بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل الرابع: البروليتاريا وقياداتها

إن الثورة الروسية قد قامت وانتصرت. وأطلقت العنان لسلسلة عالمية من الثورات في أوروبا الوسطى كان أهمها الثورة الألمانية في نوفمبر/(تشرين الثاني) 1918. إلا‍ أن الثورة الألمانية هزمت، وبقيت الثورة الروسية معزولة في بلد متخلف محاط بأجواء امبريالية معادية. كيف يمكن، بمنطلقات ماركسية، تفسير الظاهرة المتناقضة المتمثلة بأن البروليتاريا الروسية الأضعف موضوعيا قد انتصرت، بينما البروليتاريا الألمانية الأقوى موضوعيا قد سحقتها في النهاية الثورة المضادة (أولا بشكل محدود سنوات 1919 و1921 و1923، ومن ثم بأعنف طريقة ممكنة من خلال استيلاء النازيين على السلطة)؟

هناك طريقتان، مختلفتان بشكل أساسي، للرد على هذا السؤال. فبالنسبة لتيار كاوتسكي-باور التقليدي الاقتصادي الجبري “كانت موازين القوى غير مؤاتية إطلاقا بالنسبة للبروليتاريا” في عامي 1918 و1919، وحتى أكثر من ذلك في السنوات التي تلت، حيث كانت البرجوازية ما تزال قوية جدا لم تضعف هزيمة الحرب من جهاز دولتها بما فيه الكفاية. وبشكل خاص، فقد آل الدعم الذي تلقته هذه البرجوازية من قوى “الحلفاء” إلى اعتبار أن الثورة الاشتراكية ستكون مغامرة لا أمل فيها محكوما عليها بالحصار الاقتصادي والجوع. وكانت الطبقات الوسطى بشكل أساسي محافظة تميل بالإجماع تقريبا لمعارضة الثورة، بينما لم تكن الطبقة العاملة نفسها منظمة بما فيه الكفاية ، لا بل كانت منقسمة وليس لديها خبرة في النضال الثوري لكي تتحمل مهمة إعادة البناء الإشتراكي بشيء من النجاح.

وفي نسخة “يسارية” خاصة لهذا المفهوم الجبري (ويكون من الأصح القول يسارية كاذبة)، تم رؤية الطبقة العاملة الألمانية، على الأقل بمعظمها، “كأرستقراطية عمالية” لها جذور عالمية أفسدتها الأرباح الفائضة الإمبريالية، وبالتالي (مع استثناء أقلية محرومة وقطاعات هامشية كالعاطلين عن العمل) فإنها اشتراكية-وطنية ومحافظة وإصلاحية وليست ميالة على الإطلاق إلى الانجرار في الثورة.

إن التوجه الآخر المعاكس يشير إلى العديد من الأمور التاريخية غير الصحيحة التي يتضمنها الطرح آنف الذكر. إنه بكل بساطة ليس صحيحا أن أكثرية العمال الألمان كانوا “محافظين” و”غير منظمين” و”غير ميالين نحو الاشتراكية” في فترة 1918-1922. فعلى العكس كان مستوى تنظيمهم مرتفعا جدا، ورغبتهم قوية جدا في اقتراب الاشتراكية، لدرجة أن قياديي الحزب الاشتراكي الديموقراطي الاصلاحي استطاعوا تحويلهم عن البناء الفوري لسلطة سوفياتية فقط عبر محايلة وخداع واعيين: بإعلانهم أن الثورة الاشتراكية قد انتصرت وأن تشريك الاقتصاد قد تحقق. وبرغم هذه المناورات الخيانية، نقل أكثرية العمال المنظمين ولاءهم بسرعة من قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى التنظيم الوسطي، الحزب الاشتراكي الديموقراطي إلى التنظيم الوسطي، الحزب الاشتراكي الديموقراطي الموحد، الذي كان معروفا آنذاك بارتباطه الفكري بدكتاتورية البروليتاريا، والذي انتقلت أكثرية أعضائه بدورها إلى الأممية الشيوعية في شتاء 1920-1921. وهناك بعض الدلالات، رغم أن الأمر قابل للجدل، على أن أكثرية العمال النقابيين قد انتقلوا إلى الشيوعية خلال أزمة سنة 1923[14].

وليس صحيحا أيضا أن البرجوازية وجهاز دولتها كانا عامي 1918 و1919 أقوى من أن تسقطهما طبقة عاملة جيدة التنظيم. وحقيقة الأمر أن ضعف البرجوازية كان واضحا للغاية حيث أنها بقيت دون أي نشاط كليا خلال الأسابيع الأولى من الثورة، واضعة جميع آمالها في قياديي الحزب الاشتراكي الديموقراطي: إيبرت وستشيمان ونوسك. كانت تأمل أن يقوم هؤلاء من الجناح اليميني للاشتراكيين الديموقراطيين بخداع العمال من أجل بناء الجمهورية البرجوازية بدل الاستيلاء على السلطة، وأن يكونوا راغبين في بناء جيش قمعي جديد من القوى الامبراطورية المنحلة. لقد برهنت هذه الحسابات عن صحتها. وستظهر الأحداث اللاحقة بوضوح أن الرأسمالية الكبيرة قد اتجهت لهذا الحل، ليس من موقع القوة بل من موقع الضعف المفرط. كانت البرجوازية حتما لا تفضل أن تقوم حكومة الاشتراكيين-الديموقراطيين ببناء الجمهورية. وبالفعل عملت كل ما في وسعها للخلاص من ذلك “الشر الأهون” بأسرع وقت ممكن: أولا بوسائل برلمانية (بين سنتي 1920 و1923، وبين 1923-1928، بفاصل زمني بسيط في صيف وخريف 1923)، ومن ثم بعد عام 1930 بطريقة أعنف، وفي النهاية بشكل إرهابي مكشوف.

أما الفكرة القائلة بأن “الحلفاء” كانوا سينظمون تجويع ألمانيا بنجاح، فهي أيضا بعيدة عن أن تكون صحيحة. فثورة اشتراكية ناجحة في ذلك البلد، تحدث بعد انتصار الثورة الروسية، كانت ستخلق دون شك كتلة جغرافية تضم النمسا وهنغاريا وايطاليا والأرجح كذلك بولندا[15]. وكما أشار لينين في رسالته إلى العمال الألمان، لم يكن هناك أي سبب اقتصادي أو جغرلفي يمنع هذه الكتلة الاقتصادية الضخمة من الإكتفاء الذاتي في إنتاج الغداء وتوزيعه –خاصة بوجود الصناعة والمهارة الألمانية المساعدة على مكننة الزراعة الروسية. والحقيقة أن امتداد الثورة، أو على الأقل قوتها الجاذبة وسط العمال الفرنسيين والبريطانيين، كانت ستجعل من سعي قوى الحرب العالمية الأولى المنتصرة لحصار طويل الأمد للثورات أمرا مستحيلا سياسيا. إنه من المرجح أيضا أن العمال الأوروبيين كانوا سيظهرون مقدرة على التضحية مماثلة لمقدرة العمال الروس، أو مثل الفيتناميين مؤخرا، شرط أن يكونوا مقتنعين بشرعية قضيتهم.

إذا، في الواقع ليس هناك أي تفسير “موضوعي” بحت ومباشر لفشل الثورة الألمانية في الفترة التي تلت الحرب مباشرة. وليس هناك أي سبب لاعتبار أن فرص النجاح التي حصلت عامي 1920 و1923 –والفرصة الأخيرة مع الصعود الكامن للجبهة العمالية الموحدة ضد الفاشية في 1930 و1933- كانت “موضوعيا” محكوما عليه بالفشل. إن سر هذه الهزائم لا يكمن في أعماق القوى المنتجة ولا في الأساس المباشر التحتي للبنى الطبقية ولموازين القوى الطبقية في المجتمع الألماني، بل يقع على مستوى مختلف تماما للعلاقة بين الطبقة العاملة وقيادتها، وميزان القوى بين الاتجاهات المختلفة داخل الطبقة العاملة المنظمة، والعلاقة المتبادلة بين مستويات معينة من الوعي الطبقي والدور الواعي للقيادة الثورية من جهة، ومن جهة أخرى، تراكم أنواع معينة من التجارب النضالية.

ومن المؤكد أن أي ماركسي لا يمكن أن ينكر أن لجميع هذه العوامل الذاتية جذورا موضوعية، في التحليل الأخير، أي جذورا مستقلة عن القوة النسبية والنشاطات الواعية والتدخل الصحيح للطليعة الثورية وأخطائها. لكن بينما يتضمن تفسير موضوعي لهذا العامل الذاتي بشكل حاسم، ما يمكن أن يفعله ويغيره العمال المتقدمون والماركسيون في حالة معينة، يعرّف بشكل اعتيادي ما يسمى بالعامل الموضوعي في التاريخ بطريقة تنفي إمكانية تغيير هؤلاء له.

كان تروتسكي معدّا لفهم هذا النوع من المسائل. وبالفعل، إنه لشيء ملفت للنظر أن يكون الممثلون الثوريون الأساسيون الثلاثة للماركسية الذين إنبثقوا في مرحلة ما قبل سنة 1914، لينين وتروتسكي وروزا لوكسومبورغ، وكذلك أيضا المنظر الثوري الأساسي لمرحلة ما بعد الحرب أنطونيو غرامشي، قد تناولوا جميعا بشكل غريزي تطور الماركسية لتكيفها مع العصر الامبريالي من كلا جانبي المشكلة. وقد فعلوا ذلك من خلال وصولهم التدريجي إلى فهم السيرورة الواقعية للثورة الاشتراكية في القرن العشرين (الثورة الروسية والثورة العالمية)، ومن خلال إظهارهم المتزايد للشروط المسبقة الذاتية لانتصار الثورة الاشتراكية، التي بالكاد جاء على ذكرها الماركسيون “التقليديون” لمرحلة ما قبل سنة 1905. إن هؤلاء الأربعة جميعا قد سجلوا خطوة كبيرة حقا إلى الأمام في التحليل الماركسي في محاولتهم إبراز الإشكال الماركسي المتمثل بالعامل الذاتي في الصراع الطبقي والثورة.

كان دور تروتسكي تنبؤيا في هذا المجال. فباكرا، منذ سنة 1905/1906، وقبل لينين وروزا لوكسمبورغ بكثير، رأى المسالة مرة أخرى على أساس قانون التطور المركب وغير المتساوي. ولم تكن الفرضية الأساسية التي تضمنها كتاب نتائج وتوقعات، وهي أن البروليتاريا يمكنها أن تستلم السلطة في البلدان الأقل تطورا نسبيا –مثل روسيا-قبل ان تفعل ذلك في البلدان المتطورة صناعيا، متعلقة فقط بفهم واضح لكون علاقة القوى بين الطبقة العاملة (المتحالفة مع الفلاحين) والبرجوازية، كانت دون شك مؤاتية للفئة الأولى في بلد مثل روسيا أكثر مما في ألمانيا أو بريطانيا (بسبب الضعف المتزايد للبرجوازية وعزلتها الإجتماعية-[16]، بل إنها انطوت أيضا على بعد ثان. فرغم أن الطبقة العاملة كانت بشكل واضح أقوى بكثير في ألمانيا منها في روسيا، إلاّ أن الدور الاجتماعي المحافظ الذي تبديه قيادتها التقليدية فجأة في اللحظة الحاسمة[17] يسلب منها المقدرة على انتزاع السلطة في لحظة معينة.

لكن تروتسكي لم يوضّح أسباب هذا التطور المركب وغير المتساوي للحركة العمالية- واقع أن أقوى طبقة عاملة وأقوى منظمة للطبقة العاملة يمكن أن تجتمع مع تجربة غير كافية لأنواع مختلفة من النضال الطبقي ومع قيادة محافظة بشكل جوهري. وبالفعل رغم أنه شجب النزعة المحافظة لقيادة الحزب الاشتراكي الديموقراطي عام 1907 في موضوعة تحت عنوان حول الاشتراكية الديموقراطية الألمانية[18]، لكنه تجاوب، في نهاية المطاف، مع انعطافة الحركة الثورية في روسيا، بدخوله في مناورات ملتبسة مع “الماركسيين الوسطيين” في الحزب الاشتراكي-الديموقراطي، مسجلا إذاك تراجعا جزئيا عن نفاذ بصيرته الهائلة عام 1905/1906. كانت روزا لوكسمبورغ دون شك المفكرة الأساسية التي احتفظت بتحليل ماركسي واضح لهذه المسائل في الفترة ما بين 1910-1914، بينما احتل لينين موقعا وسطا بين تروتسكي ولوكسومبورغ.

وفقط ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وخاصة مع انتصار ثورة أكتوبر والنضال من أجل بناء الأممية الشيوعية، طوّر تروتسكي وبتعاون وثيق مع المنظرين الأساسيين في الكومنتيرن، نظرية أكثر جلاء عن العلاقة الديالكتيكية بين الطبقة العاملة وقيادتها، وبين الحركة العمالية المنظمة وبيروقراطيتها. وقد اتخذت هذه النظرية شكلها النهائي في كتاباته في فترة 1930-1940.

إن نهوض البروليتاريا يحدث ضمن شروط اجتماعية واقتصادية مختلفة تماما عن تلك التي تسبق نهوض البرجوازية. فبينما كانت الأخيرة القوة المهيمنة اقتصاديا قبل استيلائها على سلطة الدولة بحقبة من الزمن، وبينما كانت تسيطر على معظم الثروة الاجتماعية عندما كانت لا تزال مضطهدة سياسيا، فإن الطبقة العاملة تبقى دون ثروة مادية وبسلطة اقتصادية بسيطة نسبيا بعد زمن من خلقها لمنظمات يعد أعضاؤها بالملايين تبدأ بمد يديها نحو الاستيلاء على السلطة. وبالتالي فإنه من المستحيل على الطبقة العاملة أن تنال سيطرة إيديولوجية وثقافية بظل الدولة البرجوازية، بينما كان من الممكن تماما بالنسبة للبرجوازية أن تحتل هكذا سيطرة بظل ملكية مطلقة شبه إقطاعية. إن الأكثرية الكبرى من المثقفين والأيديولوجيين الذين تحولوا نحو البرجوازية الثورية كانوا تحت هيمنة الأيديولوجية البرجوازية، أمّا المثقفون والإيديولوجيون الذي ينتقلون إلى الحركة العمالية المنظمة على أثر صعود عنيف لها، هم بأكثريتهم ما زالوا مشربين بأفكار برجوازية صغيرة، إذ لم يكن بأيديولوجية برجوازية مباشرة. وأن دوافعهم وهي على الأقل غامضة –ذات طابع نفعي، بالأخص احتلال مواقع برلمانية، تلعب دورا مهما في هذه العملية. وبطريقة مماثلة، ستزداد مقدرة البرجوازية على المناورات السياسية بشكل عام وتجاه البروليتاريا بشكل خاص[19]، مع ازدياد تطور الدولة والحضارة الرأسماليتين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الصعود ذاته لتنظيمات جماهيرية للطبقة العاملة مع ما يرافقه من إحتلال مراكز مهمة في مؤسسات الدولة البرجوازية-الديموقراطية (البرلمان، والادارة المدينية والمنطقية، والشركات العامة، الخ.)، سيلعب دوره كرافعة هائلة في انخراط التنظيمات في المجتمع البرجوازي، عبر القدرة الفردية على الصعود الاجتماعي. إلاّ أن “مؤسسات الدولة البرجوازية ليست هي التي تتحول من خلال دخول ممثلي العمال في شرائحها العليا، لا بل فإن ممثلي العمال هؤلاء هم الذين تحولوا في المظهر والعقلية والدوافع والمصلحة المادية”. ويستنتج تروتسكي بأن القيادة تتجه لفصل نفسها عن الطبقة العاملة، وتصبح “ملهمة” من قبل الطبقة الحاكمة (العملية نفسها كان لها تأثيرها على قيادة البرجوازية عندما كانت ضعيفة جدا للقتال من أجل السلطة السياسية –مثلا- في القرن السادس عشر في بريطانيا وفي القرن السابع عشر في فرنسا).

إن هذه العملية قد تضاعفت بقوة من خلال الاندفاعة الجديدة لتقسيم العمل الوظيفي داخل منظمات الطبقة العاملة. طالما بقيت هذه المنظمات صغيرة نسبيا، فإن العمال يستطيعون أن يتدبروا أمورهم بسهولة، ويعينون القادة فقط على أساس نظام مناوبة صارم. ولكن ما أن تتضخم وتصبح مثقلة الحجم –يتحقق تطور حتمي لهدف المنظمات الجماهيرية والتضامن الجماهيري حتى على مستوى نقابي صرف- حتى يبدأ عندها إداريون محترفون بالظهور وسط تلك المنظمات.

ويميل الجهاز الضخم لموظفي الطبقة العاملة، المنحدر أساسيا من الطبقة داتها وجزئيا فقط من الإنتليجنسيا البرجوازية الصغيرة، إلى تحديد هويته بالترابط مع المنظمة بذاتها وإلى فقدان رؤية واقع أن المنظمة ليست هدفا بذاتها بل وسيلة للوصول إلى إنعتاق الطبقة العاملة وبناء مجتمع بلا طبقات. ويتخذ إذاك الدفاع عن المنظمة تحت طائلة أي ثمن، حتى ولو كان هذا الثمن التضحية بمصالح سياسية ومادية ومعنوية واضحة جدا للطبقة، المركز الأول في عقلية الجهاز[20]. ان هذا التغيير في الرؤيا والدوافع، بترافق مع امتيازات مادية ومراكز في الجهاز العمالي –وفي حالات كثيرة مع امتيازات يحصلون عليها في جهاز الدولة البرجوازية الديموقراطية- يدل على ظهور شريحة اجتماعية جديدة هي البيروقراطية العمالية.

إن الوظيفة السياسية والاجتماعية الأساسية للبيروقراطية هي استبدال محاولات الصراع الطبقي العنيد بالتوفيق الطبقي والتعاون الطبقي، على أمل تجنب اختبار حاسم للقوى بين الطبقات الإجتماعية، وللدفاع عن مكاسب تم تحقيقها، رغم أنها مكاسب متواضعة للعمال تشكل من وجهة نظر البيروقراطية مكاسب جوهرية هذه البيروقراطية العمالية هي بجوهرها محافظة ومعارضة للثورة التي “تهدّد المنظمة”. إن المعادلة المشهورة لفريدريك تيبرت، زعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني وأول رئيس لجمهورية فايمر: “أكره الثورة كالخطيئة المميتة”، تعبر بأوضح طريقة ممكنة عن عقلية البيروقراطية هذه.

ألم يقبل جمهور العمال –على الأقل في البلدان الامبريالية الأكثر غنى- على العموم هذا التحول؟ أولم يقبلوا القيادة الأكثر اعتدالا التي انبثقت من المنظمات الجماهيرية في مطلع الحرب العالمية الأولى وبعدها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالسهولة التي تبدوا لأول وهلة.

أولا، والأكثر أهمية، أنه لم يكن من السهل للعمال ملاحضة هذه التغيرات التي أخذت مجراها. كان لابد أن تحصل أحداث عنيفة وتقوم تجارب ثورية جديدة قبل أن يدرك مئات الألوف من العمال أن الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية القديمة قد تحولت من قوى سياسية ثورية إلى قوى محافظة بشكل أساسي. وبهذه الطريقة كان لابد أن يظهر بشكل حتمي فاصل زمني بين لحظة التغيير الموضوعي لتلك الوظيفة –كحد أقصى في غشت 1914 ومن الممكن في فترة أقرب، كعام 1910، في معظم البلدان الأوروبية- ولحظة إدراك جماهير أوسع لهذه الحالة. لقد استتبع هذا الفاصل الزمني نشوء أحزاب ثورية جديدة بشكل بطيء نسبيا وذلك خلال فترة تجاوزت العقد من الزمن. وهذا التأخير بدوره جعل من هزيمة الموجة الثورية لفترة ما بعد الحرب مسألة حتمية.

زيادة على ذلك، فإن الطبقة العاملة في الأوقات “الإعتيادية” بعيدة عن أن تكون متجانسة وبعيدة عن أن تكون منظمة بمجموعها. وهذا الأمر يقود إلى حالة متناقضة: إنه بالضبط عندما تندلع أزمة ثورية أساسية أي عندما يواجه العمال النتائج العملية لسياسات القيادة الاشتراكية-الديموقراطية القائمة على التوفيق الطبقي والتعاون الطبقي والمؤيدة بشكل فعّال للرأسمالية، عند ذلك بالضبط يمكن أن تنفصل شرائح مهمة متقدمة ومنظّمة سابقا من الطبقة العاملة عن الإصلاحية، لكن تبدأ عند ذلك أيضا الشرائح غير المتمرسة سياسيا وغير المنظمة من الطبقة العاملة تتنظم لأول مرة وتندفع أفواجا إلى ذلك الحزب الذي بدا من قبل كأكبر حزب عمالي، وبالتالي تميل إلى تقوية الاشتراكية الديموقراطية من اليمين عندما تكون في الوقت ذاته تضعف من اليسار.

وأخيرا، انه لا يمكن إنكار أن ملايين العمال الأوروبيين قد انفصلوا فعلا عن الإصلاحية خلال فترة الحرب –ليس فقط من خلال اعمال ذات بعد ومدى ثوريين موضوعيا، ولكن أيضا من خلال انضمامهم إلى منظمات بدت لهم بشكل حاسم على يسار الاشتراكية-الديموقراطية

في بعض الأحيان، كان اختيارهم على العموم صحيحا من وجهة نظر سياسية: وينطبق ذلك بشكل أساسي على أولائك الذين إنضموا إلى أحزاب شيوعية جماهيرية أصيلة في العشرينات. ولكن في أحيان أخرى كان الإختيار مبنيا على أساس غموض مأساوي كما كانت الحال مع أولائك الذين انضموا إلى الحزب الشيوعي الفرنسي أو الإسباني عام 1936 أو الحزب الشيوعي الإيطالي في فترة 43-1945 على أساس مماثلة خاطئة بين أحزاب اتجهت أساسيا في خط التعاون الطبقي ذاته للاشتراكية-الديموقراطية الكلاسيكية وبين الثورة الروسية والنضال من أجل الاشتراكية الثورية.

هنا أيضا حصل انفصال زمني بين الوقت الذي تغيرت فيه طبيعة الأحزاب الستالينية والوقت الذي ستصبح فيه قطاعات واسعة من الطبقة العاملة العالمية مدركة لهذا التغير ومهما تكن الحالة، فإن مراجعة موضوعية لما حصل فعلا للطبقة العالملة الغربية في الفترة ما بين 1914 و1939 لا يمكن أن تنضوي تحت معادلات جاهزة و عادية: “كل طبقة اجتماعية (أو كل بلد) تنال القيادة التي تستحق”. إن هذا النوع من الإبتذال يمكن أن يروّج فقط بحال تكون طمست النضالات المهمة داخل الحركة العمالية من سجل التاريخ: نضالات تتعلق بمآت الألوف إن لم يكن ملايين الأشخاص وتدور حول مسائل أساسية في الاستراتيجية والتكتيك والسياسة والتنظيم وحتى النظرية البحثة، وتختلف نتائجها بشكل كبير من بلد لآخر ومن عقد لآخر.

لقد وصل تروتسكي غريزيا ورزا لوكسمبورغ بوعي أعم ، لاستنتاج آخر مهم قبل عام 1914. فقد رأيا –وسيتبنى لينين وينظم حججهما بعد غشت/(اب) 1914- إنه رغم معايشة الطبقة العاملة الغربية لنمو مستمر على صعيد القوة التنظيمية والثقة بالنفس والوعي الطبقي غير أنها لم تراكم قبل الحرب العالمية الأولى التجربة الضرورية في النضال في أشكال نضال خاصة –التي يمكن أن تسمح لها بسرعة باستبدال قيادة إصلاحية بأخرى ثورية عندما تستدعي “الظروف الموضوعية” بلإلحاح هكذا تغيير. بالتالي فإن تجارب مثيرة جديدة تتضمن هزائم حثمية ستكون ضرورية لإنبثاق قيادة جديدة. لكن ليست فقط الهزائم والأخطاء هي وحدها ذات قيمة تعليمية، شرط أن تكون الدروس مستنتجة في وقتها، بل الإنتصارات الثورية يمكن أيضا أن تلعب دور المحرك في تطوير وعي الطبقة العاملة وفي انبثاق قيادة جديدة للطبقة العاملة. وإذا كان تروتسكي (إنضم إليه لاحقا البلاشفة) قد آمن بشكل راسخ أن الثورة الروسية المنتصرة ستثير ثورات في الغرب، فذلك يرجع إلى الأسباب الموضوعية التي ذكرت سابقا، وبالأخص الفوضى التي يسببها هكذا انتصار داخل الكلية العضوية للنظام الرأسمالي العالمي . إن وجود دولة عمالية سيدخل (وقد أدخل) بعدا جديدا في النضال الطبقي العالمي باعتبارها انتصارا رغم أنه ما يزال جزئي لكنه سيكون أهم من أي مكسب سابق للحركة العمالية العالمية. لكن تروتسكي كان مقتنعا أيضا بأن العمال الغربيين بمئاتهم المؤلفة وملايينهم، سيستخلصون الإستنتاج الذاتي الضروري من إنتصار الثورة الروسية ، أي أن هذا الإنتصار سيسرع من عملية انفصالهم عن سياسة التعاون الطبقي والتوفيق الطبقي ألف مرة أكثر مما قد يفعله الجدال الكتابي أو النزاع التكتلي السياسي. وفي هذا أيضا لم يكن مخطئا.

« السابق التالي »