بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المجالس العمالية والجمعية التأسيسية

المجالس العمالية والجمعية التأسيسية

 

ليون تروتسكي

 

نأمل ألا نكون بحاجة هنا لإثارة المسألة العامة للديمقراطية الشكلية أي الديمقراطية البورجوازية. فلا جامع بين موقفنا إزاءها ونفيها العقيم من جانب الفوضوية. يكتسي شعار الديمقراطية ومعاييرها مظاهر متباينة وفقا لمختلف البلدان وحسب مرحلة تطور المجتمع البورجوازي فيها. و تنطوي الشعارات الديمقراطية، لوقت ما، على أوهام وخدع لكنها تحتوي أيضا قوة تاريخية محركة: “طالما لم يندرج نضال الطبقة العاملة لأجل السلطة برمتها في جدول الأعمال، يتوجب علينا استعمال كل أشكال الديمقراطية البرجوازية”(1).

من وجهة النظر السياسية، لا تشمل مسألة الديمقراطية الشكلية مشكل موقفنا إزاء الجماهير البورجوازية الصغيرة وحسب، بل أيضا موقفنا إزاء الجماهير العمالية، طالما لم تكسب بعد هذه الأخيرة وعيا طبقيا ثوريا. تجلى اقتحام شرائح قاعدة البورجوازية الصغيرة للحياة السياسية في الصين، ضمن شروط تقدم الثورة خلال هجوم البروليتاريا، في انتفاضات فلاحية ومعارك مع الجيوش الحكومية و إضرابات من كل نوع و تقتيل رجال الإدارة الصغار، أما حاليا فتنقص بوضوح كل الحركات من هذا النوع. وعسكر الكومنتانغ المنتصر يسيطر على المجتمع. سيجلب كل يوم من توطيد الاستقرار مواجهات متكاثرة بين هذه العسكرية و البيروقراطية من جهة والعمال المتقدمين من جهة أخرى، لا بل وحتى جماهير البورجوازية الصغيرة الغالبة في المدن والقرى وأيضا ضمن حدود معينة البورجوازية الكبيرة. و حسب كل المعطيات ستجتاز هذه الصدامات مرحلة “دستورية” قبل تحولها إلى نضال ثوري جلي. وحتما ستمتد الصراعات بين البورجوازية و زمرها العسكرية، بواسطة ” حزب ثالث” أو طرق أخرى، إلى الشرائح العليا من الجماهير البورجوازية الصغيرة. و توجد هذه الجماهير على المستويين الاقتصادي والثقافي في حال ضعف شديد وتنجم قوتها السياسية الكامنة عن عددها. تستميل شعارات الديمقراطية الشكلية أو تستطيع استمالة لا الجماهير البورجوازية الصغيرة و حسب بل أوسع الجماهير العمالية، لأنها بالضبط تمنحها – ظاهريا على الأقل- إمكان أن تعارض بإرادتها إرادة الجنرالات والنبلاء والرأسماليين. تربي الطليعة البروليتارية الجماهير باستعمال هذه التجربة وتسير بها إلى الأمام.

يبين مثال روسيا كيف يمكن عند تقدم الثورة أن تجر البروليتاريا المنظمة في سوفييتاتها الفلاحين بواسطة سياسة صائبة متجهة نحو الظفر بالسلطة، وتجعلهم يصطدمون بالديمقراطية الشكلية المجسدة في الجمعية التأسيسية، وتوجههم على طريق الديمقراطية السوفييتية. لكن لم يتم بلوغ هذه النتائج بمجرد معارضة الجمعية التأسيسية بالسوفييتات بل بجذب الجماهير نحو السوفييتات مع الحفاظ على شعارات الديمقراطية الشكلية حتى لحظة الظفر بالسلطة، بل وحتى بعدها.

“أما أن الطبقة العاملة في المدن والجنود والفلاحين في روسيا في شتنبر–نوفمبر 1917 كانوا بحكم بعض الظروف الخاصة مهيئين بصورة ممتازة لقبول النظام السوفياتي وحل أكثر البرلمانات البورجوازية ديمقراطية فهذا واقع لا جدل فيه مطلقا وحقيقة تاريخية مقررة تماما. ومع ذلك لم يقاطع البلاشفة الجمعية التأسيسية بل شاركوا في الانتخابات سواء قبل أو بعد ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية…الاستنتاج من ذلك لا جدل فيه إطلاقا: فقد ثبت أن الاشتراك في البرلمان البورجوازي الديمقراطي ولو لبضع أسابيع قبل انتصار الجمهورية السوفييتية وحتى بعد هذا الانتصار، لا يضر البروليتاريا الثورية بل يسهل إمكانية أن تثبت للجماهير المتأخرة لماذا تستوجب هذه البرلمانات الحل وهو يسهل النجاح في حلها و يقرب اللحظة التي يمكن فيها القول إن البرلمانية البرجوازية انتهت عمليا” (2).

أتذكر أنه لما اتخذنا إجراءات عملية مباشرة لتشتيت الجمعية التأسيسية أكد لينين على نحو خاص على استقدام فرقة أو فرقتين من القناصة اللُتونيين المكونة أساسا من عمال زراعيين. “تكاد ثكنة بتروغراد تكون فلاحية بالكامل ويمكن أن تتردد أمام الجمعية التأسيسية”: هكذا عبر لينين عن انشغالاته. لم يكن الأمر في هذه المسألة يتعلق بتاتا “بتقاليد” سياسية لأنه لم يمكن أن تكون للفلاحين الروس تقاليد جدية في الديمقراطية البرلمانية. جوهر المسألة هو أن الجماهير الفلاحية عندما تستيقظ للحياة التاريخية لا تميل البتة إلى الثقة للوهلة الأولى في قيادة مدينية حتى وإن كانت بروليتارية، لاسيما في حقبة غير ثورية. تبحث هذه الجماهير عن صيغة سياسية بسيطة تعبر مباشرة عن قوتها السياسية أي عن غلبة العدد. و التعبير السياسي عن هيمنة الاكثرية هو الديمقراطية الشكلية.

بديهي أن الجزم بأن ليس في وسع الجماهير الشعبية ولا من واجبها أبدا، مهما كانت الظروف، أن “تقفز” على الدرج “الدستوري” إنما هو حذلقة تليق بستالين. تدوم المرحلة البرلمانية في بعض البلدان عقودا طويلة وحتى قرونا. ولم تمتد هذه الفترة في روسيا سوى السنوات القليلة للنظام الدستوري الزائف. واليوم الأوحد لوجود الجمعية التأسيسية. ويمكن – من الوجهة التاريخية– تصور أوضاع تنتفي فيها حتى تلك السنوات وذلك اليوم الأوحد. لو كانت السياسة الثورية صائبة ولو كان الحزب الشيوعي مستقلا تماما عن الكومنتانغ، ولو جرى تكوين سوفييتات في 1927-1929 لكان التطور الثوري قد تمكن من إيصال الصين اليوم إلى دكتاتورية البروليتاريا دون عبور الطور الديمقراطي. لكن حتى في هذه الحالة أمكن لصيغة الجمعية التأسيسية، التي لم يجربها الفلاحون في أحرج لحظة ولا اختبروها و بالتالي ظلت تخدعهم، أن تكون عند أول خلاف جدي بين الفلاحين و البروليتاريا – بُـعيد الانتصار ذاته- شعار الفلاحين و صغار بورجوازيي المدن ضد البروليتاريا. والحال أن صراعات هامة بين البروليتاريا والفلاحين، حتى في شروط مواتية لتحالفهما، هي حتمية كليا مثلما تشهد على ذلك ثورة أكتوبر. كمنت ميزتنا الأساسية في كون أغلبية الجمعية التأسيسية تشكلت في نضال الأحزاب المهيمنة لأجل استمرار الحرب وضد مصادرة الأراضي من جانب الفلاحين، وهي بذلك فقدت كل حظوةل لدى الفلاحين في اللحظة بالذات حيث تمت دعوة الجمعية التأسيسية.

كيف يعتبر مقرر المؤتمر، المصادق عليه بعد تلاوة تقرير بوخارين(+)، المرحلة الراهنة من تطور الصين والمهام المترتبة عنها؟ تقول الفقرة 54 من المقرر المذكور: “إن مهمة الحزب الرئيسة حاليا -إبان الفترة الفاصلة بين موجتي تقدم ثوري- هي النضال لكسب الجماهير أي ضرورة قيامه بعمل جماهيري بين العمال والفلاحين وإعادة بناء منظماتهم واستعمال كل استياء ضد الملاكين العقاريين والبرجوازيين والجنرالات والإمبرياليين الأجانب.”

إنه حقا مثال كلاسيكي عن ازدواج المعنى على شاكلة أشهر كهنة العصور القديمة. جرى اعتبار المرحلة الراهنة “فاصلة بين موجتي تقدم ثوري”. إنها صيغة معروفة طبقها المؤتمر الخامس على ألمانيا. ما من وضع ثوري يتطور بانتظام، فهو يشهد حركات تقدم وارتداد. لقد جرى اختيار هذه الصيغة عمدا لتتيح عند تأويلها تصور أنها تقر بوجود وضع ثوري شهد ببساطة “هدوءا” ضئيلا قبل العاصفة. وأيضا يمكن، مهما حدث، اعتقاد أنها تقر بأن حقبة بكاملها ستنصرم بين ثورتين. في كلتا الحالتين يمكن بدء مقرر مقبل بكلمات: “كما تنبأنا بذلك” أو “كما تكهنا بذلك”.

ينطوي حتما كل تنبؤ تاريخي على عنصر مشروط. و بقدر قصر الفترة المعنية يكون هذا العنصر مهما. و يستحيل -عموما- القيام بتنبؤ يعفي قادة البروليتاريا من تحليل لاحق للوضع. إن التنبؤ لا يحدد ضرورة ثابتة، فأهميته تكمن في توجهه. يمكن ويجب أن ننظر إلى أي حد يكون كل تنبؤ مشروطا. بل ويمكن في بعض الحالات تقديم عدة تنويعات للمستقبل مع تحديدها بتبصر. و أخيرا يمكن، إزاء وضع مبهم، التخلي مؤقتا عن كل تنبؤ والاكتفاء بنصيحة الانتظار والمراقبة. لكن يجب أن يتم كل هذا بوضوح وبصدق. لم تكن تنبؤات الأممية الشيوعية خلال السنوات الخمس الأخيرة توجيهات بل فخاخا لقيادات أحزاب مختلف البلدان. كان الهدف الرئيس لمختلف هذه التكهنات هو الإيحاء بتوقير حكمة القادة، و في حالة الفشل، انقاذ “الهيبة”، صنم الضعفاء الرفيع هذا. إنها طريقة لتنزيل الوحي وليس للقيام بتحاليل ماركسية. وهي تقتضي في الممارسة وجود “أكباش محرقة”. إنها منظومة مثبطة للهمم. نشأت الأخطاء اليساروية للقيادة الألمانية في 1924-1925 عن نفس الطريقة الخادعة في صياغة رأي مزدوج المعنى حول “موجتي التقدم الثوري”، وقد يسبب مقرر المؤتمر السادس نفس القدر من المصائب.

شهدنا الموجة الثورية قبل شانغهاي، ثم التي في أوتشانغ. وكان ثمة منها الكثير لكن محدودة ومحلية أكثر. وارتكزت كلها على التقدم الثوري العام لسنوات 1925-1927. إلا أن هذا الصعود التاريخي انتهى. وهذا ما يجب فهمه والتصريح به بوضوح، إذ تترتب عنه نتائج استراتيجية بالغة الأهمية.

يثير المقرر ضرورة “استعمال” كل استياء ضد الملاكين العقاريين والبورجوازيين والجنرالات والإمبرياليين الأجانب. هذا أمر لا جدال فيه إلا أنه غامض جدا. فكيف سيتم ذلك “الاستعمال”؟ إذا كنا بين موجتي تقدم ثوري، فيمكن اعتبار كل مظهر استياء ولو ضئيل الأهمية “بداية الموجة الثانية” الشهيرة (حسب زينوفييف (++) و بوخارين) وآنذاك يجب أن يصبح شعار الانتفاضة المسلحة الدعاوي شعارا للعمل. وهنا يمكن أن تولد “نوبة ثانية” من النزعة الانقلابية. و إذا وضع الحزب استياء الجماهير في منظور تاريخي صائب فسيستعمله على نحو مغاير تماما. إلا أن هذه “التفاهة”-الأفق التاريخي الصائب- تعوز المؤتمر السادس في كل المسائل. جعلت هذه الثغرة من المؤتمر الخامس إفلاسا. و هنا أيضا يمكن أن تتحطم الأممية الشيوعية عن آخرها.

وبعد إدانة ثانية للميول الانقلابية التي ُيعد هو ذاته المجال لها، يواصل مقرر المؤتمر: “من جهة أخرى سقط بعض الرفاق في خطأ انتهازي: إنهم يرفعون شعار الجمعية التأسيسية”.

أما أين يكمن الطابع الانتهازي لهذا الشعار، فذلك ما لا يشرحه المقرر. وحده المندوب الصيني ستراخوف، في خطابه الختامي حول دروس الثورة الصينية، يحاول تقديم تفسير. إذ يقول: ” نرى من خلال التجربة الصينية أنه عندما تقترب الثورة بالمستعمرات(؟) من اللحظة الحاسمة يطرح السؤال بوضوح: إما ديكتاتورية الملاكين العقاريين والبورجوازية أو ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين”.

طبعا، عندما “تقترب الثورة من اللحظة الحاسمة” (ليس بالمستعمرات وحدها) تعتبر كل طريقة في التصرف كالتي جرت مع الكومنتانغ، أي كل سياسة تعاون، جريمة ذات عواقب وخيمة: لا يمكن آنذاك تصور سوى إحدى أمرين، إما دكتاتورية للملاكين أو دكتاتورية للعمال. لكن، كما سبق أن رأينا، يتطلب الانتصار الثوري على البرلمانية ألا ننكرها بشكل عقيم حتى في مثل تلك اللحظات. و رغم ذلك يذهب ستراخوف إلى أبعد من ذلك: “يستحيل وجود الديمقراطية البرجوازية هناك (في المستعمرات): الدكتاتورية البرجوازية المكشوفة هي وحدها الممكنة. لا يمكن أن يكون ثمة أي طريق دستوري.”

هذا توسيع مزدوج الخطأ لفكرة صائبة. فإن كانت الديمقراطية البرجوازية منسوفة حتما في “اللحظات الحاسمة” (ليس في المستعمرات فقط)، فالأمر لا يعني بتاتا استحالتها في مراحل بين الثورات. لكن ستراخوف وكل المؤتمر يرفضون، على وجه الدقة، الاعتراف بأن “اللحظة الحاسمة” التي كان الشيوعيون خلالها يرضون بأسوأ الأوهام الديمقراطية داخل الكومنتانغ قد ولت. والحال أنه قبل “لحظة حاسمة” جديدة لابد من اجتياز حقبة طويلة يلزم خلالها تناول المسائل القديمة بطريقة جديدة. إن الجزم باستحالة وجود مراحل دستورية أو برلمانية في المستعمرات هو تخل عن استعمال وسائل نضال أساسية للغاية. و هو أيضا، و أساسا، ما يجعل كل توجيه سياسي صائب صعبا و يحشر الحزب في مأزق.

نعم ليس للصين ولباقي بلدان العالم من طريق برلماني نحو تطور حر أي اشتراكي. إلا أن القول باستحالة حقبة أو مرحلة دستورية في تطور الصين أو المستعمرات أمر آخر وهو خاطئ. كان ثمة برلمان في مصر وتم حله الآن وقد ينبعث مستقبلا. وشهدت ايرلندا، رغم وضعها شبه الاستعماري، برلمانا. وهذا شأن كل دول أمريكا الجنوبية ناهيك عن الدول المرتبطة بالتاج البريطاني. ويوجد “ظاهر” برلمانات بالهند، وبوسعها أن تتطور لاحقا: إذ تبدي البرجوازية البريطانية في هذه المسألة ما يكفي من المرونة. كيف يمكن الجزم أن الصين، بعد سحق ثورتها، لن تجتاز طورا برلمانيا أو شبه برلماني أو أنها لن تكون حلبة نضال سياسي جدي لبلوغ هذه المرحلة؟ إن هكذا جزم لا ينبني على أي أساس.

يقول ستراخوف إن الانتهازيين الصينيين يطمحون، على وجه الدقة، إلى استبدال شعار السوفياتات بشعار الجمعية التأسيسية. هذا ممكن ومحتمل بل حتى حتمي. إذ تبرهن كل تجربة الحركة العمالية العالمية، لاسيما التجربة الروسية، أن الانتهازيين يتمسكون دوما، قبل غيرهم، بالأساليب البرلمانية، وعلى وجه العموم بكل ما يشبه البرلمانية من قريب أو بعيد. تمسك المناشفة بالعمل داخل الدوما معارضين إياه بالعمل من أجل الثورة. يؤدي استعمال الأساليب البرلمانية حتما إلى انبثاق كل الأخطار المرتبطة بالنزعة البرلمانية: من أوهام دستورية ونزعة شرعية وجنوح إلى المساومات، الخ. ولا يمكن محاربة هذه الأخطار وهذه الأمراض إلا بتوجيه ثوري للسياسة برمتها. إلا أن نداء الانتهازيين للنضال لأجل الجمعية الوطنية (التأسيسية) ليس بتاتا حجة تبرر اتخاذنا موقفا سلبي إزاء البرلمانية. كانت أغلبية قادة الحزب البلشفي، بعد انقلاب 03 يونيو 1907، تؤيد مقاطعة دوما مبتورة ومزورة، هذا بينما وافق المناشفة كليا على المشاركة في الدوما. ولم يمنع ذلك لينين، في ندوة الحزب التي جمعت آنذاك تكتلي الحزب، من التدخل بقوة لأجل استعمال حتى “برلمانية” 03 يونيو. وكان لينين البلشفي الوحيد الذي صوت إلى جانب المناشفة لصالح المشاركة في الانتخابات. و طبعا لم تكن لـ”مشاركة” لينين أي صلة بمشاركة المناشفة كما أبان كل مجرى الأحداث اللاحق. فهي لم تكن متعارضة مع المهام الثورية، بل ساهمت فيها خلال المرحلة الفاصلة بين ثورتين. وواصل حزبنا النضال من أجل جمعية تأسيسية أي من أجل شكل التمثيل البرلماني الأكثر ديمقراطية، رغم تجربته الضخمة في سوفييتات 1905، مستعملا برلمان03 يونيو المزيف والمضاد للثورة. يجب كسب حق التخلي عن البرلمانية بواسطة توحيد الجماهير حول الحزب والسير بها للنضال المكشوف للظفر بالسلطة. ومن السذاجة اعتقاد إمكان استبدال هذا العمل بالتخلي البسيط عن الاستعمال الثوري لأساليب البرلمانية المتناقضة والقمعية. هنا يكمن أفدح أخطاء مقرر المؤتمر. إذ قام هنا بشقلبة يساروية مبتذلة.

انظروا فعلا كيف جرى قلب كل شيء. فحسب منطق القيادة الحالية وطبقا لمدلول مقررات المؤتمر السادس، لا تقترب الصين من حالة 1917 بل من حالة 1905. لهذا السبب يستنتج القادة ذهنيا: ليسقط شعار الديمقراطية الشكلية. الحقيقة أنه لم يبق ثمة أي مفصل لم ينشغل الورثة بلويه. كيف يمكن استبعاد شعار الديمقراطية، لا سيما الأكثر راديكالية: التمثيل الديمقراطي للشعب، في شروط مرحلة غير ثورية، وفي وقت لم تنجز الثورة بعد مهامها الأكثر آنية: وحدة الصين وتخليصها من كل الإرث الإقطاعي والعسكري والبيروقراطي؟

لم يكن للحزب الشيوعي، حسب علمنا، برنامج خاص به. أما الحزب البلشفي فقد وصل حتى ثورة أكتوبر وأنجزها مسلحا ببرنامجه القديم، الذي تبوأت فيه الشعارات الديمقراطية مكانة هامة. وفي شبابه حاول بوخارين إلغاء هذا البرنامج الأدنى كما تدخل لاحقا ضد المطالب الانتقالية قي برنامج الأممية الشيوعية(3). إلا أن موقف بوخارين ذاك لم يبق في تاريخ الحزب سوى كنكتة. وكما نعلم، كانت ديكتاتورية البروليتاريا هي التي أنجزت الثورة الديمقراطية في روسيا. و هذا أيضا لا تريد القيادة الحالية للأممية الشيوعية فهمه بتاتا. إلا أن حزبنا لم يقد البروليتاريا إلى الديكتاتورية سوى بدفاعه الشديد و المنطقي و المخلص عن كل شعارات الديمقراطية و كل مطالبها، بما في ذلك التمثيل الشعبي المؤسس على الاقتراع العام، و على مسؤولية الحكومة أمام ممثلي الشعب، الخ. وحده هكذا تحريض مكن الحزب من صيانة البروليتاريا من تأثير الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، و نسف تأثير هذه داخل الفلاحين، و تهيئ تحالف العمال و الفلاحين، و جذب أشد العناصر الثورية عزما إلى صفوفه. فهل كان هذا كله إذن مجرد انتهازية؟

يقول ستراخوف إن شعارنا هو السوفييتات، و إن استبداله بجمعية وطنية لا يمكن أن يقدم عليه غير انتهازيين. تكشف هذه الحجة بالطريقة المثلى عن الطابع الخاطئ لمقرر المؤتمر. لم يعارض أحد ستراخوف خلال النقاش، بل بالعكس تمت الموافقة و المصادقة على موقفه في المقرر الأساسي حول التكتيك. و الآن فقط نرى بوضوح، ضمن القيادة الحالية، مدى كثرة أولئك الذين مروا من تجربة ثورة أو ثورتين أو حتى ثلاثة منجذبين بمجرى الأشياء و بقيادة لينين لكن دون أن يفكروا مليا في دلالة الأحداث و دون أن يستوعبوا دروس التاريخ الكبرى. إننا بالأحرى ما زلنا مجبرين على تكرار بعض الحقائق الأولية.

أبرزت في نقدي لبرنامج الأممية الشيوعية كيف شوه الورثة و بتروا فكر لينين الذي أكد أن السوفييتات أدوات انتفاضة و أدوات سلطة. إذ جرى استنتاج استحالة إنشاء السوفييتات سوى “عشية” الانتفاضة. و وجدت هذه الفكرة المضحكة أكمل تعبير عنها في نفس مقرر اجتماع نوفمبر الأخير للجنة المركزية الصينية الذي اكتشفناه مؤخرا. قيل فيه: “يمكن و يجب إنشاء سوفييتات بما هي أدوات للسلطة الثورية فقط في حال تقدم هام و أكيد للحركة الثورية للجماهير و عند ضمان نجاح صلب للحركة.”

الشرط الأول، “تقدم هام” لا منازعة فيه. أما الشرط الثاني “ضمان النجاح”، بل و نجاح “صلب”، فهو حماقة متحذلق لا غير. و مع ذلك يتمادى المقرر في تلك الحماقة مطولا قائلا: “طبعا لا يمكن الشروع في إنشاء السوفييتات دون ضمان مطلق للنصر، إذ يمكن آنذاك أن ينحصر كامل الانتباه في انتخابات السوفييتات و ليس في النضال العسكري، و هو ما قد يؤدي إلى إرساء الديموقراطية البورجوازية الصغيرة، مما سيضعف الديكتاتورية الثورية و يخلق خطرا لقيادة الحزب”.

تحوم روح ستالين المنعرجة عبر موشورة روح الابن العبقري لومندزي (+++) فوق هذه الأسطر الخالدة. إلا أن هذا كله مناف للعقل. خلال إضراب هونغ كونغ و شانغهاي، و خلال كل التقدم العنيف لحركة العمال و الفلاحين فيما بعد، أمكن ووجب إنشاء سوفييتات كأدوات للنضال الثوري المعلن للجماهير الذي سيفضي، عاجلا أو آجلا، لكن ليس دفعة واحدة، إلى الانتفاضة و الظفر بالسلطة. إذا لم يرتـق النضال في المرحلة المعنية إلى مستوى الانتفاضة، فمن البديهي أن السوفييتات ستتلاشى كذلك. فليس بإمكانها أن تصبح مؤسسات “عادية” للدولة البرجوازية. و في هذه الحالة، أي إذا جرى تدمير السوفييتات قبل الانتفاضة، تكون الجماهير الكادحة قد نالت مكسبا هاما في الدراية بالسوفييتات و التمرس على أواليتها. و يغدو بناء السوفييتات، إبان الحقبة التالية من الثورة، مضمونا بشكل مثمر أكثر و على نطاق واسع. لكنها قد لا تؤدي مباشرة، في الحقبة التالية، إلى الانتصار و لا إلى الانتفاضة. لنتذكر جيدا ما يلي: يمكن و يجب رفع شعار السوفييتات منذ المرحلة الأولى لتقدم الجماهير الثوري. لكن بشرط أن يكون التقدم فعليا. يجب أن تهب الجماهير العمالية نحو الثورة و تتجمع تحت رايتها. تعطي السوفييتات تعبيرا تنظيميا لقوة التطور الثوري الجاذبة نحو المركز. تستتبع هذه الاعتبارات أن شعار السوفييتات يصبح، خلال مرحلة ارتداد الثورة حيث تبرز داخل الجماهير ميولات نابذة للمركز، شعارا عقائديا جامدا أو ما ليس أفضل من ذلك، شعار مغامرين. و أبرزت تجربة كانتون ذلك بوضوح و مأساوية لا يضاهيان.

ليس لشعار السوفييتات من قيمة في الصين حاليا غير افتتاح منظور و هو بهذا المعني له دور دعاوي. من العبث أن نعارض بالسوفييتات، و هي شعار الثورة الصينية الثالثة، الجمعية التأسيسية أي الشعار الناتج عن هزيمة الثورة الصينية الثانية. تصبح نزعة الامتناع في حقبة ما بين ثورتين، لا سيما بعد هزيمة نكراء، سياسة انتحارية.

رب قائل- و ما أكثر السفسطائيين في العالم- إن مقرر المؤتمر السادس لا يعني نزعة الامتناع: فليس ثمة أية جمعية وطنية و لم يقم أحد بدعوتها بعد و لا تعهد بذلك، و بالتالي ليس ثمة ما تمكن مقاطعته. مع ذلك يبقى مثل هذا الاستدلال مثيرا للشفقة و شكليا و صبيانيا و بوخارينيا. إذا اضطر الكومنتانغ إلى دعوة جمعية وطنية فهل سنقاطعها في تلك الحالة؟ لا. سنفضح دون رحمة كذب برلمانية الكومنتانغ و زيفها و الأوهام الدستورية للبرجوازية الصغيرة و سنطالب بالتوسيع الشامل للحقوق الانتخابية، و في الوقت ذاته سنرتمي في الحلبة السياسية لنضع العمال و الفلاحين الفقراء، خلال النضال من أجل البرلمان و خلال الانتخابات و في البرلمان ذاته، في تعارض مع الطبقات المالكة و أحزابها. و لا يمكن لأحد أن يضطلع بالتنبؤ بالنتائج التي سيحصل عليها الحزب المقتصر حاليا على وجود سري. إذا كانت السياسة صائبة فستكون المزايا جد هامة. لكن أليس جليا أنه بإمكان الحزب في هذه الحالة، ومن واجبه، لا فقط المشاركة في الانتخابات إذا قررها الكومنتانغ، بل أيضا المطالبة بأن تؤدي تلك الانتخابات إلى تعبئة للجماهير حول هذا الشعار؟

إن المسألة مطروحة من الناحية السياسية، و هذا ما سيتأكد مستقبلا كل يوم. أثرنا في نقدنا للبرنامج احتمال استقرار اقتصادي في الصين. و منذئذ نشرت الصحف عشرات الشهادات حول بداية الانبعاث الاقتصادي. (راجع نشرة الجامعة الصينية). و الآن لم يعد هذا مجرد افتراض بل أمرا واقعا رغم أن الانبعاث مازال في بدايته. لكن يجب ملاحظة اتجاه الميل في البداية بالضبط، و إلا فإننا لا نمارس سياسة ثورية بل الاقتفائية(4). و قس على ذلك النضال السياسي حول مسائل الدستور. فالأمر لم يبق الآن مجرد تنبؤ نظري و مجرد إمكان بل شيئا ملموسا أكثر و ليس عبثا أن المندوب الصيني أعاد مرارا عديدة إثارة موضوع الجمعية الوطنية، و ليس صدفة أن المؤتمر ارتأى ضرورة المصادقة على مقرر خاص (و خاطئ على نحو خاص) بهذا الموضوع. ليست المعارضة هي من طرح هذا المشكل بل تطور الحياة السياسية في الصين. و هنا أيضا لابد من إتقان ملاحظة اتجاه الميل منذ البداية. بقدر ما سيتدخل الحزب الشيوعي بشجاعة و حزم حول شعار الجمعية التأسيسية الديموقراطية بقدر ما لن يترك المكان لأحزاب وسيطة و بقدر ما سيصبح نجاحه صلبا.

إن كان على البروليتاريا الصينية أن تعيش سنوات أخرى (أو حتى سنة واحدة أخرى) تحت نظام الكومنتانغ فهل يمكن للحزب الشيوعي التخلي عن النضال لأجل توسيع الإمكانات الشرعية بكل أنواعها: حرية الصحافة و الاجتماع و التنظيم و حق الإضراب، الخ؟ إن هو تخلى عن هذا النضال فسيتحول إلى عصبة لا حياة فيها- لكن هذا نضال من أجل الحريات الديموقراطية، أما سلطة السوفييتات فتعني احتكار الصحافة و الاجتماعات الخ بين أيدي البروليتاريا-. ربما طرح الحزب الشيوعي الآن هذه الشعارات؟ في الوضع القائم سيكون ذلك مزيجا من الصبيانية و الجنون. لا يناضل الحزب الشيوعي حاليا للظفر بالسلطة بل للحفاظ على صلاته بالجماهير وتدعيمها باسم النضال لأجل السلطة مستقبلا. يرتبط النضال لكسب الجماهير حتما بالنضال ضد عنف بيروقراطية الكومنتانغ إزاء المنظمات الجماهيرية واجتماعاتها وصحافتها، الخ. فهل سيكافح الحزب الشيوعي في الحقبة الآتية لأجل حرية الصحافة أم سيترك هذه المهمة لـ”حزب ثالث”؟ وهل سيقف الحزب الشيوعي عند تقديم مطالب ديمقراطية معزولة (حرية الصحافة والاجتماعات، الخ) مما يعادل إصلاحية ليبرالية، أم أنه سيقدم المطالب الديمقراطية الأشد حزما؟ يعني هذا، على المستوى السياسي، التمثيل الشعبي المرتكز على الاقتراع العام.

يمكن التساؤل عن مدى “قابلية تحقيق” جمعية تأسيسية بعد هزيمة الثورة في الصين شبه المستعمرة والمحاصرة من جانب الإمبرياليين. لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال سوى بتخمينات. لكن عندما يتعلق الأمر بمطلب، مهما كان، جرت صياغته في الشروط العامة للمجتمع البورجوازي أو في وضع ما في هذا المجتمع، فان المقياس البسيط لإمكان تحقيقه ليس حاسما بالنسبة لنا. فمن المحتمل مثلا ألا يتم كنس السلطة الملكية وغرفة اللوردات في إنجلترا قبل إرساء الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا. ورغم ذلك يجب على الحزب الشيوعي أن يدرج مطلب إلغائها ضمن مطالبه الجزئية. فالمسألة لا تحسمها تخمينات تجريبية حول إمكان أو استحالة تحقيق مطلب انتقالي ما. إذ أن الطابع الاجتماعي والتاريخي لهذا المطلب هو الذي يقرر: فهل هو تقدمي بالنسبة للتطور اللاحق للمجتمع؟ هل يناسب المصالح التاريخية للبروليتاريا؟ هل يوطد وعيها الثوري؟ هكذا فإن مطلب منع التروستتات مطلب بورجوازي صغير ورجعي، فضلا عن كونه طوباويا كليا كما أتبثت التجربة في أمريكا. إلا أنه من التقدمي والصائب، في بعض الحالات، المطالبة بالرقابة العمالية على التروستتات رغم أن التوصل إلى ذلك مشكوك فيه في إطار الدولة البرجوازية. ينبغي لبقاء هذا المطلب غير منجز طالما سادت البرجوازية أن يدفع العمال إلى الإطاحة الثورية بالبرجوازية. هكذا فإن الاستحالة السياسية لتحقيق مطلب ما لا تقل أهميته من حيث ثمارها عن الإمكان النسبي لتحقيقه.

ألن تبلغ الصين، لوقت ما، البرلمانية الديمقراطية؟ وكيف ستكون درجة تلك البرلمانية وقوتها ومدتها؟ لا يمكن في هذا المجال تقديم سوى تخمينات.

لكن من الخطأ افتراض استحالة البرلمانية في الصين ومن ثمة استنتاج أن ليس علينا جر زمر الكومنتانغ أمام محكمة الشعب الصيني. وكما أثبتت تجربة كل الثورات البرجوازية، لا سيما التي حررت القوميات، يشكل تمثيل الشعب كله الفكرة الأكثر بساطة و الأشد قدرة على إثارة اهتمام أوسع الشرائح الاجتماعية. و بقدر ما ترفض البرجوازية الحاكمة مطلب “الشعب كله” هذا تتجمع الطليعة البروليتارية حول رايتنا و تنضج الشروط السياسية لانتصار فعلي على الدولة البرجوازية سواء كانت حكومة عسكرية كومنتانغية أو حكومة برلمانية.

قد يجئ الرد: لكن لا يمكن دعوة جمعية تأسيسية حقيقية إلا عبر السوفييتات أي عبر الانتفاضة. ألن يكون البدء بالسوفييتات و الاكتفاء بها أكثر بساطة؟ لا لن يكون ذلك أكثر بساطة. بل سيكون بالضبط وضعا للعربة أمام الحصان. فمن المحتمل جدا ألا تمكن دعوة جمعية تأسيسية إلا عبر السوفييتات و بذلك تنعدم ضرورة هذه الجمعية حتى قبل أن ترى النور. قد يحصل هذا و قد لا يحصل. إن وجدت السوفييتات، التي يمكن عبرها دعوة جمعية تأسيسية “حقيقية”، فسنرى إن كانت هذه الدعوة ضرورية. لكن لا توجد سوفييتات حاليا و لا يمكن الشروع في إرسائها إلا مع بداية تقدم الجماهير الذي قد يحدث بعد سنتين أو ثلاث أو خمسة أو أكثر. ليس ثمة تقليد سوفياتي في الصين. و الأممية الشيوعية قامت بتحريض ضد السوفييتات و ليس لصالحها. و لكن بدأت المسائل الدستورية، في غضون ذلك، تخرج من كل الشقوق.

هل تستطيع الثورة الصينية في مرحلتها الجديدة أن تقفز فوق مرحلة الديموقراطية الشكلية؟ ينتج مما قيل أعلاه أن هذا الإمكان غير مستبعد من وجهة النظر التاريخية، لكن لا يمكن بتاتا قبول تناول المسألة بالتمسك بهذا الاحتمال، و هو الأكثر بعدا و الأقل رجحانا. و سيكون هذا دليل قلة نباهة في المجال السياسي. يتخذ المؤتمر قراراته لمدة تفوق الشهر،لا بل كما نعلم لمدة تفوق السنة. فكيف يمكن إذن ترك الشيوعيين الصينيين مكبلي الأيدي و الأرجل بإلقاء صفة الانتهازية على شكل للنضال السياسي قد يكتسي، منذ المرحلة المقبلة، أهمية عظيمة؟

ما من شك أن ولوج طريق النضال لأجل الجمعية التأسيسية قد يوقظ و يوطد الميول المنشفية داخل الحزب الشيوعي الصيني. ليس النضال ضد الانتهازية، حين تتجه الحياة السياسية صوب البرلمانية أو صوب النضال لإرسائها، أقل أهمية من النضال ضد الانتهازية حين نكون بصدد هجوم ثوري مباشر. لكن، و كما سبق القول، لا ينتج عن ذلك وصف الشعارات الديموقراطية بالانتهازية بل ضرورة التأهب بضمانات و تحضير أساليب نضال بلشفية تخدم هذه الشعارات. الخطوط العريضة لهذه الضمانات و هذه الأساليب هي التالية: يجب على الحزب أن يتذكر أنه، بالنظر إلى هدفه الرئيس (الظفر بالسلطة بواسطة السلاح)، ليس للمطالب الديموقراطية غير طابع ثانوي و مؤقت و عابر و مرحلي. و عليه أن يشرح ذلك. و تكمن الأهمية الأساسية لتلك المطالب في إتاحة الوصول إلى الطريق الثوري. يجب على الحزب في نضاله من أجل الشعارات الديموقراطية أن ينزع الأوهام الدستورية و الديموقراطية للبرجوازية الصغيرة و الإصلاحيين المعبرين عن آرائها بقيامه بتفسير كيف أن الحصول على السلطة في الدولة لا يتم بأشكال اقتراع ديموقراطية بل بالملكية و باحتكار التعليم و السلاح. يجب على الحزب، و هو يستغل حتى النهاية كل اختلاف في وجهات النظر حول المسائل الدستورية داخل البرجوازية (الصغيرة منها و الكبيرة)، و يشق مختلف الطرق الممكنة صوب مجال نشاط علني، و يناضل لأجل الوجود الشرعي للنقابات و للأندية العمالية و للصحافة العمالية، و ينشئ- كلما و أينما أمكن- منظمات سياسية شرعية للبروليتاريا تحت التأثير المباشر للحزب، و أن يسعى مذ يمكن ذلك إلى إضفاء الطابع الشرعي على مختلف مجالات نشاط الحزب، سيتوجب عليه و هو يقوم بكل ذلك أن يضمن قبل كل شيء وجود جهازه السري الممركز الذي سيقود مختلف فروع نشاط الحزب السري منه والعلني. يجب على الحزب أن يقوم بعمل ثوري منظم في صفوف جيش البرجوازية. يجب على قيادة الحزب أن تفضح بلا هوادة كل الترددات الانتهازية التي تجنح إلى حل إصلاحي للمشاكل المطروحة على البروليتاريا في الصين. و عليها أن تنفصل عن كل العناصر التي تكد بوعي لإلحاق الحزب بالنزعة الشرعية البرجوازية.

إن أخذ هذه الشروط بعين الاعتبار هو وحده الذي يجعل الحزب يقيم تناسبا صائبا بين مختلف فروع نشاطه، و هو الذي يضمن ألا يحيد الحزب عن تغير جديد للوضع في اتجاه انبعاث ثوري و أن يلج طريق إنشاء سوفييتات و يعبئ الجماهير حولها منذ إنشائها و يواجه بها الدولة البرجوازية بكل أشكال تمويهها البرلمانية و الديموقراطية.

المصدر:

  • ليون تروتسكي : الأممية الشيوعية بعد لينين فصل المسألة الصينية بعد المؤتمر السادس صفحات 404 الى 427 من طبعة PUF، فرنسا 1979

هوامش:

  1. لينين : الأعمال الكاملة بالفرنسية-الجزء 28 –ص 453.
  2. لينين الجزء 31 ص 55 مرض الشيوعية الطفولي.
  3. في مؤتمري الأممية الشيوعية الثالث و الرابع جرى التأكيد على ضرورة أن تقدم الأحزاب الشيوعية، بين المطالب الآنية و المطالب ذات الطابع الاشتراكي، مطالب عامة من شأنها تعبئة الجماهير في نضالات كبرى تضعها في تعارض مع النظام الرأسمالي بفعل استحالة تلبية تلك المطالب في إطار هذا النظام. طورت الأممية الرابعة هذا المفهوم بالمصادقة في مؤتمر تأسيسها عام 1938 على برنامج انتقالي صاغه تروتسكي بعنوان : احتضار الرأسمالية و مهام الأممية الرابعة.
  4. الاقتفائية suivisme : السير تبعا لما يقوم به صاحب بادرة.

دليل الأسماء:

(+) بوخارين: (1988-1938) انضم إلى البلاشفة عام 1906.اعتقل مرات عديدة وهاجر عام 1911 ليعود إلى روسيا بعد فبراير 1917. اشرف على نشر الايزفستيا في موسكو. وكان مديرا للبرافدا من ديسمبر 1917 إلى 1929. قاد التكتل اليساري خلال مفاوضات بريست-ليتوفسك. حل مكان زينوفييف بقيادة الأممية الشيوعية عام 1926. و قاد مع ريكوف و تومسكي التكتل اليميني بالحزب البلشفي. جرى إبعاده من المناصب القيادية عام 1929. طرد من الحزب عام 1937 و تم اتهامه و إعدامه عام 1938.

(++) زينوفييف: (1883-1936) عضو بالحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي منذ 1901. و بلشفي منذ 1903. ناضل في بطرسبورغ في 1906-1907. هاجر من 1907 إلى 1917. عضو بالجنة المركزية من 1907 إلى 1926. كان أقرب مساعدي لينين بالمهجر. عارض عام 1917 “موضوعات أبريل” ثم عارض الاستيلاء على السلطة. ترأس سوفييت بتروغراد ابتداء من 1918. و كان رئيسا للأممية الشيوعية منذ تأسيسها حتى 1926. عضو بالمكتب السياسي، كون (مع كامينيف و ستالين) الثالوث ضد تروتسكي. قطع مع ستالين في 1925-1926. طرد من الحزب عام 1927. استسلم لأول مرة عام 1928 و أعيد قبوله في الحزب. طرد من جديد عام 1932 و نفي إلى سيبيريا. و استسلم من جديد عام 1933. اعتقل بعد اغتيال كيروف و حكم عليه بالسجن عشر سنوات. اتهم في محاكمة موسكو الأولى عام 1936 و حكم عليه بالموت و أعدم.

(+++) لومينادزي: (ولد عام 1897 أو 1898 و مات عام 1934) قائد للشبيبة الشيوعية السوفييتية. بعثته الأممية الشيوعية إلى الصين عام 1927 حيث شارك في تنظيم انتفاضة كانتون (10 ديسمبر 1927)، قدم بمعية سيرتسوف تقريرا ضد ستالين و طرد من اللجنة المركزية عام 1930. انتحر بعد المؤتمر السابع عشر حيث قام ب “نقده الذاتي”.