بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل الخامس: مجالس العمال

في المسار المتناقض للتاريخ تصبح الأخطاء غالبا مصادر للمعرفة. فالفكر الثوري يمكن أن يكشف فجأة طريقا جديدة بعد جريانه في زقاق مسدود. وعلى العموم هذا ما حصل لتروتسكي بالنسبة لمسألة تنظيم الطبقة العاملة.

فليس هناك من شيء إيجابي في معارضة تروتسكي العنيدة للمفهوم التنظيمي عند لينين عام 1902/1903، والمحاولات الأخيرة والمتأخرة لرد الاعتبار لهذه المعارضة هي ذات طابع لا تاريخي وعقيم. وبالفعل تظهر اليوم النتائج البعيدة المدى ل “لا بلشفية” تروتسكي في الفترة بين 1903 و1917 بشكل أكثر مأساوية مما بدت عليه في تلك الفترة. فهي قد صعَّبت جذا بالتأكيد من إمكانية كسب الكادرات البلشفية إلى النقاط المهمة من نضاله ضد البيروقراطية في سنوات 23-1928. فلو أن تلك الكادرات قد انتقلت بأكثريتها إلى صف المعارضة اليسارية لأحدث اختلافاً كبيرا في التاريخ العالمي.

لقد كان لتروتسكي في البداية، ونستطيع أن نرى ذلك بوضوح، شك غير ناضج في مسألة تنظيم حزبي قوي منفصل عن جمهور الطبقة العاملة بينما ينخرط بشكل وثيق في صفوفها. هكذا تنظيم يكون ضروريا على أرضية برنامجية وسياسية وليس على الإطلاق على أرضية إدارية و”بيروقراطية”. ورغم ذلك فإن موقف تروتسكي المبكر جعلته أكثر تحسسا بكثير لأشكال تنظيم الطبقة العاملة غير تلك الأشكال التقليدية للحزب والنقابة، وهما شكلان يضمان عادة أقلية المأجورين. (فقط في بعض البلدان الأصغر، كبلجيكا والنمسا والبلدان الاسكندنافية، دخلت بشكل فعلي الأكثرية الكبرى من المأجورين في النقابات على فترات طويلة من التاريخ الرأسمالي.) وهكذا فهم تروتسكي على الفور المفترق التاريخي الذي مثله انبثاق سوفيات بيترسبورغ في أكتوبر/(تشرين الاول) عام 1905.

وبينما تردد لينين في رؤية أهمية السوفيات، وساورت البلشفيين القائمين مقامه نظرة شك على العموم، رحب تروتسكي بهذا الشكل التنظيمي الجديد ك”إشارة تلوح بالمستقبل”. كان قد توقع بشكل واثق في كتابه نتائج وتوقعات بأن الإمبراطورية الشاسعة بكاملها ستكون مغمورة بالسوفيات خلال الثورة المقبلة. وبجرأة قام بمعارضة الديموقراطية غير المباشرة، أي التمثيل الديموقراطي للبرلمانات التقليدية، بالديموقراطية المباشرة لهذا السوفياتات. ولقد برهن التاريخ أنه كان على صواب حول هذه النقطة.

وبرهن التاريخ حتى على أكثر من ذلك: أن السوفياتات والمجالس العمالية واللجان القاعدية والأدوات الأخرى للديموقراطية المباشرة قد انبثقت خلال القرن العشرين كالشكل الكلاسيكي للتنظيم الذاتي للطبقة العاملة، وعمليا في جميع الحالات التي بدأت فيها ثورة بروليتارية –أي بكلام آخر، ثورة شعبية يشكل المأجورون فيها أكثرية أو أقلية مهمة من المشاركين الفعليين في العملية الثورية. إن المثلين الأخيرين اللذين يقدمان تأكيدا صارخا على هذا القانون التاريخي هما الثورة البرتغالية عام 74-1975 والثورة الإيرانية عام 1979.

لم تكن الأسباب الموضوعية التي تكمن وراء حالة الأمور تلك مفهومة بوضوح بجميع تشعباتها من قبل المشاركين في ثورة 1905 بما فيهم تروتسكي. لقد أدخل ماركس وانجلس معالم نظرية أساسية في هذا المجال من خلال رسالتهما إلى العصبة الشيوعية الألمانية عام 1850، وبالأخص من خلال مراقبتهما لكومونة باريس[21]. ولكنه فقط بعد الثورة الروسية سنة 1917 والثورة الألمانية سنة 1918انبثقت نظرية كاملة التطور حول المجالس العمالية. وقد قدم منظرون شيوعيون مختلفون، بالإضافة إلى لينين وتروتسكي، أمثال غرامشي وبوخارين وكورش (وبطريقة أكثر التباسا وتناقضا ماكس آدلر وبانكوك، اللذين اتجه أحدهما إلى يمين التفكير الماركسي والآخر إلى أقصى اليسار) مساهمات تحليلية في هذا المجال. ولكن تروتسكي يحوز مرة أخرى هنا شرف البدء في خط التفكير هذا. وهو قد صاغ أيضا المفهوم الأساسي للتنظيم الذاتي الذي يلخص هذا التفكير على نحو رائع ويدل بشكل فوري على أننا نواجه ظاهرة عالمية وليس بأي طريقة من الطرق ظاهرة روسية بحتة.

تكمن أحد جذور المشكلة في الميول، التي سبق وناقشناه، نحو إعادة تقسيم جديد للعمل –والتبقرط- داخل المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة. وبالرغم من أنه لزم الجماهير الواسعة من العمال أكثر من عقد لتجميع التجربة الضرورية من أجل إدراك بعض المسائل الأساسية المعنية، لكنه يكون من عدم التقدير المبالغ به لذكاء الشرائح المتقدمة من الطبقة العاملة ولحسها العملي اعتبار أن أحدا من أفرادها لم يكن متنبها لهذه المخاطر. لقد طرح هذه المسألة في مراحل متقدمة عدد من الفوضويين الذين قدموا مساهمات معينة، وهي مساهمات لا يمكن اعتبارها، هنا أكثر مما في أي مكان آخر، إنها جميعا “برجوازية صغيرة” أو “رجعية”. وباكرا عام 1898 طرح كاوتسكي نفسه في مقدمة كتاب أصول المسيحية إمكانية تبقرط محافظ للحركة العمالية الجماهيرية شبيه بما عاشته الكنيسة الكاثوليكية عندما أصبحت المسيحية دين دولة.

لكن هذا الإدراك المتنامي –رغم وجوده فقط في أوساط طليعية محدودة- لم يقدم جوابا سريعا لكيفية التغلب على هذه المخاطر. إن الحل الفوضوي- تجمعات أصغر؛ تأكيد أكثر على الإنعتاق الفردي والنشاط الفردي؛ أدارة ذاتية بالمفهوم البرودوني، وكل ذلك يترافق مع خطر الحفاظ على الاقتصاد البضاعي وقانون السوق أو إعادة إدخاله- لم يكن مقنعا على الإطلاق، والأكثر من ذلك أنه لم يكن عمليا. فلقد اتجه التاريخ باتجاه خلق منظمات جماهيرية أكبر وأكبر. وفي البلد الوحيد الذي احتفظ فيه الفوضويون بسيطرة أيديولوجية على الحركة العمالية –إسبانيا، أو بالأحرى قطاعات كاتلونيا وأراغون وليفانت في الحركة العمالية الإسبانية- وقع الاتحاد القومي للشغل- الاتحاد الفوضوي الأيبيري تحت رحمة مشاكل مرتبطة بتنظيم الطبقة العاملة، بما في ذلك الممارسة المأساوية في سنوات 36-1937 للوفاق الطبقي والاشتراك في الحكومة مع البرجوازية.

أما ردّ اللينينيين المزيفين “المتطرف” القائل أنه يمكن تجنب كل خوف وذلك بوجود نفوذ الحزب الثوري “النقي”، فهو أيضا غير جدير بالثقة. يرتكز هذا الردّ على نظرية الحزب المعصوم عن الخطأ، لا بل والأسوء من ذلك القيادة المعصومة عن الخطأ –وهو مبني على شيء من الإيمان وليس على فرضية علمية. بالإضافة إلى ذلك يغيّب هذا الطرح إمكانية تبقرط الحزب الثوري ذاته. فالبرنامج الصحيح لا يضمن سياسات صحيحة في كل مناسبة، خاصة عندما يواجه الحزب منعطفات جديدة غير منظورة في الأحداث، وهي أمر لا مفر منها في الحياة الواقعية. إن النقاشات والصراعات السياسية لا مفر منها داخل الحزب الثوري، بينما لا تقدم أي ضمان لأجوبة صحيحة. وفقط التجربة العملية يمكن أن تعطي البرهان النهائي عمن كان على خطأ ومن كان على صواب. لكن العلاقات مع الطبقة العاملة والصراعات الطبقية العمالية هي بذاتها أرضية اختبار جبارة للنظرية الثورية في الظروف الجديدة والمثيرة للجدل. ويجب أن تتعدى هذه العلاقات، بحكم الضرورة، حدود أعضاء الحزب لتشمل قطاعات هامة من البروليتاريا –أو على الأقل أجزاءها المناضلة والأكثر وعيا. كيف ستنشأ هذه الروابط في الأوقات “الطبيعية” نسبيا؟ كيف ستنمو خلال الأحداث الصاخبة، أو كما تسمى بأكثر دقة، الأزمات الثورية؟

عند هذه النقطة من التحليل تتقاطع دراسة الميول الموضوعية في تصرفات الطبقة العاملة مع البحث عن ضمانات ضد التبقرط والإنحرافات الانتهازية لمنظمات الطبقة العاملة الجماهيرية. لقد رافق منظمات الطبقة العاملة منذ نشوءها ما هو أبعد من الأهداف الفورية لشكل معين للمنظمة، وما يتعدى تلك الأهداف، رافقها ميل طبقي غريزي للتغلب على الخضوع والإستيلاب، أي على القدر المحتوم لأن تملي وجودها قوى غريبة وتسيطر عليه. إن هذا الخضوع هو سمة عامة من أسلوب حياة المأجور: في مسار العمل على مستوى المعمل، وفي إقحامه داخل نمط الإنتاج الرأسمالي ككل، وفي علاقته مع المجتمع البرجوازي كمستهلك وكمواطن وكناخب وكجندي. فمصيره اليومي هو أن يطيع الأوامر ويتبع التعليمات، أمّا أن يقرر مصيره بنفسه فهذا حلمه الكبير.

وبينما يطرح هذا الحلم نفسه في ظل ظروف “طبيعية” بشكل ضبابي وهامشي –أي في اقتصاد رأسمالي يعمل بشكل طبيعي ودولة برجوازية مستقرة بشكل طبيعي-، يتلقى حافزا قويا من كل شكل أعلى للتعبئة والنضال الطبقي العمالي. إن عددا لا يحصى من المراقبين قد لاحظوا شعور الغبطة والفرح وشعور الحرية المكتشفة فجأة الذي يرافق الإضرابات الجماهيرية، على الأقل تلك الإضرابات التي تتسم بحد أدنى من المشاركة الجماهيرية والعفوية. وليس بصدفة أن يصف المشاركون والمعلقون كلاً من إضراب يوليوز/(تموز) 1932 و ماي/(ايار) 1968 في فرنسا، رغم الفارق الزمني بينهما والمتمثل باثنين وثلاثين عاما، أن يصفهما بالمهرجان وبالإحتفال السار. إنه فقط من خلال هكذا نضالات جماهيرية ومن خلال تنظيمها الذاتي تكتسب الطبقة العاملة الإحساس بالقوة الطبقية الهائلة وغير المحدودة وينسجم هذا الشعور مع الواقع الموضوعي. فالواقع يؤكد ما توقعته الأغنية القديمة للطبقة العاملة الألمانية: إن جميع الدواليب تتوقف إذا ما أراد أن يوقفها ذراعها المحرك. إنه فقط بظل هكذا ظروف أيضا يمكن للطبقة العاملة أن تدرك مدى قدرتها على تغيير المجتمع: على إنشاء نموذج اقتصادي آخر، ونموذج آخر للدولة، وتنظيم آخر للعمل، وثقافة أخرى، بشكل مغاير لما تفرضه عليها الرأسمالية.

مع ذلك يجب أن تؤدي هذه النضالات الجماهيرية إلى أشكال أعلى من التنظيم مختلفة عن النقابة: أشكال تشمل العمال المحاربين ككل أكانوا منظمين بشكل دائم أو لم يكونوا، وأشكال متمحورة حول تحقيق النصر في النضال، بغض النظر عن القوة الممولة النسبية للنقابات في البداية، وأشكال بإمكانها أن تنظم مقاومة العمال وتربطها بتضامن هيئات أوسع وأوسع من الشعب: لجان زوجات المضربين وعائلاتهم، ولجان أحياء محلية، وتجمعات عمالية أخرى ولجان مزارعين وأصحاب دكاكين تقدم الغداء والتسليف، وهيئات دفاع ذاتي، وغيره…

إن لجنة منتخبة ديموقراطيا، تكون مسؤولة أمام جمعيات عمومية للمضربين وتوحد المصانع في الإضراب، هي النموذج الكلاسيكي الأولي لهذا الشكل من التنظيم الذاتي[22]. وعندما يشمل هذا مجلس لمندوبي لجان المضربين جزءا واسعا من سكان مدينة أساسية، عندها تبدأ بنيته بتخطي الحاجات المحدودة لنضال “اقتصادي صرف”. فهي تنظم المالية، والدفاع الذاتي، والمؤونة الغذائية، والإعلام، والتضامن، والعلاقات العامة (نشرات صحافية وغيره…) والمواصلات. ويمكن أن تصل إلى نقطة تقوم عندها بتنظيم ذاتي للإنتاج في المصانع المحتلة تحت رقابة عمالية. وماذا يعني هذا غير إدارة عامة جديدة في شكلها الجنيني، أي، دولة عمالية مستقبلية مبنية على المجالس العمالية، وهي شكل من الديموقراطية العمالية (اشتراكية) أعلى حتى من أكثر الأشكال تقدما في الديموقراطية البرجوازية؟ إن لجنة الإضراب الأولى التي سارت عمليا على هذا الطريق على المستوى القومي وشكلت نوعا من حالة ما قبل حكومية لها وظائف حكومية محددة، كانت لجنة الإضراب المركزية التي أنشأها العمال الفنلنديون خلال الإضراب العام في أكتوبر/(تشرين الأول) 1905. بالطبع يرتبط انبثاق هذا الشكل الجديد بشكل وثيق بالانحلال الموضوعي لسلطة الدولة البرجوازية وبتنامي القبول الشعبي بشرعية الأدوات الجديدة للسلطة كسلطات حقيقية. بكلام آخر، إنها مرتبطة بدينامية أزمة ثورية أصيلة.

لقد فهم تروتسكي هذا التفاعل الديناميكي للثورة والتنظيم الذاتي قبل أي شخص آخر في الحركة العمالية العالمية وأفضل منه. من هنا جاء تدخله المثير في الجلسة النهائية لسوفيات بتروغراد عام 1905 عندما أمر القوزاقيين، الذين أتوا لحل السوفيات، بالانتظار لغاية إنتهاء الجلسة بشكل رسمي. (وبالفعل أطاع القوزاقيون الأمر، مظهرين بالتالي بطريقتهم الخاصة أنهم شعروا بشكل غريزي بسلطة جديدة ناشئة[23]). إن هذا الفهم قد أعطى أيضا أرباحا إضافية خلال التحضير المباشر لعصيان أكتوبر المسلح: لقد أعلنت في ذاك الوقت أفواج تلو الأخرى من حامية بتروغراد، وبشكل علني، ولاءها للجنة العسكرية الثورية باعتبارها السلطة العليا التي حلت أوامرها محل أوامر القيادة العامة للجيش. وكنتيجة لذلك النجاح السياسي، لم يكلف العصيان المسلح الفعلي أكثر من 15 قتيلا و60 جريحا، وعمليا لم يبق أحد يعترف بشرعية وسلطة الحكومة المؤقتة.

ويوجد هناك بالتأكيد أشكال وسطية عديدة بين لجنة إضراب منتخبة ديموقراطيا ومجلس عمالي متطور بشكل كامل: أحد الأمثلة هو حركة مندوبي الأقسام والرقابة العمالية في بريطانيا التي أنشئت مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى. إن تروتسكي لم يتبنَّ إطلاقا موقفا دوغمائيا بالنسبة لشكل معين، وليس دائما الشكل الخالص، الذي يمكن أن تنبثق منه حالة ازدواجية السلطة في أزمة ثورية. يمكن أن تنبثق ازدواجية السلطة من لجان المصانع كما مالت إليه الحال في ألمانيا عام 1923، أو قد تنبثق من لجان جبهوية موحدة كما أمل تروتسكي أن يحصل في فرنسا فترة 34-1936، وكما حصل فعلا في إسبانيا عام [24]1936. وبقدر ما تتشكل هكذا لجان جبهوية موحدة بشكل ميكانيكي من ممثلين عن منظمات طبقية عمالية كبيرة على أساس قرارات اتخذت بشكل فوقي، وبقدر ما لم تكن منتخبة ولم تكن ممثلة للإضرابات غير المنظمة، ستكون هذه اللجان أشكالا أدنى بشكل واضح في التنظيم الذاتي من مجالس عمالية أصيلة. ولكن، بمقدار ما تنتشر اللجان إلى كل مصنع وحيّ وقرية، وتميل إلى تنظيم وتعبئة أعداد واسعة من الشعب، عندها ستكون أكثر من “إتحاد تنظيمي” بسيط (أو الأسوأ من ذلك “إتحاد بيروقراطي”). إنها خطوة باتجاه سوفياتات أصيلة. إلاّ أن تحولها بشكل فعلي إلى سوفياتات يعتمد على شروط واسعة النطاق ليس أقلها شأنا مسألة علاقات القوى بين الاتجاهات المختلفة في الحركة العمالية ذاتها –بشكل أساسي بين الطليعة والجهاز البيروقراطي.

إن السوفياتات العمالية، كشكل أعلى لوحدة طبقية عمالية وتنظيم ذاتي عمالي، تشير أيضا إلى المدى الفعلي للتعبئة الجماهيرية ولمرونة الشكل التنظيمي وللتغيير النوعي في النشاط الذي باستطاعة الجماهير أن تطوره. وهذا هو فعلا شكل أعلى من الديموقراطية، كما أشار ماركس إلى ذلك في تعليقاته حول كومونة باريس: يبدأ بتحطيم الحواجز بين الناخبين السلبيين والمشاركين النشطين في أعمال الحكومة، أي الحاجز بين الوظائف التشريعية والتنفيذية. وتبدأ هنا جميع عناصر الديموقراطية التمثيلية غير المباشرة تلك، التي هي من خصائص الديموقراطية البرجوازية . والتي تميل إلى غزو المنظمات الجماهيرية المبقرطة وتحد أيضا من الحقوق والنشاطات الذاتية للجماهير، تبدأ بفتح الطريق أمام أعداد متزايدة من عناصر الديموقراطية المباشرة التي هي من خصائص الديموقراطية العمالية. حسب تعريف ماركس، فالاشتراكية هي نظام المنتجين المتحدين . وأن الشكل العادي الذي يمكن من خلاله أن يسير المنتجون شؤونهم هو حيث يتقلص بشكل جذري تقسيم العمل البرجوازي التقليدي (أو بشكل عام، الطبقي)- التقسيم بين هؤلاء الذين يديرون وهؤلاء الذين في أحسن الأحوال عندهم ما يقولونه (أو صوت يضعونه) عن الإداريين دون أن يشاركوا بشكل مباشر في أعمال الحكومة- ويبدأ هذا التقسيم بالاضمحلال.

بالطبع ليس من السهل بالنسبة للطبقة العاملة، المضطهدة والمستغلة والمستلبة في ظل الرأسمالية، أن تقفز بشكل عفوي إلى أعلى شكل من التنظيم الذاتي حتى ولو في ظروف إضراب جماهيري. صحيح أن عددا من التجارب الممهدة ستسهل الخطوة الجبارة إلى الإمام في وعي يتضمنه انبثاق مجالس عمالية أصيلة. لكن ممكن للمرء أن يشك بأن هذه العملية هي ذات طابع عفوي جوهريا. إن الانبثاق الفعلي للمجالس العمالية على المستوى القومي يتطلب على الأرجح تفاعلا معقدا ودقيقا جدا لعدد من العوامل: تجربة متنامية في النضالات الجماهيرية لقطاعات أساسية في الطبقة العاملة، عملية تفاضل داخل الطبقة تؤدي إلى خلق طليعة واسعة من العمال المتقدمين الذين خرجوا باستنتاجات محددة من هذه التجارب، عدم ثقة متنامية وصحيّة من قبل هكذا عمال تجاه الاستراتيجيات الإصلاحية البرلمانية وتجاه سياسات البيروقراطية العمالية بشكل عام، وتقوية الحزب الثوري ونفوذه بين الطليعة العمالية الواسعة.

وبالتالي، رغم أن السوفياتات الأولى قد انبثقت باستقلال عن البلاشفة، لم يعد الأمر صحيحا بالنسبة لنشأتها عام 1917. وتروتسكي نفسه سيبدأ تدريجيا بتعديل مواقفه لفترة 1904-1914 مقتربا أكثر وأكثر لرؤية العلاقة بين التنظيم الذاتي للطبقة (المجالس العمالية) والمنظمة المنفصلة للطليعة الثورية كوحدة ديالكتيكية لضدين وليس كعلاقة استبعاد متبادلة. إن الحزب الطليعي لا يمكن أن يحل محل الطبقة في الاستيلاء على السلطة وممارستها. لكن بدون الحزب الطليعي فإن أدوات التنظيم الذاتي للطبقة العاملة، المتضمنة لمستويات مختلفة لا تحصى من الوعي والنشاط، لن تستولي على السلطة وتمارسها على المدى البعيد. إنه من خلال أدوات التنظيم الذاتي للطبقة العاملة يمكن للحزب الطليعي أن يكسب هيمنة سياسية داخل الطبقة ككل ويقاتل –بأساليب سياسية وليس إدارية- من أجل تكريس وإبقاء هذه الهيمنة. يمكن للحزب أن يفعل ذلك بينما يحترم في الوقت ذاته استقلال المجالس العمالية، وبينما يدافع عن تلك البنية الديموقراطية التي بدونها لن تستمر المجالس كأدوات للسلطة وللعمل الموحد الأقصى للطبقة ككل.

لقد جادل البعض حول أن مفهوم تروتسكي في التنظيم الذاتي للطبقة العاملة، الذي يعني ضمنيا عصيانا جماهيريا مسلحا مدعوما بنشاط من قبل أكثرية البروليتاريا، قد تناقض مع نشاطه في تنظيم “مؤامرة سرية” عشية ثورة أكتوبر[25]. يقفز هذا الاعتراض عن واقع لا يمكن إنكاره، بأن الأكثرية الكبرى من الطبقة العاملة الروسية –بالطبع من سكان المدن- قد عبرت عن نفسها في الانتخابات الحرة المفتوحة بتأييدها لاستيلاء السوفييت على السلطة. وهذه الأكثرية قد ازدادت قوة حتى بانتخابات الجمعية التأسيسية، عندما أيّد ما نسبته إثنان إلى ثلاثة من سكان المدن سلطة السوفيات. لكنه أمر واقعي أيضا أن تدمير بقايا الدولة البرجوازية قد بعث مشاكل تقنية بحتة ومشاكل سياسية أيضا: تطلب ذلك ترابط التعبئة والنشاط الجماهيريين بهيئات متخصصة كالحرس الأحمر (الذي احتل مراكز عصب السلطة، وقام باقتحام قصر الشتاء، الخ). إن كلا الأمرين كانا عنصرين أساسيين من العصيان المسلح، الذي لهذا السبب بالضبط، لا يمكن أن يخفض إلى “مؤامرة سرية” تستعمل النشاطات العلنية للسوفيتات “كغطاء” مناسب. لقد برهن تروتسكي أنه أستاذ في هذا الدمج، وكما مع المشاكل السياسية الاجتماعية والعسكرية للحرب الأهلية فقد ترك لنا هيكلا لنظرية معممة يبقى فريدا في الأدب الماركسي لغاية يومنا هذا.

تحت الضغط الحاد للمجاعة العامة وخطر انحلال القوة الطبقية العمالية –بالمعنى الجسدي والعددي أيضا- أجبرت الحكومة البلشفية في فترة 20-1921 على الحد بشدة من ديموقراطية السوفيات بقمع أحزاب وتشكيلات المعارضة السوفياتية، وإلغاء حق تشكيل تكتلات المعارضة داخل الحزب البلشفي نفسه. لقد دعم تروتسكي بصدق هذه الإجراءات. ويمكننا فقط عبر دراسة تاريخية نقدية مفصلة أن نرى أنه كان من غير الممكن تجنب هذه الإجراءات لحماية دكتاتورية البروليتاريا.

لكن تروتسكي قام بأكثر من دعمه لهذه الإجراءات من وجهة نظر برغماتية. حاول تبريرها نظريا، وذهب بذلك إلى حد قوله بصراحة شديدة أنه في ظروف محددة يجب على الحزب الثوري أن يحل محل الطبقة العاملة في ممارسته للسلطة السياسية. وبالتالي، قام بانقلاب نظري تام متنكرا لكل ما اعتنقه لما يقارب العقدين حول مسألة التنظيم الذاتي للطبقة، معبرا بشكل تام على الانحراف الاستبدالي الذي سبق وعزاه (عن خطأ) إلى لينين في جدالاته سنة 1903/1904.

واليوم، وبمساعدة إدراكنا لطبيعة الحادث بعد وقوعه، يمكن أن نقول بكل ثقة بأن هذه الصياغات كانت خاطئة نظريا. إن بعض فقرات الإرهاب والشيوعية وخطابات تروتسكي في المؤتمرين التاسع والعاشر للحزب يجب أن ينظر إليها كتبريرات نظرية غير مقبولة لإجراءات عملية راهنة، وليس على الإطلاق كإغتاءات للنظرية الماركسية[26]. يلخص تروتسكي في الثورة المغدورة العملية التاريخية التي إفتتحت في سنة 20/1921 في الجمل اللاذعة التالية، والتي تتقاطع مع بعض كتاباته في سنة 20/1921.

“أدى قمع الأحزاب السوفياتية إلى قمع التكتلات. وأدّى قمع التكتلات إلى تماسك البيروقراطية”. وأيضا عام 1934 قال بشكل بات: “معنا أصبحت السوفياتات مبقرطة كنتيجة للاحتكار السياسي لحزب واحد أصبح هو نفسه بيروقراطية[27]. وتطرح هذه المعضلة بشكل أساسي سؤالا حول ما إذا كان هناك “طريق ثالث” في مجتمعات ما بعد الرأسمالية بين حكم المجالس العمالية المرتكزة على نظام تعددية الأحزاب وعلى حفز مؤسسي واع لنشاط الطبقة العاملة السياسي من جهة، ومن جهة أخرى، حكم إداري (أكان إرهابيا أو “لطيفا”) من قبل البيروقراطية. إن روزا لوكسمبورغ قد رفضت بشكل صريح منذ عام 1918 هذا التوجه[28]. وفي رأينا، أن التاريخ قد أظهر أنها كانت على حق، على الأقل في هذه النقطة من نقدها للبلاشفة (وليس بالتأكيد في جميع النقاط الأخرى). إن معادلة تروتسكي عام 1936 تبدوا وكأنها تشير إلى وصوله لاستنتاج مماثل.

وتم النقاش أيضا بأن نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي، التي تبلغ ذروتها في مفهوم أن الطبقة العاملة الضعيفة نسبيا والمتخلفة ثقافيا كان عليها أن تستلم السلطة في روسيا، جعلت تروتسكي معرضا للنوع نفسه من الانحرافات “اليعقوبية” التي ارتاب بوجودها عند لينين في شبابه. وعليه فقد افترض أنه غالى في تقدير النضج السياسي للبروليتاريا الروسية وفي قدرتها على ابقاء مستوى تعبئة سياسية مرتفع لوقت طويل حتى في ظل ظروف غير مؤاتية أبدا. وعندما أظهرت الأحداث أن هذا لم يكن واقعيا، كان عليه أن يميل إلى مفهوم الاستبدال.

إن هذا الجدال ينطوي بشكل واضح على مفارقة تاريخية. فلو أن هذا النقاش له علاقة بالواقع، كان سيدافع إذا تروتسكي في سنة 1906 أو 1917 عن فكرة أن البروليتاريا الروسية بإمكانها أن تمارس السلطة وحدها في روسيا لسنوات عديدة دون أن تمتد الثورة إلى بلدان أخرى. ولكنه وكما هو معروف جيدا، فإن طريقة تفكيره ذهبت في الإتجاه المعاكس تماما: إذ كان هناك ثمة شيء أساء تقديره تروتسكي والبلاشفة الآخرون فهو البطولة والوضوح السياسي للبروليتاريا الروسية، ومقدرتها على المحافظة على مستوى مرتفع من التعبئة خلال الحرب الأهلية.

ومؤخرا، طرحت انتقادات جديدة ضد مفهوم التنظيم الذاتي للطبقة العاملة، وضد فكرة ممارسة سلطة الدولة عبر مجالس عمالية منتخبة ديموقراطيا. وهذه الإنتقادات هي أكثر تعقيدا من الجدالات المبتذلة التي ترجع بأصولها إلى الاشتراكية الديموقراطية (التي تتقارب بشكل عام مع البرجوازية الليبرالية) والستالينية.

لنأخذ أكبر مثل نموذجي، وهو النقد الذي يتضمنه كتاب رودلف باهرو[29]. يتمحور نقاش باهرو بشكل أساسي حول فكرتين: بما أن المجالس العمالية تركز القوى بشكل أساسي في أماكن العمل (المصانع وغيرها) فإنها ما تزال مرتبطة بتقسيم العمل الذي يخلقه المجتمع البرجوازي: إنها مؤسسات تنشأ من الرأسمالية، وهي لذلك لبس بمقدرتها الانتقال الى مجتمع بلا طبقات حقا. وبشكل خاص، فهي لا يمكن أن تتخطى الوعي التخصصي (الجزئي) وان تساعد على انبثاق ذاك الوعي العام الذي يمكن أن يكون فقط نتاج عمل عام وليس عمل خاص.

ما ينطوي عليه هذا الطرح هو الشك –ان لم يكن الرفض- بالفرضية الأساسية للاشتراكية العلمية: أي أن المجتمع اللاطبقي يمكن أن يأتي فقط من خلال انصهار برنامج الماركسية الثورية مع المصالح الاجتماعية (بما في ذلك المادية) لطبقة اجتماعية (قوة اجتماعية) تملك القوة الكافية والمقدرات لتجعل هذا المسعى ممكنا على الصعيد الموضوعي. وإذا لم يكن هناك قناعة بأن الطبقة العاملة بمقدورها أن تحرر نفسها من القيود الفكرية والأخلاقية والبسيكولوجية والثقافية للرأسمالية، حتى في ظروف مؤاتية لأزمة ثورية وانتصار ثوري، إذا لن تكون الاشتراكية إلاّ طوباوية. وبما أنه لا يوجد أي قوة اجتماعية أخرى لها جزء من مقدرة موضوعية وذاتية للبناء الإشتراكي، فعلى المرء أن يعود إلى مستوى التجمع الفردي لكي يجد “موضوعا ثوريا”مناسبا –دون أدنى برهان على أن هكذا تجمعا فرديا سيضم أكثر من أقلية صغيرة في المجتمع. إن الربط المحدد بين القوة الجماهيرية والنشاط الجماهيري وبين القفزات العملاقة في الوعي الفردي، التي أصبحت ممكنة من خلال مجالس العمال والحزب الثوري ونظام تعددية الأحزاب، إن كل هذه الأمور تفتتح طريقا أمام آمال غامضة في تقدم “الوعي العام”. وفي غضون ذلك، وبما أنه مازالت مطروحة مسألة من سيتخذ القرارات المعبرة عن المصالح “العامة” وليس “الخاصة”، ستبقى السلطة على اقل احتمال، إن لم يكن حتميا، في أيدي الدولة المبقرطة، ولو كان يقودها نخبة منفتحة بدلاً من موظفي دولة عاديين. إن باهرو لم يفهم البديل بين جهاز دولة مستقل عن جماهير المواطنين وبين هذه المجالس التي تمثل الشكل الوحيد المنتج تاريخيا للحكم والرقابة الذاتيين من قبل الجماهير أنفسها. إن عصبة أقلية من الشيوعيين ليست بالطبع البديل عن رقابة الجماهير حتى ولو كانت تمتلك المستوى الأعلى من “الوعي العام”

« السابق التالي »