بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل السادس: بناء الأحزاب الجماهيرية الثورية

لطالما برهن تاريخ الفكر البشري، ليس فقط الإجتماعي بل وأيضا العلمي-الطبيعي، بأن الافتقار إلى فهم مسألة معينة قد يكون نقطة بداية أفضل لفهمها الأصح. فواقع أن تروتسكي بقي خمس عشرة سنة تقريبا دون أن يفهم التبرير التاريخي الحقيقي للبلشفية، ساعده بكل تأكيد على إدراك النظرية اللينينية للتنظيم أفضل من معظم البلاشفة الآخرين، وذلك بعد عام 1917. وكما قال لينين نفسه في نوفمبر 1917: “لقد فهم تروتسكي هذا الأمر (استحالة الوحدة مع المناشفة) ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك بلشفي أفضل منه”[30].

وبفهمه للحزب الطليعي الثوري كأداة لا غنى عنها من أجل الاستيلاء على السلطة وممارستها من قبل الطبقة العاملة، وكضرورة من أجل الثورة العالمية والاشتراكية العالمية كتنظيم ذاتي للطبقة، لعب تروتسكي دورا مهما وذلك عام 1918 وبعده، في سعي الأمميين في فترة الحرب لبناء أحزاب جماهيرية ثورية جديدة منفصلة ومستقلة عن الاشتراكية-الديموقراطية القديمة، ولبناء أممية ثورية جديدة: الأممية الشيوعية. إن المؤرخين –وبالأخص المعادين منهم- قد شدّدوا كثيرا على النتائج السلبية “لتفاؤله المفرط”. فأشاروا إلى “آماله الخاطئة” حول “الانفجار الفوري” للثورة في ألمانيا أو النمسا خلال النصف الأول من سنة 1918، وأشاروا بشكل خاص إلى تكتيكاته في مفاوضات بريست ليتوفسك السلمية مع الإمبراطوريتين الألمانية والهنغارية-النمساوية[31]. لكننا نستطيع أن ندرك اليوم أن هذه التكتيكات التحريضية لاقت صدى كبيرا بين الطبقة العاملة في برلين وفيينا. وقد لزم جميع تلك المناورات الخيانية من قبل قياديي الاتحاد اليميني في الاشتراكية الديموقراطية لمنع انفجار في كلتا المدينتين في يناير/(كانون الثاني)-فبراير/( شباط)1918[32].

وقد أعطي اهتمام أقل بكثير، من قبل مؤرخي حياة تروتسكي أو مؤرخي تلك الفترة، لدوره الرئيسي في تطوير المفهوم الاستراتيجي لكسب جماهير البلدان الإمبريالية والمستعمرات إلى الشيوعية: المفهوم الاستراتيجي لبناء أحزاب جماهيرية ثورية. لا بل وأعطي اهتمام أقل من ذلك إلى الارتباطات العضوية بين هذا المفهوم الاستراتيجي وموضوعتين أساسيتين في ماركسيته: مفهوم الثورة الدائمة ومفهوم التنظيم الذاتي للطبقة العاملة. وتظهر هذه الارتباطات العضوية بشكل واضح في مساهماته في النقاشات المبكرة في الأممية الشيوعية، وبالأخص تلك المتعلقة بالجبهة الموحدة في فرنسا وألمانيا، وما سمي ب”نشاط مارس/اذار (1921)” في ألمانيا، والانفصال عن الانحرافات الطفولية في المؤتمر الثالث للكومينترن، والفرص المؤاتية على المدى المتوسط للشيوعية العالمية بعد أن بدأ الاستقرار النسبي للرأسمالية في الغرب. لقد تابعت مساهمات تروتسكي حول الأزمة الألمانية عام 1923، والإضراب العام البريطاني، التقليد نفسه بعد رحيل لينين. وفي نضاله ضد “اليسارية الطفولية للمرحلة الثالثة” وسياسة الجبهات الشعبية التي تلت للكومنترن الستاليني، نجد ما هو، في معنى من المعاني، الدفاع الأعلى عن هذا المفهوم الاستراتيجي.

لقد بدأ تروتسكي، مثل لينين، من رفض أي فكرة تعتبر الثورة الاشتراكية يمكن أن تنتصر في بلد إمبريالي، حيث أكثرية السكان هم المأجورين، طالما أن الشيوعيين يملكون فقط دعم أقلية الطبقة العاملة. إن فكرة الدولة العمالية أو ديكتاتورية البروليتاريا بالذات المبنية على أساس التنظيم الذاتي للطبقة في مجالس عمالية تجعل إمكانية أن تمارس هكذا سلطة دون موافقة الأكثرية الكبرى من الطبقة، لا بل المشاركة النشيطة، من جانبها، أمرا مستحيلا. وبالتالي، فمن الخطأ الاعتقاد أن نضال لينين وتروتسكي من أجل الجبهة العمالية الموحدة (بالأخص في فرنسا وألمانيا –وليس فقط هناك)، أو إلحاحهما القوي بأن على الشيوعيين البريطانيين أن يعملوا في سبيل الانضمام إلى حزب العمل، كان فقط مناورة تكتيكية من أجل إضعاف الاشتراكية-الديموقراطية وتقوية الأحزاب الشيوعية. ورغم أنه لا يمكن التقليل من بعد العمل البنائي للحزب في هذا الصراع، لكن ذلك لم يكن إلاّ جزءا من توجه أوسع بكثير: لكسب أكثرية الطبقة العاملة إلى فكرة الإسقاط الثوري للرأسمالية وبناء سلطة المجالس العمالية (السوفياتات). إن هذه العملية تطول دون شك عددا من الجماهير أكثر بكثير من عدد الراغبين في الانضمام إلى الحزب الشيوعي أثناء ثورة بروليتارية منتصرة وبعدها.

إن استراتيجية كسب أكثرية البروليتاريا إلى الشيوعية، كمعارضة للإصلاحية، في جميع تلك البلدان التي تضم الحركة العمالية المنظمة فيها عددا كبيرا من العمال، تنطوي على مدلولين،يعمل الواحد منهما، إلى حد ما، باستقلال عن الآخر، رغم أنهما مرتبطان أيضا. فمن جهة، هناك مشكلة أساسية هي مشكلة التغلب على نتائج الانقسامات الحزبية السياسية للطبقة العاملة من أجل تمتين قدرتها الكلية للدفاع عن مصالحها الحيوية. (والآن بالطبع، وعكس ما كان يحصل في فترة ما قبل عام 1914، أصبح هذا النوع من الانقسام هو القاعدة وليس الاستثناء –رغم أننا لا يجب أن نقلل من تقدير ثقل اتجاهات النزعة النقابية، والنقابية الفوضوية والنقابية الثورية داخل حركة الطبقة العاملة قبل عام1914). إن الحاجة إلى الوحدة تطرح نفسها بقوة خاصة عندما تكون الطبقة العاملة معرضة لهجوم المدراء والبرجوازية والدولة البرجوازية. ولكنها أيضا يمكن أن تطرح نفسها عندما يظهر أن الفرصة التاريخية ستجعل من الممكن التقدم بمواجهة حاسمة نحو قلب الرأسمالية، وعندما يهدد العجز عن تعبئة قوة الطبقة ككل –وهو بذاته متأت من وجود انقسامات سياسية-بشل إمكانية الإختراق الثوري.

ومن جهة أخرى، هناك مشكلة حقيقية لا تقل صعوبة في جعل ذلك القطاع من الطبقة العاملة الذي لا يزال يتبع القيادة الإصلاحية يقوم بقطيعة مع الأوهام الانتخابية والبرلمانية المترسخة، أي بكلام آخر، تحقيق وحدة عمل الطبقة العاملة في ظل ظروف كهذه لكي تؤدي إلى صعود مهم في معدل الوعي الطبقي للبروليتاريا. فبعد أن أصبح تروتسكي بلشفيا، تخلى عن الوهم العفوي بأن هكذا صعودا في معدل الوعي الطبقي سيكون، بمعنى من المعاني، النتيجة الأوتوماتيكية لازدياد التعبئة الجماهيرية الضخمة –على الأقل ليس صعودا في الوعي يتناسب مع الحاجة إلى بدء المسير الحازم على طريق النضال من أجل السلطة.

ففي سياسة الجبهة الموحدة، الموجزة في المؤتمر الثالث للكومنترن، والتي لعب تروتسكي دورا هاما في تطويرها وإنجازها، يرتبط هذان الوجهان لتلك الاستراتيجية بعضهما بالبعض الآخر بشكل متواصل. إن النضال من أجل الجبهة الموحدة هو نضال من أجل عمل موحد حقيقي لجمهور العمال، الذي لا يمكن أن يتحقق في العديد من الحالات، إن لم يكن في معظمها، حين تكون الطبقة العاملة منقسمة سياسيا دون المشاركة الفعلية للقيادة الإصلاحية. فالإعتقاد بأن مئات الألوف من العمال الذين ليسوا على استعداد للقطيعة مع الاشتراكية-الديموقراطية سيكونون على استعداد للانخراط في تعبئة جماهيرية سياسية باستقلال عن، أو ربما ضد قرارات قياديي حزبهم، يعني التوهم بأن المشكلة التاريخية لفك ارتباط العمال الاشتراكيين الديموقراطيين بالإصلاحية قد ثم حلها.

إلاّ أن النضال من أجل الجبهة الموحدة هو أيضا نضال من أجل خلق ظروف مؤاتية لعدد متزايد من العمال للقيام بقطيعة مع الأوهام الإصلاحية والتدرجية والانتخابية وسياسة المساومة الطبقية والتعاون الطبقي. وإن لم تؤد الجبهة الموحدة إلى تحقيق هذا الهدف، فإنها في أحسن الأحوال ستقود فقط إلى انتصارات جزئية في نضالات دفاعية (وهي أمور ليست غير ذات أهمية)، بينما تبقى دون حلول مشكلة العصر الأساسية: كيف يمكن رفع وعي الطبقة العاملة في البلدان الإمبريالية الصناعية، إلى المستوى الذي يجعلها تدرك ضرورة القتال من أجل سلطة العمال.

وبالتالي، لم تتضمن سياسة الجبهة الموحدة، بالنسبة لكل من لينين وتروتسكي، “ائتلافا أيديولوجيا غير عدواني” مع إصلاحية الاشتراكية الديموقراطية: تخلي الحركة الشيوعية عن مبرر وجودها السياسي، والتخلي عن نقدها المؤكدة صحته، ألوف المرات، للإصلاحية والتدرجية المفلستين تاريخيا. كانت المعادلة الكلاسيكية لسياسة الجبهة الموحدة: السير على حدة والضرب معا. والسير على حدة يعني: المحافظة على الاستقلال السياسي والأيديولوجي وليس تحويل اتفاقات الجبهة الموحدة إلى “برامج مشتركة بعيدة المدى” مائعة، الذي لا يعني، طالما احتفظت الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية بنفوذها الجماهيري، إلاّ الاستسلام للتدرجية والوفاق الطبقي. والضرب معا يعني: رغم وجود الخلافات الأيديولوجية والبرنامجية التي لا تقبل التوفيق، الاتفاق على أعمال مشتركة بأهداف محددة تتلاءم مع مصالح الطبقة ككل ومع المصالح المشتركة للمنظمات المعنية كما تفهمها.

ليس هناك أي شيء مزيف أو ماكيافلي أو غير صادق سياسيا في هكذا سياسة. بل على العكس، عندما تعلن جميع العناصر سابقة الذكر بشكل علني وواضح، لا يمكن لأحد أن يعترض عليها من وجهة نظر الأخلاقية البروليتارية. وليس في ذلك أي محاولة لإخفاء الرفض للمساومة الطبقية والتدرجية الاشتراكية-الديموقراطية، كونها تتناقض مع مصالح الطبقة العاملة، وكونها معادية على نحو قاتل للثورة الاشتراكية، وبالتالي فهي قوة كبيرة مساندة لاستمرار الرأسمالية الآفلة وانحطاط الحضارة بشكل عام. إنه معلن بوضوح، في الوقت نفسه، بأن المصلحة المشتركة للعمال الاشتراكيين الديموقراطيين والشيوعيين في محاربة البطالة أو الفاشية تعني المصلحة المشتركة في الجبهة الموحدة ضد هجمة أصحاب العمل وانقضاض الفاشيين. إنه لمصلحة كل من الاشتراكيين-الديموقراطيين والشيوعيين المشتركة أن يستمر الجدال حول الميزات والمساوئ النسبية للتدرجية والثورة، وأن يستمر النقاش بينهم كعمال مستخدمين بمعاشات كاملة، لا كضحايا البطالة الدائمة المفقرين ومضعفي المعنويات. إنه بالطبع لمصلحتهم المشتركة أن يستمروا في ذلك الجدال في قاعاتهم الشعبية، ومن خلال جرائدهم الحرة، وفي جمعيات عمومية حرة للأعضاء النقابيين، لا في معسكرات تجميع أو زنزانة سجن.

إن هذا هو تناول دياليكتيكي حقيقي لجبهة العمال الموحدة ولمسألة كسب أكثرية الطبقة العاملة لفكرة الثورة الاشتراكية من خلال نشاط وتعبئة جماهيريين (من الممكن أن يترافقا مع عمليات انتخابية، لكن دون أن يخضعا لها بأي طريقة من الطرق). بالتالي، فإن هذا التناول يعلق ثقلا كبيرا على البناء التنظيمي للجبهة الموحدة ولتكتيكات ما يسمى بشعارات حكومية: وهما مسألتان لعبتا دورا كبيرا في نقاشات الكومنترن في العشرينات وأوائل الثلاثينات، وفي المساهمات التي استمر بتقديمها تروتسكي حتى نهاية حياته.

إن الشكل التنظيمي الأكثر تقدما للجبهة العمالية الموحدة هو بكل وضوح الشكل الذي يؤمن تنظيم وحدة العمل على جميع المستويات، بما في ذلك على مستوى المعمل والحي في شكل لجان جبهة موحدة (أو عمل). إن هكذا لجان مُنشأة من قبل جميع المنظمات المشتركة في الجبهة الموحدة، يجب أن تصبح خاضعة أكثر وأكثر لانتخاب وإقالة ديموقراطيين من قبل جمهور العمال أنفسهم –وفي هذه الحالة ستسير بتقدم باتجاه الاقتراب من نموذج مجالس عمالية أصيلة. وبالطبع، يمكن أن تتحول إلى هكذا مجالس من خلال أي تغيير مفاجئ في الظروف الموضوعية (أي حادث يسبب أزمة ثورية).

إن الشكل السياسي الأكثر تقدما لجبهة عمالية موحدة هو أيضا بشكل واضح الشكل الذي يصبح فيه تأسيس حكومة من أحزاب الطبقة العاملة (أو جميع المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة) هدفا مجاهرا به للعمل الطبقي الموحد. في تلك الحالة، فإن الهدف الرئيسي للجبهة الموحدة ككل –أي تربية الطبقة العاملة على حاجة الاستيلاء على السلطة- يكون قد دنا خطوة كبيرة حيث تصبح مسألة السلطة متزاوجة بازدياد مع الأهداف الدفاعية الأصيلة للجبهة الموحدة.

لكن وبما أن الشيوعيين –وبالأخص تروتسكي بعد عام 1917- ليس لديهم أوهام حول رغبة أو مقدرة التدرجيين والاشتراكيين-الديموقراطيين العملية باستلام السلطة وإسقاط الدولة البرجوازية، فإن هكذا شعارات حكومية يجب أن تترافق مع تحذيرات متواصلة حول ما يمكن أن يحدث إذا ما سُمح للاشتراكيين-الديموقراطيين (واليوم الأحزاب الشيوعية الإصلاحية أيضا) باتباع ميلهم وزخمهم الطبيعيين. وبحال لم يحصل ذلك، فإن مجمل هذه الدعاية المركزة على شعارات حكومية، والتي يمكن أن تلعب دورا كبيرا في تثقيف الطبقة العاملة حول أهمية السلطة وحول طبيعة الإصلاحية والتدرجية، يمكن أن تقوي بشكل فعلي الأوهام وسط قطاعات من الحركة الجماهيرية. وللسبب نفسه، تكون الحالة “المثالية” هي الحالة التي يسمح فيها تطور النضال الطبقي والوعي الطبقي العمالي للقوة الدافعة باتجاه التنظيم الذاتي البنيوي العضوي للجبهة الموحدة أن تندمج مع الشعار الحكومي الموحّد: إلى الأمام نحو حكومة عمالية موحدة للاشتراكيين-الديموقراطيين والأحزاب الشيوعية المبنية على قاعدة لجان منتخبة ديموقراطيا، حكومة تطبق سياسة القطيعة مع البرجوازية والمعاداة للرأسمالية، التي تتصورها الجماهير وتعكس حاجاتها وانشغالاتها.

لقد تناول تروتسكي كلاّ من الشكل التنظيمي والهدف السياسي للجبهة الموحدة دون أية روحية قصوية. إن الشكل الأكثر تحبيذا الذي تم إيجازه سابقا ليس بأي حال من الأحوال الشكل الممكن الوحيد لتنظيم الجبهة الموحدة وديناميتها. وهو بشكل خاص ليس الطريق الوحيد الذي يمكن أن تبدأ به الحركة الدافعة للجبهة الموحدة داخل الطبقة العاملة. هذا، وإن بدء هكذا دينامية هو شرط مسبق أساسي، إذا لم يكن حاسما، من أجل أن تتقدم قطاعات واسعة من الجماهير الكادحة نحو الماركسية الثورية، نحو بناء أحزاب جماهيرية ثورية. ويكون من الحماقة الإجرامية بمكان أن يتم التضحية بإمكانية بدء هكذا سيرورة لغاية ظهور الظروف المثالية.

ولهذا إنتهز تروتسكي باستمرار –خلال صراعه من أجل أحزاب جماهيرية ثورية: في الكومنترن لغاية عام 1933، وبعد ذلك، بظل شروط أقل مؤاتاة، في تثقيف النواة الأولى للأممية الرابعة –جميع الفرص مؤاتية وجميع المنافذ التي يمكن أن تسهل الحوار مع القطاعات غير الثورية للطبقة العاملة وترتقي بوعيها خطوة أخرى إلى الأمام وحتى المبادرات الانتخابية “الصرفة” يمكن أن تلعب دورا كهذا، شرط أن تكون متلائمة مع الهدف الواضح، وأن تقدم الجماهير خطوة إلى الأمام وليس إلى الوراء على طريق إدراك الحاجة للاستيلاء على السلطة، وأن تساعد لا أن نعيق بناء الأحزاب الثورية.

ويرتكز هذا التناول، الذي تشبث به تروتسكي بعناد لغاية وفاته، على مفهومين: المفهوم الأول الذي طوره بوضوح، حتى أكثر من لينين، بعد عام 17/1918، والذي نمقه بالأخص خلال العقد الأخير من حياته هو مفهوم الحركة العمالية المنظمة كوحدة عضوية. وقد عزز هذا المفهوم كل من نضاله من أجل تنظيم داثى عمالي (سلطة العمال المبنية على المجالس) ونضاله من أجل الديموقراطية العمالية. وهو اليوم موضوع خلاف أساسي بين أتباعه وبين، ليس فقط التيارات الأيديولوجية المختلفة التي لم تقطع حبل السرة مع الستالينية، بل وأيضا الأعداد المتزايدة من التيارات الاشتراكية-الديموقراطية المتأثرة بالأيديولوجية البرجوازية.

لقد ساعده هذا المفهوم (وساعد أتباعه) على التمييز بين الواقع، الذي لا يمكن إنكاره، بأن الطبقات المعادية تمارس تأثيرا ايديولوجية كبيرا على الحركة العمالية –وان عددا من “الوكلاء” يعملون هناك بدفع مباشر من قطاعات من البرجوازية- وبين فكرة أن النضال بين تيارات تاريخية كبيرة للحركة العمالية هو في الواقع “نضال طبقي بين البرجوازية والطبقة العاملة”. غير أن الوقوف عند الاستنتاج الأخير وحده يمكن فقط أن يقود إلى قمع الديموقراطية العمالية الحقيقية والحوار الأيديولوجي: وإلى الاستبدال المتزايد للتميّز السياسي بالقمع الإداري (في حالة الاشتراكيين الديموقراطيين يكون القمع من خلال جهاز الدولة البرجوازية، وفي حالة البيروقراطية يكون القمع من خلال جهاز دولة البلدان العمالية المبقرطة). وفي حالات قصوية يمكن أن يؤدي ذلك أيضا إلى عنف جسدي وقتل أو إبادة جسدية جماعية.

إن قطاعات الطبقة العاملة التي تدعم الاشتراكية-الديموقراطية والفوضوية أو الستالينية هي أجزاء من الطبقة العاملة وليست أجزاء من الطبقة البرجوازية، وذلك بغض النظر عن أصول أفكارها وأوهامها وبغض النظر عن طبيعة القيادة المضللة التي تتبعها. وبدون أن يتم كسب قطاع واسع من الجمهور التابع لتلك التيارات الأيديولوجية السياسية إلى المشروع الثوري، أو على الأقل جعلها تنظر إلى هذا المشروع بحياد إيجابي، بدون ذلك لا يمكن أن يكون هناك ثورة اشتراكية ناجحة في المجتمعات المتقدمة صناعيا. (والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك ثورة اشتراكية منتصرة إذا ما بقي أكثرية العمال إصلاحيين، وبالتالي دون الحاجة إلى نضال أيديولوجي مستمر وقاس ضد الإصلاحية).

ولا بد من ملاحظة عابرة، بأن هكذا مفهوما للحركة العمالية كوحدة عضوية يجب أن يبنى على أرضية المفهوم المادي للبروليتاريا كطبقة تضم جميع المأجورين، جميع هؤلاء الذين يضطرون تحت الضغط الاقتصادي إلى بيع قوة عملهم. هذا هو التعريف الكلاسيكي للبروليتاريا الذي نجده في مجمل كتابات ماركس وانجلس وكاوتسكي الشاب وبليخانوف ولينين وتروتسكي الشاب. وفي رأينا أن تروتسكي قد تقلب فيما بعد حول هذه المسألة بطريقة لا يمكن تبريرها. فأحيانا كان يصنف الأجراء ذوي الياقة البيضاء ضمن فئة “البرجوازية الصغيرة الجديدة” –الأمر الذي يقود إلى العديد من التناقضات المتعلقة بهذا المفهوم، بما في ذلك التعريف بالأحزاب العمالية نفسها[33].

إن هذا المفهوم للحركة العمالية المنظمة كوحدة عضوية مرتبطة بالبروليتاريا لا يتناقض بأي طريقة من الطرق مع الفكرة التي دافع عنها تروتسكي بضراوة حول حتمية التمايزات والتجزؤات الداخلية للبروليتاريا. وتعبر هكذا تمايزات عن نفسها في تنوع المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة، وتستمد جذورها من المصالح الفئوية الحالية، بالإضافة إلى كونها ترتبط بمستويات الوعي المختلفة التي لا تتطابق بالضرورة مع تلك المصالح الفئوية. إن تروتسكي لم يؤكد فقط على أن هذه التجزؤات والتمايزات هي أحد الأسباب الجوهرية التي تفرض الحاجة إلى حزب ثوري طليعي، بل وأيضا كان شديد الحذر تجاه هكذا ميول موضوعية كالاندماج المتزايد (لأقسام كبيرة) للبيروقراطية النقابية في الدولة البرجوازية –التي تتماشى مع القوانين الموضوعية لحركة المجتمع البرجوازي في البلدان الإمبريالية كما والبلدان شبه المستعمرة. إلاّ أنه عارض بشدة التعميم المضخم حول أن عمليات التجزؤ والاندماج هذه قد حوّلت أجزاء من الحركة العمالية من الطبقة العاملة إلى طبقة الرأسمالية، وإن هذه الأجراء أصبحت بالتالي غير قادرة على الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة من أي نوع كانت وفي أي زمن.

إن المفهوم الأساسي الثاني الذي يتضمنه تكتيك الجبهة الموحدة هو ذو طابع تربوي. لقد فهم تروتسكي، كما وروزا لوكسمبورغ ولينين، الذي تبقى مساهمته “مرض الطفولية في جناح الشيوعية “اليساري” مصدرا مهما في هذا المجال، بأن الجماهير الواسعة تتعلم من التجربة، وبالأخص التجربة في العمل، أكثر بكثير من الدعاية والتحريض الشفهي أو المطبوع. وبالتالي كان النضال من أجل الجبهة الموحدة في التحليل الأخير نضالا من أجل التجارب في العمل، أكانت تلك التجارب إيجابية أو سلبية، تساعد الجماهير للوصول إلى عدد من الاستنتاجات التي دأب على استخلاصها الماركسيون منذ 1905-1906 أو على الأقل منذ عام 1914، والتي من الصعب على الجماهير الواسعة استخلاصها فقط عبر قراءة المنشورات والتفكير بالتاريخ العالمي. نعني هنا بالأخص الاستنتاجات التالية: بأن الرأسمالية قد تخطت مهمتها الحضارية، وبأن استمرار الرأسمالية في الحياة سيجلب على البشرية أعدادا متزايدة من الكوارث كالحروب العالمية وبطالة فظيعة وديكتاتوريات رجعية دموية، وبأن الرأسمالية لا يمكن أن تزول بخطوات جزئية وتدريجية؛ وبأنها يمكن أن تزول فقط من خلال نشاط جماهيري في لحظات مؤاتية في التاريخ تسمى أزمات ثورية؛ وبأنه في هكذا لحظات تملك الاشتراكية-الديموقراطية وظيفة مهمة في تجنب الثورة بأي ثمن تقريبا، لكونها مقتنعة بعمق (ولها مصلحة مادية) بأن نتيجة هكذا ثورات سيكون أسوأ من الرأسمالية الآفلة (ولأنها تعتقد، وعلى الأقل لدرجة معينة، بإمكانية التغيير التدريجي للنظام)؛ وأنه بالتالي من أجل إنقاذ البشرية من البربرية يكون من الضروري بناء أحزاب جماهيرية ثورية، التي بينما تطبق سياسة أوسع تنظيم ذاتي ووحدة عمل ممكنين للبروليتاريا، ستتحضر ويكون بمقدورها انتهاز فرصة قيادة الطبقة العاملة نحو السلطة خلال هكذا أزمات ثورية.

« السابق التالي »