بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل التاسع: ضد الإمبريالية

بينما تركزت اهتمامات تروتسكي قبل الحرب العالمية الأولى بشكل أساسي على مشاكل أوروبية[46]، تسنى لمنشئ الجيش الأحمر في سير الحرب الأهلية فرصة التفكير مليا بتأثير الثورة الروسية المنتصرة على شعوب الشرق الناهضة. ففي رسالة بعث بها إلى اللجنة المركزية عام 1919، استعمل تروتسكي معادلة تبناها لينين واشتهرت بعد عام من ذلك: “لقد خصصنا للآن انتباها قليلا جدا للرأسمالية في آسيا. لكن من الواضح أن الوضع العالمي يتخذ شكله بطريقة ما بحيث يمر السبيل إلى باريس ولندن عبر مدن أفغانستان والبونجاب والبنغال”[47]. إن اهتمام تروتسكي بالشرق لم يخمد بعد ذلك الوقت.

إن الطريقة ذاتها التي اعتمدها تروتسكي للوصول إلى مفهوم الثورة الدائمة قد هيأته لإعطاء أهمية استثنائية لأزمة النظام الإمبريالي العالمي التي افتتحتها الحرب العالمية الأولى ووسعتها ثورة أكتوبر. وبالضبط لكونه قد فهم الاقتصاد العالمي في ظل الإمبريالية ككلية عضوية تتألف من أجزاء متطورة بشكل مركب، استطاع أن يرى الثورة العالمية كسلسلة ستبدأ بالانكسار في حلقاتها الأضعف. أما فكرة أن تلك الحلقات الضعيفة ستكون بلدانا أخرى أقل تطورا خارج روسيا، فقد بدأت تتضح في مخيلته في وقت مبكر، كما كان يحصل الأمر نفسه بالنسبة لقياديي الكومنترن الآخرين.

وفي تقرير تروتسكي عام 1921 لمؤتمر الكومنترن الثالث، عبّر عن فكرة أن الامتداد العالمي للثورة يمكن أن يأخذ مجراه في الشرق كما في أوروبا[48]. وفي مجموعة مقالاته لعام1924 تحت عنوان الغرب والشرق، التي لم تتلق إلاّ انتباها قليلا جدا للآن، عالج أيضا الأزمة الاستعمارية وأزمة النظام الإمبريالي العالمي، التي تتطور بشكل مواز لنهوض الثورة البروليتاريا في الغرب[49]. وتجدر الملاحظة أنه بينما شدد وللمرة الأولى على أهمية شعوب المستعمرات في العملية الثورية العالمية، رأى بشكل بيّن القوى الدافعة للحركة المعادية للإمبريالية كقوى تمتد أبعد بكثير من صراعات اجتماعية اقتصادية بحتة بين الفلاحين والملاكين العقاريين، والمأجورين والرأسماليين: “لقد شعروا أن هذه هي التعاليم (البلشفية) التي توجه نفسها نحو المنبوذين، ونحو المضطهدين، ونحو المسحوقين، ونحو العشرات والمئات والملايين الذين ليس لديهم طريق تاريخي آخر للخروج، طريق آخر للخلاص”. وليس بأقل دلالة أيضا أنه في خطابه حول أول ماي/أيار 1924، في أول مناشدة علنية له لشعوب الشرق، أثار السخط حول قضية الجندي الصيني الذي حكم عليه البريطانيون بأربعين جلدة لأنه وطأ عشبا محرما دوسه من قبل أبناء البلد[50]. وبشكل غريزي، شعر تروتسكي بأن الحركة الثورية المعادية للإمبريالية سوف يثيرها التمرد ضد الاضطهاد والتحقير كما الدوافع الاقتصادية البحتة.

وقد أكد تروتسكي بشدة أيضا على الوظيفة الموضوعية للدفاع غير المشروط عن حركة التحرر الوطني في المستعمرات من قبل عمال البلدان الإمبريالية: “وفي هذا المجال، فإن البروليتاريا الأوروبية، وبالأخص في فرنسا وبشكل أولي في بريطانيا، تقوم بالقليل جدا. إن نمو نفوذ الأفكار الشيوعية والاشتراكية، وانعتاق الجماهير الكادحة في المستعمرات، وإضعاف نفوذ الأحزاب الوطنية، يمكن أن يضمنه ليس فقط دور النواة الشيوعية المحلية، وليس بشكل كاف، بقدر ما النضال الثوري لبروليتاريا الحواضر الاستعمارية في سبيل انعتاق شعوب المستعمرات. فقط بهذه الطريقة يمكن لبروليتاريا تلك الحواضر أن تظهر لشعوب المستعمرات بأنه يوجد أمتان أوروبيتان، واحدة مضطهدة وأخرى صديقة، فقط بهذه الطريقة يمكن للبروليتاريا أن تعطي دفعا آخر للمستعمرات التي ستسقط البناء الإمبريالي وبالتالي تقدم خدمة ثورية للقضية البروليتارية”[51].

وصحيح أن تروتسكي لم يطبق بشكل منتظم نظرية الثورة الدائمة على معظم البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة لغاية بداية الثورة الصينية الثانية فترة 25-1927، ومن الصعب تحديد الوقت الذي قام فيه بتعميم هذه النظرية. فرغم أن أفكاره أصبحت أوضح بشكل تدريجي بعد بدايات الثورة الصينية الثانية، تجنب تروتسكي الإشارة شكليا إلى الثورة الدائمة في تلك الفترة بسبب الخلافات داخل المعارضة اليسارية. (العديد من قياديي المعارضة- من بينهم راديك وبريوبرجنسكي وسميلغا- لم يوافقوا على النظرية). كان هناك تطابق كبير بين سياسة ستالين وبوخارين لإخضاع الحزب الشيوعي الصيني للقيادة البرجوازية الوطنية للكومنتنغ –بحجة أن الثورة الصينية النامية كانت معادية للإقطاع وديموقراطية وطنية، وأن ما يسمى “بالبرجوازية الوطنية” كان لها بالتالي دور تقدمي تلعبه- وبين الخط الذي دافع عنه المناشفة بعد عام 1905 بالنسبة للثورة الروسية. وعندما قام تروتسكي بنقاش هذا الموقف أمام انقلاب تشين كي تشك الدموي في أبريل/(نيسان) 1927، فعل ذلك بطريقة واضحة تماما[52].فواقع أن البروليتاريا الصينية كانت عدديا أضعف وأقل تمركزا وأقل ثقلا في المجتمع من البروليتاريا الروسية عام 1905 أو 1917 لا يمكن أن يكون عاملا مقررا ما إذا كان يجب تطبيق نظرية الثورة الدائمة أو لا في الصين. يمكن لهذا الواقع أن يعني أن الثورة ستأخذ وقتا أكثر لكي تنضج، وأن البروليتاريا ستواجه نضالا أصعب لإحلال نفوذها في الثورة الزراعية والمعادية للإمبريالية. لكنه لا يمكن لهذا الواقع أن يصنع من البرجوازية الصينية قوة ثورية، ولا أن يزود الفلاحين الصينيين بالمقدرة على بناء حزب سياسي مستقل في مقام مساو لمقام البروليتاريا على رأس الثورة.

لكن حتى كتّاب جديون محصّنون بشكل عام ضد الافتراءات الستالينية كرّروا النقاش المبتذل حول أن سياسات تروتسكي بالنسبة للصين قللت من تقدير الفلاحين “أو حتى قللت من تقدير الأبعاد المعادية للإمبريالية (الوطنية) للثورة الصينية”[53]. إن هكذا ادعاءات مبنية على فهم غير واف لتعليقات تروتسكي على الثورة الصينية.

وصحيح أن تروتسكي بينما اعترف بشكل كامل بالقدرة الثورية الهائلة للتمردات الفلاحية الصينية، خاصة الانتفاضات الفلاحية التي انبثقت بعد هزيمة الثورة الصينية الثانية[54]، كان رغم ذلك مشككا حول مقدرتهم على انتزاع الانتصار ضد عدو طبقي قد تقوّى وازدادت ثقته بنفسه. وبشكل خاص شكّك بقدرة الحزب الشيوعي الصيني على نشر حرب العصابات بظل ظروف ازدياد سلبية الطبقة العاملة. ويبدو أن الهزائم المتتالية التي فرضت على جيوش ماو تسي تونغ الفلاحية ان تتخلى عمليا عن جميع ما سمي “الأراضي السوفياتية” وأن تقوم “بالمسيرة الطويلة” إلى الحدود السوفياتية، يبدو أنها تؤكد رأي تروتسكي.

ومع ذلك، فإن الوضع قد تغيّر تماما بنظر تروتسكي ما أن شنت الإمبريالية اليابانية حربا كاملة ضد الصين. ومنذ ذلك الوقت ولاحقا، رأى أنه سيكون لحرب العصابات دور أساسي لتلعبه في هزيمة الإمبريالية اليابانية (بشكل أساسي بالطبع، حرب عصابات فلاحية تقودها عناصر مدينية، وستحسم الأمر أصول تلك العناصر الطبقية وسياستها الطبقية)[55]. وفي ما هو عمليا وصيته السياسية، أي في بيان المؤتمر الطارئ للأممية الرابعة المصاغ في ماي/ (أيار) 1940، لم يتردد تروتسكي في دعوة العمال والفلاحين الصينيين لتطوير “حرب شعب” حقيقية ضد الإمبريالية اليابانية، تحت قيادتهم الطبقية المستقلة[56]. وذلك ما فعلوه ولذلك انتصروا –رغم نصائح ستالين المتكررة كي يقبلوا بحكومة ائتلاف تحت قيادة تشن كاي تشك، وأن يحلو قواهم في جيش تشن كاي تشك. إن طريق ستالين كان طريق الهزيمة الأكيدة كما يؤكد على ذلك بشكل صارخ المثل المأساوي لأندونيسيا.

إن السمة البارزة لهذا التحليل والتشخيص كان الثقل المهم الذي أعطاه تروتسكي لقضية الاستقلال الوطني، التي يمكن أن تقارن فقط بالثورة الزراعية من بين مهام الثورة الديموقراطية الوطنية التي تنموا في المستعمرات وشبه المستعمرات. وسيعود تروتسكي مرة تلو المرة، خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته، لهذه السمة من الثورة الدائمة، التي كثيرا ما يُساء فهمها من قبل مؤيدين وأخصام على السواء. وهي قد تحدد سلسلة كاملة من الاختيارات التكتيكية المهمة التي تواجه الماركسيين الثوريين في البلدان المتخلفة.

ويتضمن صلب تحليل تروتسكي فهما ديالكتيكيا لواقع الإمبريالية اليوم: تأثيراتها على البلدان النامية، وتزاوج السيطرة السياسية مع الاستغلال الاقتصادي كمصدر للتخلف ذاته. وفي مفهوم تروتسكي عن الإمبريالية تبرز السيطرة الإمبريالية على البلدان المتخلفة كالعائق الحاسم أمام تحديث تلك البلدان ولحاقها بشكل كامل بالتقدم التاريخي، وليس بطريقة مشوهة وحيدة الجانب. إن قوة الإمبريالية الخانقة بالنسبة للاقتصاد العالمي تمارس في المقام الأول على البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، وبالتالي تحرم تلك البلدان حتى من فرصة تكرار متأخر للتطور العضوي العام الذي شهده الغرب في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين[57].

وحسب ذلك المفهوم نفسه للإمبريالية، فإنه كلما كانت أزمة النظام الإمبريالي أخطر، كلما كان أخطر أيضا الاضطراب العنيف الذي تطلقه القوى الإمبريالية نفسها، وسيصبح أكثر بربرية وابل المصائب المنهمر على الشعوب المضطهدة والنامية. وباكرا منذ عام 1933، توقع تروتسكي بأن تصبح اليابان متورطة في حرب رئيسية مع الصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وأنها ستُضرب بشكل كامل رغم ما يقال عن عسكريتها التي لا تقهر. وباكرا منذ عام 1938 توقع تروتسكي أمرا سيلقى تأكيده المذهل خلال الحرب العالمية الثانية: “حتى بدون حرب، يشير التطور اللاحق للردة العالمية بالتأكيد إلى الإبادة الجسدية لليهود”[58].

ورغم أنه واضح بأن كتابات تروتسكي بعد الحرب العالمية الأولى –وبالأخص خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته- قد انطبعت بكره عميق للإمبريالية، لم يكن هنا أي شيء لا عقلاني أو بسيكولوجي صرف في ذلك الكره كما زعم بعض الكتاب. لا بل انبثق من فهمه للقوة الكامنة المحطّمة والبربرية المخيفة لنظام يدخل في طور انحلاله. وقد أكدت الأحداث للأسف أنه ‘ذا كان هناك من شيء ما تخطى فيه الواقع تفكير تروتسكي فهو حجم جرائم الإمبريالية ضد البشرية.

لقد نشأ عن المفهوم الشامل للطبيعة التاريخية المفرطة في رجعيتها للإمبريالية،و للطبيعة التقدمية تاريخيا للحركات والثورات المعادية للإمبريالية، سلسلة من الاستنتاجات التكتيكية الهامة. ففي حرب بين قوة إمبريالية وبلد شبه مستعمر –وبالأحرى في حرب تحرير وطني لمستعمرة ضد مركز إمبريالي- على البروليتاريا العالمية والحركة العمالية العالمية إعطاء الدعم إلى البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، بغض النظر عن القيادة التي تترأس الحرب في لحظة محددة. كان هيلا سيلاسي دون شك طاغية شبه إقطاعي دعم حتى بقايا العبودية في بلاده، وهي ممارسة ليست دون أهمية. رغم ذلك فإن حرب أثيوبيا ضد الإمبريالية الإيطالية كانت حرب استقلال وطني عادلة، لأن الاستعباد الكامل لأثيوبيا من قبل الإمبريالية (وتحويلها من شبه مستعمر إلى مستعمر) كان سيضع كابحا جبارا أمام إمكانيات التطور التاريخي لذلك البلد. وبشكل مماثل، فإن حرب الصين للدفاع الوطني ضد الإمبريالية اليابانية كانت حربا عادلة حتى عندما كان تشن كاي تشك، الجزار المضاد للثورة، بقيادتها. لأن تحول الصين إلى مستعمرة كاملة لليابان كان سيعني خطوة كبيرة إلى الوراء بالنسبة للأمة الصينية.

إن العديد من الكتاب –وبالأخص الستالينيين منهم الذين يكتبون بسوء نية، ولكن أيضا بعض الكتّاب الآخرين –قد أساؤوا فهم نقد تروتسكي لسياسات الحزب الشيوعي الصيني خلال الحرب اليابانية-الصينية. لم يرفض تروتسكي على الإطلاق فكرة دعم مجهود الصين الحربي حتى ولو كان يقوده الكومينتانغ. لقد انتقد فقط الخضوع السياسي والتنظيمي للحزب الشيوعي ومنظمات الطبقة العاملة بشكل عام للبرجوازية الصينية. ففي وجهة نظره، كان على البروليتاريا الصينية والحزب الشيوعي الصيني أن يدعما الحرب ضد اليابان بوسائلهما الطبقية الخاصة وبمنظماتهما الطبقية الخاصة.

ويبدو أن نقد تروتسكي لخضوع الحزب الشيوعي السياسي للبرجوازية كان في معظمه بمحله دون أي لبس. أما حيال خضوع الحزب تنظيميا، فإن لدينا شعورا بأن تروتسكي، ربما على أساس معلوماته غير الكاملة، قد أساء من تقدير مستوى استقلالية جيش التحرير الشعبي وقوات حرب العصابات التي يقودها الحزب الشيوعي –وهي استقلالية ستلعب على المدى البعيد- إلى جانب الانتفاضات الجماهيرية الكبيرة للفلاحين الفقراء وأشباه البروليتاريين الريفيين التي حصلت بعد عام 1945 في شمال الصين، دورا حاسما في انهيار المفاوضات الائتلافية في 45-1946 وما تبعها من انتصار لجيش التحرير الشعبي في الحرب الأهلية في فترة 46-1950.

إن نظرية الثورة الدائمة، بتطبيقها على عدد من البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، تعني بشكل ملموس أن البرجوازية المستعمرة (أو “الوطنية”) غير قادرة على قيادة عملية ثورية تنجز جميع المهام التاريخية للثورة الوطنية البرجوازية (وفي المقام الأول مهمة إصلاح زراعي جذري وانتزاع الاستقلال الكامل على الإمبريالية).و بالتالي فهي تعني بأن هذه المهام ستتحقق فقط إذا كانت البروليتاريا قادرة على انتزاع النفوذ في العلية الثورية، وبدعم من الفلاحين وقطاعات كادحة أخرى من السكان، وأن تستمر نحو إنشاء دولة عمالية (دكتاتورية البروليتاريا).

وما لم يتم افتراضه أبدا، مع ذلك، هو فكرة أن السيرورة الثورية لا يمكن أن تبدأ في المستعمرات وشبه المستعمرات قبل أن تنتزع البروليتاريا هكذا نفوذا. وعلى العكس، يمكن فقط في حالات استثنائية أن يتواجد ذلك النفوذ منذ بدء السيرورة، بدل أن ينتزع في ذروتها. وبشكل اعتيادي هناك حاجة لتجارب وسيطة من أجل خلق الشروط المسبقة للفلاحين (ولفقراء المدن غير البروليتاريين) للالتفاف حول القيادة البروليتارية. وفوق ذلك، لم يتم الافتراض بأن البرجوازية الكولونيالية (“الوطنية”) غير قادرة على اتخاذ أية خطوة في اتجاه النضال ضد الإمبريالية. ومرة أخرى كان تروتسكي يفكر في عدم مقدرتها على إتمام السيرورة، وليس بدئها.

ولم ينكر تروتسكي بأنه رغم خوف البرجوازية “الوطنية” من ثورة زراعية جذرية وتعبئة ثورية شاملة للبروليتاريا وفقراء المدن، هناك مع ذلك خصومات وخلافات في المصالح وصراعات انفجارية كامنة بين تلك الطبقة والرأسمال الأجنبي (الإمبريالية) من جهة والطبقات الحاكمة المحلية ما قبل الرأسمالية من جهة أخرى. وهذه الصراعات حقيقية، وتنفجر دوريا بشكل مكشوف. فبينما على الشيوعيين الطليعيين من جهة أن يثقفوا الطبقة العاملة بروحية الاستقلال السياسي والتنظيمي عن البرجوازية الوطنية”، سيكون أمرا عصبويا سياسيا ورجعيا موضوعيا أن يتخذوا موقف الحياد أو الامتناع عندما تندلع هكذا صراعات حقيقية. وفي جميع تلك الحالات، على الطبقة العاملة وطليعتها الثورية أن تعطي الدعم النقدي لكل إجراء ملموس معاد للإمبريالية (أو معاد للإقطاعية) تتخذه البرجوازية “الوطنية” – إن الفرق بين هكذا خطوات ملموسة والكلام الصرف شديد الأهمية في هذا المجال.
لقد قدم تروتسكي مثلا ملموسا على هذا التناول بدعمه لتأميم الشركات النفطية الإنكليزية والأمريكية تحت حكم كارديناس في المكسيك[59]. كان هذا الموقف موقفا مبدئيا ناتجا عن تقويم شامل للإمبريالية وللنضالات المعادية للإمبريالية في عصرنا، ولم يكن ببساطة تحركا تكتيكيا (أو انتهازيا) مقابل حق اللجوء السياسي الذي منحته إياه الحكومة المكسيكية. وفي مناسبات عديدة، شمل هذا الموقف جميع البلدان المستعمرة التي تضطهدها الإمبريالية.

إن المنطق الداخلي لنظرية الثورة الدائمة يتضمن العملية المتناقضة التالية: ستحاول البرجوازية “الوطنية” في البلدان شبه المستعمرة (وبالأخص البلدان الأكثر تقدما)، ولدرجة معينة، تحويل نزاعها مع الرأسمال الإمبريالي (أو في المستعمرات مع السلطة الاستعمارية) إلى نزاع يشمل الأمة ككل، وستتخذ خطوات باتجاه التعبئة الجماهيرية ضد الإمبريالية، لا بد ستحفز التنظيم الدائم للعمال في نقابات جماهيرية. لكن في الوقت نفسه ستسعى إلى ممارسة رقابة شديدة على هكذا تعبئة وعلى منظمات لها ديمومة أكثر، وتنشأ بيروقراطيات نقابية مندمجة بشكل وثيق أكثر في جهاز الدولة البرجوازية (شبه المستعمَرة)، أو على الأقل مسيَّرة بواسطته أكثر مما كانت عليه الحال خلال النمو الكلاسيكي للحركة النقابية في البلدان الرأسمالية المتقدمة. وعندما يبرز صراع بين هاتين الممارستين –أي عندما تصبح الحركة الجماهيرية للطبقة العاملة مستقلة بازدياد عن القوى التي تسيطر عليها البرجوازية سياسيا- ستفضل البرجوازية “الوطنية” عدم استعمال التعبئة الجماهيرية ضد الإمبريالية، حتى ولو أدى ذلك إلى إضعاف موقفها المساوم. لأنه سيكون هناك مخاطرة كبيرة في أن تتخذ هكذا تعبئة ديناميتها الخاصة – حتى باتجاه معاد للرأسمالية!

واتخذ تروتسكي، تمشيا مع تحليله الشامل للإمبريالية والحركة المعادية للإمبريالية، موقفا واضحا من الانتفاضات المعادية للاستعمار والمعادية للإمبريالية التي ستحدث خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة. ورفض بأي طريقة من الطرق القبول بأن تخضع شعوب المستعمرات مستوى نضالها من أجل التحرر الوطني ووتيرته لحاجات بعض “التحالفات المعادية للفاشية على الصعيد العالمي”. وقد لاقى هذا الموقف المبدئي تأنيبا عنيفا من عدد من النقاد. إلاّ أنّ الأحداث التي حصلت في الهند (غشت /(آب)1942)، والجزائر والهند الصينية (في أواخر الحرب)، إذا ما ذكرنا فقط ثلاثة أمثلة، قد أثبتت صحة هذا الموقف. لقد توقع تروتسكي بشكل كامل هذه الأحداث كما هو واضح في الفقرة التالية: “إذا لم يرغب الشعب الهندي بأن يبقى عبدا إلى الأبد، عليه أن يفضح ويرفض هؤلاء المبشرين الكذابين الذين يجزمون بأن العدو الوحيد للشعب هو الفاشية. إن هتلر وموسوليني هما دون شك من ألدّ أعداء الكادحين والمضطهدين. إنهما جلادان دمويان يستحقان كل الكره من كادحي العالم ومضطهَديه. لكنهما، قبل كل شيء، عدوان للشعبين الألماني والإيطالي اللذين يعانيان من تسلطهما… أما في الهند، فذلك العدو هو البرجوازية البريطانية قبل أي طرف آخر. إن إسقاط الإمبريالية البريطانية سيحقق ضربة كبيرة لجميع المضطهدين، بما في ذلك الدكتاتوريين الفاشيين.

“يتميز الإمبرياليون على المدى البعيد بعضهم عن البعض الآخر –بالشكل- وليس بالمضمون. إن الإمبريالية الألمانية المحرومة من المستعمرات، تضع قناع الفاشية المخيف بأسنان حادة ناتئة. أمّا الإمبريالية البريطانية المتخمة لأنها تملك مستعمرات عديدة، فتخبئ أسنانها المسنونة خلف قناع الديموقراطية. لكن هذه الديموقراطية موجودة فقط في الحواضر الاستعمارية… أمّا الهند فليس فقط محرومة من الديموقراطية بل من الحقوق الأولية للاستقلال الوطني أيضا. وبالتالي فالديموقراطية الإمبريالية هي ديموقراطية مالكي العبيد الذين يتغذون من دم حياة المستعمرات. لكن الهند تسعى لديموقراطيتها الخاصة، لا لتكون سمادا لمالكي العبيد”.

إن المواقف المتماسكة التي خرج بها تروتسكي على صعيد مشاكل الإمبريالية والنضال المعادي للإمبريالية هي من بين المساهمات الأساسية للاستراتيجية الماركسية الثورية. وقد لخص بنفسه أهميتها بالمعادلة التالية: “إن حركة الأجناس الملونة ضد مضطهديها الإمبرياليين هي إحدى أهم الحركات ضد النظام القائم وأقواها، وبالتالي تدعو إلى الدعم الكامل… وغير المشروط وغير المحدود من جانب بروليتاريا الجنس الأبيض[60]. هذه المواقف ستعبر عن نفسها بشكل واضح خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها بوجه خاص.

« السابق التالي »