بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأدب والثورة

« السابق التالي »

سياسة الحزب في الفن

طفق مؤخرا بعض الكتاب الماركسيين يلجؤون الى وسائل المجازر الجماعية تجاه المستقبليين و”الاخوان سيرابيون” والتخيليين، بوجه عام، تجاه جميع رفاق الدرب، جماعيا وفرديا. ولسنا ندري لماذا درجت، بوجه الخصوص، موضة التحريض على بلنياك، حتى بات المستقبليون أنفسهم يشاركون فيها. لا جدال في أن بلنياك،  في بعض  جوانبه، مثير للسخط: قدر من الخفة أكبر مما ينبغي في كبريات المسائل، كثير من التكلف والتصنع، غلو في الغنائية المصطنعة.. لكن بلنياك أبان للعيان على نحو جدير بالإعجاب الجانب الريفي والفلاحي من الثورة، “قطار ميشوتثسنيكي”(9)، وبفضل بلنياك عاينا ذلك كله على نحو جلي ملموس الى حد لا يقارن مع ما كانت عليه الحال في السابق. وفسيفولد ايفانوف؟ ألم تزدد معرفتنا بروسيا بكل اتساعها وتعدد أجناسها اللامتناهي وحالتها المتأخرة وقوتها، ألم يزدد أحساسنا بها، بعد “النصير” و”القطار المصفح” و”الرمال الزرق”، بالرغم من كل الأخطاء في بنائها، ومن أسلوبها المتقطع، بل وتكلفها؟ أويمكن حقا استبدال هذه المعرفة المباشرة، المزخرفة بالصور والمجازات، بمبالغات المستقبليين، أو بالإنشاد الرتيب للأجهزة الوسيطة، أو بتلك المقالات الصحفية الصغيرة التي لا تفعل شيئا، يوما بعد يوم، سوى اعادة تركيب الكلمات الثلاثمئة عينها في أشكال منوعة ؟ احذفوا بالفكر بلنياك وفسيفولد ايفانوف من حياتنا اليومية، نجد أنفسنا وقد أصابنا فقر ملموس… ولقد كان الهدف الآخر الذي وقع عليه اختيار منظمي الحملة الصليبية على رفاق الدرب – التي يشنونها دونما اعتبار كافٍ للمنظورات والأبعاد – هو الرفيق فورونسكي، رئيس تحرير “كراسانايا نوف”(10)، ومدير منشورات “الحلقة”، بصفته نجيا ومؤتمنا على السر، بل بصفته شريكا أو شبه متواطئ. إننا نعتقد أن الرفيق فورونسكي يؤدي – بناء على أمر الحزب – عملا أدبيا وثقافيا هاما، كما نعتقد أن اصدار أمر أو مرسوم في بيان مقتضب – مع زقزقة عصافير – بانشاء الفن الشيوعي أسهل وأيسر قطعا من العمل و الكد في تحضيره واعداد العدة له، مع  كل ما يتطلب ذلك من عناية واهتمام.

بصدد “الشكل”، يسلك  نقادنا الطريق الذي سبق أن فتحته مجموعة “راسباد”، في عام 1908. بيد أنه ينبغي أن نفهم ونقيِّم التغيرات التي طرأت على الأوضاع التاريخية، والتوزيع الجديد للقوى الذي تحقق منذ ذلك الحين. فيومئد كنا حزبا مقهورا ومرغما على السرية. وكانت الثورة في جزر، بينما كانت ثورة ستوليبين(11) والفوضويين- الصوفيين المضادة تتقدم على امتداد الخط كله. وفي الحزب نفسه كان المثقفون يلعبون دورا لا يتناسب وأهميتهم، كما كانت جماعات المثقفين المنتمية الى الأسر السياسية الأخرى تؤثر في بعضها بعضا. وفي مثل تلك الشروط، وحماية منا لأساليبنا في النظر والتفكير، كان علينا بحكم الواجب أن نكافح جميع أشكال التعبير الأدبي للرجعية.

أما اليوم، فالوضع يختلف كل الاختلاف. فقانون الجاذبية، الذي يفعل فعله لصالح الطبقة الحاكمة والذي يحدد، في التحليل الأخير، نشاط المثقفين الإبداعي، يعمل الآن لصالحنا. وبدالَّة ذلك، ينبغي علينا أن نعرف كيف نرسم وننشيء سياسة فنية.
ليس صحيحا أن الفن الثوري لا يمكن أن يرى النور الا على أيدي العمال. فعلى وجه التحديد لان الثورة عمالية فانها تحرر – لنكرر ذلك- كمية واهية من طاقة الطبقة العاملة في مضمار الفن. ان أعظم آثار الثورة الفرنسية، الآثار التي تعكسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، رأت النور على أيدي فنانين ألمان أو أنكليز أو غيرهم، لا على أيدي الفرنسيين. فالبورجوازية الفرنسية، التي كانت مشغولة بصنع الثورة، لم تكن تملك ما فيه الكفاية من القوى لتحفر بنفسها خاتمها. وهذا ينطبق على البروليتاريتا أكثر أيضا: فثقافتها الفنية أضعف وأوهى بكثير من ثقافتها السياسية. وللمثقفين، فضلا عن جميع المكاسب التي يعود بها عليهم تخصصهم، امتياز بغيض يتيح لهم أن يحافظوا على موقف سياسي سلبي، مشوب بقدر أو بآخر من التعاطف تجاه اكتوبر. فلا  غرو أن يقدموا عن الثورة صورا أفضل – حتى ولو كانت مشوهة بقدر أو بآخر – من تلك التي تقدمها البروليتاريا المشغولة بصنع الثورة. إننا لا نجهل حدود رفاق الدرب وتذبذبهم وتأرجحهم. ولكن اذا نحينا جانبا بلنياك و”سنته العارية” و”الاخوان سيرابيون” مع فسيفولود ايفانوف وتيخونوف وبولونسكايا، واذا استبعدنا ماياكوفسكي وإيسنين، فماذا يتبقى لنا سوى بعض الكمبيالات غير المدفوعة، مسحوبة على أدب بروليتاري لا يزال رهن المستقبل؟ أما دميان بييدني – الذي لا يدخل في عداد رفاق الدرب – فلا يمكن ان ينحى جانبا، على ما نأمل، بل إنه يمت بصلة قربى الى الأدب البروليتاري بالمعنى الذي يحدده بيان “كوزنتسا”. أجل، ماذا يتبقي لنا بدونهم؟

هل يعني هذا ان الحزب يقف، خلافا لمبادئه، موقفا انتقائيا في مضمار الفن؟ إن الحجة، التي تريد نفسها ساحقة، هي صبيانية لا أكثر. فالماركسية تتيح امكانيات شتى: تقييم تطور الفن الجديد، تتبع تحولاته كافة، تشجيع التيارات التقدمية بواسطة النقد. فهل في وسعنا أن نطالبها بأكثر من ذلك؟ إن على الفن أن يشق طريقه بنفسه. وطرائقه ليست هي طرائق الماركسية. وإذا كان الحزب يقود البروليتاريا، فإنه لا يقود السيرورة التاريخية. أجل، ثمة ميادين يتولى فيها القيادة بصورة مباشرة، آمرة. وثمة ميادين يشرف فيها ويشجع، وثمة أخرى يكتفي فيها بالتوجيه. ليس الفن ميدانا يتطلب قيادة الحزب. فهذا الأخير يحمي، يحفز، ولا يقود الا بصورة غير مباشرة. إنه يمحض ثقته للجماعات التي تصبو بصدق الى الإقتراب من الثورة، ويشجع على هذا النحو إنتجاها الفني. لكنه لا يستطيع أن يتبنى مواقف حلقة أدبية. إنه لا يستطيع ذلك، ولا يجوز له.

يذود الحزب عن المصالح التاريخية للطبقة العاملة في مجموعها. يمهد الطريق، خطوة خطوة، نحو ثقافة جديدة، نحو فن جديد. لايرى في رفاق الدرب منافسين للكتاب العمال، وإنما معاونين للطبقة العاملة في مشروعها الضخم لإعادة البناء. يدرك الطابع العارض للجماعات الأدبية في مرحلة الإنتقال. وبدلا من أن يقيِّم هذه الجماعات على أساس الشهادات الشخصية الطبقية التي يحتج بها السادة الأدباء، يهتم للمكانة التي تحتلها أو يمكن أن تحتلها في تشييد ثقافة اشتراكية. وإذا لم يكن ممكنا اليوم تحديد هذه المكانة بالنسبة الى هذه الجماعة أو تلك، فإن الحزب سينتظر بصبر وأناة وتروٍ. وهذا لا يحول البتة دون القراء والنقاد ودون التعاطف فرديا مع هذه الجماعة أو تلك.  ان الحزب، بحكم من أنه يذود عن مجمل المصالح التاريخية للطبقة العاملة، ملزم بأن يكون موضوعيا ومتبصرا. فهو من جهة أولى لا يعطي “بركته” ل”كوزنتسا” لمجرد ان هناك عمالا يكتبون فيها، ومن الجهة الثانية لا يرفض مسبقا أي جماعة أدبية، حتى ولو كانت مؤلفة كلها من مثقفين، اذا ما بذلت جهدا ولو بسيطا للتقرب من الثورة او لتدعيم واحدة من الروابط (والرابطة نقطة ضعف دوما) مع المدينة أو القرية، بين أعضاء الحزب واللاحزبيين، بين المثقفين والعمال.

هل تعني هذه السياسة أن أحد أجنحة الحزب، وبالتحديد الجناح المطل على الفن، سيبقى مكشوفا وغير محمي؟ إن لفي توكيد ذلك مبالغة كبيرة. فالحزب، المسترشد بمعاييره السياسية، ينبذ في الفن الاتجاهات السامة أو الانحلالية. صحيح أن جبهة الفن لا يتوفر لها من الحماية ما يتوفر لجبهة السياسة. ولكن ألا يصح ذلك بالنسبة الى العلم أيضا؟  فما رأي أنصار علم بروليتاري محض بنظرية النسبية؟ هل تتفق هذه النظرية مع المادية أم لا تتفق؟ هل حسمت المسألة ؟ أين؟ متى؟ من قبل من؟ واضح للجميع، حتى للجاهلين، أن عمل بافلوف يقف على أرض المادية. لكن ماذا عن نظرية فرويد في التحليل النفسي؟ هل تتفق مع المادية، كما يعتقد الرفيق راديك وكما أعتقد أنا نفسي، أما هي تناقضها؟ في وسعنا أن نطرح السؤال نفسه بصدد النظريات الجديدة المتعلقة بتركيب الذرة، الخ. وما أروع أن يوجد عالم قادر على أن يستوعب منهجيا جميع هذه التعميمات الجديدة، وعلى أن يوضح صلاتها بتصور المادية الجدلية عن العالم. وسيكون في مقدوره انطلاقا من هنا أن يصوغ المعايير المشتركة للنظريات الجديدة وأن يعمق في الوقت نفسه المنهج الجدلي. لكني أخشى ألا يشهد هذا العمل – لا أتكلم عن مقال في صحيفة أو مجلة وإنما عن عمل علمي أو فلسفي واسع شامل مثل (أصل الأنواع) أو (الرأسمال)-  لا اليوم و لا غدا. أو بالأحرى، إذا كتب مثل هذا الكتاب اليوم، فمن المرجح أن صفحاته لن تفتح قبل أن تضع البروليتاريا السلاح.

ألا يفترض عمل أقلمة الثقافة، أي اقتناء ألف باء ثقافة ما قبل بروليتارية، اختيارا، نقدا، معيارا طبقيا؟ بكل تأكيد. بيد أن هذا المعيار سياسي وليس ثقافيا مجردا. وكلا المعيارين يتطابق مع الآخر بالمعنى الواسع، وذلك بقدر ما تهيء الثورة شروط ثقافة جديدة. هذا لا يعني أن القران بينهما سيظل معقودا على الدوام. فالثورة إذا ما وجدت نفسها مكرهة على هدم جسور أو أنصاب تذكارية عند الاقتضاء، فلن تتردد في تسديد قبضتها الى كل اتجاه فني قد يهدد، مهما تكن منجزاته الشكلية عظيمة، بإدخال خمائر مفسِّخة الى الأوساط الثورية، أو بتأليب القوى الداخلية للثورة، من بروليتاريين وفلاحين ومثقفين، على بعضهم بعضا. إن معيارنا سياسي مكشوف، الزامي، بلا ظلال. ومن هنا كانت ضرورة تعيين حدوده. ولمزيد من الوضوح والدقة أيضا سأقول ان من واجبنا، في ظل نظام التيقظ الثوري، أن ننتهج فيما يتعلق بالفن سياسة رحبة ومرنة، بعيدة عن جميع خصومات الحلقات الأدبية.

بديهي أن الحزب لا يستطيع، حتى في مضمار الفن، أن يسلم، ولو ليوم واحد، بالمبدأ الليبيرالي القائل “دعه يفعل، دعه يمر”. والمسألة إنما هي معرفة متى يتوجب التدخل، والى أي حد، وفي أي حالة. وما هي بمسألة بسيطة الى الحد الذي يتصوره منظِّرو “ليف”، دعاة الأدب البروليتاري.

إن أهداف الطبقة العاملة وطرائقها هي أكثر عيانية وأفضل تحديدا وأحسن انشاء بما لا يقاس على صعيد النظرية، في المجال الإقتصادي، منها في ميدان الفن. ومع ذلك وجد الحزب نفسه ملزما، بعد أن حاول أن يشيد اقتصادا ممركزا، بالتسليم بوجود أنماط اقتصادية متباينة، بل متنافسة. فالى جانب مشاريع الدولة، المنظمة في شكل تروستات، لدينا مشاريع ذات طابع محلي، وأخرى برسم التأجير، وتلزيمات، ومشاريع خاصة، وتعاونيات، واقتصاديات فلاحية صغيرة، وحرفيون، ومشاريع جماعية، الخ. إن السياسة الأساسية للدولة موجهة نحو اقتصاد اشتراكي ممركز. بيد أن هذا الإتجاه العام ينطوي، لمرحلة محددة، على دعم للإقتصاد الفلاحي والحرفيين. ولو نهجنا غير هذا النهج، لكانت سياستنا الرامية الى بناء صناعة اشتراكية على نطاق واسع أصبحت تجريدا لا حياة فيه.

تلم الجمهورية السوفياتية شمل العمال والفلاحين والمثقفين ذوي الأصل البورجوازي تحت قيادة الحزب الشيوعي. ومن هذا المركب الاجتماعي ينبغي أن ينبثق، بفضل تقدم التقنية والعلم، مجتمع شيوعي. وهذا عبر سلسلة من المراحل. وسيأتي الفلاحون والمثقفون الى الشيوعية من غير الدرب الذي سيأتي اليها منه العمال. وطرقهم الخاصة لا يمكن الا أن تنعكس في الأدب. والمثقفون الذين لم يربطوا مصيرهم بلا تحفظ بمصير البروليتاريا (من غير الشيوعيين في غالبيتهم الساحقة) يسعون الى الاستناد الى الفلاحين بحكم عدم وجود نقطة ارتكاز بورجوازية، أو بحكم ضعفها الشديد في حال وجودها. هذه السيرورة رمزية بالأحرى في الوقت الراهن، ومؤداها تجميل الروح الثورية للموجيك بَعديا بحلة مثالية. وهي سمة مشتركة بين جميع رفاق الدرب. لكن مع تزايد عدد  المؤسسات المدرسية وعدد أولئك الذين سيتعملون القراءة في الأرياف، يمكن أن يصبح الرابط القائم بين الفن والفلاحين عضويا. ولئن كانت وجهة نظر الفلاحين في الاقتصاد أو السياسة أو الفن أكثر بدائية ومحدودية وأنانية من وجهة نظر البروليتاريا، فإن ذلك لا يغير شيئا في حقيقة كونها معطية من معطيات الواقع. وسينجز الفنان عملا تقدميا من الزاوية التاريخية حين يقتنع، بعد تبنيه وجهة نظر الفلاحين أو بالأحرى بعد التـأليف بينها وبين وجهة نظره الخاصة، بالفكرة القائلة أن اتحاد العمال والفلاحين ضرورة حيوية. ومن خلال إبداعه سيتعزز التعاون بين القرية والمدينة. وستهب مسيرة الفلاحين نحو الاشتراكية مؤلفاته مضمونا غنيا وعميقا، وشكلا متنوع الألوان، ولدينا كل الأسباب والمبررات للإعتقاد بأنه سيضيف فصولا قيِّمة الى تاريخ الفن. وبالمقابل، إن معارضة المدينة بالقرية،القرية العضوية المقدسة أبدا وأزلا، عمل رجعي، معادٍ للبروليتاريا، مناف للتقدم، مقضي عليه بالتعفن. وحتى في مضمار الشكل لا يستطيع فن كهذا أن يؤدي الا الى التكرار والثرثرة والتقليد.

إن لدى الشاعر كليوف والتخيليين و”الاخوان سيرابيون” وبلنياك، بل حتى لدى المستقبليين من أمثال خليبنيكوف وكروتشينيخ وكامنسكي، خلفية موجيكية، في حين أن لدى غيرهم خلفية بورجوازية مترجمة الى لغة الموجيك. والعلاقات بالبروليتاريا هي على أقل درجة من الغموض والالتباس لدى المستقبليين. أما “الإخوان سيرابيون” والتخيليون وبلنياك، فيكشفون هنا وهناك عن معارضتهم للبروليتاريا، وعلى الأقل في الآونة الأخيرة. فهم يعكسون، ولو بصورة مجزأة، الحالة النفسية للقرية في مرحلة المصادرة الاجبارية للحبوب. انها المرحلة التي كانوا يبحثون فيها عن ملجأ يذودون فيه عن أنفسهم شر الجوع في القرى، فكان أن خزنوا في هذه القرى بالذات انطباعاتهم.

وحصادهم أميل الى الالتباس. لكن لا يجور أن ننظر اليه خارج إطار المرحلة التي انتهت مع تمرد كرونشتاد. أما اليوم فقد طرأ تبدل كبير في صفوف الفلاحين. وقد طرأ تبدل مثله في صفوف المثقفين، ولا بد أن ينعكس لدى رفاق الدرب الذين يتغنون بالموجيك. بل أنه تجلي من الان، الى حد ما. والحق أن هذه الجماعات لاتزال تشهد، تحت تأثير الهزات الاجتماعية الجديدة، صراعات داخلية وانشقاقات وانحيازات. ينبغي ان نتتبع ذلك كله بعناية و اهتمام وبروح نقدية. فالحزب الذي يتنطع، ليس بدون مبرر على ما نأمل، لدور القيادة الروحية، لا يستطيع أن يمر بمثل هذه المسائل بمرور الكرام وأن يكتفي بالثرثرة والهذر.

أليس في مستطاع فن بروليتاري رحب الأفق أن يضيء مسيرة الفلاحين نحو الاشتراكية؟ من المؤكد أنه “يستطيع” ذلك. مثلما “تستطيع” محطة كهربائية أن توزع الضوء على العزبة والإسطبل والطاحون. يكفي لذلك أن تكون هناك محطة، وكابلات واصلة للقرية. وليس ثمة من خطر – لنقل ذلك بالمناسبة – من أن تثور الزراعة في هذه الحال على الصناعة. لكن ليس لدينا بعد، و يا للأسف، كابلات كهذه، والمحطة الكهربائية لا تتألق الا بغيابها. إن الفن البروليتاري عديم الوجود. والفن البروليتاري الإلهام( شعراء عمال ومستقبليون) غير مؤهل لتلبية حاجات المدينة والقرية أكثر، لنقل ذلك، من أهلية الصناعة السوفياتية لحل مشكلات الاقتصاد العالمي.

لنفترض أننا تركنا جانبا الطبقة الفلاحية (وأنى لنا أن نستطيع ذلك؟)، فلسنا نجد ثمة ما يشير الى أن الأمور بسيطة بالنسبة الى البروليتاريا، وهي الطبقة الأساسية في المجتمع السوفياتي، تلك البساطة التي نلفاها على صفحات “ليف”. يقترح المستقبليون أن ننبذ الأدب القديم الفردي النزعة، المهترئ شكلا، المناقض للطبيعة الجماعوية للبروليتاريا (هذه الحجة موجهة الينا، نحن المساكين!). بيد أنهم يدللون على فهم ناقص جدا لجدل العلاقات بين الفرد والمجموع. فليس ثمة من حقائق مجردة، وبعبارة أخرى، أن هناك نزعة فردية ونزعة فردية، فعبر النزعة الفردية ارتمى شطر من مثقفي ما قبل الثورة في الصوفية، وسلك شطر آخر طريق المستقبلية السديمي وتقرب من البروليتاريا بنذره نفسه للثورة، وفي ذلك شرف له أصلا. وحين يحمل هؤلاء الاخيرون الى البروليتاريا مرارة تعود في مصدرها الى نزعتهم الفردية، فهل ينبغي أن نغفر لهم ذلك القدرالهائل من الأنوية، أي من نزعة فردية مشتطة؟ المشكل أن البروليتاري منزه عن مثل هذه الصفة. ففرديته لم تتطور ولم تتمايز بعد بما فيه الكفاية. وأثمن انجاز يحققه التقدم الثقافي الذي بدأ يحبو لتوه سيكون يوم يرتقي بالشخصية بصفاتها الموضوعية وبوعيها الذاتي. ومن الصبيانية أن نتصور أن الآداب الجميلة البورجوازية قادرة على أداء ذلك الدور، على إحداث ثغرة في التضامن الطبقي. فما سيقدمه شكسبير وغوته وبوشكين ودوستويفسكي للعامل هو في المقام الأول صورة أشد تعقيدا عن الشخصية، وعن أهوائها وعواطفها، وعي أعمق لقواها الداخلية، ادراك أوضح للاشعورها، الخ. وسوف يجد العامل لديهم في نهاية المطاف ما يثريه ويغنيه. وقد عرف غوركي، المشبع بنزعة المتشرد الفردية الرومانسية، كيف يغدي الروح الربيعية للثورة البروليتارية عشية عام 1905 لانه ساعد على يقظة الشخصية في طبقة تسعى فيها الشخصية، بمجرد أن تستيقظ، الى الإتصال بشخصيات مستيقظة اخرى. إن البروليتاريا بحاجة الى غداء وتربية فنيين. ولا يجوز أن نعتبرها كتلة من الصلصال يستطيع الفنانون، فنانون الماضي وفنانو الحاضر على حد سواء، أن يجبلوها ويصوغوها على صورتهم.

إن البروليتاريا، الشديدة الحساسية على الصعيد الروحي والفني، لم تتح لها تربية جمالية، ومن غير المرجح أن ينطلق طريقها من النقطة التي توقفت عندها الانتيليجانسيا البورجوازية قبل النكبة. وكما أن الفرد يجدد، انطلاقا من الجنين، تاريخ الجنس البشري، والى حد ما، تاريخ العالم الحيواني كله، كذلك لابد للطبقة الجديدة، الى تنبثق غالبيتها العظمى من وجود شبه ما قبل تاريخي، أن تجدد لحسابها كل تاريخ الثقافة الإنسانية. فهي لا يسعها أن تشرع ببناء ثقافة جديدة قبل ان تمتص وتتمثل عناصر الثقافات القديمة. هذا لا يعني انها ستجتاز خطوة خطوة، بمنهجية، كل التاريخ الماضي للفن. فالطبقة الاجتماعية، خلافا للفرد البيولوجي، تمتص و تتمثل بحرية أكبر ووعي أعظم. بيد أنها لا تستطيع المضي قدما الى الأمام من دون أن تتطلع الى أهم صوى الماضي.

بعد أن تم القضاء بصورة مبرمة وأكثر جذرية من أي وقت سبق على القاعدة الاجتماعية للفن القديم، نجد جناحها اليساري يبحث، كيما يستمر الفن، عن نقطة ارتكاز في البروليتاريا، وعلى الأقل في الشرائح الاجتماعية التي تدور حول البروليتاريا. وهذه الأخيرة تتطلع وتصبو بدورها إلى الفن، مستفيدة من وضعها الطبقي القيادي، وتسعى الى إقامة الإتصال معه، وتهيئ على هذا النحو الأسس لنمو فني عظيم. وبهذا المعنى، صحيح القول أن صحف المصانع الحائطية تمثل البشائر الضرورية، لكن النائية جدا، لأدب الغد.

طبيعي أن ما من إنسان سيقول: لننفض اليد من هذا كله بانتظار وصول البروليتاريا، ابتداءا من تلك الصحف الحائطية، الى المقدرة الفنية. فالبروليتاريا بحاجة، هي الأخرى، الى استمرارية في التقاليد الفنية. وهي تحققها اليوم، بصورة غير مباشرة أكثر منها مباشرة، من خلال الفنانين البورجوازيين الذين يدورون في مدارها أو يبحثون عن ملجأ تحت جناحها. إنها تتحمل شطرا منهم وتؤيد شطرا آخر، تتبنى هؤلاء وتتمثل أولئك تمام التمثل. وسياسة الحزب في الفن مشروطة بالتحديد بتعقيد هذه السيرورة وبأواصرها الداخلية التي لا تقع  تحت حصر. ومن المستحيل إختزالها الى صيغة من الصيغ، الى شيء يضارع منقار العصفور الدوري اقتضابا. كما أنه ليس ثمة من ضرورة مطلقة لإختزالها.

« السابق التالي »