بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأدب والثورة

« السابق التالي »

مدرسة الشعر الشكلية والماركسية

اذا نحينا جانبا الأصداء الواهنة للمذاهب الايديولوجية السابقة للثورة، فان النظرية الوحيدة التي وقفت موقف المعارضة من الماركسية في روسيا السوفياتية في السنوات الأخيرة هي نظرية الفن الشكلية. ووجه المفارقة هنا ان الشكلية الروسية كانت وثيقة الصلة بالمستقبلية الروسية، وانه في حين استسلمت هذه الأخيرة، من وجهة النظر السياسية، بقدر أو بآخر أمام الشيوعية، أفصحت الشكلية بكل قواها عن معارضتها النظرية للماركسية.

فكتور شكلوفسكي هو، في آن معا، منظِّر المستقبلية وزعيم المدرسة الشكلية. وبحسب نظريته، كان الفن على الدوام ابتكارا لاشكال صافية مكتفية بذاتها، والمستقبلية هي أول من أقر بذلك. المستقبلية، اذن، هي أول فن واعٍ في التاريخ، والمدرسة الشكلية هي أول مدرسة فنية علمية. وبفضل جهود شكولوفسكي- وليس هذا ادنى أفضاله!- ارتقت أخيرا نظرية الفن، والفن نفسه الى حد ما، من مستوى السيمياء الى مستوى الكيمياء. ويقرّع بشير المدرسة الشكلية، كيميائي الفن الاولى، تقريعا وديا اولئك المستقبليين “المصالحين” الذين يبحثون عن جسر الى الثورة ويحاولون أن يجدوه في التصور المادي للتاريخ. فمثل هذا االجسر ليس ضروريا: إذ أن المستقبلية تكفي ذاتها بذاتها ملء الكفاية.

ينبغي أن نتوقف هنيهة عند هذه المدرسة لسببين. أولا لذاتها: فبالرغم من كل ما تنطوي عليه نظرية الفن الشكلية من جوانب سطحية ورجعية. فان شطرا معينا من نشاط الشكليين في ميدان البحث نافع حقا. أما السبب الثاني فهو المستقبلية: فمهما تكن باطلة إدعاءات المستقبليين بأنهم الممثلون الأوحدون للفن الجديد، لا يسعنا أن نستبعد المستقبلية من التطور المفضي الى فن الغد.

ما المدرسة الشكلية ؟

انها قبل كل شيء، وكما يمثلها في الساعة الراهنة شكلوفسكي وجيرمونسكي وجاكوبسون وغيرهم، طرِح أو جهيض وقح. فبعد أن أعلنت هذه المدرسة أن ماهية الشعر هي الشكل، فصرت مهمتها على تحليل، وصفي أساسا وشبه سكوني، للأصول الإشتقاقية والنحوية للأعمال الشعرية، ولاحرف العلة والصوامت والمقاطع والنعوت التي تتكرر. هذا الشغل الجزئي، الذي لا يهاب الشكليون أن يسموه “علم شكل الشعر” أو “علم الشعر” ضروري ونافع بلا أدنى نقاش، بشرط أن ندرك طابعه الجزئي والمساعد والتمهيدي. وهو قابل لأن يصير عنصرا أساسيا في التقنية الشعرية وقواعد المهنة. كذلك، من المفيد للشاعر، أو الكاتب بوجه عام، أن يضع قوائم بالمترادفات وأن يزيد عددها لتوسيع قاموسه اللفظي، ومن المفيد للشاعر، بل من الضروري له أن يزن كلمة من الكلمات لا بحسب مدلولها الذاتي، بل أيضا بحسب قيمتها السمعية، ما دامت هذه الكلمة تصل الى الآخرين عن طريق السمع قبل كل شيء. ومن الممكن لطرائق الشكلية، اذا لزمت حدودا معقولة، أن تساعد على توضيح الخصائص الفنية والسيكولوجية للشكل (تناسقه، حركته، متناقضاته، مبالغاته، الخ). وبدورها، تستطيع هذه الطرائق أن تشق للفنان طريقا – طريقا بين طرق اخرى – نحو ادراك العالم، وان تسهل اكتشاف علاقات تبعية فنان بعينه أو علاقات تبعية مدرسة فنية كاملة للوسط الاجتماعي. وما دمنا في حضرة مدرسة معاصرة، حية، مستمرة في التطور، فمن الضروري، في العصر الانتقالي الذي نحياه، أن نمتحنها بروائز اجتماعية وأن نسلط الضوء على جذورها الطبقية. بهذه الطريقة يمكن، لا للقارئ وحده، بل للمدرسة نفسها، أن تهتدي الى سواء السبيل، أي ان تعرف نفسها، وان تستنير، وأن تشق طريقها.

لكن الشكليين يرفضون التسليم بان طرائقهم ليس لها الا قيمة مساعدة، نفعية وتقنية، شبيهة بقيمة الاحصاء بالنسبة الى العلوم الاجتماعية، او المجهر بالنسبة الى العلوم البيولوجية. انهم يذهبون الى أبعد من ذلك بكثير: ففنون الكلام تجد اكتمالها و كمالها، في نظرهم، في الكلمة، مثلما تجدهما الفنون التشكيلية في اللون. فالقصيدة تركيبة أصوات، أما المنظور الاجتماعي والسيكولوجي، الذي يعطي وحده في نظرنا معنى للشغل المهجري والاحصائي في المادة، فلا يعدو أن يكون في نظر الشكليين ضربا من السيمياء.

“لقد كان الفن على الدوام مستقلا عن الحياة، ولم يعكس لونه قط لون العلَم الذي يخفق فوق حصن المدينة “(شكلوفسكي). ” المطابقة مع التعبير، مع الكتلة اللفظية، هي اللحظة الوحيدة، الاساسية، في الشعر” (ر.جاكسون، في “الشعر الروسي الراهن”). “ما أن يوجد شكل جديد حتى يوجد مضمون جديد. فالشكل يحدد المضمون” (كروتشينيخ). ” ما الشعر الا تشكيل للكلمة، تشكيل له قيمته في ذاته، أو كما يقول خلبينكوف “مستقل بذاته” (جاكوبسون)، الخ.

صحيح أن المستقبليين الايطاليين فتشوا في الكلمة عن أداة للتعبير عن عصر القطارات والحوامات و الكهرباء والراديو، الخ. وبعبارة أخرى، فتشوا عن شكل جديد لمضمون الحياة الجديد. لكن ذلك كان، على ما يبدو، “اصلاحا في مضمار الريبورتاج، لا في مضمار اللغة الشعرية (جاكسون). و يختلف كل الاختلاف امر المستقبلية الروسية ؛ فهي تقطع الشوط الى آخره في ما يتعلق بـ”المطابقة مع الكتلة اللفظية”. الشكل هو الذي يحدد المضمون، بالنسبة الى المستقبلية الروسية.

صحيح أن جاكوبسون مرغم على التسليم بأن ” سلسلة من طرائق شعرية جديدة نجد تطبيقها (؟)  في هندسة المدن”. ولكن اليكم استنتاجه : “من هنا كانت قصائد ماياكوفسكي وخلبينكوف الهندسية المدينية”. بعبارة أخرى، ليست هندسة المدن هي التي أوحت للشاعر، بعد أن أثارت انتباه عينه و أذنه أو أعادت تربيتهما، بشكل جديد، بصورة  جديدة، بنعوت جديدة، وبوزن جديد، بل ان الشكل الجديد، على العكس، هو الذي رأى النور عفويا (بصورة “مستقلة بذاتها”) فارغم الشاعر على البحث عن مادة موائمة، و دفع به، في من دفع بهم، باتجاه المدينة ! لقد تم تطور “الكتلة اللفظية” عفويا من “الاوذسيه” الى “الغيمة في البنطال”: أما المشعلة، و الشمعدان، ثم المصباح الكهربائي، فلا دخل لها بالموضوع ! حسبنا أن نصوغ وجهة النظر هذه صياغة واضحة حتى يبرز للعيان تهافتها الصبياني. لكن جاكوبسون يحاول أن يلح ويصر؛ فهو يرد سلفا بأننا نجد لدى ماياكوفسكي عينه أبياتا كهذه : “اتركوا المدن، يأغبياء البشر”. وتصدر عن منظّر المدرسة الشكلية هذه المحاكمة الفكرية العميقة: “ما هذا أذن؟ أتناقض منطقي؟ ولكن فليعز غيري الى الشاعر الافكار المعبر عنها في أعماله. أن تجريم الشاعر بسبب الافكار والعواطف موقف لا يقل عبثية عن موقف جمهور العصر الوسيط حين كان ينهال بالضرب على الممثل الذي أدى دور يهوذا”. وهكذا دواليك.

من الجلي الذي لا يحتاج الى بيان أن كل مل ما سلف كتبه تلميذ ثانوي موهوب جدا، عن نية واضحة و”مستقلة بذاتها” في “وخز استاذ الأدب، وهو متحذلق مشهور، بريشة”. لكن مجددينا الاشاوس، البارعين كل البراعة في غرس ريشتهم، عاجزون عن استخدامها في عمل نظري صحيح. وليس من العسير سوق الادلة على ذلك.

بديهي ان المستقبلية أحست بإيحاءات المدينة والترامواي والكهرباء والتلغراف والسيارة والحوامة والملهى الليلي (وعلى الاخص الملهى الليلي) قبل ان تعثر على شكلها الجديد. وهندسة المدن ضاربة جذورها في لاشعور المستقبلية، وما نعوت المستقبلية واشتقاقاتها ونحوها وأوزانها إلا محاولة لاعطاء شكل فني لروح المدن الجديدة التي استحوذت على الوعي. ولئن هتف ماياكوفسكي: “اتروكوا المدن، ياأغبياء البشر”، فهذه صيحة أبن مدينة، صيحة رجل متمدين حتى نخاع العظم. ومدينيته لا تتجلى في اوضح اشكالها واسطعها إلا خارج المدينة اصلا، حين “يترك المدينة”… كي يذهب الى داره الريفية. ليست المسألة هنا، بحال من الاحوال، “تجريما” ( ترد هذه الكلمة كالشعرة في الحساء) لشاعر على الافكار والعواطف التي يعبر عنها. ولا ريب في ان الطريقة التي يعبر بها عنها هي التي تجعل من الشاعر شاعرا. لكن الشاعر يؤدي، في خاتمة المطاف، في لغة المدرسة التي تبناها أو ابدعها بنفسه، مهام تقع خارجا عنه. وهذا صحيح حتى ولو قصر نفسه على حلقة الغنائية الضيقة: حبه الشخصي وموته الذاتي.

وطبيعي ان الفروق الدقيقة الفردية في الشكل الشعري تناظر طريقة التفكير الفردية، لكنها تتكيف ايضا مع التقليد والروتين، سواء افي ميدان العواطف ام في ميدان التعبير عنها. ان الشكل الفني الجديد، مأخوذا بالمعنى التاريخي الواسع، يرى النور استجابة لحاجات جديدة. وإذا شئنا البقاء في دائرة الشعر الغنائي الحميم، أمكننا أن نقول انه يندرج بين فسيولوجيا الجنس و بين قصيدة عن الحب نظام معقد من اواليات التوصيل النفسية التي تدخل فيها عناصر فردية ووراثية و اجتماعية. الاساس الوراثي، الجنسي، للانسان يتغير ببطء. أما اشكال الحب الاجتماعية فتتغير بسرعة أكبر. فهي تطال البنية الفوقية النفسية للحب، وتنتج فروقا دقيقة جديدة، وأداءات جديدة، و مطالب روحية جديدة، وحاجة الى مفردات جديدة، وتطرح بالتالي مطالب جديدة على الشعر. لا يستطيع الشاعر ان يجد مادة للابداع الفني الا في وسطه الاجتماعي، وهو ينقل نزوات الحياة ودوافعها الجديدة من خلال وعيه الفني الذاتي. و تعطي اللغة، المعدلة و المعقدة بالشروط المدينية، الشاعر مادة لفظية جديدة، توحي او تسهل تركيبات جديدة للكلمات برسم الصياغة الشعرية لافكار جديدة او لعواطف جديدة تحاول اختراق قوقعة اللاشعور المعتمة. ولو كانت لاتحدث تغيرات نفسية متولدة عن تغيرات الوسط الاجتماعي، لما حدثت حركة في الفن، ولكان الناس أستمروا على أكتفائهم، جيلا بعد جيل، بشعر التوراة أو قدامى الاغريق.

لكن هنا يهتف فيلسوف الشكلية، وهو ينقض علينا انتقضاضا، أن الامر لا يعدو أن يكون محض شكل جديد “في مضمار الريبورتاج، وليس في مضمار اللغة الشعرية”؟ وهنا، بالفعل، نصعق ! فالشعر، أعلم ذلك اذا كان من الممكن أن يسرك، هو الآخر ضرب من الريبورتاج، ولكن بأسلوب فخم.

إن الخصومات حول “الفن الخالص” والفن الموجه كانت الشغل الشاغل لليبيراليين والشعبويين. لكنها ليست جديرة بنا. فالجدل المادي فوق مثل تلك الخصومات: الفن بالنسبة إليه، من وجهة نظر السيرورة التاريخية الموضوعية، هو أبدا ودائما خادم اجتماعي، نفعي تاريخيا. إنه يعثر على ايقاع الكلمات الضروري للتعبير عن عواطف غامضة ومبهمة، يقرّب الشقة بين الفكر والعاطفة، أو يعارض أحدهما بالآخر، يغني التجربة الروحية للفرد والمجموع، يهذب العاطفة، يجعلها أكثر مرونة، أكثر حساسية، يضفي عليها المزيد من الواقع والترجيع، يوسع حجم الفكر بفضل مراكمة تجربة تتجاوز النطاق الشخصي، يثقف الفرد، الجسم الاجتماعي، الطبقة، والامة. وهو يفعل ذلك من دون أن تكون هناك أي أهمية لمعرفة ما اذا كان يعمل، في تياره الراهن، تحت راية الفن “الخالص” أو تحت راية فن هادف على نحو مكشوف وسافر. لقد كان الفن الهادف، في تطورنا الاجتماعي الروسي، راية لانتلجانسيا تسعى الى الارتباط بالشعب. فقد كانت هذه الانتلجانسيا، العاجزة، المسحوقة من قبل القيصرية، المحرومة من الوسط الثقافي، الباحثة عن سند في الشرائح الدنيا من المجتمع، تبذل ما في مستطاعها لتثبت ل”الشعب” أنها لا تفكر الا به، ولا تحيا الا من أجله، وتحبه حبا “جامحا”. وكما كان الشعبويون الذين “يذهبون الى الشعب”(33) على استعداد للاستغناء عن البياضات النظيفة، وعن المشط وفرشاة الاسنان، كذلك كانت الانتلجانسيا على استعداد للتضحية على صعيد فنها ب”رهافة” الشكل كي تعبر تعبيرا مباشرا وفوريا عن أوجاع المضطهَدين وآمالهم. وعلى النقيض من ذلك، كان الفن “الخالص” شعارا طبيعيا للبورجوازية الصاعدة التي ما كان يسعها أن تتصور نفسها علنا وجهارا كبورجوازية، والتي كانت تسعى في الوقت نفسه الى الابقاء على الانتلجانسيا في خدمتها. إن وجهة النظر الماركسية بعيدة غاية البعد عن تلك الاتجاهات التي كانت ضرورية تاريخيا، ولكن التي فات أوانها وتم تجاوزها تاريخيا. فالماركسية، المثبتة قدميها على صعيد التنقيب العلمي، تبحث بثقة بالنفس عن الجذور الاجتماعية للفن “الخالص” بمثل رباطة الأجأش التي نبحث بها عن الجذور الاجتماعية للفن الهادف. انها لا “تجرم” البتة شاعرا من الشعراء على الافكار والعواطف التي يعبر عنها، لكنها تطرح على نفسها أسئلة ذات مغزى أعمق وأبعد مدى بكثير، وهي: ما نسق العواطف الذي يتجاوب معه شكل محدد من العمل الفني بجميع خصائصه؟ ما الشروط الاجتماعية التي ترجع اليها تلك الافكار وتلك العواطف؟ ما المكان الذي تشغله في التطور التاريخي للمجتمع، للطبقة ؟ وكذلك: ما عناصر التراث الادبي التي ساهمت في انشاء الشكل الجديد؟ وما الدوافع التاريخية التي نقفت تحت تأثيرها مركبات العواطف والافكار الجديدة واخترقت القوقعة التي كانت تفصلها عن دائرة الوعي الشعري؟ ومن الممكن أن يزداد البحث تعقيدا وتفصيلا وتفردا، لكن فكرته الاساسية ستبقى الدور المساعد الذي يلعبه الفن في السيرورة الاجتماعية.

إن لكل طبقة في الفن سياستها، وهي سياسة تختلف باختلاف الزمن، أي لها نطامها الخاص الذي تقدم بموجبه مطالبها الى الفن: رعاية البلاطات وكبار النبلاء للفن، اللعبة الآلية للعرض والطلب المكملة بطرائق معقدة للتأثير على الفرد، وهكذا دواليك. وتبعية الفن الاجتماعية، بل حتى الشخصية، لم تحجب قط عن الانظار، بل شهرت على العكس على الملأ، طالما كان الفن محافظا على طابعه البلاطي. أما الطابع الاوسع، والأكثر شعبية، والغفل للبورجوازية الصاعدة فقد أفضى، بالاجمال، وبالرغم من بعض الانحرافات، الى نظرية الفن “الخالص”. ولقد كانت الارادة الهادفة، التي تكلمنا عنها آنفا، للانتلجانسيا الشعبوية تنطوي أيضا على أنانية طبقية: فبدون الشعب كانت الانتلجانسيا عاجزة عن ضرب جذورها في الارض، وتوطيد اقدامها، والفوز بالحق في أداء دور في التاريخ. لكن الانانية الطبقية للانتلجانسيا انقلبت، في أتون الكفاح الثوري، رأسا على عقب، واتخذت لدى جناحها اليساري شكل التفاني ونكران الذات السامي. لهذا السبب لم تخف الانتلجانسيا، بل على العكس أعلنت بملء عقيرتها اراداتها الهادفة، مضحية أكثر من مرة في فنها بالفن نفسه، مثلما ضحت بأشياء اخرى عديدة.

ان تصورنا الماركسي عن الانشراط الاجتماعي الموضوعي للفن وعن نفعه الاجتماعي لا يعني البتة، عند ترجمته الى لغة السياسة، أننا نريد التحكم بالفن بواسطة مراسيم وتعليمات. ويجانب الصواب من يقول ان فنا يتكلم عن العمال هو وحده الفن الجديد والثوري بالنسبة الينا. أما من يزعم أننا نطالب الشعراء بأن يصفوا فقط مداخن المصانع أو انتفاضة ما على الرأسمال، فباطل زعمه ولاغٍ. صحيح أن الفن الجديد لن يمكنه، بحكم طبيعته بالذات، الا يضع كفاح البروليتاريا في صدارة أهتمامه. لكن سكة الفن الجديد ليست مقصورة على عدد معلوم من الاخاديد المرقمة؛ بل على العكس، عليها أن تحرث وتفلح وتقلب الارض كلها طولا وعرضا. ومهما تكن دائرة الغنائية الشخصية صغيرة وضيقة، فمن حقها الذي لا نزاع فيه أن يكون لها وجودها في الفن الجديد. بل أكثر من ذلك: فالانسان الجديد سيتعذر تكوينه بدون غنائية جديدة. الا أن هذه الغنائية الجديدة لن ترى النور الا اذا أحس الشاعر نفسه بالعالم احساسا جديدا. فاذا لم يكن أمام الشاعر من مناص، عند عناقه للعالم، الا أن يتخيل المسيح أو السبعوت بشخصه (كما هي الحال لدى أخماتوفا(34) وزفيتاييفا(35) وشكابسكايا وغيرهن)، فهذا لا يشهد الا على أفول غنائيته وعدم تكيفه الاجتماعي، ومن ثم الجمالي، مع الانسان الجديد. وحتى حيثما لا يعدو ذلك المصطلح أن يكون تخلفا في المفردات أكثر منه مخلفة عميقة، فانه يشهد في الاقل على ركود نفسي يكفي لمعارضة وعي الانسان الجديد به. لن يفرض أحد، ولن يخطر ببال أحد أن يفرض على الشعراء موضوعا بعينه. أكتبوا كل ما يعن لكم ببال! لكن اسمحوا للطبقة الجديدة، التي ترى نفسها بقدر من الصواب مدعوة الى بناء عالم جديد، أن تقول لكم في هذه الحالة أو تلك: لئن ترجمتم تصورات “دوموستروي” الى لغة الاوجيين(36)، فليس ذلك ما سيجعل منكم شعراء جددا. إن شكل الفن مستقل الى حد كبير، لكن الفنان الذي يبدع هذا الشكل والمتفرج الذي يتذوقه ليسا بآلتين فارغتين، أولاهما منذورة لابداع الشكل، وثانيهما لتثمينه. إنهما من الكائنات الحية، ونفسهما متبلورة، وواصلة الى قدر من الوحدة، وإن كانت هذه الوحدة غير متناغمة على الدوام. إن هذه النفس ثمرة للشروط الاجتماعية. وإبداع الاشكال الفنية واستقبالها ادراكيا واحدة من وظائفها. ومهما بالغ الشكليون في رهافتهم، يظل تصورهم التبسيطي مبنيا بتمامه على جهلهم بالوحدة النفسية للانسان الاجتماعي، الانسان الذي يخلق ويستهلك ما تم خلقه.

إن ما ينبغي للبروليتاريا أن تجده في الفن هو التعبير عن تلك الحالة النفسية الجديدة التي شرعت للتو بالنشوء فيها، والتي يتوجب على الفن أن يساعدها على التكون. ليس المقصود هنا قرارا يصدر عن الدولة، وإنما المسألة مسألة معيار تاريخي. وقوة هذا المعيار تكمن في الطابع الموضوعي لضرورته التاريخية. فليس في المستطاع لا التملص منها ولا الافلات من سلطانها.
يظهر أن المدرسة الشكلية تبذل ما بوسعها لتكون، بالتحديد، موضوعية. فهي مشمئزة، ليس بدون مسوغ، من التعسف الأدبي والنقدي الذي لا يتعامل ألا مع المشارب والاذواق والامزجة. انها تفتش عن معايير دقيقة لتصنيف التقييمات والاحكام. لكن نظرا الى ضيق نظرتها والطابع السطحي لطرائقها، تسقط باستمرار في خرافات ومعتقدات باطلة مثل فراسة الخط وفراسة الدماغ. فهاتان المدرستان تهدفان، هما أيضا كما هو معلوم، الى وضع معايير موضوعية صرف لتحديد الطبع البشري، معايير من نظير عدد الحلقات ومقدار استدراتها في الخط، وصفات الحدبات خلف الرأس. وليس من المستبعد، بالفعل، ان يكون للحلقات والحدبات صلة بالطبع، لكن هذه الصلة ليست مباشرة، وبعيدة عن تحديد الطبع البشري بتمامه. إن هذه النزعة الموضوعية الوهمية، التي تستند الى عناصر عرضية وثانوية أو فقط غير كافية، تقود حتما ألى أرذل ضروب النزعة الذاتية. وفي مثال المدرسة الشكلية، تفضي الى صنمية الكلمة. فالشكلي، بعد أن يعد النعوت ويزن السطور ويقيس الاوزان، يجد نفسه أمام واحد من أمرين: إما ان يتوقف ويصمت بسحنة رجل ما عاد يعرف ماذا يفعل بنفسه، وإما ان يصدر تعميما غير متوقع يحتوي على خمسة بالمئة من الشكلية وعلى خمسة وتسعين بالمئة من الحدس اللانقدي.

في الواقع، لا يتابع الشكليون طريقتهم في فهم الفن الى نتيجتها الختامية المنطقية. فلو أعتبرنا عملية الابداع الشعري مجرد تركيب للاصوات أو للالفاظ، ولو أصررنا على سلوك هذا الطريق لحل جميع مشكلات الشعر، لكانت الصيغة الوحيدة المثلى ل”علم الشعر” هي التالية: تسلح بقاموس محكم وابدع، بواسطة تركيبات ومبادلات جبرية لعناصر اللغة، جميع ما في العالم من آثار شعرية ماضية ومستقبلة. لو أجرينا محاكماتنا العقلية “شكليا”، لأمكن لنا أن نصل الى “يوجين أونيغين”(37) بطريقين اثنين: اما عن طريق ربط اختيار عناصر اللغة بفكرة فنية مسبقة التصور، كما فعل بوشكين، واما عن طريق حل المشكلة جبريا. والمنهج الثاني هو المنهج الأصح من وجهة نظر “الشكلية”، لانه غير منوط لا بالحالة النفسية ولا بالالهام ولا بأي عناصر عارضة أخرى من هذا القبيل، ولأن له فضلا عن ذلك مزية أخرى، وهي أنه في الوقت الذي يوصل فيه الى “يوجين أونيغين” يملك المقدرة على الايصال الى عدد لا حصرله من الاعمال الكبيرة الاخرى. وكل ما سيكون اليه حاجة هنا هو زمن لا محدود، أي الابدية. ولكن لما لم تكن الابدية تحت متناول البشرية، وكم بالاحرى تحت متناول الشاعر الفرد، فان النابض الأساسي للتأليف الشعري سيبقى، كما في السابق، الفكرة الفنية المسبقة التصور، المفهومة بأوسع معنى، أي كفكرة محددة أو عاطفة شخصية أو اجتماعية مفصح عنها بوضوح وفي الوقت نفسه كاستعداد فكري مبهم. هذه الفكرة الذاتية سوف تلقى بدورها، في مساعيها وجهودها الى التحقيق الفني، الاثارة والحفز من قبل الشكل المطلوب والمبحوث عنه، ومن الممكن أحيانا أن تُزج برمتها في طريق لم يكن في الحسبان البتة عند الانطلاق. هذا مؤداه ببساطة أن الشكل اللفظي ليس انعكاسا سلبيا لفكرة فنية مسبقة التصور، وانما هو عنصر ايجابي فعال يمارس تأثيره على الفكرة ذاتها. لكن هذا النوع من العلاقة الايجابية المتبادلة، الذي يؤثر فيه الشكل على المضمون ويقلبه أحيانا رأسا على عقب، معروف لدينا في جميع ميادين الحياة الاجتماعية، بل والحياة البيولوجية. ولكن ذلك لا يسوغ بحال من الاحوال نبذ الداروينية والماركسية وانشاء مدرسة شكلية في علم الاحياء وعلم الاجتماع.

ان فكتور شكلوفسكي، الذي يتأرجح بأعظم اليسر من الشكلية اللفظية الى التقييمات المغرقة في الذاتية، يتبنى في الوقت نفسه أكثر المواقف تصلبا تجاه تعريف الفن ودراسته المبنيين على أساس المادية التاريخية. ففي كتيب نشره في برلين بعنوان “مسيرة الفارس”، صاغ في ثلاث صفحات صغيرة – الايجاز هو الفضيلة الأولى، التي لا جدل فيها على كل حال، لشكلوفسكي – خمس حجج شمولية (لا أربع، ولا ست، وإنما خمس) ضد التصور المادي للفن. وسوف نستعرض هذه الحجج، لانه من المفيد للغاية أن نرى ونبين ما الترهات والسفاسف التي تقدم لنا وكأنها الكلمة الفصل في الفكر العلمي (مع أكبر تنويعة من الاحالات العلمية في تلك الصفحات المجهرية الثلاث عينها).

يكتب شكلوفسكي يقول: “اذا كانت البيئة وعلاقات الانتاج تؤثر على الفن، أفما كانت الموضوعات الفنية أرتبطت بالمكان الذي تتناظر فيه مع تلك العلاقات؟ والحال أن الموضوعات لا مكان لها ولا موضوع”. حسنا. ولكن ماذا عن الفراشات؟ انها “تناظر” هي أيضا، في رأي داروين، علاقات محددة، ومع ذلك نراها تطير من مكان الى مكان مثلها مثل أي كاتب حر في تحركاته.
إن ما يشق علينا أن نفهمه هو لماذا يفترض بالماركسية، وبها تحديدا، أن تقضي على الموضوعات الفنية بالرق والعبودية. أن كون الشعوب الأكثر تنوعا والطبقات المختلفة من شعب واحد تستخدم الموضوعات ذاتها يؤكد ببساطة أن الخيال الانساني محدود، وأن الانسان في جميع ابداعاته، بما فيها ابداعه الفني، ينزع الى ادخار قواه والاقتصاد فيها. وكل طبقة تحاول أن تستعمل، على أوسع نطاق ممكن، الميراث المادي والروحي لطبقة أخرى. ومن الممكن بسهولة، لو شئنا، أن نحول حجة شكلوفسكي الى مضمار تقنية الانتاج بالذات. فمنذ غابر الازمنة قامت العربة على موضوعة واحدة: محاور، عجلات، قاعدة. ومع ذلك، كانت عجلة النبيل الروماني موائمة لمشاربه وحاجاته بقدر ما كانت مركبة الكونت أورلوف، بكل ما فيها من وسائل راحة داخلية، موائمة لذوق نديم كاترين. كذلك نجد نقالة الفلاح الروسي مكيفة مع ضرورات نشاطه الاقتصادي وقوة حصانة الصغير وخصائص الطرق الريفية. أما السيارة، التي هي بلا جدال نتاج التقنية الجديدة، فتنطوي مع ذلك على “الموضوعة” عينها: أربع عجلات مركبة على محورين.

ومع ذلك، في كل مرة يحيد فيها حصان فلاح على واحد من طرق روسيا ليلا، وقد أذغرته مصابيح سيارة باهرة للانظار، يعكس هذا الحادث النزاع بين ثقافتين.

“أذا كانت البيئة تفصح عن نفسها في الرواية، فما كان العلم الاوروبي ليحشر دماغة حتى يعرف متى ألفت “ألف ليلة وليلة”، وأين، أفي مصر أم الهند أم فارس”. هذه هي حجة شكلوفسكي الثانية. والحال أن القول بأن بيئة الانسان – والفنان انسان – أي شروط حياته وتربيته تجد تعبيرها في عمله، لا يعني البتة أن لهذ التعبير طابعا جغرافيا واتنولوجيا واحصائيا دقيقا. ولئن يكن من العسير أن نقرر هل كتبت بعض الروايات في مصر أو الهند أو فارس، فليس في ذلك ما يبعث على الدهشة، لان تلك البلدان تشترك في العديد من الشروط. بيد أن كون العلم الاوروبي “يحشر دماغه” حتى يحل تلك المسائل انطلاقا من نصوص تلك الروايات بالذات إنما يشهد بالضبط على أن تلك النصوص تعكس البيئة، ولو على نحو بالغ التشويه والتحريف. لا يستطيع أحد ان يخرج من ذاته. حتى هذيانات مجنون من المجانين لا تحتوي على شيء لم يتلقه آنفا من العالم الخارجي. ولا يسع أحدا سوى طبيب نفسي محنك، ذي عاقل ثاقب، مطلع على ماضي المريض، أن يجد في مضمون الهذيان البقايا المشوهة والمحرفة من الواقع. بديهي أن الابداع الفني ليس من قبيل الهذيان. لكنه هو الآخر تحريف، تشويه، تحويل للواقع بحسب قوانين الفن الخاصة.

ومهما أمكن للفن أن يوغل في غرائب الخيال، فانه لا يملك من مادة سوى تلك التي يقدمها له العالم المثلث الابعاد الذي نحيا فيه والعالم الأضيق نطاقا المتمثل في المجتمع الطبقي. وحتي حين يبدع الفنان السماءأو الجحيم، لا تعدو صوره الخيالية الجامحة أن تكون تحويلا لتجربة حياته الخاصة، حتى وبما فيها فاتورة غرفته المفروشة غير المدفوعة.

يستطرد شكلوفسكي فيقول: “لو كانت الخصائص الفئوية والطبقية تنعكس في الفن، فكيف نفسر أن الحكايا الروسية – الكبيرة عن النبيل هي هي نفسها الحكايا عن الخوري؟”.

في الواقع، ليس هذا إلا شرحا اضافيا للحجة الأولى. فما المانع من أن تكون قصص النبلاء والخوارنة واحدة، وأين وجه المنافاة فيها للماركسية؟ إن النداءات التي يكتبها ماركسيون معروفون تتكلم في كثير من الأحيان عن ملاك عقاريين ورأسماليين وكهنة وجنرالات وغيرهم من المستغِلين. ولا مرية في أن المالك العقاري يتميز عن الرأسمالي، ولكن من الممكن في بعض الحالات وضعهما في كيس واحد. فلماذا اذن لا يجوز للفن الشعبي أن يضع هو الآخر، في بعض الحالات، النبيل والخوري في كيس واحد، بصفتهما ممثلين لفئات تتسلط على الفلاح الموجيك وتنهبه؟ وكثيرا ما نجد الخوري والمالك العقاري جنبا الى جنب، في رسوم مور ودوني الكاريكاتورية من دون أن يترتب على ذلك أي ضرر أو أذى للماركسية.

يقول شكلوفسكي بإلحاف :”لو كانت الخصائص الاتنوغرافية تنعكس في الفن، لما كان فولكلور شعوب مختلفة قابلا للمبادلة، ولما صلحت الحكايا التي ترى النور بين ظهراني الشعب الفلاني للشعب المجاور”.

أحسن فأحسن! لا تزعم الماركسية البتة أن للسمات الاتنوغرافية طابعا مستقلا! بل على النقيض من ذلك، فهي تنوه بالاهمية الفاصلة للشروط الطبيعية والاقتصادية في تكوين الفولكلور. فالتشابه في شروط تطور الشعوب الراعية والمزارعة، حيث الهيمنة للطبقة الفلاحية، والتشابه في التأثيرات التي يمارسها بعضها على بعض، لا يمكن إلا أن يؤديا الى فولكلور متشابه. ثم إنه لا أهمية، من وجهة نظر المسألة التي تعنينا هنا، أن نعرف هل ولدت الموضوعات المتشابهة مستقلة لدى مختلف الشعوب كانعكاس، يحرف أشعته موشور الخيال الفلاحي الواحد، لتجربة متماثلة في معالمها الرئيسية، أم على العكس، هل تولت ريح موائمة نقل بذور الحكايا الشعبية من مكان الى مكان، لتضرب جذورها حيثما أبدت التربة استعدادا لذلك. وفي الواقع، إن هذين النمطين قد تراكبا في أغلب الظن.

أخيرا – “وجهة النظر الماركسية عن الفن خاطئة، خامسا، لان…” – يشهر شكلوفسكي، بصفة حجة متمايزة، موضوعة عينية هي موضوعة الخطف التي وصلت، عبر الكوميديا الاغريقية، حتى الى اوستروفسكي(38). بعبارة أخرى، يكرر ناقدنا من جديد، تحت شكل خاص، حجته الاولى (حتى في ما يتعلق بالمنطق الشكلي، كما نرى، لا يسير كل شيء على ما يرام لدى صاحبنا الشكلي…). أجل، إن الموضوعات تهاجر من شعب الى شعب، من طبقة الى طبقة، وحتى من مؤلف الى مؤلف. هذا يعني فقط أن الخيال الانساني، مقتصد. فما من طبقة تعاود ابداع الثقافة برمتها من البداية، بل تضع يدها على الماضي، تغربله، ترممه، تعيد تنظيمه، وتتابع البناء بدءاً منه. ولولا هذا الاستخدام ل”خزانة ملابس” الماضي المستعملة، لما وجدت بوجه العموم حركة الى الامام في السيرورة التاريخية. ولئن وصلت الى اوستروفسكي موضوعة الدراما من المصريين عن طريق اليونان، فان الورق الذي عالج عليه تلك الموضوعة يدين به للبردي المصري، تم للرق الاغريقي. لنأخذ مماثلة أخرى، أقرب عهداً الينا: فكون الطرائق النقدية للسفسطائيين الاغريق، الذين كانوا شكليي عصرهم الخلص، قد تغلغلت عميقا في وجدان شكلوفسكي لا يبدل شيئا في كون شكلوفسكي نفسه نتاجا طريفا ومثيرا لوسط اجتماعي ولعصر محددين.

ان تدمير شكلوفسكي للماركسية في خمس نقاط يعيد الى ذاكرتنا على نحو ملح تلك المقالات المناهضة للداروينية التي كانت تنشرها “المجلة الاورثوذكسية” في أيام زمان. فقد كتب منذ ثلاثين عاما أو أربعين عاما أسقف أوديسا الجهبذ، نيكانور، انه اذا صحت النظرية القائلة أن الانسان متحدر من القرد، فان أجدادنا كان سيكون لهم العلامات المميزة لذنب، أو كانوا تذكروا تلك السمة لدى أجدادهم وجداتهم. ثانيا، ان القرود، كما يعلم كل انسان، لا تلد الا القرود… خامسا، أن الداروينية مجانبة للصواب لانها تناقض الشكلية… عفوا، أقصد القرارات الشكلية لهيئات الكنيسة الكونية. بيد ان رجل الكهنوت العلامة كانت له ميزة على كل حال: فقد كان ماضويا سافرا، وكان يستقي حججه من لدى بولس الرسول، لا من الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات، كما يفعل ذلك، عابرا، المستقبلي شكلوفسكي.

لا جدال في أن الحاجة الى الفن لا تخلقها الشروط الاقتصادية. ولكن ليس الاقتصاد أيضا هو الذي يوجد الحاجة الى التغدي. بل على العكس، فالحاجة الى الغداء والدفء هي التي تخلق الاقتصاد. ولا نقاش البتة في انه لا يسع المرء في أي حال من الاحوال ان يستند الى مبادئ الماركسية وحدها حتى يحكم على عمل من الاعمال الفنية، فيرفضه أو يقبله. فالعمل الفني يجب أن يحاكم، قبل كل شيء، بموجب قوانينه الخاصة، أي بموجب قوانين الفن. بيد أن الماركسية وحدها هي القادرة على تفسير لماذا وكيف ظهر، في هذه الحقبة التاريخية أو تلك، هذا الاتجاه الفني أو ذاك، أي من عبر عن الحاجة الى تلك الاشكال الفنية دون غيرها، ولماذا.

انه لمن السخف أن نعتقد أن كل طبقة تستطيع، من تلقاء نفسها، أن تبدع فنها الخاص بها بتمامه وكماله، وأن البروليتاريا، بوجه الخصوص، قادرة على ابداع فن جديد عن طريق حلقات فنية مغلقة، ندوات، “برولتكولت”، وما شابه.. فالنشاط الابداعي للانسان التاريخي وراثي، بصورة عامة، وكل طبقة جديدة ترتقي على أكتاف الطبقات السابقة لها. لكن هذا التعاقب جدلي، أي أنه يكتشف نفسه بواسطة نفور وقطيعة داخليين. أما زخم الحاجة الى تصورات فنية وأدبية جديدة، في شكل حاجات فنية جديدة، فيتحدد بالاقتصاد، بوساطة طبقية جديدة، وبدرجة أقل، بالوضع المستجد لطبقة بعينها حين تزداد ثروتها وقوتها الثقافية. إن الابداع الفني هو على الدوام قلب معقد للاشكال القديمة تحت دفع حوافز جديدة ترى النور خارج نطاق الفن. بهذا المعنى الواسع يمكن أن نتكلم عن وظيفة الفن، أن نقول أن الفن يفيد ويخدم. انه ليس عنصرا متجردا عن الماديات يغدي نفسه بنفسه، وإنما هو وظيفة للانسان الاجتماعي، لا تقبل عراها انفصاما عن وسطه وعن طرز حياته. ومسعى شكلوفسكي، كما هي الحال على الدوام عند المغالاة برأي مسبق اجتماعي والشطط به الى حد المحال واللامعقول، فصيح الدلالة الى أبعد حد بهذا المعنى: فقد اعتنق شكلوفسكي الفكرة القائلة أن الفن مستقل استقلالا مطلقا عن طراز الحياة الاجتماعي، في مرحلة من تاريخنا الروسي أزاح فيها الفن النقاب بجلاء لا سابق له عن تبعيته الروحية والمادية اليومية تجاه الطبقات وفروع الطبقات وفئات المجتمع!
لا تنكر المادية أهمية العنصر الشكلي، سواء أفي المنطق أم في التشريع أم في الفن. وكما أن في الامكان ومن الضروري أن يُحكم على نسق حقوقي ما بمقتضى منطقه وتماسكه الداخليين، كذلك يمكن ويجب أن يُحكم على الفن من وجهة نظر منجزاته الشكلية، إذ أنه لا وجود البتة للفن خارج نطاقها. بيد أن نظرية حقوقية تحاول أن تثبت أن القانون مستقل عن الشروط الاجتماعية هي نظرية فاسدة وباطلة من الاساس. فالقوة المحركة إنما نجدها في الاقتصاد، في تناقضات الطبقات؛ والقانون انما يعطي فقط شكلا وتعبيرا متلاحمين داخليا لتلك الظاهرات، لا في خصائصها الفردية، وانما في عموميتها، في ما هو قابل للتكرر منها ودائم. واليوم بالتحديد، نستطيع أن نرى بجلاء يندر نظيره في التاريخ كيف يتشكل قانون جديد: لا بطرائق استدلال منطقي يكفي ذاته بذاته، وانما عن طريق تقدير وتقويم تجريبي للحاجات الاقتصادية للطبقة السائدة الجديدة وعن طريق مطابقة تجريبية مع هذه الحاجات. والأدب، الذي تغوص جذوره في الماضي السحيق وتمثل التجربة المتراكمة في فن الكلمة، وبما يمتاز به من طرائق ومناهج، يعطي تعبيرا للافكار والعواطف والحالات النفسية ووجهات النظر والآمال العائدة لعصره وطبقته. لا يمكن الخروج من هذا النطاق. ولا حاجة أصلا، على ما يبدو، للخروج منه، على الاقل بالنسبة الى أولئك الذين لا يعملون في خدمة عصر دائل وطبقة ولى زمانها.

إن طرائق التحليل الشكلي لازمة، لكن غير كافية. فمن الممكن أن نحصي عدد من المجانسات الاستهلالية في الامثال الشعبية، أن نصنف الاستعارات، أن نحصي عدد أحرف العلة والاحرف الصوامت في أغنية من أغاني الاعراس، هذا كل سيغني بلا أدنى نقاش، بطريقة أو أخرى، معرفتنا بالفولكلور. لكن إذا كنا لا نعرف نظام تعاقب الزروع الذي يعتمده الفلاح والدورة التي تنجم عن ذلك في حياته، واذا كنا نجهل دور المحراث البدائي، واذا لم نستوعب دلالة التقويم الكنسي بالنسبة إلى الفلاح، من اللحظة التي يتزوج فيها الى اللحظة التي تضع فيها الفلاحة، فلن نعرف من الفن الشعبي سوى الص٘دٙفة الخارجية، ولن نصل الى النواة. وبوسعنا كذلك أن نرسم الخطة المعمارية لكاتدرائية كولونيا بقياسنا قاعدة أقواسها وارتفاعها، بتحديدنا الأبعاد الثلاثة لاجنحتها وأبعاد أعمدتها وتنظيمها، ألخ. لكن اذا كنا لا نعرف ماذا كانت عليه مدينة العصور الوسطى، وماذا كانت عليه الحرفة وأهلها، وماذا كانت عليه الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، فلن نفهم أبدا كاتدرائية كولونيا. إن محاولة تحرير الفن من الحياة، واعلانه نشاطا مستقلا، تعني تجريده من الروح والقضاء عليه بالموت. إن الحاجة الى مثل هذه العملية هي بذاتها أمارة لا جدال فيها على الانحطاط الايديولوجي.

إن المماثلة التي أشرنا اليها أعلاه مع الاعتراضات اللاهوتية على الداروينية يمكن أن تبدو للقارئ سطحية واقرب ما تكون الى النادرة الطريفة. بمعنى من المعاني، هذا صحيح، بكل تأكيد. لكن ثمة ارتباطا أعمق وأبعد غورا. فالنظرية الشكلية في نظر الماركسي، مهما يكن قليل الاطلاع، لا يمكن الا أن تذكره بالانغام المألوفة للحن فلسفي سحيق القدم. فقد كان الحقوقيون وواضعوا القواعد الاخلاقية (لنذكر بالمناسبة الألماني ستاملر وصاحبنا الذاتي النزعة ماياكوفسكي) يحاولون أن يبرهنوا على أن الاخلاق والحقوق لا يمكن أن تتحدد بالاقتصاد، وهذا لسبب وحيد وهو أن الحياة الاقتصادية لا يمكن تصورها هي نفسها خارج اطار المعايير الحقوقية والاخلاقية. صحيح أن أنصار المدرسة الشكلية في الحقوق والاخلاق ما كانوا يغالون الى حد توكيد الاستقلال الكامل للحقوق والاخلاق عن الاقتصاد؛ بل كانوا يعترفون بوجود صلة متبادلة معقدة معينة بين “العوامل”، لكن هذه “العوامل” تحتفظ في نظرهم، في الوقت ذاته الذي يؤثر فيه بعضها على بعض، بصفاتها كجواهر مستقلة، آتية من مصدر غي معروف. أما توكيد الاستقلال الشامل ل”العامل” الجمالي عن تأثير الشروط الاجتماعية، على غرار ما يفعل شكلوفسكي، فهو مثال على شطط من نوع خاص، متحدد هو الآخر بالشروط الاجتماعية: إنه جنون عظمة علم الجمال الذي يرى واقعنا القاسي واقفا على رأسه.

وعلاوة على هذه الخاصية، تشكو انشاءات الشكليين من نفس النهاجية الشائهة والقاصرة التي يشكو منها كل ضرب آخر من المثالية. إن الدين والقانون والاخلاق والفن تمثل، في نظر المادي، مظاهر متمايزة من سيرورة تطورية اجتماعية ذات أساس واحد أوحد. وبالرغم من أن السياسة والدين والحقوق والاخلاق والجمالية تتميز عن قاعدتها الانتاجية، وتغدو معقدة، وتعزز وتطور تفصيليا خصائصها الخاصة بها، فانها تبقى مع ذلك وظائف للانسان المرتبط اجتماعيا والمنصاع لقوانين تنظيمه الاجتماعي. أما المثالي فلا يرى سيرورة واحدة للتطور التاريخي تنتج الاجهزة والوظائف اللازمة لها، وانما يرى تصالبا أو تراكبا أو تفاعلا لبعض المبادئ المستقلة: الجواهر الدينية والسياسية والجمالية والاخلاقية، التي تجد أصلها وتفسيرها في اسمها بالذات. أن مثالية هيغل الجدلية تعزل تلك الجواهر (التي هي مع ذلك مقولات خالدة) على هواها، لترجعها الى وحدة وراثية. وبالرغم من أن هذه الوحدة عند هيغل هي الروح المطلق الذي ينتش ويبرعم، أثناء عملية تظاهراته الجدلية، في شكل “عوامل” متنوعة، فان نظام هيغل يعطي – بفضل طابعه الجدلي، لا بفضل مثاليته – فكرة عن الواقع التاريخي تعادل الفكرة التي يعطيها قفاز مقلوب عن اليد البشرية. أما الشكليون (وأعظمهم عبقرية هو كانط) فلا يهتمون بدينامية التطور، وانما بقطع بالعرض منه، يوم وساعة يحل عليهم الوحي الفلسفي. انهم يكتشفون فيه تعقيد وتعددية موضوعهم (لا السيرورة، فهم لا يفكرون على أساس السيرورة). وهم يحللون ذلك التعقيد ويصنفونه. يعطون العناصر أسماء سرعان ما تتحول الى ماهيات، الى فروع من المطلق بلا أب ولا أم: الدين، السياسة، الاخلاق، القانون، الفن… ولا تعود المسألة هنا مسألة قفاز التاريخ المقلوب، وانما مسألة الجلد المسلوخ عن الأصابع والمجفف حتى درجة التجريد الكامل؛ هنا تصبح يد التاريخ نتاج “تفاعل” الإبهام والسبابة والوسطى و”عوامل” أخرى. أما “العامل” الجمالي فهو الخنصر، أصغر الأصابع ولكن ليس أقلها حبا الى النفس.

إن المذهب الحيوي في البيولوجيا طبعة أخرى من ذلك التأليه لمختلف مظاهر السيرورة الكونية، من غير تفهم لجبريتها الباطنة.

وكما تنزل “القوة الحيوية” منزلة المطلق وفوق الفيزياء، كذلك تنزل الاخلاق والجمالية منزلة المطلق نفسه وفوق ما هو اجتماعي، ولا يعود ينقصها سوى شيء واحد… خالق أوحد. وما تعددية “العوامل” المستقلة، التي لا بداية لها ولا نهاية، سوى شرك مموه. ولئن مثلت المثالية الكانطية تاريخيا ترجمة المسيحية الى لغة الفلسفة العقلانية، فان جميع أصناف ترجمة الشكلية المثالية تقود بالمقابل، علنا أو سرا، الى الله بوصفه علة العلل طرا. وبالمقارنة مع الاوليغارشية المثالية لدزينة من فروع المطلق، يمثل الخالق الشخصي والأوحد عنصرا من عناصر النظام. هنا بالتحديد يكمن أعمق الارتباط بين الدحض الشكلي للماركسية والدحض اللاهوتي للداروينية.

إن المدرسة الشكلية طِرح مشرّح للمثالية، مطبق على مشكلات الفن. ويفصح الشكليون عن تدين آخذ بالنضوج السريع. إنهم تلامذة القديس يوحنا: فبالنسبة اليهم، “في البدء كانت الكلمة”. أما بالنسبة الينا نحن، ف”في البدء كان العمل”. وقد تبعته الكلمة وكأنها ظله الصوتي.

« السابق التالي »