بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بلترة العمل الذهني

« السابق

3- وحدة النظرية والممارسة

يكتسي التمرد الطلابي، قبل كل شيء، شكل حركة عفوية. وقد حاولنا في القسمين الأولين من هذه الدراسة أن نكتشف جذوره في البلترة والاستيلاب المزايدين للعمل الذهني عامة والطلابي بخاصة وذلك حسب أزمة الجامعة البرجوازية الكلاسيكية أو التكنوقراطية. ينبثق التمرد الطلابي دوما من الواقع الآني مثل غيره من الحركات الجماهيرية العفوية. وسواء كان ردا على عدم توافق الجامعة مع حاجات الطلبة المادية أو ردا على بنيات ومضامين التعليم الجامعي أو حركة تضطلع بالنضالات السياسية والاجتماعية التي تخلت عنها المنظمات السياسية التقليدية، فإن التمرد الطلابي يكتسي طابعا آنيا على الدوام.

غالبا ما ُينسى الطابع الآني للتعبئة الطلابية العفوية بفعل مضاعفاتها المثيرة. وهل من الضروري التذكير بأن الهدف الآني للتمرد الطلابي بباريس 1968 هو تحريض بعض الطلبة الذين اعتقلتهم الشرطة؟ وإن كانت حركة الاحتجاج تلك قد أفضت إلى ليلة المتاريس وإلى المظاهرة العمالية الضخمة تضامنا مع الطلبة ثم إلى الإضراب العام مع احتلال المصانع، فإن السبب لا يكمن في الطبيعة الاجتماعية للوسط الطلابي ولا في طبيعة المطلب الذي أطلق الحركة. إنه في دور المفجر الذي يمكن أن تقوم به حركة سياسية جماهيرية في سياق اجتماعي وسياسي خاص.لن يعتقد أي عاقل أن عشرة ملايين عامل اضربوا واحتلوا المصنع وخلقوا وضعا قبثوريا بفرنسا مواجهين حكومة مستقرة كحكومة ديغول لمجرد أن بعض المحرضين تلاعبوا بهم أو لأن البلد كان ضحية مؤامرة جهنمية حضرت هي الأخرى بالخارج كما يعتقد ذلك حقا السيد مارسولان. إن حركات بهذا القدر من الاتساع لا تدرك إلا بربطها استياءات عميقة أي تناقضات تراكمت فترة من الزمن، وأن انفجارها انطلاقا من التمرد الطلابي لهو تعبير عن وجود قوى لا تقل بأسا كبحت وخنقت وأجلت ظهور تلك التناقضات خلال مدة طويلة.

وهكذا يختزل الرابط بين التمرد الطلابي والقوى الاجتماعية التي تضم القسم الأعظم من العمال في ما يلي: أدت الحركة الطلابية العفوية دورا كاشفا ومفجرا لاستياء اجتماعي عميق أخفته لأمد طويل بنيات سياسية غير ملائمة، لا سيما تلك الخاصة بالحركة العمالية. أي أن تلك البنيات سعت إلى توجيه الاستياء نحو إصلاحات هزيلة لا تناسب البتة حدة التناقضات الاجتماعية.

لماذا يمكن أن تقوم الحركة الطلابية، في لحظات معينة، بدور كاشف ومفجر لانتفاضات اجتماعية أوسع بكثير؟أولا لأنها حركة جماهيرية متسعة بقدر يجعل أثرها يشمل حتما المجتمع برمته. ونحن هنا إزاء نتيجة جديدة للانفجار الجامعي والنمو النوعي لكتلة الطلبة والتي عينا أصولها في حاجات الرأسمالية الجديدة وبالتالي في تطور نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. إن مظاهرة بضعة آلاف من الطلبة قد لا يثير أي اهتمام لكن الأمر مغاير تماما حين يقيم ثلاثون ألف طالب المتاريس بقلب باريس.

ثانيا لأنها حركة عفوية لا تؤطرها ولا تراقبها ولا تتحكم فيها المنظمات السياسية التقليدية التي فقدت هيبتها وسط الشبيبة بفعل عدم تلاؤمها الجلي مع مشاكل عصرنا الأساسية.

تبدي عفوية الحركة الطلابية الجماهيرية طاقة تحررية هائلة. ومن شأن هذه الطاقة التحررية العفوية أن تمتد إلى كل شرائح السكان انطلاقا من قاسم مشترك هو المطلب الآني الذي ولد الحركة. وفجأة تكتشف شرائح السكان العاملة أن “الملك عار” ويصرخ بذلك الطلبة متيحين للسكان أن يدركوا بوضوح ما أحسوه على نحو مبهم ولم يجرؤوا على التعبير عنه. هكذا يجري رفض كل الاضطهاد الذي يخنق الحياة السياسية ومن أعماق التناقضات الاجتماعية تصعد إلى السطح أكثر المطالب جذرية.

وأخيرا فإن الحركة الطلابية هي حركة سياسية جماهيرية. فطالما لم تواجه مباشرة غير سلطات جامعية أو بنى سياسية ثانوية تبقى قدرتها المفجرة محدودة، وحالما تواجه الدولة البرجوازية أي المجتمع البرجوازي برمته تكتسي المواجهة كامل قدرتها المفجرة. ودور المثال هنا هام للغاية. لكن علاوة على هذا الدور وما يمارسه من جذب ثمة التسييس السريع للحركة الجماهيرية المنطلقة من مستوى المطلب الآني والتي لا تكف عن التوسع وبذلك تحول الحركة إلى قوة نضال شاملة ضد المجتمع الرأسمالي. ويقوم هذا النضال من جهته بدور ممركز للغاية، فهو يجذب ويميل إلى إدماج مطالب فئات اجتماعية أخرى مستاءة متحولا إلى قطب ثوري لقوى سياسية واجتماعية معارضة لقطب النظام القائم مع كل ما يترتب عن ذلك.

يمكن في هذا الصدد أن نثير الانتباه إلى الدور المتناقض لوسائل الإعلام الجماهيري، وهو دور أكثر تعقيدا مما يظن بعض نقاد الحضارة المعاصرة المتشائمين. لا شك أن التلفزيون قوة جبارة تصنع الإمتثالية والإدماج الاجتماعي الرأسماليين. لكن بقدر ما ينساق الصحفيون وتقنيو التلفزيون إلى حركة النضال العامة كما حدث في مايو 1968 بفرنسا، يصبح للتلفزيون أهمية غير مشهودة. فقدرته على إيصال صور الأحداث آنيا إلى محيط واسع جدا يحوله من وسيلة إعلام إلى أداة تعبئة. كان مايو 68 أول حركة ثورية في التاريخ يعلم بها ملايين الأشخاص كل ساعة بل وكل ربع ساعة وليس بعد أسبوع أو في اليوم الموالي. هكذا يمكن أن يركض المرء للمشاركة في مظاهرة لأنه شاهد بدايتها في التلفزيون.

لكن، من جهة أخرى، تقف كل طاقات الحركة الطلابية، بما هي حركة سياسية جماهيرية عن عند حد نابع من مصدر قوتها بالذات. فكل حركة جماهيرية هي بطبيعتها متقطعة، بل إنها تميل بقدر تسيسها إلى استنفاذ قوتها في أهداف عديدة وغير متجانسة. ولا يمكن لجاذبية الحركة الجماهيرية أن تعوض غياب بنيات ممركِزة. وقد يتبدد الرأسمال الضخم المراكم خلال بضعة أسابيع أو بضعة أيام عندما يصل الوضع إلى منعطف.

فما سبب ذلك؟ ثمة سببان أساسيان يفسران الطابع البنيوي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية. وتتعارض الماركسية الثورية مع مختلف أنواع الإصلاحية خاصة بفهمها لذلك الطابع البنيوي الجوهري للمجتمع الرأسمالي. والمعني الملموس لذلك هو استحالة سير اقتصاد رأسمالي مع اختفاء الربح. فإذا احتل العمال المصانع وبدأوا إلى جانب الطلبة يشلون كل أواليات المجتمع البرجوازي التقليدية فلا يبقى غير حلين ممكنين:أما الحفاظ على البنية الرأسمالية للاقتصاد أو تعويض علاقات الإنتاج القديمة بأخرى جديدة. في الحالة الأولى تصاب كل الحياة الاقتصادية، وخاصة الإنتاج، بالفوضى، لا بل قد يتوقفان تماما. وفي الحالة الثانية يمكن استئناف الإنتاج على قاعدة اجتماعية جديدة.

لكن ما من شعب يستطيع الاستمرار مطولا إذا توقف الإنتاج. وهذه القاعدة الأولية التي أكدتها مجتمعات أخرى تنطبق عشرة أضعاف على المجتمع المعاصر حيث يجعل التعقيد التقني آلة الإنتاج شديدة التأثير بكل توقف لأوالياتها، وحيث تجعل قسمة العمل كل مواطن أشد تبعية لجهاز الإنتاج في مجمله. لذا تصبح العودة إلى الإنتاج الرأسمالي، بعد مدة ما، حتمية عمليا ما لم تعوض البنية الرأسمالية ببنيات اقتصادية جديدة.

لكن لا يعني سقوط كفاحية الجماهير حتما إلى الصفر وعودة العلاقات بين القوى الاجتماعية والسياسية إلى ما كانت عليه قبل الانفجار الثوري. وغالبا ما تكون تلك العودة إلى السير الرأسمالي للاقتصاد متبوعة بنضالات سياسية واجتماعية ضارية تفرض على نشاط الإنتاج جملة اضطرابات. هكذا يمكن دخول حقبة قبثورية طويلة جدا في بعض الأحيان.

لكن حقبة قبثورية ليست هي الثورة لأن الثورة الاجتماعية هي على وجه الدقة تعويض علاقات الإنتاج الرأسمالية بعلاقات إنتاج جديدة.

من هنا يمكن أن تستنتج أن حركة جماهيرية عفوية محكومة بالتراجع ولو مؤقتا طالما لم تظفر بجملة انتصارات حاسمة سواء ضد الدولة أو ضد الطبقة الرأسمالية. ويقتضي تركيز كل الجهود على بعض الأهداف الممركزة درجة تنسيق وفعالية من لدن مئات آلاف بل ملايين الأشخاص. وهي درجة لا تتيحها العفوية وحدها. فهي تتطلب بنيتين تنظيميتين، أولهما بينة اللجان المنتخبة في القاعدة أي المجالس العمالية والطلابية والفلاحية القادرة على تعبئة مشتركة لأوسع الجماهير. وثانيهما بينة الحزب الثوري الكفيل بمد البنية الأولى بمنظور واضح الأهداف وبسبل تحقيقها.

وهنا نصل إلى الحد الثاني والحتمي الذي تصطدم به كل حركة عفوية جماهيرية. توقظ الحركة العفوية، مثل الزوبعة، آلاف المشاعر والآمال والأفكار المتناقضة كليا. ولا توجد ضمانة لتطابق القواسم المشتركة الناتجة عن تفاعل تلك القوى الإيديولوجية مع الحاجات الموضوعية للثورة. إن التحويل الاشتراكي للمجتمع مهمة واعية للغاية، بل هي العمل الأكثر وعيا الذي طرح على النوع البشري إطلاقا. لذا فإن محاولة تحقيقه دون علم عميق بقوانين التطور الاجتماعي وبالأسباب العميقة لانحطاط الرأسمالية وقواعد بناء المجتمع الجديد، أي بالتغاضي عن كل ما أتت به الاشتراكية العلمية، يعني الركض نحو كارثة محققة.

في عصرنا لا يمكن لثورة اشتراكية ظافرة أن تكون غير نتاج انصهار متنام لقوتين أساسيتين: من جهة حركة الجماهير المتسعة باستمرار والمطلقة لطاقات هائلة ولما لا يحصى من المبادرات الشعبية والفردية. ومن جهة أخرى حزب ثوري، أي برنامج علمي وثوري مجسد في عدد مرتفع من الأطر التي سبق أن كسبت ثقة قطاع من الجماهير بفضل نشاطاتها السابقة والتي تستطيع تنظيم وقيادة تلك الجماهير نحو حركة تفضي إلى انتصار الثورة.

ونظرا لكون الحركة الطلابية عاجزة ذاتيا عن تعويض مثل ذلك الحزب السياسي الثوري، فهي عاجزة عن حل المهام المطروحة على الحركة الجماهيرية التي ساهمت في إطلاقها. إذا لم تفض الحركة الطلابية إلى بناء أو تدعيم منظمة ثورية فإنها ستفشل في مساهمتها في تحرر مجموع العمال.

إن الطليعة المنبثقة تدريجيا من الحركة الطلابية، تواجه بشكل أو بآخر مشكلة عصرنا الأساسية أي المشكلة التي سادت على نحو واسع في تطور كل العلوم الإنسانية منذ قرنين والتي تجد حلها في الماركسية: إنها مشكلة العلاقات بين النظرية والممارسة. لن نتناول هنا الجانب الابستمولوجي للمشكل (أي من زاوية نظرية المعرفة)، فما يهمنا في المقام الأول هو العلاقات بين النظرية الثورية والممارسة الثورية.

تتمثل إحدى العوامل النفسية للتمرد الطلابي ولتجذر الشبيبة على العموم في الرفض القاطع للنفاق الذي يطبع أغلب الأنشطة الاجتماعية بدءا بالمندرجة منها في البنية الفوقية. فكل القوى السياسية والقيم الأخلاقية والمؤسسات الاجتماعية تبدوا كأقنعة يجب إسقاطها لاكتشاف الأواليات الحقيقية التي تحرك المجتمع فعلا. فخلف المبادئ الكبرى تختفي المشاعر الأنانية الخاصة والشره إلى الربح، وخلف المثل النبيلة يوجد الفساد، فساد الوصولية والتعطش للسلطة وللامتيازات.

ويوجد في أساس كل هذا النفاق هوة متزايدة العمق بين المبادئ والممارسة، بين مبادئ مفصولة عن الممارسة وممارسة لا مبادئ لها. يبدو أن حاجزا متعذر العبور يفصل البرامج والمثل وأسس الأخلاق عن الممارسة اليومية وهو حاجز يراه الجميع. وطبعا يمد الفساد جذوره في طبيعة المجتمع البرجوازي نفسها، ويمس بعمق الحركة العمالية التقليدية وكذا ممارسات البيروقراطيات الحاكمة في البلدان المسماة اشتراكية.

إن تمرد الشباب ضد هذا النفاق سليم تماما وجدير بالثناء. وهو يوفر إمكانية دفعة جديدة ولا رجعة فيها للمسيرة نحو مجتمع خال من الاستغلال والاضطهاد. ويفضي إلى إرادة محمودة هي الأخرى في جعل الممارسة الاجتماعية، وبخاصة الممارسة السياسية، مطابقة للمثل. لكنه مهدد بالعقم ما لم يرتكز على وحدة الممارسة والنظرية الثوريتين التي تضم كل ديالكتيك هاذين النشاطين المعقد.

لقد قلنا إن التحويل الاشتراكي للمجتمع هو العمل الأكثر وعيا ضمن مجمل ما تصورته البشرية، وعليه كي ينال حظوظه من النجاح أن ينطلق من تصور شامل لكل قطاعات الحياة الاجتماعية. أي أن يتوصل إلى تجميع نتائج العلوم الإنسانية. وتمثل الماركسية التيار الوحيد الذي نجح لحد الآن في هذا التجميع، علما أنه لا يمكن مع ذلك اعتباره، بسبب من طبيعته بالذات، نتيجة ناجزة بالمرة، بل يتطلب مساءلة و إغناء دائمين.

إن ممارسة ثورية لا تستند على هذا المنظور الشامل للمجتمع المعاصر وعلى التناقضات التي تنخره وقواه المحركة مهدد بالسقوط في التجريبية والدوغمائية والحركية العقيمة. وإن الأمثلة أكثر من أن تعد. وكل ممارسة ثورية لا تسترشد بنظرية ثورية تسقط حتما أسيرة الأحكام المسبقة للبرجوازية وإيديولوجيتها، التي تسعى بكل ما أوتيت للتمرد عليها.

خضت في مايو 1968 بمعية رفاقي نضالا سياسيا ضاريا في أوساط الحركة الطلابية بألمانيا الغربية والولايات المتحدة ضد من يؤكدون أن الطبقة العاملة بتلك البلدان اندمجت نهائيا في مجتمع الرأسمالية الجديدة وأنها عاجزة عن التمرد وبالتالي ليس بوسعها أن تكون القوة الأساسية للتحويل الثوري.

وكان الثوريون المدافعون عن تلك الفكرة صادقين تدفعهم أفضل النوايا، لكنهم لم يدركوا أنهم في الواقع سقطوا في أسر إيديولوجية مميزة للبرجوازية، وهي إيديولوجية ترى أن الرأسمالية الجديدة تمكنت من تجاوز تناقضاتها الاقتصادية وأنها قادرة على أن تؤمن للعمال مستوى عيش لا يكف عن الارتفاع وأن تخنق بذلك نهائيا كل وعي طبقي.

كان الإدراك الإجمالي للقوانين الاقتصادية والاجتماعية المحددة لدينامية الرأسمالية الجديدة يتيح توقع تفاقم تناقضات هذا المجتمع حتى في البلدان الإمبريالية الأكثر غنى. وكان ممكنا توقع قيام عمال تلك البلدان بالتمرد ضد تكثيف العمل وتسريع الوتائر وتقليص حرية الإضراب وضد استيلابهم المتزايد كمنتجين وكمستهلكين. وذلك كله كنتيجة حتمية لسير عمل الرأسمالية. كان من الممكن إذن توقع موجة نضالات عمالية جدية وحتى نضالات عمالية متفجرة في تلك البلدان. يؤدي غياب رؤية إجمالية للمجتمع الرأسمالي، أي غياب استيعاب الماركسية الثورية إلى إفساد تحليل القوى الاجتماعية الملموس ويقود إلى رؤية خاطئة لسلوك تلك القوى مستقبلا، وإلى توجه سياسي خاطئ.

ومن جهة أخرى يبقى العقم مصيرا محتوما لكل نظرية ثورية بدون ممارسة ثورية. إن من يقول بضرورة البدء بتعميق التحليل النظري خلال فترة طويلة، بينما تنفجر وتنمو في بلدان عديدة حركات جماهيرية قوية وتتطور في بلدان أخرى نضالات عمالية هامة لها طاقة ثورية أكيدة، إنما يتواطأ مع الذين يعملون بشكل أو بآخر لعرقلة إفضاء تلك الطاقة إلى ثورة اشتراكية ظافرة. بل أسوأ من هذا أن نقوم باعتكاف متعجرف على “النظرية الخالصة” إنما يعني الإنقاص التدريجي من ثورية تلك النظرية، لأن النظرية مهددة بفقد الصلة بالواقع إذا انعدم اختبارها العملي الدائم. ويمكن أن تصبح التجريدات ذاتية واعتباطية ومبتعدة أكثر فأكثر عن الواقع الموضوعي. أي أنها باختصار تصبح خاطئة. وتضم الرؤية الإجمالية للواقع الاجتماعي بعد الممارسة الثورية، وإذا ألغيت هذه الأخيرة يصبح التحليل النظري جزئيا وبالتالي غير شمولي، إنه باختصار يكف عن كونه نظرية ليصبح إيديولوجية.

لكن وحدة النظرية والممارسة الثوريتين لا تتحقق على المستوى الفردي إذ لا يمكن لأي شخص مهما كان عبقريا أن يستوعب المنهج الماركسي وكل معطيات العلوم الإنسانية وأن يتابع واقع صراع الطبقات في أكثر من مائة بلد مختلف، ويشارك شخصيا في النضال ليخضع تصوراته لامتحان الممارسة. وحدها المنظمة الثورية قادرة على جمع الممارسات والتجارب والمعارف الضرورية التي تتيح بلوغ تلك الوحدة.

إن الشبيبة الراديكالية إذ ترفض القطيعة الجذرية القائمة اليوم بين الواقع والمثل المعلنة، وتتمرد على النفاق الشامل الذي ليس غير قناع للاستغلال والاضطهاد الشاملين، إنما هي تحلم بذلك التركيب بين النظرية والممارسة. وإن تحقيق هذا التركيب الذي تستدعيه النظرية لن يتم إلا في الممارسة الثورية أي في التحويل الثوري للمجتمع.

ترتبط قدرة الحركة الطلابية على أداء دور كاشف ومفجر للأزمة الاجتماعية بالتماثل بين أزمة الجامعة البرجوازية وأزمة علاقات الإنتاج الرأسمالية. فتلك الأزمة هي أساس كل الصراعات الكبرى التي تمزق اليوم مجتمع البلدان الإمبريالية. سماتها الرئيسية هي: أزمة الاقتصاد السلعي وأزمة الملكية الخاصة والربح وأزمة البنيات السلطوية والتراتبية داخل المقاولات وأزمة القسمة الاجتماعية للعمل التي هي أزمة العمل المجزأ أو المستلب.

ويميل الحل الاشتراكي لهذه الأزمة العامة إلى المصادرة الجماعية لوسائل الإنتاج والتبادل وتسييرها من قبل المنتجين المتشاركين أي إلى التسيير الذاتي الممركز ديموقراطيا. ويميل أيضا إلى اختيار الأسبقيات في استعمال الموارد المادية وإلى تقليص جذري ليوم العمل المهني ليتوافر للمنتجين الوقت الحر لإدارة شؤونهم، وإلى الإلغاء التدريجي للاقتصاد السلعي والنقدي وقسمة العمل الاجتماعية.

لكن إذا تمعنا في كل أوجه تلك الأزمة وكل مظاهر الحل التي يجب أن تطابقها، سنتبين أن ذلك الحل إنما هو إعادة توحيد تدريجي لمختلف أوجه حياة الإنسان الاجتماعية التي يفصلها حاليا وبعنف التطور الاقتصادي والتي تستدعي توحيدا عاجلا. هكذا نكتشف أن إعادة توحيد النظرية والممارسة كامنة في إعادة توحيد العمل، ذي الطابع الاجتماعي موضوعيا، مع التخطيط الواعي، وفي اندماج التقنية والعلوم الاجتماعية، هذه العلوم المحددة للأهداف الاجتماعية ذات الأسبقية والتي يجب على التكنولوجيا أن تخضع لها، وفي اندماج الممارسة الاجتماعية مع تحقيق تطلعات ومواهب كل فرد. لقد أخذت صيغة البيان الشيوعي الشهيرة كل دلالتها في عصر الأتمتة التي يقتضي تعميمها تعليما جامعيا جماهيريا: يصبح تطور كل فرد شرطا لتطور الجميع. وأخيرا تمكن إعادة التوحيد تلك في ضرورة انصهار التعليم والعمل طوال الحياة الإنسانية، وتعني التوسيع الشامل للتعليم الجامعي، وتحويل نشاط محدود في أربع أو خمس سنوات إلى نشاط يتواصل بتناوب مدى الحياة.

يوجد في نضال الشبيبة المتجذرة ضد النفاق والكلبية انعكاس، ولو جزئي، لحاجات أساسية وجوهرية لتجاوز خطر التناقضات الأشد خطرا على بقاء الإنسانية، وهي تناقضات ناجمة عن الرأسمالية. ليس النضال لأجل وحدة النظرية والممارسة الثوريتين غير مرحلة إعدادية للنضال لتوحيد النظرية والممارسة في حياة البشر اليومية ولتوحيد العمل الذهني والعمل اليدوي وإلغاء العمل المستلب والمستلِب وتعويضه بممارسة إنسانية شاملة لكافة البشر.

إننا إذ نرى في أصول ودينامية الحركة الطلابية محركات شبيهة وحتى مماثلة لتلك التي تفجر النضال من أجل تحرر الجماهير العاملة، لا نقول أن طليعة الحركة الطلابية مدعوة لان تضمن آليا صعودا جديدا للحركة العمالية وللحركة المعادية للإمبريالية اللتين سقطتا في الانتهازية اللامبدئية وفي الإصلاحية المفككة للمنظمات العمالية التقليدية. إننا نشير فقط إلى الإمكانية المتوافرة للحركة الطلابية للقيام بتلك الوظائف.. ويتوقف الباقي على الممارسة الثورية، أي في المقام الأول على استيعاب أو بالأحرى بلورة نظرية ثورية صائبة.

يمكن اجتماعيا إدراج إخفاق الحركة العمالية والمعادية للإمبريالية في مقولة التبقرط: أي وقوع قيادة تلك المنظمات تحت سيطرة شرائح ذات امتيازات تماثل المنظمات مع الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها الخاصة. إننا نواجه من الزاوية الإيديولوجية ديالكتيك المكاسب الجزئية الذي يخضع تحقيق الهدف النهائي للدفاع عن تلك المكاسب. وهنا يتطابق التفسير السوسيولوجي مع النقد الإيديولوجي.. في عالم تستمر فيه هيمنة الإنتاج السلعي تميل كل مؤسسة مجسدة لوظيفة خاصة في الحياة الاجتماعية إلى أن تصبح مستقلة وأن ترى في نفسها هدفا في حد ذاته بدل أن تعي أنها ليست غير أداة ثانوية لبلوغ هدف أعم.. ذلك هو مصير المنظمات الجماهيرية المبقرطة وكذا الدول المنبثقة من الانتصارات الجزئية الأولى للثورة العالمية.

إن تفادي تجزيء الممارسة السياسية، الذي تعبر عنه الإصلاحية والاشتراكية الديموقراطية والستالينية والقومية البرجوازية الصغيرة في البلدان شبه المستعمرة، يقتضي الحفاظ قبل كل شيء عن التوجه نحو الهدف الشامل. فمهما كانت أهمية الأهداف الآنية والجزئية، يتطلب تحرر الإنسانية بلوغ الثورة الدائمة نهايتها على المستوى العالمي. مهما كانت أهمية الدفاع عن المكاسب المحصلة، وأهمية تراجع كل محاولة مضادة للثورة، يجب دوما النظر إلى الأفق المستهدف وتجاوز كل مرحلة انتقالية وكل انتصار جزئي والتوجه نحو الهدف النهائي.

إن دور النظرية الثورية هنا جوهري تماما، لأنها هي التي تتيح وظيفة النقد الذاتي دون مساومة. هذه الوظيفة المميزة لحركات تحرر البروليتاريا والتي يؤجل دوما انعدامها تحقيق الهدف النهائي إلى مستقبل يتعذر بلوغه.

لكن قد يصبح النظر المركز على الأفق نظرا فارغا إن لم يترافق مع وعي واضح لكل العراقيل. فالدوغمائية كالانتهازية محكوم عليها بالتعثر. يجب إذن أن نستوعب في الممارسة اليومية علم الثورة الذي هو الماركسية، فبانعدامها تغدو وحدة النظرية والممارسة مجرد ادعاء أجوف وليس فعلا متطورا.

إن مجهودا واعيا لتجاوز حدودها الحتمية الخاصة هو الذي سيؤهل طليعة الحركة الطلابية لأداء دور هام في بناء وتدعيم منظمات ثورية جديدة. وإن مراحل سيرروة التوضيح تلك هي فهم المكانة الخاصة للمثقف والطالب في المجتمع الرأسمالي وفهم بلترة كل العمل من طرف الرأسمال وفهم طبيعة الرأسمالية والإمبريالية وحركات التحرر التي تقاتلها وفهم ديالكتيك الثورات المعاصرة والدور المركزي للعامل الذاتي فيها وإخضاع المصلحة الشخصية للمساهمة في حركات التحرر الواسعة تلك والتفرغ لبناء منظمات بروليتارية ثورية تعمل انطلاقا من ممارسة ثورية شاملة.إن بناء منظمات ثورية طليعية تستهدف تحرير كل المستغلين لا يعني بتاتا التخلي عن المهمة الجزئية المتعلقة بالمساعدة على التنظيم الذاتي والتربية الذاتية للجماهير الطلابية، إنما يعني فقط إدماج تلك المهمة في منظور أعم.

ليس ثمة من نشاط يوفر سعادة للرجال والنساء في عصرنا غير تكريس الحياة لتحرر الشعوب، وليس من مهمة في عصرنا أكثر إثارة للحماس من بناء عالم خال من الاستغلال ومن الاضطهاد ومن الحروب، عالم وفرة وسعادة للجميع، عالم يضع حدا لما قبل تاريخ البشرية ويبرز لأول مرة القوة الباهرة للجماعة الإنسانية: عالم بدون طبقات، عالم الاشتراكية.

إرنست ماندل

خطاب ألقي في جامعة مكسيكو عام 1972. الفصل الثالث من كتاب “الطلبة والمثقفون وصراع الطبقات”

منشورات لابريش- 1979

تعريب جريدة المناضل-ة

هامش

1 تعبير إنكليزي يرمز إلى الجمالية المطبقة في الميدان الصناعي والتي تبحث عن أشكال هندسية جديدة تتلاءم مع وظيفتها وتتناسق معها.

« السابق