بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل الثامن: الفاشية

الستالينية، ثمرة انتصار الثورة المضادة السياسية في روسيا، كانت أساسيا نتاج الهزيمة الجزئية للثورة العالمية في فترة 1918-1923. وبدورها رمت بثقلها الكبير على نتائج الصراعات الطبقية الهامة جدا لسنوات 23-1940. وجاءت حصيلة هذه الصراعات كاريثية في أجزاء كبيرة من العالم. لقد استتبت الفاشية (أو دكتاتوريات عسكرية بأنماط متشابهة) في معظم نصف الكرة الشمالي، مع الاستثناءات الهامة في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والمكسيك. وقد شكل مقتل تروتسكي على يد عميل للمخابرات السوفياتية في غشت/(أب) 1940 في المكسيك تعبيرا رمزيا عن هذا الإتجاه الرجعي على الصعيد العالمي الذي بلغ ذروته في بربرية الحرب العالمية الثانية.

والفاشية ثمرة انتصار الثورة المضادة السياسية في البلدان الرأسمالية، كان من الصعب تحديدا، كالستالينية، في إطار مفاهيمي من قبل الفكر الاجتماعي المعاصر، بما في ذلك الفكر الماركسي. ومرة أخرى وقف تروتسكي فوق معاصريه في شرحه لهذه الظاهرة المخيفة الجديدة. لم يفهم أي كاتب آخر بذلك الوضوح طبيعة الفاشية والتهديد الذي تمثله للطبقة العاملة والحضارة الإنسانية، ولم يقم أحد آخر غيره في ذلك الوقت بتحذير الحركة العمالية من أجل النهوض ضد ذلك التهديد، واضعا الاستراتيجية والتكتيك الصحيحين لمواجهته. ونستطيع أن نقول، من دون تضخيم، أنه، مع إمكانية استثناء مساهمات ماركس 18 برومير لويس بونابرت والصراعات الطبقية في فرنسا 48-1850، لا يوجد أي تحليل ماركسي لمسائل اجتماعية وسياسية راهنة يقارن، بعمقه وحسية إدراكه بكتابات تروتسكي عن ألمانيا في فترة 29-1933.

وفي تناول تروتسكي الظاهرة الفاشية، استعان من جديد وبشكل كبير بإدراكه العميق لقانون التطور المركب وغير المتساوي: ذلك التأليف Synthesis للمادية الديالكتيكية مطبقا على المجتمع الطبقي. لقد فهم تروتسكي، مثله مثل بعض الكتاب الماركسيين الآخرين (كارنست بلوخ وكورت توشولسكي)، مسألة عدم تطابق الأشكال الاجتماعية-الاقتصادية مع الأشكال الأيديولوجية- أي بكلام آخر، واقع أن أفكارا وأطباعا وطموحات لا عقلانية ذات قوة كبيرة قد بقيت حية من الأزمنة ما قبل الرأسمالية في أجزاء كبيرة من المجتمع البرجوازي (وبالأخص بين الطبقات الوسطى المهددة بالإفقار الشديد، و لكن أيضا بين قطاعات من البرجوازية نفسها ومثقفين منحطين طبقيا، وحتى الشرائح المختلفة من الطبقة العاملة). وأفضل من أي شخص آخر، وضع تروتسكي الاستنتاج الاجتماعي والسياسي التالي: في شروط تنامي ضغط التناقضات الطبقية الاجتماعية –الاقتصادية المتزايدة بشكل لا يحتمل، يمكن أن تصبح قطاعات هامة من الطبقات والشرائح الاجتماعية الأخرى المذكورة أعلاه- الغبار البشري، كما صنفها تروتسكي بنباهة- مدموجة في حركة جماهيرية جبارة، يبهرها زعيم ذو سلطة نفسية خارقة، وتتسلح بقطاعات من الطبقة الرأسمالية وجهاز دولتها ويجري استعمالها كآلة من أجل تحطيم الحركة العمالية من خلال الإرهاب الدموي والتهويل.

ويفتتح ذلك طريقا إلى “حل” رأسمالي آني لأزمة المجتمع البرجوازي الهائلة، وهو حل مبني على الاستغلال الأقصى للبروليتاريا الذي كان قد أضحى مستحيلا بصعود الحركة العمالية المنظمة. إلاّ أنه لا يمكن على المدى البعيد إعادة خلق ظروف رأسمالية مستقرة من خلال الاستغلال الأقصى للطبقة العاملة في بلد واحد. إن على الفاشية بعد تحطيمها للطبقة العاملة وبنائها لمجتمع برجوازي قمعي منظم بصرامة ان تحول ديناميتها المروعة نحو الخارج، في محاولة للاستيلاء على مستعمرات أو شبه مستعمرات جديدة، وان تستعبد شعوبا بأكملها، وتخضع منافسيها الإمبرياليين، وتحطم الاتحاد السوفياتي، وتنشئ هيمنة عالمية.

إن هذا التحليل العميق للفاشية يوّحد ويجمع عناصر تحليلية مختلفة، لكل منها استقلاليتها النسبية، تتوافق مع سمات خاصة في الواقع السياسي والاجتماعي للبلدان الإمبريالية في فترات أزمة اجتماعية-اقتصادية عميقة، ويؤول تضافرها –وهو يختلف عن عملية جمع ترتيبي- إلى اندماجها في أداة لفهم كلية الظاهرة التي تسمى صعود الفاشية.

تنشأ الأيديولوجيات والتجمعات السياسية الفاشية (أو الفاشية البدائية) باستقلال عن الحاجات الحالية للطبقة الرأسمالية، وهي تنبثق من سخط ويأس الطبقات الوسطى على حالة انسحاقها بين سلطة الاحتكارات الرأسمالية وسلطة النقابات. (أما الاستقلال النسبي لأيديولوجيتها فأمر آخر تماما. فالعنصرية متجذرة بعمق في أيديولوجيات برجوازية نموذجية في عصر الاستعمار الإمبريالي، رغم أنها تجمعها مع بقايا أيديولوجيات ما قبل برجوازية). وفي مراحل انتقالية معينة، تظهر هذه التجمعات بكثرة، وتنشأ منافسة حامية الوطيس بين المرشحين المختلفين للزعامة. ويمكن فقط لظروف محددة –تعمق الأزمة الاقتصادية، وحاجة الشركات الكبيرة الملحة للتخلص من المزايا الأساسية للديموقراطية البرجوازية، وحاجة موضوعية لمزيد من المركزة السياسية إذا ما كان للمجتمع البرجوازي أن يحقق عددا من الأهداف الاقتصادية الملحة، ومستوى معينا من الدعم الشعبي لأحد المرشحين الديكتاتوريين – أن تجعل الرأسمالي الاحتكاري ينظر عمليا إلى مسألة إعطاء دعمه الأساسي للفاشيين.

من وجهة نظر المصالح البعيدة المدى للطبقة الرأسمالية بشكل عام، وللاستقرار النسبي للمجتمع البرجوازي، ككل، تكون الأنظمة البرجوازية البرلمانية مستحبة أكثر من أيشكل من الدكتاتورية، ولن نقول أشكالها الفاشية. إن حكم الطبقة البرجوازية يبني نفسه على أساس خليط محدد من المؤسسات القمعية المتكاملة. وكلما كان وزن المؤسسات المتكاملة أضعف، يصبح عدم الاستقرار على المدى الطويل أعمق. فليس للا شيء سميّت الفاشية والأشكال المتطرفة الأخرى من الديكتاتورية البرجوازية بحالات الحصار المؤسسية، أو حتى بحروب أهلية دائمة (حروب أهلية بالتأكيد، لكن حيث يوجد معسكر أعزل من السلاح دائما ومعرض لعنف المعسكر الآخر). إن أشكال الحكم هذه أكثر خطرا بالنسبة للبرجوازية، لأنها تميل إلى مراكمة تواترات اجتماعية قد تصل إلى نقطة الانفجار في أوقات الأزمة الحادة، دون أن تخلق آليات للمساومة الطبقية.

في الواقع، لقد حصل للآن أن حدثت كل الثورات الاجتماعية المنتصرة في البلدان التي وجدت فيها أنظمة قمعية من هذا النوع أو ذاك على فترات ممتدة. (القيصرية؛ دكتاتورية تشن كاي تشيك؛ دكتاتورية باتيستا؛ دكتاتورية باو- داي وديم وثيو في الفيتنام الجنوبية، الخ.).

وتكمن الصعوبة الموضوعية بالنسبة لمصالح الطبقة البرجوازية في واقع أنه بينما تكون الكلفة الاجتماعية والسياسية للدكتاتوريات القمعية مرتفعة وخطيرة على المدى البعيد، يمكن أن تصبح الكلفة الاقتصادية للديموقراطية البرجوازية على المدى المتوسط والقريب غير محتملة على الإطلاق في ظروف محددة. فالديموقراطية البرجوازية في البلدان المصنعة تعني حركة عمالية متطورة (وبالمقام الأول حركة نقابية جماهيرية) تعني بدورها بيعا جماعيا لقوة العمل كبضاعة بدل بيعها افراديا. وفي ظل هكذا ظروف، سيكون سعر البضاعة أعلى بكثير من سعرها في ظروف تشتت الطبقة العاملة. ومع هذا السعر الأعلى تأتي تكاليف إضافية للرأسمال كالضمان الاجتماعي ومصاريف اجتماعية أخرى – تقلل جميعها في حصة فائض القيمة لمنتوج ذي قيمة محددة وحين تتجمد القيمة الكلية للمنتوج أو حتى تبدأ بالانحدار- ربما كنتيجة لانعطافة غير مؤاتية في المنافسة الإمبريالية الداخلية، أو الهزيمة في الحرب، أو لأزمة اقتصادية هامة، أو لركود طويل الأجل للإنتاج، أو لمجموعة هذه العوامل – يمكن أن تختفي الإمكانية المادية لدفع تلك الكلفة ويمكن أن لا تملك عندها البرجوازية من خيار غير محاولة الاستغناء عن الديموقراطية البرجوازية. ويمكننا أن نضيف هنا بأن الطبقة الرأسمالية نفسها غالبا ما تنقسم على أمرها في هذا الخصوص، إن لم يكن دوما. ويمكن أن تطرح حالة حيث ستكون القطاعات المنتجة مباشرة للاستهلاك العام أكثر ممانعة في القيام بانعطافة علنية نحو تمويل ودعم الاستيلاء الفاشي على السلطة، بينما ستكون، ولأسباب واضحة، القطاعات الموجهة نحو الصناعة الثقيلة وصناعة وساءل الإنتاج والأسلحة ميالة أكثر لأخذ هكذا دعم بعين الاعتبار.

لقد قلنا الآن بأن البرجوازية يمكن أن تحاول الإطاحة بالديموقراطية البرجوازية. فمسألة إنشاء نظام فاشي لا تعتمد فقط على ما يجري في وسط البرجوازية الصغيرة، وما يجري في وسط الطبقة الرأسمالية، وعلى الطريقة التي ترتبط فيها هذه التغيرات بعضها ببعض الآخر. بل تعتمد أيضا، وإلى حد كبير، على ما يجري في وسط الطبقة العاملة، أي، على ردود فعل الحركة العمالية المنظمة.

خلافا “للغبار البشري” الذي قد يحاول المرشحون إلى دور الزعامة الفاشية تجميعه في حشود مثيرة للإعجاب، فإن الطبقة العاملة الحديثة في أي بلد متقدم صناعيا تحمل طاقة هائلة من السلطة اقتصادية واجتماعية وسياسية. إن جميع الوظائف الإنتاجية والخلاقة للمجتمع هي أما موجودة بشكل مباشر في تلك الطبقة أو أنها تقف في علاقة تتوثق باستمرار بها. وفي معظم هذه البلدان، ارتبطت المنظمات الجماهيرية السياسية والثقافية للطبقة العاملة بعضها بالبعض الآخر بشكل مؤثر لغاية أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، وضمت مئات الألوف إن لم يكن الملايين من الأشخاص القادرين على القتال بولاء وحماس للمصالح المشتركة للطبقة. وفي جميع تلك البلدان وجد بناء تحتي كبير وقوي للنقابات قادر بشكل كامن على تعطيل الاقتصاد الرأسمالي وشل الدولة البرجوازية نفسها.

ومن أجل مقارعة هكذا عدو، يجب ألاّ يكون الممثلون الأكثر إدراكا طبقيا في الشرائح البرجوازية العليا “الاحتكاريون والممولون” فقط في حالة هجوم اليائس وذلك للأسباب التي بينها أعلاه. عليهم أيضا أن يكونوا مقتنعين بأنهم يملكون على الأقل فرصة لعدم خسارة الحياة والملكية والسلطة كنتيجة لاختبار القوى العنيف الذي بدونه سيظهر تحطيم الديموقراطية البرجوازية غير ممكن. إن أي سوء حساب في هذا الصدد ستترتب عليه نتائج كارثية من وجهة نظر الطبقة الرأسمالية. ويمكن أن يكون مرادفا لشبه انتحار إن لم يكن انتحار فعليا من وجهة نظر فردية واجتماعية أيضا. لقد قدمت بارشلونا ومدريد وفالنسيا ومالانا في أواسط يوليوز/(تموز) 1936 موضوع درس موضوعي بالنسبة للمخاطر المترتبة[42].

وبالتالي، ففي فترة صعود قوة الفاشية، لكن قبل استيلاء الفاشيين على السلطة، سيولي قياديو الطبقة الرأسمالية انتباههم الشديد لكل ما يحدث داخل الطبقة العاملة والحركة العمالية حيال خطر الفاشية. وفي الواقع، ستقترب تحاليلهم حول التغيرات الراهنة في علاقات القوى من تحاليل الماركسيين الثوريين لأسباب موازية لكن متعاكسة. إن كل إشارة لمقاومة موحدة قوية داخل الطبقة العاملة، وكل إشارة لانعطافة جماهيرية نحو الدفاع الذاتي المسلح، وكل إشارة لنمو النضالية وللعزم على معارضة الوحش الفاشي بأي ثمن، سيزيد من شكوك وتردد أصحاب الأعمال الكبار حيال عقلانية الالتجاء إلى الحل السياسي الأقصى.

وعلى العكس، فإن أي نمو للانقسامات أو السلبية أو الاستسلام بين العمال، وأي نجاح تكتيكي هام للفاشيين ضد المنظمات العمالية دون أن يرافقه أو يتبعه مقاومة قوية وهجمات مضادة، أي دلائل تشير إلى أن قياديي المنظمات الجماهيرية، رغم أقاويلهم، سيستسلمون في النهاية للفاشيين، وإلى أن الجماهير لا يمكنها أن تشن تهديدا مضادا عفويا قادرا على وقف الهجوم الفاشي،… إن أي إشارة كهذه ستقنع أصحاب الأعمال الكبار أن ثمن تغيير النظام هو أقل مما كانوا يتوقعون. وستسرع هكذا إشارات ضعف من عملية استيلاء الفاشيين على السلطة بإظهارها أن الحرب الأهلية ستكون وحيدة الجانب، وبأن هزيمة الطبقة العاملة ستكون ساحقة ونهائية[43].

من هنا، تبرز الحاجة الحيوية لأن تتم معارضة صعود الفاشية منذ ابتدائها برد حاسم وموحد وحيوي، وبنضال للدفاع عن المنظمات الحرة للطبقة العاملة (“نواة الديموقراطية العمالية داخل الديموقراطية البرجوازية” كما أسماها تروتسكي بشكل صحيح)، وعن حق الإضراب وجميع الحريات الديموقراطية الأساسية الأخرى، التي بدونها ستضعف الطبقة العاملة بشكل حاسم (وستفقر اقتصاديا) لفترة تاريخية كاملة.

وسيثير هكذا رد فعل حاسم وموحد وحيوي سلسلة من التفاعلات تبدّل الجو السياسي بالكامل داخل البلد. ستجعل البرجوازية الصغيرة أكثر تشككا حول الانتصار الفعلي للفاشية وستؤدي بالتالي إلى إضعاف الدعم الجماهيري الذي يحظى به الفاشيون، لا بد ستزيد من فرص تحييد قطاعات لا يستهان بأهميتها من الطبقات الوسطى أو حتى كسبها إلى قضية الحركة العمالية والاشتراكية. ولكي يحدث ذلك، يجب أن يتطور برنامج صحيح حيال هذه القطاعات ويجب أن تشعر البرجوازية الصغيرة بجدية الطبقة العاملة وعزمها على إعطاء بديل متماسك للحل الفاشي حيال مشكلة السلطة السياسية.

وسيتعلم الرأسماليون أنفسهم أيضا من خلال تجربة محزنة بأن الرأسمال الذي وظف لأجل عصابات القتل الفاشية هو على الأقل ذو مردود غير مؤكد ومن الممكن أن يضيع كله هباء ويؤدي إلى خسائر أكثر جسامة في جميع الميادين. وبالتالي فإن إرادتهم لدعم الفاشيين ستصبح من جديد “تكتيكا احتياطيا” بدل أن تكون العنصر الرئيسي في توجههم.

أما بالنسبة للطبقة العاملة نفسها، فإن أي نجاح تكتيكي في النضال ضد الفاشيين سيدعم وحدة صفوفها، ويزيد من نضاليتها وعزمها، ويرفع من ثقتها بمصيرها الخاص وبالحلول البديلة للأزمة الاجتماعية التي تهز البلد. وبهذه الطريقة سيكون الأساس لهجوم مضاد اجتماعي وسياسي هام جدا، يمكن أن يضع بسرعة ثورة اشتراكية على جدول الأعمال.

إن جميع هذه الفرص والمناسبات تتوقف على الوحدة والاستقلالية الطبقية للبروليتاريا. فإذا ما بقيت الطبقة منقسمة سياسيا، و‘ذا ما قاتل الاشتراكيون-الديموقراطيون والشيوعيون (الستالينيون) بعضهم بعضا بدل رص الصفوف ضد الفاشيين، وإذا ما اعتقد الشيوعيون (الستالينيون) بأن عليهم مقارعة الاشتراكيين-الديموقراطيين قبل أن يستطيعوا التغلب على الفاشيين، وإذا ما شعر الاشتراكيون-الديموقراطيون بأنه من المستحيل “تحييد” :العنف الفاشي” (من خلال تشريعات، و تدخل الدولة البرجوازية، الخ) ما دام “العنف الشيوعي” يأخذ مجراه، إذ كان ذلك، وتم إغفال المهام الطبقية الملحة لهذا النضال التاريخي باسم بعض نقاط الشرف المجردة والعصبوية، عندها سيكون هناك فرص أقل وأقل لرد فوري وحاسم وناجح على الإرهاب الفاشي المتنامي (الذي يساعده ويحرضه جهاز الدولة البرجوازي والذي يموله بشكل متزايد كبار أصحاب الأعمال). بدل ذلك، فإن سلسلة ردود فعل من التردد وسوء التوجه وسوء التعبئة ستطرح نفسها مؤدية إلى هزيمة نهائية. هذا ما حدث في حالة ألمانيا، رغم تحذيرات تروتسكي المتعددة –التي وصل صداها إلى أبعد من التروتسكيين، إلى معارضين شيوعيين آخرين ك”ك. ب. او” الذي كان يقوده براندلير وتالهايمر، وإلى انشقاق يساري عن الاشتراكيين الديموقراطيين الس. أي. ب.

إن الكارثة الألمانية لاستسلام أكبر منظمة جماهيرية للطبقة العاملة في العالم من دون قتال وجهت ضربة ساحقة لثقة الطبقة العاملة بنفسها ولوعيها الطبقي. وقد امتدت نتائج تلك الهزيمة السلبية لما هو أبعد من نتائجها الاقتصادية والسياسية المباشرة: دفعت البشرية بالطبع ثمنا مذهلا للحماقة الإجرامية لكل من أوتو ويلز وستالين (كان تالمان فقط أداة سيئة الحظ بيد ستالين في هذه القضية). لقد رفضا إنشاء جبهة موحدة ومناضلة ومقاتلة ومسلحة من قمة الحركة العمالية الألمانية إلى قاعدتها ضد النازيين، عندما كان ذلك ممكنا تماما وفعالا. ولم يسبق أبدا أن ظهر الدور الحاسم للقيادة وسوء القيادة في الصراع الطبقي، “للعامل الذاتي في التاريخ”، بذلك الوضوح بالنسبة للماركسيين كما ظهر في ألمانيا في فترة 29-1933.

إن الاستقلال الطبقي شرط مهم، كالوحدة الطبقية، من أجل مقاومة ناجحة ضد الفاشية. فبينما تظهر النتائج الكارثية لانعدام الوحدة بشكل حاد في حالة ألمانيا، تبدو النتائج الكارثية لفقدان الاستقلالية الطبقية صارخة للغاية في حالة فرنسا وإسبانيا في فترة 34-1938. لقد أخضع تروتسكي أيضا هاتين التجربتين لبحث تحليلي ماركسي.

كان لهزيمة الطبقة العاملة الألمانية على يد النازيين، وللاستسلام الحقير دون قتال لقياديي الاشتراكيين-الديموقراطيين والستالينيين والنقابات، تأثيرهما المؤذي على الحركة العمالية العالمية. ولقد توقع تروتسكي هذا الأمر بشكل صحيح منذ ربيع 1933 وما بعده، وحاول جاهدا توجيه المجموعة الصغيرة من أتباعه ضمن الحالة المتطورة. جاء الضغط الذي لا يقاوم من أجل جبهة موحدة لجميع منظمات الطبقة العاملة ضد خطر الفاشية أو أشكال أخرى من الديكتاتورية الرجعية الرد الفعل الأول على هذه الصدمة. فقد أطلق الهجوم اليميني في فرنسا في 6 فبراير/(شباط) 1934 العنان لسيرورة فعلية لجبهة موحدة بين الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي قلبت بدورها بشكل كامل موازين القوى ودينامية المجتمع الفرنسي لمدة ثلاث سنوات على الأقل، ازدادت خلالها قوة الطبقة العاملة بشكل كبير. وأخيرا، قاد الإضراب العام في يونيو/(حزيران)1936 واحتلال المصانع فرنسا الى حافة الثورة الاشتراكية.

وكذلك الأمر في إسبانيا، حيث أدّى الهجوم الرجعي لعام 1934، الذي جاء بنظام يميني يرتكز أحد أجنحته على أشكال إدارية شبه فاشية، إلى ردة فعل عمالية طبقية موحدة عبرت عن نفسها أولا في العصيان المسلح الفاشل في أكتوبر/(تشرين الأول) 1934، ومن ثم في الصعود غير المتقطع لنضالات جماهيرية في النصف الأول من عام 1934، وأخيرا في استهلالة الثورة الاشتراكية التي اندلعت في جميع المدن الكبرى تقريبا وفي أجزاء مهمة من الريف كرد على الإنقلاب العسكري الفاشي ليوليوز/(تموز) 1936.

لكن، في كلا حالتي فرنسا وإسبانيا، تم حرف القوة الهائلة للاندفاعة الوحدوية للطبقة العاملة في قنوات منسجمة تماما مع بقاء الملكية الخاصة والدولة البرجوازية. وفي الواقع كانت تلك سياسة واعية للتوفيق الطبقي من جانب الاشتراكيين-الديموقراطيين والستالينيين وبيروقراطيي النقابات (وفي إسبانيا، القياديين الرئيسيين للحركة الفوضوية الجماهيرية) وبدءا من عام 1935، تبنت الأممية الشيوعية بقيادة ستالين بشكل كامل استراتيجية “أهون الشرين” القديمة للاشتراكيين-الديموقراطيين/المنشفيين، استراتيجية التكتل مع البرجوازية “الليبرالية” ضد “الرجعية”. إن سياسة الجبهة الشعبية هذه التي تزامنت مع أزمة بنيوية عميقة للاقتصاد الرأسمالي وللديموقراطية البرجوازية ككل، أزمة لم تلطف منها الإصلاحات المتعددة، لم تدل فقط على خسارة فرصة تاريخية أخرى للعمال من أجل الاستيلاء على السلطة، تمت هذه المرة نتيجة لخط الستالينيين، مثلما كانت في فترة 1918-1923 نتيجة لخطأ الاشتراكيين-الديموقراطيين (وقد حصلت تجربة مماثلة للمرة الثالثة في فترة 44-1948 في فرنسا وإيطاليا واليونان، والأحزاب الشيوعية تتحضر حاليا لإعادة الكرة مرة أخرى في جنوب غربي أوروبا)، بل دلت تلك السياسة على أن انهيار الحركة العمالية تحت هجمات الرجعية والفاشية قد تأجل فقط ولم يتم تجنبه بشكل حقيقي.

ففي إسبانيا، انتصر الفاشيون أخيرا في الحرب الأهلية بعد أن سحق الستالينيون والاصلاحيون الثورة الاشتراكية في معسكر الجمهورية. وفي فرنسا، تفتت البناء الهائل للقوة الطبقية العمالية من خلال استسلام حكومات الجبهة الشعبية المتتالية وما تبع ذلك من فقدان حماس الطبقة العاملة وإضعاف معنوياتها. فبعد سنتين من الإضراب العام الحافل في يونيو/(حزيران) 1936، جاء الإضراب العام المهزوم في سبتمبر/(أيلول) 1938، والتخفيض التدريجي في الحريات الطبقية العمالية، وخسارة شرعية الحزب الشيوعي، وشلل النقابات، والتضحية الحقيرة بالذات من جانب الجمهورية الثالثة عندما استلم النظام البونابرتي الهرم للمارشال بيتان السلطة في سنة 1940 من دون أي ردة فعل من العمال.

وليس بصدفة أن يلقى اليوم نقد تروتسكي اللاذع لسياسة الاشتراكيين-الديموقراطيين والستالينيين الألمان الانقسامية قبل استيلاء هتلر على السلطة استحسان أوسع الأوساط وإعجابها[44]، بينما يلقى برهانه، الذي لا يقل إقناعا، على نتائج سياسة الجبهة الموحدة الكارثية قسطا كبيرا من سوء الفهم وحتى الرفض من قبل مؤرخين ونقاد معاديين وأصدقاء[45]. فالفاشية تمثل تهديدا جسديا للبقاء ذاته، ليس فقط لمنظمات ثورية، بل و حتى لأكثر منظمات الاشتراكيين-الديموقراطيين اعتدالا. ولا ينظر إليها فقط طليعيو الطبقة العاملة كتهديد بربري، لكن كذلك جزء كبير من المثقفين البرجوازيين الصغار والبيروقراطية العمالية ككل –وهذا هو الأساس المادي لسياسة جبهة موحدة في القمة وفي القاعدة أيضا! من ناحية ثانية ليست سياسة الجبهة الشعبية إلاّ نسخة أخرى عن السياسات التقليدية للتوفيق الطبقي والتعاون الطبقي التي مارسها قياديون عماليون اصلاحيون والبيروقراطية العمالية منذ مطلع القرن، والتي استقبلها بترحاب بشكل عام أكثرية المثقفين. فأن يوافق هؤلاء على نقد تروتسكي لسياسة الجبهات الشعبية لن يعني بالنسبة لهم رفض ماضيهم وتقليدهم الخاص وحسب، بل سيعني وفي معظم الأحوال السير بشكل مباشر ضد الدفاع عن مصالحهم المادية الحالية.

ومع ذلك، انه من المهم بالنسبة للماركسيين والعمال المتقدمين اليوم أن يتم فهم الرابط المنطقي بين قتال تروتسكي من أجل الجبهة الموحدة في ألمانيا في فترة 29-1933 وقتاله ضد الجبهة الشعبية في فرنسا وإسبانيا في فترة 35-1938. ان صعود الفاشية كخطر حالي على الحركة العمالية المنظمة يتزامن مع أزمة بنيوية عميقة للديموقراطية البرلمانية البرجوازية التي ترتبط بدورها بأزمة بنيوية عميقة للاقتصاد الرأسمالي والمجتمع البرجوازي ككل. في ظل هكذا ظروف، أن يتم ربط المقاومة ضد الخطر الفاشي بالدفاع بأي ثمن عن المؤسسات البرلمانية البرجوازية يعني ان يتم رهن كل الأمور بمسألة بقاء مؤسسات هي بذاتها في طور احتضارها. فبينما يكون من الصحيح الدفاع ضد الرجعية عن كل مكسب من مكاسب الطبقة العاملة في الحقل السياسي كما الاقتصادي، بما في ذلك الحقوق الدستورية العالمية، يكون أمرا انتحاريا أن توضع أبعاد هكذا دفاع في حدود الإطارات الضيقة والضعيفة لمؤسسات الدولة الديموقراطية البرجوازية.

وبحال بقيت القوة المكتسبة خلال الدفاع الناجح عن حريات ومنظمات الطبقة العاملة دون أن تستعمل كقوة دفع للحل الاشتراكي الثوري لأزمة الديموقراطية البرجوازية والمجتمع البرجوازي، عندها ستركد تلك القوة بسرعة وتتفتت. وبعد تراجع مؤقت، سيبادر الرجعيون الفاشيون أو شبه الفاشيين مرة أخرى إلى الهجوم ضد الطبقة العاملة المضعفة المعنويات من جراء عدم نيل النتائج الإيجابية لمجهودها النضالي الهائل. فليس هناك من مستقبل للديموقراطية البرجوازية في ظل ظروف أزمة حادة للرأسمالية، فهي أمّا ستستبدل بالديموقراطية العمالية أو ستنهار لصالح دكتاتورية يمينية. وقد أدّى رفض تقبل ذلك الدرس في إسبانيا (وبعدها في الشيلي) إلى هزائم مكلفة جدا ولها ديمومة ولا تقل مأساوية عن تلك التي سببتها الانقسامات في إيطاليا وإسبانيا.

« السابق التالي »