بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأدب والثورة

« السابق التالي »

المستقبلية

المستقبلية  ظاهرة أوروبية. وتكمن أهميتها، في ما تكمن، في أنها، بخلاف ما تؤكده المدرسة الشكلية الروسية، لم تحبس نفسها في إطار الشكل الفني، بل ارتبطت من البداية، في ايطاليا على وجه الخصوص، بالأحداث السياسية والاجتماعية.

لقد كانت المستقبلية انعكاسا في الفن للمرحلة التاريخية التي بدأت في أواسط سنوات 1890 واكتملت مباشرة في الحرب العالمية.

كان المجتمع الرأسمالي قد عرف عقدين من نهوض اقتصادي منقطع النظير، طوح بالأفكار القديمة التي كانت شائعة عن الغنى والقوة، وأوجد  مقاييس جديدة ومعايير جديدة للممكن والمستحيل، وانتشل الناس من خمولهم المستكين ليرمي بهم في مجازافات جديدة.

بيد أن الأوساط الرسمية تابعت حياتها على منوال أواليات البارحة. فالسلام المسلح بلصقاته الدبلوماسية، والنظام البرلماني الخاوي، والسياسة الداخلية والخارجية القائمة على منظومة من صمامات الأمان والكوابح، هذا كله كان يثقل بباهظ وطأته على الشعر في ظرف كان فيه الجو المشحون بالكهرباء يوعد بانفجارات كبيرة وشيكة. وقد كانت المستقبلية البارقة المنذرة بها في الفن.

لقد لوحظت  ظاهرة تكررت أكثر من مرة في التاريخ: فالبلدان المتأخرة، التي لا تتألق  بثقافة خاصة، تعكس بسطوع أكبر وبقوة أشد في ايديولوجياتها منجزات البلدان المتقدمة. هكذا عكس الفكر الألماني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المنجزات الاقتصادية لانكلترا والمنجزات السياسية لفرنسا. كذلك، تدرك المستقبلية اسطع تعبير لها لا في أمريكا أو في المانيا، وانما في ايطاليا وروسيا.

إن الفن، إذا استثنينا منه الهندسة المعمارية، لا يقوم الا في آخر درجة على التقنية، أي بمقدار ما تقدم التقنية قاعدة لجميع البنى الفوقية. وتبعية الفن العملية، وبخاصة فن الكلمات، للتقنية لا يعتد بها. فمن الممكن أن نكتب قصيدة تتغنى بناطحات السحاب والمناطيد المسيرة والغواصات في ركن ناء في ريف روسي، على ورق أصفر وبقلم رصاص. فحتى تلتهب مخيلة ذلك الريف المضطرمة، يكفي تماما أن تكون ناطحات السحاب والمناطيد المسيرة والغوصات موجودة في أمريكا. فالكلمة هي من بين جميع مواد البناء أكثرها قابلية للنقل.

لقد ولدت المستقبلية كمنعرج من منعرجات نهر الفن البورجوازي، وما كان يمكن أن تولد على غير هذا النحو. وطابعها المعارض العنيف لا ينفي تلك الحقيقة.

إن الانتلجانسيا بعيدة كل البعد عن التجانس. وكل مدرسة فنية معترف بها هي مدرسة تغدق عليها المكافآت، ويقودها مثقفون نافذون، كثيرة أزرارهم. وبوجه الإجمال، يتولى هؤلاء المتنفذون في الفن عرض مناهج مدارسهم بأكبر قدر من  البراعة، مستهلكين في الوقت نفسه مؤونتهم من البارود. فإذا ما طرأ تبدل موضوعي ما، انتفاضة سياسية أو عاصفة اجتماعية، أخذ الهياج البوهيميا الأدبية، الشبيبة، العباقرة الذين ما يزالون في سن خدمة العلم والذين يلعنون الثقافة البورجوازية، الشبعى والمبتذلة، ويحلمون سرا ببعض الازرار  لهم، الذهبية إذا أمكن.

إن أولئك الذين يعلقون من بين الباحثين، لتحديد الطبيعة الاجتماعية للمستقبلية في بداياتها، أهمية فاصلة على الاحتجاجات العنيفة على الحياة والفن البورجوازيين، تنقصهم بكل بساطة الدراية الكافية بتاريخ الاتجاهات الأدبية. فقد كان الرومانسيون، الفرنسيون منهم أم الألمان، يتكلمون على الدوام بلاذع الكلام عن الأخلاق البورجوازية والرتابة. وكانوا، فضلا عن ذلك، يرسلون شعورهم، ويتكلفون سحنة ضاربة الى الخضرة، وكان تيوفيل غوتييه يرتدي، حتى يجلل البورجوازية بالعار، صدرية حمراء صارخة. وليس من ريب البتة في أن قميص المستقبليين الأصفر نسيب للصدرية الرومانسية التي أثارت ما أثارته من الإشمئزاز لدى البابوات والماموات. ومعلوم للجميع أن ما من كارثة أعقبت تلك الاحتجاجات والشعور الطويلة وصدرية الرومانسية الحمراء. لقد تبنى الرأي العام البورجوازي بلا ضرر أولئك السادة وطوبهم في موجزاته المدرسية.

إنه لمن السذاجة بمكان معارضة طابع البورجوازية “الانحطاطي” بدينامية المستقبلية الإيطالية وتعاطفها مع الثورة. ولا يجوز تصور البورجوازية وكأنها هر عجوز قيد الاحتضار. كلا، فالوحش الإمبريالي جسور، مرن،  وذو مخالب. أنكون قد نسينا، يا ترى أمثولة 1914؟ فقد استخدمت البورجوازية، حتى تشن حربها، بقدر الإمكان العواطف والأمزجة المقيض لها، بحكم طبيعتها، أن تغذي التمرد. وفي فرنسا، صُوّرت الحرب وكأنها تتويج الثورة الكبرى. أفلم تنظم البورجوازية المحاربة، بالفعل، ثوراث  في أقطار أخرى؟ وفي إيطاليا كان “الثوريون” تدخليين (أي أنصار للتدخل في الحرب)، ونعني ب”الثوريين” الجمهوريين والماسونيين والاشتراكيين – الشوفنيين والمستقبليين. وأخيرا، ألم تصل الفاشية الإيطالية إلى السلطة بطرائق “ثورية”، بإثارتها الجماهير والجموع وملايين الناس، وبتنشيطهم وتسليحهم؟ وليس من قبيل المصادفة أو سوء التفاهم أن تكون المستقبلية الإيطالية قد صبت في سيل الفاشية. فذلك يتفق تمام الإتفاق والأحداث.

ولدت المستقبلية الروسية في مجتمع ما يزال في المرحلة التمهيدية المتمثلة في الكفاح ضد راسبوتين، ويأخذ استعداداته للثورة الديمقراطية في شباط 1917. هذا ما ميز مستقبليتنا ومازها على غيرها. فقد تمثلت ايقاعات حركة وعمل وهجوم وتدمير كانت لاتزال مبهمة. وخاضت النضال كي تجد لنفسها مكانا تحت الشمس، بعزم وصلابة وضجة فاقت كل ما فعلته المدارس السابقة، وهذا ما كان يرضي مزاجها ووجهات نظرها التطرفية. صحيح أن المستقبلي الغض العود ما كان يذهب الى المصانع، لكنه كان يثير الكثير من اللجبة في المقاهي، ويقلب مقارئ الموسيقى، ويتسربل بقميص أصفر، ويصبغ وجنتيه، ويرفع قبضته بلا تعيين.
بيد أن الثورة البروليتارية انفجرت في روسيا قبل أن يسنح الوقت للمستقبلية كي تتحرر من صبيناتها وقمصانها الصفر وهيجانها، وقبل أن تحظى بالاعتراف الرسمي بها، أي  قبل أن تتحول الى مدرسة فنية غير مؤذية سياسيا، وذات أسلوب مقبول. لقد فاجأ استيلاء البروليتاريا على السلطة المستقبلية، باغتها في الوقت الذي كانت ما تزال مضطهَدة! وقد دفع هذا الظرف بالمستقبلية نحو سادة الحياة الجدد، ولاسيما أن فلسفتها، أي عدم احترامها للقيم القديمة وديناميتها، قد سهلت عليها الإقتراب من الثورة والإحتكاك بها. لكن المستقبلية حملت معها، في الطور الجديد من تطورها، بصمات أصلها الاجتماعي، أي البوهيميا البورجوازية.

***

لئن كانت المستقبلية تقف في طليعة الأدب، فإنها تبقى، مثلها في ذلك مثل أي مدرسة أدبية أخرى معاصرة، نتاجا للماضي الشعري. والقول بأن المستقبلية حررت الفن من روابطه السحيقة القدم بالبورجوازية، كما كتب الرفيق تشوجاك، تقدير يبخس حق ذلك الماضي السحيق القدم. ودعوة المستقبليين إلى القطيعة مع الماضي، الى التخلص من بوشكين، الى تصفية التراث، الخ، دعوة ذات معنى بقدر ما هي موجهة إلى الطائفة الأدبية القديمة المغلقة على نفسها، الى دائرة الأنتيلجانسيا المقفلة. بعبارة أخرى، ليس لها من معنى الا بقدر ما ينهمك المستقبليون في قطع الحبل السري الذي يشدهم الى أحبار التراث الأدبي البورجوازي.
لكن تلك الدعوة تغدو لاغية المعنى على نحو لا يقبل جدالا، ما أن تتوجه الى البروليتاريا. فالطبقة العاملة ليست ولا يمكن أن تكون مطالبة بالقطيعة مع التراث الأدبي، لأنها لا تجد نفسها أسيرة مثل ذلك التراث. إن الطبقة العاملة لا تعرف الأدب القديم، وما يزال عليها أن تتآلف معه، أن تتمكن من بوشكين، وأن تستوعبه، وأن تتجاوزه كذلك. إن قطيعة المستقبليين مع الماضي هي، بعد كل شيء، عاصفة في العالم المغلق للانتيلجانسيا المترعرعة على بوشكين وفيث وتيوتشيف وبريوسوف وبالمونت وبلوك، الانتليجانسيا “الماضوية”(passéiste) لا لأنها مصابة بعدوى توقير خرافي لأشكال جديدة. ليس عندها، بكل بساطة، شيء تقوله. إنها تكرر وتعيد المشاعر القديمة بكلمات شبه جديدة. وقد أحسن المستقبليون صنعا بافتراقهم عنها. لكن لا يجوز تحويل هذا الانفصال الى قانون كوني للتطور.

في الرفض المستقبلي المشتط للماضي لا تختبئ وجهة نظر ثورية بروليتارية، وانما عدمية البوهيميا. إننا، نحن الماركسيين، نعيش مع تراث وتقاليد، ولا نكف بسبب ذلك عن أن نكون ثوريين. لقد درسنا وحفظنا في أذهاننا حية تقاليد عامية باريس منذ ما قبل ثورتنا الأولى. ثم إنضافت اليها تقاليد 1905 التي كانت لنا بمثابة غداء مقيت هيأنا للثورة الثانية. وقد توغلنا الى أبعد من ذلك في الماضي، فربطنا العامية بأيام تموز 1848 وبالثورة الفرنسية الكبرى. وفي مضمار النظرية، استندنا، عبر ماركس، الى هيغل والاقتصاد الكلاسيكي الإنكليزي. وقد عشنا على التقاليد الثورية، نحن الذين كانوا قد نشؤوا ودخلوا المعركة في عصر من التطور العضوي للمجتمع. وقد رأينا بأم أعيننا أكثر من اتجاه أدبي واحد يعلن حربا عديمة الشفقة على “الروح البورجوازية” وينظر الينا شزرا. وكما تعود الريح دوما وأبدا الى مجاريها، وجد أولئك الثوريون الأدبيون، أولئك المدمرون للتقاليد، سبيلهم من جديد الى المسالك الأكاديمية. وقد بدت ثورة أكتوبر للانتلجانسيا، بما فيها جناحها اليساري الأدبي، وكأنها التدمير الشامل للعالم الذي كانت تعرفه، لذلك العالم عينه الذي كانت تبت بين الفينة والفينة صلتها به حتى تبدع مدراس جديدة، والذي كانت دوما وأبدا ترتد اليه.

أما بالنسبة الينا فقد كانت الثورة تجسد، على العكس التراث المألوف، المتمثّل. فنحن إذ غادرنا عالما لفظناه نظريا ونسفناه عمليا، كنا في سبيلنا الى دلوف عالم مألوف لدينا مسبقا بفعل الثراث والخيال. هنا يتعارض النمط السيكلوجي للشيوعي، الرجل السياسي الثوري، مع النمط السيكولوجي للمستقبلي، المجدد الثوري في الشكل. ذلكم هو منبع سوء التفاهم الذي يفصل بينهما. الداء لا يكمن في “نفي” المستقبلية للتقاليد المقدسة للانتيلجانسيا. إنما يكمن، على العكس، في واقع أنها لا تشعر نفسها منتمية الى التراث الثوري. وفي حين أننا دخلنا في الثورة، سقطت فيها المستقبلية  سقوطا.

على أن الوضع ليس ميئوسا منه. فالمستقبلية لن تعود الى “مجاريها” لان هذه المجاري لم يعد لها من وجود. وهذا الظرف، الذي لا يخلوا من مغزى ودلالة، يعطي المستقبلية إمكانية بعث، إمكانية دخول في الفن الجديد، لا بصفتها التيار الغالب، وإنما كواحد من أهم مركباته.

***
تتألف المستقلبية الروسية من عدة عناصر مستقلة بعضها عن بعض بما فيه الكفاية، ومتناقضة أحيانا. فنحن نلقى فيها انشاءات ودراسات في فقه اللغة تتميز بتقليدها للقدامى (خلبنيكوف، كروتشينيخ) أو لا تنتمي على كل حال الى الشعر، وعروضا، أي نظرية في الطرائق والأساليب، وفلسفة، بل فلسفتين للفن، أولاهما شكلية (شلوفسكي) وثانيتهما متجهة نحو الماركسية (آرفاتوف، تشوجاك، الخ)، وأخيرا الشعر نفسه كإبداع حي. نحن لا نرى في الوقاحة الأدبية عنصرا مستقلا: فهي مقرونة على وجه الاجمال بأحد العناصر الأساسية. حين يقول كروتشينيخ أن المقاطع العارية من المعنى “دير، بول، تشيل” تحتوي من الشعر أكثر مما يحتوي بوشكين كله (أو ما شابه ذلك)، فإن مثل هذا القول يحتل مكانه في منتصف المسافة بين العروض الفقهي واللغوي وبين -اغفروا لي ذلك- وقاحة من ذوق فاسد. إن فكرة كروتشينيخ يمكن أن تعني، لو ارتدت شكلا أكثر اعتدالا، ان مَوسقة بيت الشعر على مقام “دير، بول، تشيل” توائم بنية اللغة الروسية وروح أصواتها أكثر من مَوسقة بوشكين المتأثرة عن لاوعي باللغة الفرنسية. وسواء أصح ذلك أم لم يصح، فمن البديهي أن “دير، بول، تشيل” ليس مستقاة من عمل مستقبلي، وعلى هذا لا مجال للمقارنة. لعل أحدهم سينظم قصائد بمقتضى هذا المفتاح الموسيقي والفقهي اللغوي تأتي متفوقة على قصائد بوشكين. لكن لا مناص لنا من الانتظار.

إن ابداعات خلبنيكوف وكروتشينيخ من الكلمات تقف هي الأخرى خارج الفن الشعري. إنها فقه لغة ذو طابع ملتبس، وهي جزئيا ضرب من علم الأصوات اللغوية، ولكنها بالتأكيد ليست شعرا. انه لمن المحقق أن اللغة تحيا وتتطور، فتخلق ألفاظا جديدة بدءًا من ذاتها وتنحي الألفاظ المهجورة. لكنها تفعل ذلك ببالغ الحذر، بحساب، وطبقا لحاجاتها الماسة. وكل عصر جديد كبير يعطي اللغة دفعا. واللغة تستوعب بالفعل عددا كبيرا من الألفاظ المستحدثة، ثم تقوم بضرب من تسجيل جديد، فتلفظ كل ما هو فائض عن الحاجة وأجنبي. وصياغة خلبنيكوف أو كروتشينيخ لعشر أو لمئة من الكلمات الجديدة، المشتقة من جذور قديمة، يمكن أن تتمخض عن بعض الفائدة من زاوية فقه اللغة ؛ يمكن، الى حد بالغ التواضع، أن تسهل تطور اللغة الحية، بل وحتى اللغة الشعرية، وأن تبشر بمرحلة يتم فيها توجيه الانشاء بمزيد من الوعي. لكن هذا العمل، المساعد للفن، يقع هو ذاته خارج نطاق الشعر.

ليس هناك من داع البتة للسقوط في حالة من الوجد الورع إزاء أصوات ذلك الشعر فوق العقلي الذي يشبه سلالم أنغام وتمرينات على المهارة اللفظية، قد تكون نافعة من دفاتر التلاميذ، ولكن غير مناسبة بالمرة على خشبة المسرح. على كل حال، من الواضح أن محاولة إحلال تمرينات “ما فوق العقل” محل الشعر لا بد أن تؤدي الى خنق الشعر. وبالأصل، لا تسلك المستقبلية هذا الطريق. فماياكوفسكي، الذي هو بلا أدنى جدال شاعر، يأخذ كلماته بوجه الإجمال من معجم داهل الكلاسيكي، ونادرا جدا من مفردات خلبنيكوف أو كروتشينيخ. وطردًا مع مرور الزمن، يتضاءل أكثر فأكثر استخدام ماياكوفسكي لإنشاءات عسفية من الكلمات أو لالفاظ  مستحدثة.

إن المشكلات التي يثيرها منظِّروا جماعة “ليف” بصدد الفن وصناعة الآلات، الفن الذي لا يجمِّل الحياة بل بقولبها، وبصدد الثأثير المحقق الذي تمارسه على تطور اللغة والتشكيل النهاجي للألفاظ الميكانيكا البيولوجية بوصفها مربية لنشاطات الإنسان بروح نزعة عقلانية أرحب وأوسع، وبالتالي بروح جمال أعظم، هي جميعها مشكلات فائقة الأهمية ومثيرة للاهتمام من منظور بناء ثقافة اشتراكية.

من سوء الحظ أن “ليف” تلون مناقشة تلك المشكلات بتعصب مذهبي طوباوي. فحتى عندما يحدد منظِّرو “ليف” تحديدا صحيحا الاتجاه العام للتطور في مضمار الفن والحياة، يستبقون التاريخ ويعارضون ما هو كائن بمخططهم أو بطريقتهم. هكذا يحرمون أنفسهم من كل جسر الى المستقبل. إنهم يذكروننا بالفوضويين الذين يستبقون انعدام وجود حكومة في المستقبل، فيعارضون بمخططاتهم السياسة والبرلمانات وعدة وقائع أخرى لا بد أن ينفضها وضع الأمور القائم عن كاهله على ما يتخيلون. في الواقع، انهم يدفنون أنوفهم، مع أنهم لم يحرروا مؤخراتهم الا لتوهم. يشهد ماياكوفسكي، بأبيات معقدة ومقفاة، على عدم لزوم الشعر والقافية، ويعد بكتابة صيغ رياضية، مع أن أهل الرياضيات موجودون عندنا لذلك. وحين يظهر ميرخولد، المجرب المهووس، اللابس لبوس بييلنسكي المغرم الى حد التعصب بالمسرح، على المنصة بعض الحركات نصف الإيقاعية التي لقنها لممثلين ضعاف في الحوار، ويطلق على ذلك اسم الكيمياء الحياتية، تأتي النتيجة فشلا ذريعا. أن يسلخ المرء من المستقبل ما لا يمكن أن يتطور الا بوصفه جزءا لا يتجزأ منه، وأن يجسد بعجلة هذا الاستباق الجزئي في حالة الجدب الراهن، أمام أنوار المسرح المطفأة، انما هو أمر يحملنا على التفكير بالهواية القروية. وما من شيء يناوئ الفن الجديد ويناصبه العداء كالنزعة القروية والهواية.
سوف تقوم الهندسة المعمارية الجديدة على عنصرين اثنين: هدف جديد وتقنية جديدة في استعمال مواد البناء، الجديدة في قسم منها، والقديمة في قسمها الآخر. ولن يكون الهدف الجديد تشييد معبد أو قصر أو دار شخصية، وإنما بالأحرى بيت للشعب، فندق متعدد النزلاء، دار مشتركة، مدرسة ذات أبعاد كبيرة. أما مواد البناء واستخدامها فستتحدد بوضع البلاد الاقتصادي لحظة تقف الهندسة المعمارية على أهبة الاستعداد لحل مشكلاتها. وكل محاولة لسلخ الإنشاء المعماري عن المستقبل تبرهن فقط على إرادة عسفية ذكية وفردية بقدر أو بآخر. والحال أن الأسلوب الجديد لا يمكن أن يكون قرين العسف الفردي.

يشير كتاب “ليف” أنفسهم بسداد الى أن أسلوبا جديدا يتطور حيثما خدمت الصناعة الميكانيكية حاجات المستهلك الشخصي. وجهاز الهاتف مثال على الأسلوب الجديد. كذلك فإن عربات النوم المقطورة والادراج ومحطات المترو والمصاعد هي جميعها بلا نقاش عناصر أسلوب جديد، مثلها مثل الجسور المعدنية والأسواق المغطاة وناطحات السحاب والروافع. هذا يعني أنه لا سبيل إلى إبداع أسلوب معماري جديد خارج نطاق مشكلة عملية محددة وعمل جدي في سبيل حلها. ومحاولة إنتاج أسلوب كذلك، باستنباطه من طبيعة البروليتاريا، من نزعتها الجماعية، من نشاطيتها، من إلحادها، الخ، إنما هي مثالية محض ولا تعبر الا عن أنا القائم بها، ثورية عسفية وعين الهواية القروية القديمة.

يتجلى لنا خطأ “ليف”، أو على الأقل خطأ بعض منظِّريها، في شكله الأكثر تعميما حين يطالبون بلهجة آمرة بأن يكون أساس الفن الحياة. فلا حاجة للبرهان على أن انفصال الفن عن مظاهر أخرى للحياة الاجتماعية ينجم عن البنية الطبقية للمجتمع، وعلى أن الفن الذي يكفي نفسه ليس الا الوجه الآخر للفن الذي هو ملك للطبقات صاحبة الإمتيازات، وعلى أن الفن سينصهر شيئا فشيئا مع الحياة، أي مع الإنتاج والإحتفالات الشعبية والحياة الجماعية. من المستحسن أن تفهم “ليف” ذلك وأن تفسره. لكن ليس من المستحسن أن تقول، وهي توجه إنذارا انطلاقا من الفن الحالي: دعوا “مهنتكم” وانصهروا مع الحياة. الواجب يقضي اذن بأن يتوقف الشعراء والرسامون والنحاتون والممثلون عن التفكير، عن التخيل، عن نظم القصائد، عن رسم اللوحات، عن نحت التماثيل، عن التعبير عن أنفسهم تحت أضواء المسرح، وعن حمل فنهم الى الحياة مباشرة؟ لكن كيف، وأين، ومن أي الأبواب؟ لا ريب في أنه من واجبنا أن نحيي كل محاولة لحمل أكبر قدر ممكن من الإيقاع والنغم واللون إلى الإحتفالات الشعبية والمهرجانات والمظاهرات.

لكن لا بد أن نتمتع على الأقل بقدر من الخيال التاريخي حتى نفهم أن أكثر من جيل واحد سيأتي وسيختفي بين فاقتنا الاقتصادية والثقافية الراهنة وبين اليوم الذي سينصهر فيه الفن مع الحياة، أي اليوم الذي ستأخذ فيه الحياة أبعادا كبيرة الى درجة تغذوا معها مصاغة بكاملها من قبل الفن. وإن خيرا أو إن شرا، سيبقى فن “المهنة” قائما لسنوات عديدة وسيكون أداة التربية الفنية الإجتماعية للجماهير، أداة متعتها الجمالية، لا بالنسبة الى الرسم وحده، وإنما أيضا بالنسبة الى الشعر الغنائي والرواية والكوميديا والتراجيديا والنحت والسمفونية. إن رفض الفن كوسيلة لوصف المعرفة وتخيلها بحجة معارضة الفن البورجوازي التأملي والانطباعي الذي درج في العقود الأخيرة، معناه أن ننزع من يدي الطبقة التي تشيد مجتمعا جديدا أداة عظيمة الفائدة. يقال لنا أن الفن ليس مرآة وإنما مطرقة، فهو لا يعكس وإنما يصنع. لكن استعمال المطرقة يتم تعليمه اليوم بالذات بمساعدة مرآة،  بمساعدة فيلم حساس يسجل جميع عناصر الحركة. و يغدو التصوير الشمسي والتصوير السينمائي، بفضل قوتهما الوصفية، أداتين عظيمتين للتربية في مضمار العمل. وإذا لم يكن في المقدور الاستغناء عن مرآة، حتى لكي نحلق، فكيف السبيل الى بناء أو إعادة بناء حياتنا من دون أن نرى أنفسنا في “مرآة” الأدب؟ وليس من شك في أن ما من أحد يفكر بأن يطالب الأدب الجديد بأن تكون له برودة المرآة. فكلما كان الأدب أعمق، اشتدت رغبته في صياغة الحياة، وكان أقدر على “رسم” الحياة بصورة دالة ودينامية.

ماذا يعني “رفض التجارب”، أي السيكولوجيا الفردية في الأدب وعلى خشبة المسرح؟ ان هذا الرفض عبارة عن احتجاج متأخر ومتقادم عليه الزمن من قبل جناح الانتليجانسيا اليساري على واقعية تشيخوف السلبية وعلى الرمزية الحالمة. ولئن كانت تجارب الخال فانيا قد فقدت شيئا من نضارتها – وهذه المصيبة وقعت فعلا – إلا أن الخال فانيا ليس الوحيد الذي يملك  حياة داخلية. بأي طريقة، على أي أسس، باسم ماذا يمكن للفن أن يدير ظهره للحياة الداخلية للإنسان المعاصر الذي يشيد عالما خارجيا جديدا، ومن ثم يعيد بناء نفسه؟ وإذا لم يساعد الفن هذا الإنسان على تثقيف نفسه وعلى تقويتها وتهذيبها، فما فائدته اذن؟ وأنى له أن ينظم الحياة الداخلية إذا لم يدلف اليها ولم يكررها؟ هنا تتلو المستقبلية صلواتها وطلباتها الخاصة التي أكل الدهر عليها وشرب.
من الممكن أن نقول الكلام ذاته عن الحياة اليومية. فقد كانت المستقبلية، في بادئ الأمر، احتجاجا على فن الواقعيين التافهين الذين كان مسلكهم في الحياة اليومية مسلك الطفيليين: كأن الأدب يختنق، يتبلد في العالم الصغير الآسن، عالم المحامي، الطالب، السيدة العاشقة، موظف المحافظة، السيد بيردونوف (21)، وعواطفهم وأفراحهم وأتراحهم. لكن هل ينبغي توسيع الاحتجاج ليشمل أولئك الذين يحيون حياة الطفيليين الى حد فصل الأدب عن شروط الحياة الإنسانية وأشكالها؟ لقد كان للإحتجاج المستقبلي على واقعية صغيرة النفس تبريره التاريخي، وذلك بقدر ما شق الطريق لإعادة بناء فنية جديدة للحياة، لهدم وإعادة تعمير على محاور جديدة.

إنه لمما يبعث على الإستغراب أن تستشهد “ليف”، في الوقت الذي تنقي فيه أن تكون رسالة الفن تصوير الحياة اليومية، ب”نييبو بوشتسا” لبريك نموذجا للنشر. فما هذا العمل إن لم يكن لوحة لحياة كل يوم، ولو في شكل سرد للوقائع المحلية يكاد أن يكون شيوعيا؟ إن العيب لا يكمن في كون الشيوعيين غير مصورين فيه وديعين كالحملان أو قساة كالفولاذ، وانما في عدم وجود أي منظور أو فاصل بين المؤلف وبين الوسط السوقي الذي يصفه. ذلك أن الفن، حتى يكون قادرا على أن يغير، قدرته على أن يعكس، فلا بد أن يتعالى الفنان عن الحياة اليومية مثلما يتعالى الثوري عن الواقع السياسي.

ردا على بعض الانتقادات، المهينة في الواقع أحيانا أكثر منها مقنعة، أكد الرفيق تشوجاك على حقيقة أن “ليف” منهمكة في عملية بحث متواصل. ولا ريب أن “ليف” تبحث، أكثر مما تجد. لكن ليس هذا بسبب كافٍ حتى يفعل الحزب ما يوصيه به الرفيق تشوجاك بإلحاح: تطويب “ليف” أو جناح معين منها على أنه فن شيوعي. فمن المستحيل تطويب الأبحاث استحالة تسليح كتيبة باختراع لم تتأكد صلاحيته.

هل يعني هذا أن “ليف” تسلك طريقا خاطئا، وأنه لا دخل لنا بها؟ كلا، فلا مجال لان يكون للحزب وجهات نظر محددة وثابتة في مسائل فن الغد، حتى يكون في مستطاع جماعة من الجماعات أن تشوهها وتخربها. كلا، ليس هذا هو المقصود. فالحزب ليس له ولا يمكن أن يكون له قرارات جاهزة بصدد نظم الشعر وتطور المسرح وتجديد اللغة الأدبية والأسلوب المعماري، الخ،  مثلما  ليس للحزب ولا يمكن أن يكون له في مضمار آخر قرارات جاهزة حول أفضل سماد أو أحسن تنظيم للمواصلات أو أجود الرشاشات. وفيما يتعلق بالرشاشات والموصلات والأسمدة، هناك حاجة فورية لقرارات عملية. فماذا يفعل الحزب؟ إنه يعين لبعض أعضائه مهمة دراسة تلك المشكلات وحلها، ويراقب هؤلاء الأعضاء من خلال النتائج العملية لنشاطاتهم. اما في ميدان الفن، فإن المسألة أبسط وأعقد في آن معا. ففيما يتعلق بالإستغلال السياسي للفن أو بمنع مثل هذا الإستغلال من قبل اعدائنا، يملك الحزب ما فيه الكفاية من التجربة والفطنة والتصميم والمقدرة. لكن  التطور الفعلي للفن والصراع في سبيل أشكال جديدة لا يدخلان في مهام الحزب ومشاغله. والحزب لا يكلف أحدا بعمل كهذا. بيد أنه توجد، مع ذلك، بعض نقاط تماس بين مشكلات الفن والسياسة والتقنية والاقتصاد. ونقاط التماس هذه ضرورية ولازمة لتحديد العلاقات الداخلية المتبادلة بين تلك المشكلات. هذا ما تهتم به جماعة “ليف”. فهذه الجماعة تتشقلب، تغطس في هذا الجانب وذاك، ومن دون أن نتقصد جرح شعورها، تبالغ مبالغة لا يستهان بها في المضمار النظري. لكن ألم نبالغ، أولسنا نبالغ الآن في ميادين أكثر حيوية وأهمية بكثير؟ فوق ذلك، هل حاولنا جديا أن نصحح أخطاء التمهيد النظري أو الحماسة الحزبية في العمل التطبيقي؟ ليس لدينا من داع البتة للشك في أن جماعة “ليف” لا تبذل جهودا جادة للعمل في صالح الاشتراكية، أو للشك في أنها غير معنية عميق العناية بمشكلات الفن، وفي أنها لا تريد أن تهتدي بهدي معايير ماركسية. فلمَ البدء بالقطيعة بدلا من السعي إلى التأثير والتمثل؟ أن المسالة لا تنطرح البتة على حد السكين. وأمام الحزب وقت طويل للقيام بفحص، وللتأثير بعناية، وللاختيار. أم أنه لدينا قدر كبير من القوى المختصة كي نبيح لأنفسنا مثل تلك الخفة في السخاء والإسراف؟ إن مركز الثقل يكمن، بعد كل شيء، لا في الصياغة النظرية لمشكلات الفن الجديد، وإنما في التعبير الفني. فكيف الوضع فيما يتعلق بالتعبير الفني للمستقبلية وبأبحاثها ومنجزاتها؟ إن دواعينا، على هذا المستوى، للاستعجال وللتعصب أقل وأوهن.

***
لا يسع المرء اليوم أن يكتفي بإنكار المنجزات المستقبلية في الفن، وبخاصة في الشعر. ففيما عدا بعض الاستثناءات القليلة، تعرض شعرنا الحالي برمته لتأثير المستقبلية، سواء أبصورة مباشرة أم غير مباشرة. و لا يمكن للمرء ان يماري في تأثير ماياكوفسكي  على مجموعة كاملة من الشعراء البروليتاريين. وتسجل البنائية (22) بدورها مكاسب هامة، وان لم يكن في عين الاتجاه الذي حددته لنفسها. وما أكثر ما ينشر من مقالات عن التفاهة التامة للمستقبلية وطابعها المناهض للثورة بتوقيع أيدي البنائيين. وفي معظم المنشورات الرسمية تظهر القصائد المستقبلية جنبا إلى جنب مع ألذع الانتقادات الموجهة الى المستقبلية.

وتربط المستقبليين ب”البرولتكولت” روابط حية. وتصدر مجلة “هورن” (البوق) الآن بروح مستقبلية لا تخفي نفسها. صحيح أنه ليس ثمة من ضرورة للمبالغة في أهمية تلك الوقائع لانها  وقعت، كما في غالبية سائر تجمعاتنا الفنية، في داخل شريحة عليا، واهنة الوشائج للغاية في الوقت الحاضر بالجماهير العمالية. لكن من الغباء أن نغمض اعيننا دون تلك الوقائع وأن نعامل المستقبلية وكأنها اختراع تدجيلي من أنتلجانسيا منحطة. فحتى لو اتضح غدا أن المستقبلية آيلة الى أفول – لا أحسب ذلك مستحيلا كل الاستحالة – فان قوة المستقبلية اليوم متفوقة في جميع الأحوال على قوة سائر الاتجاهات التي على حسابها نمت المستقبلية وتنمو.
كانت المستقبلية الروسية، في بداياتها، كما سبق أن ذكرنا، تمرد البوهيميا، أي الجناح اليساري شبه المملق من الانتلجانسيا، على الجمالية المغلقة، الفئوية، للانتلجانسيا البورجوازية. ومن خلال قوقعة ذلك التمرد الشعري كان المرء يشعر بضغط قوى اجتماعية عميقة ما كانت للمستقبلية نفسها لتفهمها. وكان الصراع ضد القاموس القديم والتركيب النحوي القديم للشعر، بغض النظر عن كل مبالغاته البوهيمية، تمردا مفيدا على قاموس ضيق وبليد ومتكلف الصنع حتى لا يعكر صفوه شيء أجنبي؛ كان تمردا على الانطباعية التي كانت تطمح إلى الحياة من خلال قشة، تمرداً على الرمزية التي صارت زائفة في فراغها السماوي، على زينايدا هيبيوس (23) واضرابها، على سائر الليمونات المعصورة وعظام الفراريج المنخورة الرابلة في العالم الصغير للأنتلجانسيا الليبرالية- الصوفية.

اذا أمعنا النظر الفاحص في الحقبة المنصرمة، لا نستطيع ان نمتنع عن الاعجاب بمدى حيوية  وتقدمية عمل المستقبليين في مضمار فقه اللغة. فمن دون مبالغة في أبعاد تلك “الثورة” في اللغة، يتوجب علينا أن نقر بأن المسقبلية طردت من الشعر الكثير من الجمل والألفاظ المهترئة، وحقنت غيرها من جديد بالدم، وحالفها التوفيق في بعض الأحوال في خلق جمل وألفاظ جديدة دخلت أو هي في سبيلها الى دخول القاموس، وقابلة لان تغني اللغة الحية وتثريها. هذا صحيح لا فيما يتعلق ببعض الكلمات فحسب، وإنما أيضا في ما يتعلق بمكانها بين كلمات أخرى، أي علم النحو وتركيب الجملة. فمن المؤكد أن المستقبلية تجاوزت الحدود التي يمكن أن تقبل بها لغة حية في مجال تركيب الكلمات وفي مجال تشكيلها على حد سواء. بيد أن الشيء ذاته حدث مع الثورة، وتلكم هي “خطيئة” كل حركة حية. صحيح أن الثورة، وبخاصة طليعتها الواعية، تبرهن على نقد ذاتي أكثر مما يبرهن عليه المستقبليون. ولكن هؤلاء، بالمقابل، لاقوا مقاومة خارجية كبيرة، وسيلاقون، لنأمل ذلك، المزيد منها. وسوف تتلاشى المبالغات، ولن يبقى الا العمل المطهِّر أساسا والثوري حقا الذي ينصب على اللغة الشعرية.

كذلك، لا بد لنا من أن نعترف بعمل المستقبلية المبدع والجليل الفائدة فيما يتعلق بالوزن والقافية، وأن نقدره حق قدره. ومن الممكن أن ينظر اللامبالون، أو أولئك الذين يقبلون ببساطة بتلك المعطيات (24) لان أسلافنا هم الذين أورثونا إياها، الى جميع التجديدات المستقبلية نظرتهم الى شيء مضجر ومكلف على صعيد الانتباه. وبهذه المناسبة، يسعنا أن نطرح المسألة المتعلقة بمعرفة ما إذا كان الوزن والقافية ضروريين على كل الأحوال. ومما يبعث على الإستغراب أن ماياكوفسكي نفسه يبرهن بين الفينة والفينة، في أشعاره المقفاة على نحو بالغ التعقيد، على أن القافية ليست بلازمة. ولو أخذنا بنظرة منطقية صرف لانتفت الاسئلة التي نطرحها على أنفسنا بصدد الشكل الفني. والحال أنه لا يجوز لنا أن نحكم بالعقل، الذي لا يتعدى حدود المنطق الشكلي، بل ينبغي أن يصدر الحكم عن النفس التي تتضمن اللاعقلي بقدر ما أنه حي وحيوي. فالشعر قضية إنفعالية أكثر منه قضية عقلية، والروح التي استوعبت الاوزان البيولوجية، الأوزان والتركيبات الموزونة المرتبطة بالعمل الاجتماعي، تسعى الى التعبير عنها في شكل مؤمثل بالأصوات والأغاني والكلمات الفنية. وما دامت مثل هذه الحاجة حية، فإن القوافي والاوزان المستقبلية، الأكثر مرونة والأعظم جرأة والأشد تنوعا، تشكل انجازا أكيدا وقيِّما. وقد بسط هذا الانجاز تأثيره الى ما وراء الجماعات المستقبلية الصرف.
وانجازات المستقبلية، في مضمار موسقة البيت، لا يدخلها الشك هي الأخرى، ولا يجوز لنا أن ننسى أن الصوت هو المرافق السمعي للحس. ولئن أخطأ المستقبليون وما يزالون يخطئون بتقديمهم، شبه المنكر، للصوت على الحس، فالأمر لا يعدو أن يكون حماسة، “مرضا يساريا طفوليا” من جانب مدرسة شعرية جديدة أحست، على نحو جديد وبأذن غضة، بالصوت في مقابل رتابة الكلمات المتكلفة العذوبة. صحيح أن غالبية العمال الساحقة لا تكترث، اليوم، لهذه المسائل. والشطر الأكبر من طليعة الطبقة العاملة، المجند لمهام أعجل وأكثر إلحاحا، مشغول هو الآخر عن تلك المسائل. لكن الغد آت. وسيقتضي هذا الغد موقفا أكثر اهتماما وأكثر تدقيقا، اكثر علمية وأكثر فنية، تجاه لغة الشعر ولغة النثر على حد سواء، وعلى الأخص لغة النثر. ان الكلمة لا تغطي تمام المدلول العيني لفكرة من الفكرات. ثم إن للكلمة صوتا وشكلا. لا بالنسبة الى الأذن والعين فحسب، بل أيضا بالنسبة الى منطقنا وخيالنا. وليس في الإمكان التعبير عن الفكر بمزيد من الدقة والوضح عن طريق انتقاء الكلمات بعناية الا إذا جرى اختيار هذه الكلمات بعد وزنها بمختلف الطرق، أي من زاوية علم الأصوات والسمعيات أيضا، وتم التأليف بينها وتركيبها على أعمق نحو ممكن. وليس من المحبذ أن نتلمس طريقنا على غير هدى في هذا الميدان، وانما نحن بحاجة الى أدوات ميكرومترية(25). ينبغي أن يخلي الروتين والتقليد والعادة والتهاون الساح لعمل منهج بالعمق. والمستقبلية، في أحسن مظاهرها، إحتجاج على النشاط الذي يتلمس طريقه على غير هدى، ذلك النشاط الذي يشكل مدرسة أدبية ضاربة الجذور، بممثيلها الواسعي النفوذ في الميادين كافة.

يلخض مؤلـًّف لم ينشر بعد للرفيق غورلوف، الذي يصف في رأيي وصفا خاطئا الاصل العالمي للمستقبلية وينتهك المنظور التاريخي فيخلط بين المستقبلية والشعر البروليتاري، يلخص منجزات المستقبلية تلخيصا مترويا وفي منتهى الرصانة. ينوه غورلوف بحق بأن الثورة المستقبلية في الشكل، تلك الثورة التي تفرعت عن تمرد على الجمالية القديمة، تعكس على صعيد النظرية التمرد على الحياة الراكدة والآسنة التي انتجت تلك الجمالية، وبأنها أحدثت لدى ماياكوفسكي، أكبر شعراء تلك المدرسة، ولدى أصدقائه الحميمين، تمردا على النظام الاجتماعي المنتج لتلك الحياة المنفرة ولجماليتها المنفرة. ولهذا السبب ارتبط أولئك االشعراء برباط عضوي بأكتوبر. ومخطط غورلوف هذا صحيح، لكن لا بد من تحديده وتوضيحه بقدر أكبر أيضا. فمن المؤكد أن كلمات جديدة وتركيبات جديدة للكلمات و قوافي جديدة وأوزانا جديدة باتت ضرورية ولازمة، لان المستقبلية أعادت، بتصورها للعالم، ترتيب الاحداث والوقائع من جديد، وأقامت علاقات جديدة فيما بينها، واكتشفتها لحسابها.

ان المستقبلية تناهض التصوف، والتأليه السلبي للطبيعة، والكسل الارستقراطي، مثلما تناهض كل ضرب آخر من الكسل، وشرود الأحلام، واللهجة الشاكية الباكية؛ وتناصر بالمقابل التقنية، والتنظيم العلمي، والآلة، والتخطيط، والارادة، والشجاعة، والسرعة، والدقة، مثلما تناصر الانسان الجديد، المسلح بكل تلك الاشياء. والارتباط بين هذا “التمرد” الجمالي والتمرد الاجتماعي والاخلاقي مباشر: فكلاهما يندرج بتمامه في تجربة حياة القسم النشيط، الجديد، الفتي، غير المدجًّن، من الانتيليجانسيا اليسارية، من البوهيميا المبدعة. وقد انتج القرف من الطابع المحدود للحياة القديمة وابتذالها وسوقيتها أسلوبا فنيا جديدا كأداة للافلات من طوقها ولتصفيتها. وقد رأينا، من خلال تركيبات متباينة، وانطلاقا من مسلمات فنية متنوعة، قرف الانتيليجانسيا يؤلف أكثر من أسلوب جديد واحد. وفي ذلك أيضا كانت على الدوام نهاية ذلك القرف. لكن الثورة البروليتارية أمسكت هذه المرة بالمستقبلية في طور معين من نموها ودفعت بها الى أمام. هكذا صار عدد من المستقبليين شيوعيا. وبالفعل نفسه، دخلوا في مضمار مشكلات وعلاقات أعمق، فتخطوا بكثير حدود عالمهم الخاص الصغير، حتى وان لم تكن روحهم قد تمكنت بعد من اعدادهم وتهيئتهم عضويا. ولهذا يكون المستقبليون، بمن فيهم ماياكوفسكي، على أضعف ما يكونون على صعيد الفن حيثما بدوا في أحسن أحوالهم كشيوعيين. وليست علة ذلك في أصلهم الاجتماعي بقدر ما أنها في ماضيهم الروحي. فالشعراء المستقبليون لم يسيطروا على العناصر التي تنطوي عليها مواقع االشيوعية وتصورها العالمي كافي السيطرة لكي يجدوا لها تعبيرا عضويا في شكل كلمات، على اعتبار أن هذه الأخيرة لم تدخل في دمهم اذا صح التعبير. ولهذا كان مكتوبا على هؤلاء الشعراء في غالب الأحيان أن يمنوا بهزائم فنية وسيكولوجية، وأن يتكلفوا أشكالا متصنعة ومتعجرفة، وأن يجعجعوا بلا طحن. إن المستقبلية تغدو، في أعمالها الثورية الأكثر تطرفا، ضربا من النمنمة، على أن الشاعر الشاب بيزمينسكي، الذي يدين بالكثير لماياكوفسكي، يعطي تعبيرا حقيقيا للتصورات الشيوعية: فبيزيمنسكي لم يكن شاعرا ناجز التكوين حين انخرط في صفوف الشيوعية، بل ولد روحيا في  ظل الشيوعية.

قد يعترض بعضهم، وقد اعترض أكثر من مرة، بأن المذهب والبرنامج البروليتاريين بالذات قد أبدعها ابناء الانتيلجنسيا الديمقراطية البروجوازية. وهنا لا بد أن نقيم فرقا هاما. فاصلا في الموضوع. فمذهب البروليتاريا الاقتصادي والتاريخي – الفلسفي يرتكز الى معرفة موضوعية. فلو أن نظرية فائض القيمة رأت النور على يد الدكتور في الفلسفة، الشمولي في تبحره، كارل ماركس، وإنما على يد النجار بيبل، الضنين بالحياة والفكر الى حد الزهد، والمشحوذ الذهن كموسى حلاقة، لتمت صياغتها  في مؤلـًّف أسهل منالا وأكثر بساطة وأكثر احادية جانب بكثير. ولا مجال للشك في أن غنى الأفكار والحجج والصور والشواهد وتنوعها في “الرأسمال” يكشفان عن الخلفية “الفكرية” لذلك السفر الكبير. ولكن لما كانت المسألة هنا مسألة معرفة موضوعية، فإن جوهر “الرأسمال” يغدو ملكا لبيبل وللآلاف والملايين من البروليتاريين الآخرين. أما في مضمار الشعر، فيواجهنا تصور للعالم على صعيد الصورة، لا معرفة علمية بالعالم. وعليه، فان الحياة اليومية والبيئة الشخصية ودورة التجارب الشخصية تمارس تأثيرا حاسما على الابداع الفني. واعادة صياغة عالم المشاعر المتشربة منذ الطفولة، على صعيد علمي، هي أشق عمل داخلي  وأصعبه في الوجود. والمقدرة على ذلك لا تتوفر للناس قاطبة، لهذا نجد في العالم الكثيرين من الناس الذين يعملون فكرهم كثوريين ويعملون عواطفهم كجهلة أدعياء. ولهذا نعاين في الشعر المستقبلي، حتى في شطره المكرس نفسه بتمامها للثورة، روحا ثورية أقرب الى البوهيميا في أصلها منها الى البروليتاريا.

***
ماياكوفسكي موهوب كبير، أو كما يعرّفه بلوك، موهوب هائل. فهو قادر على تمثيل أشياء، سئمنا رؤيتها، على نحو تبدو معه وكأنها جديدة. يتلاعب بالكلمات وبالقاموس كمعلم مقدام يعمل طبقا لقوانينه الذاتية، سواء أحاز عمله الفني على الرضى أم لم يحز عليه. الكثير من صوره، من صيغه، من تعابيره، دخل الأدب، وسيبقى مقيما فيه ردحا طويلا من الزمن، ان لم نقل الى الأبد. له تصوراته الخاصة، تمثيله الخاص، وزنه الخاص وقافيته الخاصة.

مرمى ماياكوفسكي الفني ذو مغزى على الدوام تقريبا، وذو فخامة في بعض الأحيان. فالشاعر يدرج في مجاله الخاص الحرب والثورة، الجنة ولجحيم. وماياكوفسكي يكره التصوف، يكره كل ضروب النفاق والرياء، يكره استغلال الإنسان للإنسان، وتعاطفه متجه كله الى البروليتاريا المكافحة. لا يزعم أنه كاهن الفن، أو على الاقل أنه كاهن ذو مبادئ؛ بل على العكس، فهو على استعداد ليضع فنه كله في خدمة الثورة.

لكننا لا نجد في هذه الموهبة الكبيرة، أو بالأصح في كل شخصية ماياكوفسكي الخلاقة، ذلك التآلف الضروري بين مركباتها، ذلك التوازن، ولا حتى توازنا ديناميا. ماياكوفسكي يدلل على أكبر الضعف حيثما يتوجب التدليل على حس التناسب وعلى المقدرة على النقد الذاتي.

كان من الطبيعي لماياكوفسكي أكثر منه لاي شاعر روسي آخر أن يقبل بالثورة، لأنها كانت تتفق ومجمل تطوره. كثيرة هي الطرق التي تقود الانتيليجنسيا الى الثورة (لا توصل جميعها الى الهدف)، ومن المهم بالتالي تحديد إتجاه ماياكوفسكي الشخصي وتقديره حق قدره. هناك طريق الشعر “الموجيكي” الذي سلكته الانتيليجنسيا و”رفاق الدرب” المتقلبو الأطوار، وهناك طريق الصوفيين الذين يكدون في أثر “موسيقى” أسمى (ا. بلوك)، وهناك طريق “تغيير الاتجاه” (26) وطريق أولئك الذين يتحملوننا لا أكثر(شكابسكايا، شاغينيان). وهناك طريق العقلانيين والانتقائيين (شكابسكايا، غورودتسكي، وشاغينيان ايضا)، كذلك توجد طرق أخرى عديدة، ولا يسعنا أن نسميها كلها. وقد جاء ماياكوفسكي من أقصر الطرق، طريق البوهيميا المتمردة، المضطهَدة. فقد كانت الثورة بالنسبة إلى ماياكوفسكي تجربة حقيقية، فعلية، عميقة، لانها انقضت كالرعد و البرق على الاشياء ذاتها التي كان يكن لها ماياكوفسكي البغض على طريقته والتي لم يكن قد تصالح معها بعد. في ذلك، تحديدا، تكمن قوته. لقد صبت نزعة ماياكوفسكي الفردية الثورية بحماسة في الثورة البروليتارية، لكنها لم تتحد بها. فعواطفه اللاشعورية تجاه المدينة، والطبيعة، والعالم قاطبة، ليست عواطف عامل، وانما عواطف انسان بوهيمي. أن “مصباح الشارع الاصلع الذي يعري الشارع من جواربه”، هذه الصورة الأخاذة المميزة لماياكوفسكي كل التمييز، تلقي على طبيعة الشاعر البوهيمية والمدينية من الضوء أكثر مما يلقيه أي اعتبار آخر. والنبرة الصفيقة والماجنة للكثير من الصور، وبخاصة صور المرحلة الشعرية الأولى، تنم عن البصمة الواضحة أكثر مما ينبغي الوضوح للملهى الفني، للمقهى،  ولكل ما يرتبط بهما.

إن ماياكوفسكي أقرب الى طابع الثورة الدينامي وبسالتها الصلبة منه الى الطابع الجماعي لبطولتها و مآثرها وتجاربها. وكما كان الاغريقي القديم انساني التشبيه، يحسب بسذاجة أن قوى الطبيعة تضارعه وتماثله، كذلك فان شاعرنا ماياكوفيّ التشبيه،  يعمر بشخصيته ساحات الثورة وشوارعها وميادينها. صحيح أن الضدين يتلاقيان. فتعميم اناه الخاصة يمحو الى حد ما حدود الشخصية ويقرب الانسان من الجماعة، عن طريق الطرف المقابل. لكن ليس ذلك بصحيح الا الى حد ما. فالصلف الفرودي والبوهيمي، الذي يتنافى، لا مع تواضع لا يطالب به أحد، وإنما مع اللباقة وحس الاعتدال اللذين لا غنى عنهما، يخترق اختراقا كل ما كتبه ماياكوفسكي. كثيرا ما نلفى توترا شديد الارتفاع في أعماله، لكن لا نلفى على الدوام قوة كامنة خلفه. فالشاعر يبرز نفسه أكثر مما ينبغي. لا يمنح الأحداث والوقائع الا القليل من الاستقلال، بحيث أن الثورة ليست هي التي تقارع العقبات، وإنما ماياكوفسكي الذي يجترح معجزات في مضمار الكلمات تضارع تلك التي يجترحها صناديد ألعاب القوى في الرياضة البدنية. أحيانا، نراه يحقق معجزات حقا، لكنه بين الفينة والفينة، وعلى حساب جهود بطولية حقا، يرفع أثقالا مجوفة على نحو ظاهر للعيان.

عند كل خطوة يتحدث ماياكوفسكي عن نفسه، تارة بضمير المتكلم، وطورا بضمير الغائب، تارة كفرد، وطورا من خلال ذوبانه في الجنس البشري. حين يريد أن يعلى الإنسان، يرفعه الى ماياكوفسكي. مع كبريات حوادث التاريخ، يبيح لنفسه لهجة عدم الكلفة. ذلك هو أقل ما يطاق في عمله وأكثره خطورة. في وضعه، لا نستطيع الكلام عن أخفاف أو عكاكيز : فهي بالنسبة إليه ركائز صغيرة إلى حد مضحك. ماياكوفسكي يسند إحدى قدميه الى الجبل الأبيض، والأخرى الى إيلبروز(27) صوته يغطي على الرعد. فهل يمكن أن يأخدنا العجب حين نراه يعامل التاريخ بألفة، ويخاطب الثورة بلا كلفة؟ والحال، ههنا يكمن الخطر : فلو أخذ المرء على الدوام وفي كل مكان بمثل تلك المعايير العملاقة، وأرعد (لفظة مأثورة لدى الشاعر) من أعالي إيلبروز أو الجبل الأبيض، لغابت عنه مقاييس شؤوننا الأرضية، و لما عاد يستطيع تمييزا لما هو صغير عما هو كبير. لهذا يتكلم ماياكوفسكي عن حبه، أي عن مشاعره الحميمة، كما لو أن الموضوع هجرة الشعوب. لكن لهذا أيضا يعجز عن العثور على لغة أخرى حين يريد أن يتكلم عن الثورة. إنه يطلق طلقاته على الدوام بأعلى ارتفاع ممكن، لكن مثل هذه الرماية، كما يعلم كل مدفعي، تصيب الهدف بأقل عدد ممكن من الضربات، وتضرر ضررا بالغا بالمدافع.

صحيح أن النزعة الى المبالغة والغلو تعكس اندفاع عصرنا وضراوته، لكن ذلك لا يبرر استعمالها بخفة في الفن. فليس في مقدور المرء أن يصرخ بأعلى من الحرب أو الثورة. الا أنه من السهل أن يقع في شباك ذلك الإغراء. وحس الاعتدال في الفن شبيه بحس الواقعية في السياسة. والغلطة الأم في الشعر المستقبلي، حتى في أجود آثاره، الافتقاد الى الاعتدال. فضياع اعتدال الصالونات لم يؤد الى العثور على اعتدال الساحة العامة. والحال أنه لا بديل عن العثور عليه. فمن يرغم صوته على الزعيق، يجعله يصير أجش، مبحوحا، مختنقا، ويبطل مفعول الخطاب. ينبغي أن نتكلم بالصوت الذي حبتنا به الطبيعة، لا بصوت أقوى. وإذا توصلنا إلى ذلك، أمكننا استعمال ذلك الصوت بكل مداه. ماياكوفسكي غالبا ما يصرخ حيث ما كان عليه الا ان يتكلم فحسب. ولهذا تبدوا صرخاته، حيثما اقتضى الصراخ، وكأنها غير كافية. فإشجاء كلامه يتلاشى أمام الزعيق والبحة.

ان صور ماياكوفسكي القوية، بالرغم من روعتها في غالب الاحيان، تجزىء في غالب الأحيان أيضا المجموع، وتشل الحركة. والشاعر مدرك لذلك بكل تأكيد؛ لهذا تراه يطمح الى مغالاة أخرى: إلى لغة “الصيغ الرياضية”، الغريبة عن الشعر. وهناك ما يحملنا على الاعتقاد بأن الصورة للصورة، وهو ما تتصاهر به التخيلية والمستقبلية – وهل هناك أقرب الى التخيلية الفلاحية من ذلك الموقف؟ – تستمد جذورها من الخلفية الريفية لثقافتنا. فالصورة للصورة تصدر عن كنيسة باسيل الطوباوي أكثر مما تصدر عن جسر من الإسمنت المسلح. ومهما يكن التفسير التاريخي والثقافي لذلك، فان ما تفتقد اليه أعمال ماياكوفسكي أكثر من أي شيء آخر هو الحركة. قد يبدو ذلك من المفارقات، إذ أن المستقبلية تبدو مرتكزة برمتها على الحركة. لكن هنا يتدخل الجدل غير القابل للتطويع: ففرط الصور العنيفة يفضي الى الهدوء المسطح. والحركة، حتى تُدرك فيزيائيا، وكم بالأحرى فنيا، لا بد أن تتوافق وأوالية ادراكنا، وتواتر مشاعرنا. المفروض في العمل الفني أن يظهر للعيان النمو التدريجي لصورة، لفكرة، لمزاج، لحجة، لحبكة، حتى بلوغها أوجها، لا أن يتقاذف المرء من أفق الى آخر، حتى ولو فعل ذلك باقدر الصور على الاقناع والإفحام. لدى ماياكوفسكي، تسعى كل جملة، كل صيغة، كل صورة الى أن تكون حدا، ذروة، أوجا. لهذا يفتقد المجموع الى قمة. والمشاهد يخيل إليه أنه يتقطع إربا إربا، ويفلت منه كل شيء. إن تسلق جبل أمر شاق، ولكن مبرر. أما النزهة في ارض وعرة فلا تقل إتعابا، لكنها تعطي لذة أقل. وكتابات ماياكوفسكي لا ذروة لها، ولا تنصاع لأي انضباط داخلي. الأجزاء ترفض أن تمتثل للكل، بل يسعى كل واحد منها الى أن يستقل بذاته، فيطور ديناميته الخاصة من دون اعتبار للمجموع. لهذا لا وجود لا لمجموع ولا لدينامية المجموع. ان عمل المستقبليين في اللغة و الصور لم يصل بعد الى تجسيد مركب.

كان المفروض ب 150.000.000 ان تكون قصيدة الثورة. وما هي بذلك. فهذا العمل، العظيم في مرماه، ملغوم بضعف المستقبلية وعيوبها. اراد المؤلف أن يكتب ملحمة عن ألم الجماهير، عن بطولة الجماهير، ملحمة الثورة اللاشخصية ل 150.000.000 ايفان. لهذا السبب لم يوقعها :”لم يؤلف قصيدتي أحد”. لكن هذا الاغفال المقصود، الاصطلاحي، لا يغير في الأمر شيئا : فالقصيدة، في الواقع، شخصية للغاية، فردوية، وهذا بالمعنى المرذول لهاذين المصطلحين. انها مشوبة بالكثير الكثير من العسف المجاني. فصور من أشباه :”ويلسون السابح في الشحم”، لكل مقيم في شيكاغو لقب جنرال على الأقل”، “ويلسون يأكل بنهم، يسمن، تعلوا بطنه طابقا فطابقا”، الخ، هذه الصور البسيطة والفجة في الظاهر، ليست بحال من الأحوال صورا شعبية، وايست على كل حال صورا تستخدمها الجماهير اليوم. فالعامل، على الأقل ذاك الذي سيقرأ قصيدة ماياكوفسكي، قد رأى صورة ويلسون(28) الفوتوغرافية. وبالرغم من أنه يسعنا أن نسلم بأن ويلسون يلتهم كميات كافية من البروتينات والشحوم، فانه يبقى رجلا نحيفا. وقد قرأ العامل أيضا ابتون سنكلير(29)، ويعلم أن في شيكاغو، بالاضافة الى “الجنرالات”، عمال مسالخ. واننا لنحس بأن تلك الصور المجانية والبدائية تنطوي، بالرغم من نزعتها الى الغلو والمبالغة، على ضرب من الزأزأة(30) الشبيهة بتلك التي يلجأ اليها الراشدون مع الصغار، وما تنم عنه ليس بساطة خيال شعبي فياض، وإنما غباء البوهيميا. ان لويلسون سلما. “أذا تسلقته شابا، فلن تصل القمة الا بعد لأي يوم تكون قد صرت شيخا!”. ايفان يهاجم ويلسون، إنها مباراة “بطولة صراع الطبقات العالمي”.

عند ويلسون “غدارات بأربعة ديوك، وسيف بستين سنا منشارية”، لكن لدى ايفان “يد ويد أخرى، وهي مدفونة في حزامه”. ايفان أعزل من السلاح، يده في حزامه، يواجه الكافر المسلح بغدارات : إنها في الحق فكرة روسية قديمة جدا! ألسنا في حضرة ايليا مورومييتز(31)؟ اللهم الا اذا كان ايفان الساذج الذي يتقدم، حافي القدمين، لمجابهة الآليات الألمانية الحاذقة؟ يضرب ويلسون ايفان بسيفه : “يصرعه بأربع طعنات نجلاء… لكن الرجل الجريح ينهض فجأة”. وهكذا دواليك، وحسن الطالع دوما معه. ولكن كم هي في غير محلها تلك الأساطير الشعرية البدائية والحكايات الخرافية وما اتفهها حين تزدرع في شيكاغو الصناعية وتُطبق على صراع الطبقات! لقد أريد لذلك كله أن يكون جبارا عملاقا، لكنه لا يعدو أن يكون ضربا من ألعاب القوى، وألعاب القوى المشبوهة، المزيفة، التي تشعوذ بأثقال جوفاء. “مباراة البطولة العالمية لصراع الطبقات!”. ايها النقد الذاتي، أين أنت؟، ان مباراة البطولة عرض برسم ايام العطلة، وغالبا ما تكون مدبرة النتائج سلفا. لا الصورة ولا اللفظة تصلحان هنا. وبدلا من الصراع العملاقي الحقيقي لمئة وخمسين مليون  نسمة، تقدم لنا محاكاة ساخرة، قوامها خرافة أو مباراة استعراضية. صحيح أن المحاكاة الساخرة ليست مقصودة، ولكن ذلك لا يغير في الأمر شيئا.

ان الصور التي لا تستهدف شيئا، أي الصور التي لم يتم تمثلها داخليا، تلتهم الفكرة من دون أن تترك منها أثرا، وتشوهها على الصعيد الفني والصعيد السياسي على حد سواء. لماذا يبقي ايفان يده، في مواجهة السيوف والغدارات، دفينة في حزامه؟ ما الداعي الى مثل هذا الازدراء للتقنية؟ ان ايفان أوهن تسليحا بكثير من ويلسون، هذا مؤكد. ولكن لهذا على وجه التحديد ينبغي عليه أن يستخدم كلتا يديه. وإذا وجدناه لا يخر على الارض صريعا، فهذا لان في شيكاغو عمالا، لا جنرالات فحسب، وكذلك لأن قسما كبيرا من أولئك العمال هم ضد ويلسون ومع ايفان. القصيدة لا تبين ذلك. وواضعها، بحرصه على الوصول الى صورة عظيمة الحجم، يضيًّع معالمها الاساسية.

يقسم المؤلف، بعجلة وبالإتفاق، أي هنا أيضا بلا حافز او مبرر، العالم إلى طبقتين اثنتين : من جهة أولى ويلسون السابح في الشحم، مع القواقم والقنادس والأجرام السماوية الكبيرة، ومن الجهة الثانية ايفان، مع بذلات العمل وملايين نجوم درب المجرة : “للقنادس ثرثرة منحطي العالم بأسره، وللبذلات جملة المستقبليين الفولاذية”. ومن سوء الحظ ان الشاعر، بالرغم من أنه معبر ومالك لبعض جمل قوية مناسبة، بالإضافة إلى صور لامعة براقة، لا يملك في الحقيقة أي جملة فولاذية لبذلات العمل. أعلة ذلك نقص في الموهبة؟ كلا، وانما افتقارا منه الى صورة للثورة. مصاغة بالاعصاب والدماغ، صورة يكون التعبير مناطا بها. يلعب المؤلف لعبة الأقوياء، فيتلقف جملة ثم يرميها، وهكذا دواليك. قول ماياكوفسكي مهددا : “سنجهز عليك، ايها العالم الرومانسي!”. حسنا.

يجب أن يوضع، بالفعل، حد لرومانسية اوبلوموف وكاراتاييف. ولكن كيف؟ “انه هرم، اقتله، وأتخد من جمجمته منفضة”. أليست هذه رومانسية، بل ورومانسية سلبية؟ ان الجماجم المتخذة منافض ليست عملية ولا صحية. وهذه الوحشية، بعد كل شيء… ليست بذات دلالة كبيرة. لا جدال في أن الشاعر مصاب بداء الرومانسية حتى يخطر له أن يستعمل عظام الجمجمة على ذلك النحو. على كل الأحوال، لم يتمثل صوره ولم يوحدها. “انشلوا ثروة العالمين جميعا!”. بهذه اللهجة الرافعة للكلفة يتكلم ماياكوفسكي عن الاشتراكية. لكن النشل يعني سلوك مسلك اللص. فهل تكون هذه الكلمة في محلها،حين يكون المقصود بها مصادرة المجتمع للارض والمصانع؟ إنها قطعا في غير محلها، وبشكل لافت للنظر. المؤلف لا يحجم عن التبذل حتى يتصادق مع الاشتراكية والثورة. والحال أنه حين ينخس بلا كلفة المئة والخمسين مليون ايفان “في خواصرهم”، فانه لا يكبِّر ايفان الى حجم عملاق، بل يصغره فقط الى ثمن صفحة. إن رفع الكلفة لا يعبر بتاتا عن العلاقة الحميمة العميقة، ولا يدلل في غالب الأحيان إلا على انعدام اللياقة السياسية أو الاخلاقية. إن روابط رصينة وجدية وعميقة بالثورة تستبعد اللهجة الرافعة للكلفة، وعنها يمكن أن يتولد ما يسميه الألمان إشجاء البعد.

تحتوي القصيدة على جمل قوية، على صورة جريئة، وعلى تعابير تقع من النفس موقعا حسنا. ولعل “صلاة السلم المظفرة” التي تختتمها هي أقوى أجزائها. لكنها في مجملها مطبوعة بطابع من انعدام الحركة الداخلية. والتناقضات غير مسلطة عليها الأنوار، حتى يجري حلها فيما بعد. أقصيدة عن الثورة، والحركة فيها منعدمة ! والصور، الموجودة لذاتها، تتصادم ويجندل بعضها بعضا. وافتقادها التوافق لا ينبع من المادة التاريخية، وانما من شقاق داخلي مع فلسفة ثورية للحياة. ومع ذلك، حين نصل، ولو بعد لأي، الى خاتمة القصيدة، يخطر لنا ان عملا كبيرا كان من الممكن أن يكتب لو دلل الشاعر فحسب على اعتدال ونقد ذاتي! لعل هذه العيوب الاساسية لا ترجع الى ماياكوفسكي نفسه، وإنما الى كونه يعمل في إنبيق أو حوجلة. فما من شيء يقضي على النقد الذاتي و الرزانة وحسن الاعتدال مثل حياة النوادي.

تخفق مسرحيات ماياكوفسكي الهجائية هي الأخرى في التغلغل الى جوهر الاشياء والى صميم علاقاتها. هجاؤه لاذع  ولكنه سطحي، فالرسام الكاريكاتوري، حتى يقول شيئا ما، لا يكفي أن يكون متمكنا من قلمه فحسب بل عليه أن يعرف العالم الذي يميط القناع عنه، معرفته بجيبه. لقد كان سالتيكوف(32) يعرف حق المعرفة البيرقراطية والنبالة! وأن رسما كاريكاتوريا تقريبا (واأسفاه! أن 99 من أصل 100 من الرسامين الكاريكاتوريين السوفياتيين هم كذلك) لهو أشبه برصاصة تخطئ الهدف، ولو بعرض أصبع، أو حتى شعرة؛ لقد كادت أن تصيب الهدف، ولكنها أخطأته بعد كل شيء. ان هجاء ماياكوفسكي تقريبي؛ فملاحظاته التهكمية اللاذعة، التي يرددها الممثل على انفراد، تخطيء هدفها، حينا بعرض أصبع، وحينا آخر بعرض اليد كلها. يعتقد ماياكوفسكي اعتقادا جادا أن “الهزلي” يمكن عزله عن ركيزته واختزاله الى  ظاهره. بل انه، في مقدمته لديوانه الهجائي، يضع “مخططا للضحك”. وما يجعل المرء يبتسم بحيرة بالاحرى، عند قراءة ذلك “المخطط”. هو أنه لا ينطوي على شيء مضحك البتة. وحتى لو قدم لنا أحدهم “مخططا” أكثر توفيقا من “مخطط” ماياكوفسكي، لما ألغى الفارق  الذي يفصل الضحك الناجم عن هجاء يصيب هدفه عن الهمهمة تحدثها ذغدغة لفظية.

لقد ارتقى ماياكوفسكي من البوهيميا التي دفعت به الى أمام الى مستوى انجازات مبدعة حقيقية. لكن الغصن الذي تسلق عليه ليس الا غصنه. انه يتمرد على شرطه، على التبعية المادية والمعنوية التي تغل حياته، وبخاصة حبه، ألمه، سخطه على أولئك الذين يملكون المقدرة على حرمانه من محبوبته، يحضانه حتى على مناداة الثورة وعلى التنبؤ بانقضاضها كالصاعقة على رأس مجتمع يحرم شخصا يدعى ماياكوفسكي من الحرية. اليست “الغيمة في البنطال”، وهي قصيدة حب تعيس، أثره الأبلغ دلالة على صعيد الفن، والاكثر جرأة والأحفل بالوعود على صعيد الابداع؟ بل انه ليشق على المرء أن يتصور أن قطعة بمثل تلك القوة الباهرة وذات شكل بمثل تلك الأصالة قد كتبها فتى يتراوح عمره بين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين. لكن “الحرب والكون” و”السر المضحك” و”150.000.000″ أضعف بكثير، وذلك لأن ماياكوفسكي هجر مداره الشخصي ليدور في مدار الثورة. وكلما نستطيعه هو ان نحيي جهوده لأنه لا وجود، بالفعل، لطريق آخر بالنسبة اليه. وتعود “بهذه المناسبة” الى موضوعة الحب الشخصي، ولكن الى ما وراء “الغيمة” ببضع خطوات، لا الى قدامها. والحق أنه لا يمكن الحفاظ على التوازن على صعيد أعلى بكثير الا عن طريق توسيع حقل المعرفة وتعميق المضمون الفني. بيد أنه لا يسعنا ألا  نقر بأن الانخراط في طريق فني واجتماعي جديد أمر بالغ الصعوبة.

في الآونة الأخيرة هذه تحسنت، بلا جدال، تقنية ماياكوفسكي، لكنها زادت أيضا ابتسارا ونأيا عن الاصالة. تنطوي “السر المضحك” و”150.000.000″، الى جانب جمل رائعة، على ثغرات محتومة، تعوض عنها بقدر أو بآخر البلاغة وبعض الخطوات الراقصة على الحبل الصوتي. الطابع العضوي، الصدق، الصيحة الداخلية التي كنا سمعناها في “الغيمة” لم تعد موجودة. يقول بعضهم: “ماياكوفسكي يكرر نفسه”. ويضيف بعضهم الآخر: “استهلك ماياكوفسكي نفسه”. ويتهلل آخرون بخبث: “ماياكوفسكي صار شاعرا رسميا”. أصحيح هذا كله؟ لا نتسرعن في التنبؤ بنبوءات متشائمة. صحيح أن ماياكوفسكي لم يعد مراهقا، لكنه ما يزال شابا. هذا يبيح لنا الا نغمض أعيننا دون العقبات التي تسد طريقه. فتلك العفوية الخلاقة، التي تنبض كنبع حي في “الغيمة”، لن يستعيدها أبدا. لكن لا داعي للتأسف على ذلك. فعفوية أيام الفتوة والشباب تخلي الساح بوجه عام، في أيام النضج والكهولة، لتمكن أكيد من الذات، لا يتجلى  في التمكن المتين من اللغة فحسب، بل أيضا في رؤية واسعة رحبة للحياة والتاريخ، في تغلغل عميق في أوالية القوى الجماعية والفردية والأفكار والأمزجة والأهواء. هذا التمكن أو الاقتدار يتنافى مع الهواية الاجتماعية، والصراخ، وقلة احترام الذات، المرافقة عادة للتبجح الملحف والمزعج. إنه لا يتجلى في ادعاء العبقرية والتظاهر بها، أو في ممارسة الغش  لانتزاع إعجاب الناس، أو أي درجة أخرى رائجة في مقاهي الانتلجانسيا. واذا ما انتهت الأزمة التي يمر بها الشاعر – والأزمة قائمة فعلا – الى أن تجد حلا لها في صحو فكري يعرف كيف يميز الخاص من العام، فان مؤرخ الأدب سيقول ان “السر المضحك” و”150.000.000″ لم تشيرا الا الى انخفاض محتم ومؤقت في التوتر عند منعطف طريق لا يني يتصاعد. ونحن نتمنى صادقين الا يكذّب ماياكوفسكي مؤرخ المستقبل.

***
حين يكسر المرء ذراعا له أو ساقا، لا يترتب على ذلك انكسار العظام وانقطاع الاوتار والعضلات والشرايين والأعصاب والجلد وفق خط واحد، كذلك فانها لا تعاود الالتصاق و تتماثل الى الشفاء في وقت واحد. وحين يحدث كسر ثوري في  حياة المجتمعات، لا يقوم هنا أيضا تواقت أو تناظر في السيرورات، سواء أعلى الصعيد الايديولوجي أم في البنية الاقتصادية. لقد رأت المقدمات الايديولوجية الضرورية للثورة النور قبل الثورة، في حين أن أهم النتائج الايديولوجية للثورة لا تظهر الا بعد مرور وقت طويل على قيامها. وعليه، من  الخفة بمكان أن نقيم، استنادا الى تشابهات وتجانسات شكلية، نوعا من وحدة الهوية بين المستقبلية والشيوعية، وان نستخلص من ذلك أن المستقلبية هي فن البروليتاريا. من الواجب أن نرد أشباه هذه الادعاءات، لكن هذا لا يعني أنه من الواجب أيضا أن ننظر بعين الازدراء الى عمل المستقبليين. فهم يشكلون، في رأينا، المعالم التمهيدية الضرورية لتكوين أدب جديد وعظيم. بيد أنهم، من منظور هذا الادب، لا يشكلون سوى حلقة ذات مغزى. حسبنا، حتى نقتنع ذلك، ان نتناول المسألة تناولا أكثر عيانية، على الصعيد التاريخي. فالمستقبليون لا يجانبون الصواب، حين يردون على لوم اللائمين بأن أعمالهم ليست في متناول الجماهير، بأن “رأسمال ” ماركس ليس هو الآخر في متناول الجماهير. فمن المحقق أن الجماهير ما تزال تنقصها الثقافة والتأهيل الجمالي، وأنها لن ترتقي الا ببطء. لكن ليس ذلك سوى واحد من الأسباب التي تجعل المستقبلية في غير متناولها. وثمة سبب آخر: فالمستقبلية، في طرائقها وأشكالها، تحمل البصمات الواضحة لهذا العالم أو بالأحرى هذا العالم الصغير الذي رأت فيه النور، والذي لما تخرج منه بعد بحكم منطق الأشياء – سيكولوجياً لا منطقيا- حتى يومنا هذا. وانه لمن الصعب أن نسلخ عن المستقبلية اقنومها الفكري، صعوبة فصل الشكل عن المضمون. ولو حدث ذلك، لتعرضت المستقبلية لتغير كيفي بالغ العمق لا تعود معه هي المستقبلية. ولسوف يحدث ذلك، ولكن ليس غدا. على أنه يسعنا، حتى من اليوم، أن نؤكد أن ما تتألف منه المستقبلية سيكون في شطره الأكبر نافعا، وستكون هناك إمكانية لاستخدامه في انبعاث الفن ومعاودته النهوض، بشرط أن تتعلم المستقبلية الوقوف على ساقيها، من دون أن تحاول فرض نفسها بمرسوم حكومي، كما شاءت أن تفعل ذلك في مستهل الثورة. فالأشكال الجديدة ينبغي أن تجد من تلقاء نفسها، باستقلال، منفذا إلى وجدان العناصر المتقدمة من الطبقة العاملة، طرداً مع تطور هذه العناصر ثقافيا. إن الفن لا يستطيع لا أن يحيا ولا أن يتطور من غير أن يحوطه جو من الود والتعاطف، وإنما على هذا الطريق، وليس على أي طريق آخر، ستظهر سيرورة معقدة من العلاقات المتبادلة. فارتفاع المستوى الثقافي للطبقة العاملة سيساعد وسيكون له ثأثيره على أولئك المجددين الذين لديهم حقا شيء  يقولونه. أما التصنع، المحتم حين تسيطر التكتلات، فسيزول وستتمخض البراعم الحية عن أشكال جديدة تتيح إمكانية حل مشكلات فنية جديدة. هذا التطور يفترض قبل أي شيء آخر تراكم خيرات ثقافية، ونمو الرفاهية، وتطور التقنية. ليس هناك طريق آخر. من المستحيل أن نتصور جديا أن التاريخ سيضع أعمال المستقبليين في معلبات حتى يقدمها، بعد سنوات عديدة، للجماهير التي تكون قد أدركت النضج. ان ذلك سيكون ضربا  خالصا من…الماضوية. يوم سيأتي ذلك الزمن، وهو لن يأتي غدا، يوم تردم التربية الثقافية والجمالية للجماهير الكادحة الهوة بين الانتيلجينسيا المبدعة والشعب. يومئد سيرتدي الفن مظهرا مغايرا تماما. وفي هذه السيرورة، سوف تظهر المستقبلية على أنها حلقة لا غنى عنها. فهل هذا بالقليل؟

« السابق التالي »