أن نضيف الى القسم الثاني – والأساسي فعلا – من مقالات “الادب والثورة”. وهو القسم الغني بالتعميمات النظرية والسوسيولوجية، نص مداخلة لتروتسكي في اجتماع حزبي في أيار 1924 حول موضوع الأدب والحزب، وهي مداخلة تؤلف في الواقع تتمة طبيعية لأطروحات “الادب والثورة”. – م –

التالي »