بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي – دراسة في دينامية فكره

« السابق التالي »

الفصل العاشر: الأممية الرابعة

لقد اتخذ عصر الحرب والثورة سمات عصر الحرب والثورة والثورة المضادة: هزيمة البروليتاريا في روسيا، هزيمة البروليتاريا في أوروبا و(لفترة تاريخية طويلة) في الصين، انتصار الستالينية. وفي بداية كراس أخلاقهم وأخلاقنا لخّص تروتسكي فترة أواخر الثلاثينات “كفترة ردة”. وقد يكون من الصعب على أي كان أن يجادل هذا الرأي، خاصة على ضوء ما حدث بعد ذلك مباشرة.

مع ذلك وفي تناقض ظاهر مع ذلك التقدير للعصر، كرّس تروتسكي آخر جزء من حياته بشكل متزايد لهدف واحد وحيد: بناء منظمة ثورية جديدة، بناء الأممية الرابعة.

وكماركسي، لم يكن لديه أوهام حول المصاعب الحادة الموضوعية في طريق ذلك المشروع بفعل تراكم الهزائم وتردي معنويات قطاعات هامة من البروليتاريا العالمية. فقد عرف أن النتائج المباشرة ستكون متواضعة. كان أتباعه قليلين، والمنظمات التي أنشأوها باجتهاد كانت تفتقد بشكل فظيع إلى وسائل مادية، وكانت محطمة بالانقسامات والانشقاقات التي تعود إلى ضعفها بالذات وعزلتها عن جمهور الطبقة العاملة[61]. ورغم ذلك التصق بعناد بتلك المهمة، وذهب بذلك بعيدا إلى حد إعلانه بأنها أكثر المهمات التي كان عليه إنجازها في حياته ككل أهمية[62] -أي أكثر أهمية من صياغة نظرية الثورة الدائمة، وأكثر أهمية من توجيه عصيان أكتوبر المسلح، أكثر أهمية من بناء الجيش الأحمر وقيادته نحو النصر في الحرب الأهلية.

كيف يمكن تفسير هذا التناقض الظاهري الذي أربك العديد من مؤرخي حياته والعديد من نقاده؟ لقد تكلم البعض بشكل نابذ على الانخداع الذاتي للرجل المسن الحاقد والأناني الذي بقي يحلم في ظل هزيمته السياسية الكاملة بأن التاريخ يمكن أن ينتقم نوعا ما من أعدائه[63]. ونظر آخرون إلى انشغال تروتسكي في الفترة الأخيرة من حياته كسوء تقدير كارثي يدل بوضوح على أن شيئا ما كان خاطئا في ماركسيته إن لم يكن منذ البدء فعلى الأقل منذ أن نفي من بلاده وحزبه، وانقطع عن التفاعل الثقافي مع أنداده وعن نقدهم السياسي[64] إن ضعف هكذا نوع من التفسير يصبح جليا جدا عندما يرى المرء التحاليل السياسية التي أنتجها تروتسكي بينما كان يناضل من أجل الأممية الرابعة. فخلال تلك الفترة قام بتحليل طبيعة الاتحاد السوفياتي والحرب الأهلية الإسبانية وقام بنقد لاذع لمحاكمات موسكو، وتوقع حدوث الانهيار المحتوم لمعاهدة ستالين-هتلر: إنها إنجازات تعادل كل ما فعله قبل ذلك وهي برهان واضح على أن قواه الفكرية والتحليلية كانت في أوجها.

أمّا هؤلاء الكتّاب الذين يحاولون وضع التناقض الظاهري في مستوى تناقض جوهري –ليس فقط في فكر تروتسكي، بل في الماركسية أيضا- فإنهم يقتربون أكثر من الحقيقة. فالماركسية، حسب ما يؤكدون، تحاول أن تدمج عنصرين إذا ما تطورا إلى نتيجتهما المنطقية يميلان إلى أن يقصيا أحدهما الآخر: الجبرية والإرادية. فهي كطريقة لفهم الواقع تتضمن ميلا نحو الحتمية. وكنظام عمل وأسلوب ثورة فإنها تميل إلى أن تتيه عن تحليل جاهد للواقع الموضوعي. وفي أعمال تروتسكي، حسب هذا التحليل، تحقق هذا التوازن خلال فترات صعود الثورة. لكنه بدأ يهتز في أواخر العشرينات وانهار بشكل حاسم في الثلاثينات. ورغم أن تروتسكي بقي متفوقا كمحلل نقدي للواقع الموضوعي، إلاّ أنه فقد بشكل أكيد قدراته كسياسي ووقع ضحية الإرادية الطوباوية المتمثلة بذاك الأمل السخيف بأن بضعة آلاف من الأشخاص الذين يستلهمون أفكاره سينجحون في تغيير مجرى التاريخ[65].

وهنا نرى عدد من الأسئلة المتضافرة حول الماركسية وحول علم الاجتماع والسياسة بشكل عام. ولكي نجيب عنها على نحو ملائم علينا أن نتوقف عن التلاعب بمفاهيم شكلية. ان الماركسية هي بالطبع طريقة عمل، هي تطبيق ثوري. إلاّ أنها تحاول أن تتجنب خطر الوقوع في الذاتوية والإرادية بخلقها محيطا محصورا دائما للعمل الفعال من خلال تحليل علمي صرف للواقع التاريخي الديناميكي (قوانين حركة مجتمع معين، التناقضات في كل تشكيل اجتماعي-اقتصادي). يمكن الوصول إلى بعض الأهداف في ظروف تاريخية معينة، بينما لا يمكن الوصول إلى أخرى –حتى مع أفضل السياسات،و أعظم النضالية، وأعلى أشكال التضحية الفردية والجماعية. وقد تؤدي بعض الوسائل إلى تلك الأهداف، بينما قد لا تؤدي وسائل أخرى إلى ذلك مهما كانت أوهام الذين يستعملونها. وبشكل مماثل، يمكن أن تؤدي التناقضات الاجتماعية الموجودة موضوعيا والمتواجدة باستقلال عن رغبات البشر وقراراتهم، والتي لا يمكن أن تزول ما دام المجتمع باقيا، إلى نتائج عكسية تماما. إن النتيجة ستعتمد على من يتصرف بحزم (أية طبقة، وأية شريحة من تلك الطبقة، وأي حزب من تلك الطبقة. والبرنامج الذي يتبع)، ومن يأخذ المبادرة، ومن يفوز في معركة صراع القوى الاجتماعية، الخ.

وبطرح “الجبرية الحتمية” و”الإرادية الذاتوية” بهذه الطريقة، نجد أن ما ظهر بشكل أولي قطبين متعاكسين يمزقان الماركسية أجزاء، يلتقيان بشكل متزايد في وحدة أرقى (وحدة –و- نضال، وحدة –و- تناقض، إذا ما أردنا) بين التحليل النظري الموضوعي والتطبيق الثوري. فمن دون نظرية علمية يُحكم على التطبيق الثوري بالطوباوية غير الفاعلة: لأن الواقع لا يمكن أن يتغير بطريقة واعية ما لم يتم فهمه بشكل تام. لكن من دون تطبيق ثوري تصبح النظرية العلمية عقيمة بشكل متزايد ومن وجهتين: تميل إلى المراقبة السلبية، ولأن تخسر بالاقتصار على المراقبة السلبية المعيار الجوهري للحقيقة، الذي هو التحقيق العملي.

هذه “الوحدة –و- التناقض” للنظرية العلمية والعمل الثوري هي بالطبع هدف صعب المنال لا يتحقق بشكل مباشر ويومي. إنها وحدة مقاربة ميلية: حيث أن الوحدة التامة للواقع، الوعي والتحويل الواعي للواقع، لا يمكن تحقيقها بالنسبة للبشرية. ولكن كما هي الحال دائما فالحقيقة ملموسة. وعلى المرء أن يسائل نفسه: هل كان لدى تروتسكي إدراك صحيح أو غير صحيح للاتجاهات التاريخية في أواخر الثلاثينات؟ وهل كانت الحاجة لبناء الأممية الرابعة نتيجة منطقية لهذا الإدراك؟ هل كانت هدفا عمليا كان من الممكن وما زال ممكنا تحقيقه؟ إن السخرية المبتذلة –”انظروا كم كانت ضعيفة الأممية الرابعة عندما مات تروتسكي، وانظروا كم هي ضعيفة بعد أربعين سنة من تأسيسها”- لا يمكن أن تحل محل التحليل العلمي النقدي المتزن. وبالطبع إذا ما أصبحت بديلا لهكذا تحليل، فلن يكون تروتسكي الماركسي، بل نقاده المشككون هم الذين يجسدون التفكير ما قبل العملي الديني إن لم يكن السحري (الإيمان الساذج بأن المشكلة يمكن أن تزول بإنكار أنها موجودة).

لنطرح بالتالي المشكلة من جديد في منطلقاتها التاريخية الأوسع. إنه إذا ما تم الاعتقاد في ذروة سلسلة متراكمة من الهزائم الهامة للبروليتاريا بأن هكذا هزائم هي نهائية ولا يمكن عكس الردة التاريخية لمجرى الثورة الاشتراكية العالمية، عند ذلك فإن الانحدار نحو البربرية هو منطقيا المصير الوحيد للبشرية. وستزول الرأسمالية كما زال المجتمع العبودي القديم من خلال تفسخ متبادل للأعداء الطبقيين الأساسيين. ولن تكون النتيجة الارتقاء إلى حضارة أعلى.

أن لا تكون وجهة النظر هذه منافية للعقل في أواخر الثلاثينات أو بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية أمر يمكن توضيحه بسهولة. وأن يعم التشاؤم الأقصى معظم اليسار التقليدي، إن لم يكن أقصى اليسار، أمر ليس من الصعب توضيحه أيضا. كان على تروتسكي بالذات أن يصارع هكذا رؤية على الأقل في مناسبتين خلال السنة الأخيرة من عمره في مقالته “الإتحاد السوفياتي والحرب” المكتوبة عام 1939، وفي وثيقته السياسية المؤثرة، بيان المؤتمر الطارئ للأممية الرابعة في ماي 1940. ففي بعد نظر مميز ورؤيا جارفة وضع ثقل البديل التاريخي في مسألة مهمة واحدة وحيدة: قدرة البروليتاريا على بناء مجتمع من نمط اشتراكي. إن ما كان نقطة بداية لماركسيته أصبح بذلك رسالته الأخيرة.

فعدا البروليتاريا لا توجد أي قوة في المجتمع المعاصر قادرة على البناء الاشتراكي على الصعيد العالمي. ولم يقدّم أي برهان على أن قوى اجتماعية أخرى قادرة على القيام بذلك، وبرأينا أن هكذا برهانا لن يقدم أبدا. وبالتالي يعتمد المستقبل الاشتراكي للبشرية بشكل أساسي –إمكانية تجنب انحدار الرأسمالية إلى بربرية –على قدرة البروليتاريا على إنجاز المهمة التاريخية التي نسبها إليها ماركس وانجلس. صحيح أن البروليتاريا بعد ستين سنة من النضالات الثورية الجبارة –بعد تسعة وثلاثين سنة من آخر مرة كتب تروتسكي فيها حول الموضوع- لم تقدم برهانا مقنعا على هذه المقدرة. ولا ينطبق ذلك على قدرتها على القتال بطريقة بطولية وبعض الأحيان معادية للرأسمالية بشكل واضح وثورية، بقدر ما ينطبق على قدرتها على الاستيلاء على السلطة والمحافظة عليها على مستوى جغرافي ممتد بشكل كاف وحيث تتواجد الشروط لبناء عالم اشتراكي.

ولهذا وضع تروتسكي السؤال بشكل معضلة. إما ستبرهن البروليتاريا في العقود القادمة[66] أنها غير قادرة على إعادة بناء المجتمع على قاعدة اشتراكية وعندئذ ستستمر الثورة العالمية بالانحدار –وفي هذه الحالة لا يمكن تجنب تفسخ الحضارة الإنسانية- أو أن السلطة العمالية ستنتصر بعد صعود وهبوط، وبعد بعض الهزائم الجزئية الجديدة وبعض الانتصارات، و تتكرس في بلدان مهمة في العالم، وستنجح الثورة العالمية، وستُبنى الاشتراكية العالمية.

بكلام آخر: كل شيء معلق على طبيعة هزائم الثورة العالمية التي حصلت بين عام 1923 وأوائل الأربعينات –هزائم جزئية أو كاملة، مؤقتة أو نهائية.

كان تروتسكي متشبثا بوجهة نظره حول أن هذه الهزائم جزئية ومؤقتة، وأن الثورة ستصعد مرة أخرى، وأن الدكتاتوريات الفاشية (واليابانية)، والإمبراطوريات الاستعمارية، لم تبقى موجودة خلال فترة الحرب أو الفترة التي تليها مباشرة. ورغم أنه أخطأ في وضع الدكتاتورية الستالينية على هذه القائمة، إلاّ أن رؤيته قد برهنت على العموم عن صحتها: وهي في أي حال أصح بما لا يقاس من رؤية المتشائمين الذين حذفوا الثورة العالمية والبروليتاريا العالمية نهائيا في 39-1940.

هذا، وبينما بقي تروتسكي مقتنعا بأنه سيكون هناك صعود جديد للثورة العالمية –وهي قناعة ليست مبنية على إيمان أعمى بل على تحليل صحيح للتناقضات الموضوعية التي ستدفع الجماهير من جديد في طريق الفعل- لم يكن لديه أدنى وهم حول قدرة حركة جماهيرية عفوية (ولن نقول رغبة القياديين البيروقراطيين للاشتراكية-الديموقراطية و الستالينية) على أن تصل صدفة على نحو أعمى إلى انتصار الاشتراكية العالمية. ومهما تكن الانتصارات الجزئية التي يمكن أن تحققها – وقد أساء تروتسكي بالطبع تقدير المدى الذي يمكن أن تصل إليه تلك الانتصارات في ظل علاقات القوى الاجتماعية والسياسية المحددة لما بعد الحرب- إلاّ أنه لا يمكن أبدا للعفوية الجماهيرية وحدها، ولن نقول الأجهزة الإصلاحية والستالينية المحطمّة لتلك العفوية الجماهيرية والكابحة لها والمقيدة لها، أن تنجز مهمة أساسية كالبناء الواعي للعالم الاشتراكي[67]. يجب أن يكون هناك معدل أعلى لمستوى وعي الطبقة العاملة، معبّر عنه قبل كل شيء بطليعة طبقية عمالية جديدة ومقدامة وماهرة سياسيا، ويتجسد بقيادة ثورية جديدة وأحزاب ثورية جماهيرية جديدة وأممية جماهيرية ثورية.

ومن أجل تسهيل نشوء هكذا طليعة جديدة وهكذا قيادة جديدة، كان من الضروري الدفاع عن الاستمرارية البرنامجية للشيوعية، التي هدّدت الستالينية بتحطيمها كليا. وتلك الاستمرارية لم يكن من الممكن ضمانها فقط عبر الكتب والنشرات والمقالات. كان لابد أن تتجسد في جيل جديد من الكادرات والمناضلين[68].

وعلى مستوى آخر، أدّ عمق انحطاط الاتحاد السوفياتي إلى فقدان الحزب الشيوعي السوفياتي كإطار يمكن أن تصبح البروليتاريا السوفياتية عبره نشيطة سياسيا مرة أخرى. (وهذا النهوض أكيد مهما طالت المدة التي ستستغرقها الطبقة العاملة للشفاء من خيبة أملها التاريخية الكبرى). لقد ماثلت الجماهير السوفياتية الحزب الشيوعي السوفياتي مع البيروقراطية الحاكمة ذات الامتيازات. بالتالي فإن أفق الثورة السياسية قد طرحت ليس فقط مسائل برنامجية وسياسية هامة حاول تروتسكي أن يحلها، بل وأيضا مسألة التنظيم على المستوى العالمي. كيف كان من الممكن ضمان إعادة توحيد البروليتاريا العالمية –بروليتاريا البلدان الرأسمالية التي تواجه عدوا آخر ومهام استراتيجية أخرى، والبروليتاريا السوفياتية؟ إن الأممية الرابعة بحال انكبت فقط على الثورة السياسية في الاتحاد السوفياتي كجزء من الثورة العالمية، فإنها ستصبح عاملا تاريخيا حاسما على المدى البعيد بالنسبة لمستقبل الاشتراكية العالمية.

وهكذا يتبين كيف أن مشروع بناء الأممية الرابعة مرتبط بتحليل موضوعي صرف للاتجاهات الرئيسية في تاريخ القرن العشرين. ويتبع هذا التشخيص بشكل منطقي أن أزمة البشرية هي أزمة القيادة الثورية للبروليتاريا. ولا تنطوي المعادلة المرددة بكثير على صيغة التأكيد فقط بل أيضا، وأهم من ذلك، على سلسلة من عمليات النفي. إننا ننفي أن لا يكون هناك أزمة للبشرية وبأن الفاشية والحرب العالمية الثانية كانتا فقط حادثتين ثانويتين، وبأن الحضارة والتقدم سيزدهران باستمرار حتى ولو لم تقم البشرية بقهر الرأسمالية. إن أزمة البشرية ليست أزمة وصول القوى المنتجة إلى نقطة من الانحدار لم تعد عندها الاشتراكية ممكنة موضوعيا. وأنها ليست أزمة انحدار حادة ومتواصلة لنضالية البروليتاريا، وحيث العمال مندمجون جدا في المجتمع البرجوازي (الآفل) بطريقة لا يمكن معها النظر إليهم بعد الآن كفاعلين للثورة (الذات الثورية). إنها ليست أيضا أزمة الاشتراكية البروليتارية حيث يستبدل فقط العمال شكلا من الاضطهاد (تتولاه بيروقراطية مرتبطة بالمثقفين البرجوازيين الصغار)؟ بشكل آخر.

إن جميع هذه التفسيرات تبدو متماسكة بشكل جيد على ضوء التطورات التاريخية اللاحقة. ويستتبع التحليل تلقائيا أن المهمة الرئيسية هي بناء طليعة ثورية جديدة ورفع نوعي لمستوى الوعي الطبقي للبروليتاريا وقيادتها الطبقية. وإلاّ فإن الموجات التالية للثورة العالمية، التي ستظهر لا محالة، ستفشل في التوجه نحو الاشتراكية العالمية.

عندما دمج تروتسكي بناء الأممية الرابعة بشكل وثيق بما سمي البرنامج الانتقالي (وثيقة تحت عنوان احتضار الرأسمالية ومهام الأممية الرابعة) -وباستراتيجية النضال من أجل مطالب انتقالية- كان شديد الإدراك للظاهرة المزدوجة “لأزمة العامل الذاتي”: أزمة القيادة وأزمة الوعي الطبقي للبروليتاريا. انطلاقا من التقليد الماركسي حيث تتضافر الأزمتان بشكل ديالكتيكي، لم يكن على تروتسكي إلاّ أن يرفض الفكرة السخيفة التي تعتبر أن طبقة عاملة تسيطر على أكثريتها الساحقة أفكار إصلاحية يمكن أن “تُجرّ بالحيلة” إلى “صنع الثورة دون أن تحاول هي بشكل فعلي القيام بها”. إن الوظيفة الرئيسية للنضال من أجل المطالب الانتقالية هي دفع العمال، من خلال تجربتهم الخاصة، للوصول إلى استنتاج بأنه من الضروري الاستيلاء على السلطة. فالبرنامج هو جسر انتقال بين واقع وعيهم المحدد وبين الوعي الضروري لثورة اشتراكية منتصرة. ويمكن لهذا الجسر أن يُبنى على دعامات صلبة للغاية: حاجات الطبقة العاملة الواعية وانشغالاتها، التي تنشأ عن تناقضات مجتمع الرأسمالية المتأخرة وأزماتها المتتالية، التي يعجز ذلك المجتمع بشكل متزايد عن تلبيتها. إن النضال لتلبية تلك الحاجات عبر تعبئة جماهيرية وعبر نشاط الطبقة العاملة وتنظيمها الذاتي هو الدعامة الأخرى التي توفر للجسر أساساته الصلبة.

إن السمة البشرية أو العددية أو، إذا ما شئنا، التكنيكية للمشكلة قد أكّدها تروتسكي بشكل متواصل في ملاحظاته حول بناء الحزب خلال الفترة بين 1933 و1940. تنشأ في مسار الصراع الطبقي بشكل تدريجي عناصر طليعية وتصبح مسيسة ضمن صفوف البروليتاريا. وفي فترات الانفجارات الجماهيرية الكبيرة، غالبا ما تبرز طليعة طبقية عمالية جديدة لقيادة الطبقة العاملة على مستوى المعمل. لكن لا تصل عناصر هذه الطليعة بشكل عفوي إلى برنامج ثوري صحيح وشامل.

إن هكذا اندماجا –وهو النقطة الأساسية والحاسمة في بناء الأممية الرابعة! – يتطلب من بين ما يتطلبه تدخلا تكتيكيا صحيحا من قبل النواة الثورية في نضالات الحركة العمالية والطبقة العاملة الجماهيرية ونقاشاتها. ويتطلب أيضا أن يصل “التراكم البدائي للكوادر” إلى عتبة فاصلة تتخطى وضع التجمعات التي يُنظر إليها من قبل الطبقة العاملة كتجمعات ناقدة للأحزاب الإصلاحية إلى وضع تبدأ معه الطبقة العاملة بالنظر إلى تلك التجمعات كبدائل جديرة بالثقة. إن هذا التحليل مبني على الطابع العملي للمنظمات العمالية في نظر الطبقة. ذلك لأن الطبقة لن تتخلى عن أداة متشققة جزئيا وغير فعالة لصالح سكين جيب بالغ الصغر. إن حدّا أدنى من الفعالية يجب أن يتوفر في الأداة الجديدة قبل أن تحل محل الأدوات القديمة.

وعندما لا يقدم هكذا بديل جدير بالثقة نفسه –وهو بديل لا يحمل فقط برنامجا وخطا سياسيا صحيحا، بل أيضا قوة تنظيمية كافية- فإن القدرة الهائلة للنضالية النقدية وسط الشرائح الطليعية للطبقة العاملة ستتشتت بشكل واسع بعد كل موجة من النضال. وهذا بدوره سيخلق مصاعب إضافية أمام بناء أحزاب ثورية جديدة وأممية ثورية جديدة.

لقد أخطأ تروتسكي في تشخيصه لمستقبل الأممية الرابعة في موضوعتين ثانويتين. وهو أمر مستغرب لأنه كان من الممكن أن يجنب تحليله العام هكذا أخطاء جاءت على عكس الاستنتاج الذي وضعه. كان الخطأ الرئيسي في اعتقاده أن الأممية الرابعة ستنمو بسرعة في نهاية الحرب العالمية الثانية –وهو توقع لم يأخذ بالاعتبار التأثير التخريبي للعشرين سنة من الهزائم غير المتقطعة للثورة على معدل مستوى الوعي الطبقي. لقد أصاب في توقعه أن وقتا طويلا سيمضي قبل التغلب على هذه التأثيرات في إيطاليا وألمانيا وروسيا وإسبانيا. لكنه وضع هذا التوقع في حكم الغياب إلى حد ما عندما تناول شأن البروليتاريا العالمية بكليتها. وحول هذا الأمر كان مخطئا دون ريب. كان من المستحيل موضوعيا على الأممية الرابعة أن تشهد بعد الحرب العالمية الثانية نموا سريعا مماثلا لما شهدته الأممية الشيوعية بعد الحرب العالمية الأولى. وستبرهن هذه العملية على أنها أكثر طولا وأكثر تناقضا بكثير.

أما الخطأ الآخر لتروتسكي فكان افتراضه بأن حكم ستالين لن يستمر لنهاية الحرب. إلاّ أنّ تروتسكي، وخلافا للتفسير الخبيث، لم يكن متشائما حول ما سيحل بالاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية[69]. كان مقتنعا بأن الاتحاد السوفياتي سيبرهن عن أنه أكثر تفوقا من روسيا القيصرية ومن أخصامه الإمبرياليين أيضا، وذلك على صعيد تماسكه الاجتماعي-السياسي كما على صعيد المرونة في توزع المواد الصناعية من أجل الدفاع الذاتي. وبينما تخوف من أن يضعف سوء الإدارة البيروقراطية والاستبدادية والإرهاب المستمر من هذا التفوق –وهو أمر لا يمكن لأي تحليل موضوعي لما حصل فعلا في روسيا في فترة 41-1944 إلاّ أن يؤكده[70]- مال بشكل صحح نحو الاستنتاج بأن النظام الاجتماعي المتوفق سيكون المنتصر على المدى البعيد. رغم ذلك، وبتناقض أساسي مع بعض أسس تحليله الكلي، شبك تروتسكي خطين في التفكير بعنقود واحد. وبالضبط، لكون صعود الثورة العالمية، الذي لا بد أن يحصل في فترة ما بعد الحرب، لن يؤدي بسرعة وبعفوية إلى الانتصار، فإنه سيكون صعودا ثوريا جزئيا فقط. وبالضبط لأن الثورة ستكون فقط جزئية، لم تكن الإطاحة السريعة بالديكتاتورية الستالينية -أي بمعنى آخر صعود جديد للبروليتاريا الروسية- أكيد بأي طريقة من الطرق.

وبالتالي فإن ما حصل فعلا بعد الحرب العالمية الثانية عملية اعقد بكثير مما صاغه تروتسكي في بعض توقعات قويّة. إنها عملية ستتضمن: انتصارات جزئية وهزائم جزئية للثورة العالمية؛ استقرارا مؤقتا للرأسمالية في البلدان الإمبريالية والحكم البيروقراطي في الاتحاد السوفياتي وفي “حزام أمنه” الجديد؛ إضعافا لذلك الاستقرار عبر التناقضات الداخلية والانتصارات الجزئية للثورة العالمية (منها مثلا انتصار الثورة الصينية التي هزت تجربتها العالم، رغم مجيئها مبقرطة منذ البدء)؛ أزمة مركبة متنامية للمجتمع البرجوازي والستالينية بدأت في ماي/(أيار) 1968 وربيع براغ وأدّت إلى صعود جديد ومتسارع للثورة العالمية. إلاّ أننا نتخطى هنا تحليلنا لماركسية تروتسكي، كما ينبغي تسميتها[71].

إن ما يتعلق بماركسية تروتسكي وبنضاله من أجل الأممية الرابعة، هو التقاء جميع خيوط رؤاه التاريخية في الجزء النهائي من حياته على: إرادة الاستمرار في النضال لأن نتيجته التاريخية مازالت غير محسومة بعد. فمازال غير محسوم بعد ما إذا كانت ستنتصر البربرية أو الاشتراكية. ومازال غير محسوم ما إذا كانت الثورة العالمية ستهزم مرة أخرى أو أنها ستنتصر أخيرا. ومازال غير محسوم ما إذا كان المجتمع السوفياتي الذي يقف في منتصف الطريق بين الرأسمالية والاشتراكية سيخلق أشكال استغلال جديدة يمكن إنتاجها تاريخيا أو أن البروليتارية السوفياتية ستقوم، بمساعدة صعود البروليتارية العالمية بتكنيس بقايا الستالينية المقرفة. وما زال غير محسوم ما إذا كان انحطاط الستاليني للاتحاد السوفياتي سيعيد نفسه في جميع الثورات المنتصرة الجديدة (على الأقل ما دامت تحصل في بلدان متخلفة نسبيا)، وما إذا كانت الثورات الاشتراكية ستبدي –أو لا تبدي المقدرة على النقد الذاتي والتصحيح الذي علق عليه ماركس آمالا كثيرة. وما زال غير محسوم ما إذا كانت البروليتاريا ستبرهن عن قدرتها على بناء مجتمع لا طبقي بمستوى من الحضارة الإنسانية والحرية يتخطى بكثير أي شيء أوجدته الرأسمالية في أكثر أيامها ازدهارا.

لقد عنى النضال من أجل الأممية الرابعة بالنسبة لتروتسكي التدخل النشيط في الصراعات الطبقية والمعارك السياسية الراهنة للمساعدة على حل تلك المعضلات لصالح الطبقة العاملة ولصالح التقدم البشري ومصالح البشرية بأشمل ما في الكلمة من معنى. ويمكن للتاريخ فقط أن يقرر ما إذا كان هذا المسعى واقعيا أو طوباويا. عسى ان يكون واقعيا، وإلاّ فإن مستقبل الجنس البشري سيكون مظلما لا محالة. —– الفصل الحادي عشر
الاشتراكية

كان ماركس وانجلس يمتنعان دوما عن وصف ما سيكون عليه مجتمع لا طبقي، مدركين أن طبيعته هي على الأقل مشروطة جزئيا بالظروف التي ينشأ عنها. إلاّ أن ممانعتهما كانت نسبية فقط، حيث تضمنت كتاباتهما ملاحظات عديدة أظهرت سمات جوهرية للاشتراكية. وإذا ما أخذنا بالاعتبار هذه السمات –وأهمها غياب الإنتاج البضاعي- فسيكون من الواضح أن تلك البلدان التي للبيروقراطية السوفياتية والرأسمالية الغربية مصلحة مشتركة في تسميتها “اشتراكية” أو “بلدان الاشتراكية الفعلية الموجودة” ليس باشتراكية أبدا. فعندما كان ماركس وانجلس يتكلمان على الشيوعية “كحركة واقعية تتغلب على الظروف السائدة”- في معارضة المفهوم المثالي (الطوباوي) “لتحقيق المشروع الإشتراكي”- كانا يستعملان عبارة “الظروف السائدة” بأوسع وأشمل ما في العبارة من معنى (جميع الظروف الواقعية للمجتمع البرجوازي) وليس في معنى ضيق للتملك الخاص لوسائل الإنتاج.

لقد دعم تروتسكي التقليد الكلاسيكي هذا للماركسية بمعارضته القوية للأسطورة الستالينية حول أن “الاشتراكية” قد تحققت في روسيا في فترة 35-1936. إن قهر الملكية الخاصة في وسائل الإنتاج شرط مسبق ضروري لكن غير كاف لوجود المجتمع الاشتراكي. وفهم تروتسكي منذ البداية أن الستالينية قد جلبت الكثير من الأذى الأيديولوجي والسياسي لقضية الشيوعية بتعريفها روسيا وبلدانا أخرى أطيحت فيها الرأسمالية “كبلدان اشتراكية” (“الاشتراكية الفعلية الموجودة”). وفقط اليوم بدأ يتضح بالنسبة لألوف الشيوعيين بأن “عدم المساواة الاشتراكية”، و”معسكرات التجميع الاشتراكية”، و”الحروب بين البلدان الاشتراكية” هي فظاعات مفاهيمية توفر للإمبريالية أكثر ذخيرة مضادة للاشتراكية قوة[72].

هذا وكلما طالت فترة احتضار الرأسمالية، وكلما طال أمد تعايش الرأسمالية الآفلة مع المجتمعات المبقرطة المنتقلة من الرأسمالية إلى الاشتراكية (أو كما عادلها باهرو بشكل ماهر، “مجتمعات ما بعد الرأسمالية وما قبل الاشتراكية”)، كلما أصبح تحفظ الماركسيين، حيال توضيح ما ستكون عليه الاشتراكية فعليا وكيف ستختلف ليس فقط عن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة لكن أيضا عن الشكل السائد في الاتحاد السوفياتي، عائقا سياسيا أكبر للثورة العالمية. فبينما لا يزال الواقع الاجتماعي للاتحاد السوفياتي وكوبا والصين يُمارس بالنسبة لشعوب البلدان النامية قوة جاذبية محددة، لا تنطبق هذه الحال بأي شكل على عمال البلدان الإمبريالية لأمريكا الشمالية وأوروبا واليابان. فلقد تغيرت الأوضاع كثيرا في هذا المجال منذ الثلاثينات وأوائل الأربعينات، عندما كان العكس لا يزال صحيحا.
يجب بالتالي أن يتم تحليل طبيعة الاشتراكية، المرحلة الأولى في المجتمع أللا طبقي، بدقة أكثر مما كانت عليه العادة في الحركة العمالية الاشتراكية قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. وحيال هذه المهمة النظرية الهامة الجديدة، كان تروتسكي مرة أخرى رائدا سبق عصره على الأقل بعقدين.

إن أحد الأسباب التي تجعل من هذه المهمة أكثر سهولة مما كانت عليه زمن ماركس وانجلس، أو حتى زمن الاشتراكيين-الديموقراطيين الكلاسيكيين، يكمن في النضج ذاته لظروف نشأة مجتمع اشتراكي. فتطور القوى المنتجة؛ وازدياد عدد المأجورين وثقلهم الاجتماعي وتجانسهم النسبي في مجموع السكان الناشطين في البلدان الإمبريالية المتقدمة؛ والانقلاب الجذري في العلاقات بين العمل الذهني والعمل اليدوي؛ وزيادة الإدراك للعلاقات المتبادلة بين البلدان النامية والبلدان المتطورة والمشاكل التي طرحها في إطار الاشتراكية جميع تلك المنجزات المادية والذهنية لنصف القرن الأخير جعلت من الأسهل وضع “نموذج اشتراكي” (نستعمل هذا التعبير بتحفظ كبير لعدم وجود تعبير أفضل) مما كان عليه الأمر زمن انجلس أو بيبل أو لينين.

إن الصورة التي ستكون عليها الاشتراكية قد توضحت بطريقة سلبية وإلى حد كبير من خلال مثلين بارزين هما المساران المأساويان لكل من الثورتين الروسية والصينية. وهذا ما يسهل أمام الماركسيين الثوريين أن يقولوا بشكل بات ما ليست عليه الاشتراكية. وبالتالي فالاشتراكية ليست ولا يمكن أن تكون مجتمعا يبقى _أو حتى يزيد- الفروقات الكبيرة في المداخيل والبضائع الاستهلاكية، وفي التعليم العالي والإعلام ومراكز السلطة السياسية والاجتماعية. الاشتراكية لا يمكن أن تكون مجتمعا تؤخذ فيه القرارات التي تتعلق بالأولويات الاجتماعية وبالاتجاهات العامة للتطور الاقتصادي من قبل عدد قليل من الناس، بدل أن تؤخذ من قبل جمهور السكان بعد سجال ديموقراطي علني حول اقتراحات وحلول بديلة. الاشتراكية لا يمكن أن تكون مجتمعا ما زال الإنتاج البضاعي والمال فيه يؤثران بشكل حاسم على التصرفات الفردية والجماعية –مع جميع النتائج التي تتأتى عن ذلك. الاشتراكية ليست ولا يمكن أن تكون مجتمعا تقيّد فيه إمكانيات نشر الأدب وخلق الفن وتطوير حر للبحث العلمي وممارسة الحريات المدنية بشكل عام أكثر مما في ظل البرجوازية الديموقراطية. الاشتراكية ليست ولا يمكن أن تكون مجتمعا تقمع فيه الانحرافات الفردية عن “قاعدة السلوك الاجتماعي الموضوعة” بقوة أكبر مما في ظل الرأسمالية المتقدمة[73].

لقد قام تروتسكي تدريجيا، وبالأخص بعد أن تم نفيه من الاتحاد السوفياتي، ولكن جزئيا خلال العشرينات، بتقديم نماذج عن الواقع الاشتراكي في حقول عديدة من الحياة الاجتماعية. وسنتجنب هنا عن قصد تتبع فكره في حقول متخصصة كالأدب والخلق الفني، لنركز على المزايا الرئيسية للاشتراكية في حقول الاقتصاد والتنظيم السياسي والثقافة والعلاقات بين تجمعات إنسانية مختلفة لا طبيعة طبقية لها: العلاقات بين النساء والرجال، وبين الشبيبة والراشدين، وبين القوميات المختلفة.

لقد أُتهم تروتسكي مرارا بمناصرته لمفهوم ساذج عن “وفرة” البضائع المادية –وبالمناسبة قيل أن تروتسكي قد شارك في هذا المفهوم كلا من ماركس وانجلس. إن الإشارة إلى “عدم إمكانية الوصول إلى الوفرة” كالحجة الأخيرة ضد الاشتراكية –الشيوعية- التي كانت معروفة جيدا في القرن التاسع عشر!- قد تدعمت مؤخرا على يد أتباع “مدرسة النمو المجمد” ومن قبل علماء البيئة الذين يناقشون بأنه مع وصول عدد سكان الكرة الأرضية إلى 10-12 مليار نسمة تصبح وفرة البضائع المادية أما كارثة بيئوية أو استحالة طبيعية.

وقد رد تروتسكي على هذه الاعتراضات بشكل مسبق بتفسيره أن مفهوم “الوفرة” لا يعود بشكل ميكانيكي إلى مستوى الإقتصاد فقط، بل هو على الأكثر مفهوم سوسيولوجي –بسيكولوجي، تحدده بالطبع شروط مسبقة مادية . انه ما أن يتم استيعاب عادة توزيع البضائع والخدمات الأساسية حسب الحاجة من قبل جميع أعضاء المجتمع ، حتى نصل فورا إلى نقطة إشباع، وحتى من الممكن عمليا أن ينحدر الاستهلاك (أو على الأقل أن يستقر). ويتناول تروتسكي المثل البسيط للعادات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في مطاعم مرموقة وفنادق حيث يوجد السكر مجانا على الطاولات إن هذا الأمر لا يؤدي على الإطلاق إلى ارتفاع حاد في استهلاك السكر –بل على العكس.

والآن يمكن أن نقول، متوسعين في حجج تروتسكي، بأن العادات الاستهلاكية لفئة المداخيل المرتفعة في المجتمع البرجوازي المتقدم قد أكدت التوقع الماركسي بأنه عندما نصل إلى نقطة الإشباع، يميل الاستهلاك إلى الإنحدار ليس فقط تبعا لوظيفة قانون انجلس، بل والأهم لأن الأولويات قد تنقلب بشكل جذري. فالمحافظة على الصحة والراحة تحل بشكل متزايد محل التراكم التافه للبضائع المادية[74]. ويمكن أن نناقش رغم أن الأمر قد يبدو متناقضا، إن المجتمع البرجوازي واقتصاد السوق، مع ما يستتبعان من دعاية مسعورة لتوسيع السوق أمام مزيد من البضائع عديمة الفائدة، يجعلان الناس أكثر كبتا بشكل دائم ويرفعان الاستهلاك أعلى من المستوى الموازي له في نظام توزيع اشتراكي معتمد على بضائع وخدمات مجانية.

وقد أكد أيضا تروتسكي على أن اختيارات الاستثمار الأساسية في كومنولث اشتراكي ستكون أقل اعتمادا على تقسيم الموارد بين استهلاك واستثمار منها بين بدائل تكنولوجية. وفي عام 1926 كتب يقول: “إن التكنيك القديم في الشكل الذي ورثناه غير مناسب كليا للاشتراكية. يجب أن يميل التنظيم الاشتراكي للاقتصاد باتجاه تقليص الإرهاق البدني بالنسبة للعامل، بالتماشي مع زيادة القوة التكنيكية مع المحافظة في الوقت نفسه على تنسيق جهود مختلف العمال. إن ذلك سيكون معنى الناقلة الاشتراكية، في مقابل الرأسمالية… إنه من الضروري استئصال العوز ونزعة الكسب التي تنشأ عنه. يجب تأمين الوفرة والراحة والفرح في الحياة للجميع. ولا يمكن الوصول إلى مستوى عال من إنتاجية العمل دون المكننة والأتمتة التين يشكل حزام الناقلة تعبيرهما الأكمل. لكن يمكن الحد من الروتينية في العمل بتقليص زمن العمل والعبء الذي يفرضه… وستبقى الخاصة الأساسية للإنتاج هذه موجودة في الفروع الرئيسية للصناعة لحين انبثاق ثورة في مجالي الكيمياء والطاقة وتعديها المستوى الحالي للمكننة”[75]. ومؤخرا أحدثت الحملة التي قام بها البيئويون ضد تشغيل محطات الطاقة النووية وانتشارها، وهي ضمن حيز مستوى من الأمان غير كاف حاليا، أحدثت نقاشا يؤكد بشكل صارخ هذا التوقع ويسير في الإتجاه نفسه أيضا النقاش الأعم حول “البدائل التكنولوجية”، الذي أطلقه رفض العمال المتزايد للتيلرية( والإنتاج القائم على حزام الناقلة وبشكل أعم تنظيم العمل المتعارض مع رقابة عمالية حقيقية.

وفي برنامج تروتسكي حول الثورة السياسية في الاتحاد السوفياتي بقي عند معادلته القائلة برقابة عمالية معممة من قبل لجان المصانع على الإدارة الصناعية. لكن في كتابات أخرى (مثلا، حول مستقبل الولايات المتحدة) طرح بشجاعة فكرة التسيير الذاتي من قبل المنتجين في البلدان الصناعية.

فهناك ارتباط مباشر بين تروتسكي لسوء الإدارة والهدر والاعتباطية البيروقراطية في الاقتصاد السوفياتي، وبين رؤيته للديموقراطية الاشتراكية كضمان لتخطيط اقتصادي متجانس وحماية مؤسسية في وجه صعود أشكال جديدة من التفاوت الاجتماعي. ورغم أنه كان على إدراك تام بأن للبيروقراطية جذورها في الندرة – “نضال الجميع ضد الجميع” لتقسيم البضائع الاستهلاكية، والحاجة إلى حكم لاختيارات اقتصادية صعبة، وغير ذلك –فقد فهم أيضا السمة المؤسسية للمشكلة. فمن أجل كسر الاحتكار البيروقراطي للسلطة الاجتماعية والسياسية، وللخلاص من رقابة الدولة على فائض الإنتاج الاجتماعي، هناك ضرورة لتطورات إيجابية. يجب خلق مؤسسات وإطارات يستطيع جمهور المنتجين من خلالها ممارسة السلطات المغتصبة من قبل البيروقراطية الروسية.

وفي هذا السياق، عاد تروتسكي إلى اعتقاده القديم بأن أدوات التنظيم الذاتي –السوفياتات، مجالس العمال- تمثل الأدوات الأكثر مرونة التي خلقها التاريخ للآن لحل هذه المشكلة. لكنه أكد بوضوح بأنه لكي لا تتحول السوفياتات إلى هياكل فارغة، يجب أن تترافق مع مؤسسات تضمن في الحياة الواقعية صعودا حادا للنشاط السياسي والمبادرة السياسية والاجتماعية من جانب جمهور العمال. وهذا يمكن أن يكون فقط نظام تعددية الأحزاب مقابل الحزب الواحد، وحرية حقيقية للصحافة (بما في ذلك الأحزاب المعارضة) مقابل احتكار الإعلام من قبل الكتلة القائدة للحزب الواحد، أي الحكومة[76].

هل يمكن أن نلقى في مقالات تروتسكي الصريحة والواضحة حول هذه الأمور في فترة 1933 و1940 عنصر نقد ذاتي (حتى ولو أنه غير معلن جهارا أو شبه واع) فيما يتعلق بمواقفه الداعمة للإجراءات التي اتخذت في الاتحاد السوفياتي سنة 20-1921؟ إنه من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. لقد نمت بشكل تدريجي مواقف تروتسكي حول الأحداث في روسيا من خلال تقويم مركب على ثلاثة مستويات مختلفة. هل كان الإجراء المحدد إجراءً لا يمكن تجنبه في الوقت الذي أتُّخذ فيه؟ هل كانت له نتائج إيجابية على المدى البعيد بالنسبة للثورة الروسية والطبقة العاملة؟ هل هو مثل يُحتذى به لثورات بروليتارية أخرى، أو حتى يمكن أن يكون قاعدة عامة؟ لقد مال تروتسكي إلى الإجابة “بنعم” عن السؤال الأول وب”لا” عن السؤال الثاني والثالث. ومن الواضح أن الجواب ب “لا”عن السؤال الثاني، الذي ما فتئ يزداد وضوحا، له دلالته بالنسبة للسؤال الأول، الذي لم يجد تروتسكي متسعا من الوقت لتفصيله بشكل منظم، رغم أن المرء يشعر عند قراءة كتاباته أنه على إدراك فعلي للمشكلة.

ويمكن أن نبين وجه الخلاف بين نظام تعددية الأحزاب، بالمعنى التقليدي للتعبير، بالنسبة لفترة الانتقال بين الرأسمالية والاشتراكية (لدولة عمالية بظل ظروف مؤاتية أكثر مما في الاتحاد السوفياتي)، وبين نظام تعددية الأحزاب في ظل الاشتراكية بالمعنى الصحيح للكلمة. عند تناول الأخيرة استعمل تروتسكي معادلات مختلفة لمعالجة المشكلة، حيث أنه يرتبط مفهوم الأحزاب بالنسبة للماركسيين بطبقات وشرائح طبقية. وفي كومنولث اشتراكي، الذي هو حسب التعريف مجتمع لا طبقي، فإن هكذا ارتباطا لا يعود مناسبا. سنشهد بالتأكيد تشكل تجمعات وانشغالها في نقاشات علنية من خلال أجهزة الإعلام وبمشاركة جماهيرية، حول البدائل التكنولوجية وبدائل مدارس فنية ومعمارية وثقافية، وبدائل لنظام النقل، وبدائل برنامجية لتطوير البلدان النامية، وبدائل برنامجية حول الاتصالات ما فوق الغطاء الجوي وبدائل لأنظمة التعليم. وبالطبع ستزهر هذه الأمور في ظل الاشتراكية وتتخطى أي شيء ندركه، أو حتى نستطيع تخيله على أساس التجربة الماضية. إذا كان من الصحيح تسمية هذه التجمعات أحزابا فمسألة فيها نظر.

ورغم وقوف تروتسكي بشكل متزايد إلى جانب التعددية السياسية، كان تأكيده على الدور المهم للتعددية الثقافية والعملية أقوى حتى من ذلك. وجاءت كتاباته تحذيرا تنبؤيا ضد قضية ليسنكو المأساوية والتجارب الأخرى المماثلة في الاتحاد السوفياتي، ورائدة للنقاشات التي بدأت في الاتحاد السوفياتي وفي أماكن أخرى بعد ربع قرن أو أكثر. إن أي خنق للحياة الثقافية سوف ينتزع ثمنا باهظا في البناء الاشتراكي، فهو لن يجمد أو يزيد فقط من التخلف النسبي أو يخنق القدرات الخلاقة، بل حتى سيقلص النمو الاقتصادي للثروة بأكثر ما في الكلمة من معنى مباشر ومادي. فذلك يفرض تضحيات غير ضرورية يمكن تجنبها ستزيد من سخط وضعف معنويات أوسع الجماهير – وهي عملية يمكن أن تفقد المجتمع الجديد استقراره وتسلم أسلحة جبارة لأعدائه.

كان تروتسكي مدركا بشكل متزايد أيضا بأن التحول الثوري له تأثيره المختلف والمركب على البنى التحتية الاجتماعية وعلى مختلف مستويات البنى الفوقية الاجتماعية. وكونه ماركسيا وليس مثاليا طوباويا، فقد رفض الوهم الإرادي بأن “الرجل الاشتراكي” يمكن أن يُخلق بينما الناس ما تزال تجر عربة يد ملأى بالسماد كجزء من نشاطها الاقتصادي الرئيسي. لكن لكونه ماركسيا وليس ميكانيكيا اقتصاديا جبريا، رفض بالعناد نفسه الوهم القائل بأن “تطور القوى المنتجة” كاف لنشأة “الرجل الاشتراكي” كامل التطور من بين “وفرة المعدات الآلية والبضائع المادية”، كما نشأت مينرفا من رأس جوبيتر. إن أحد إغناءاته الرئيسية للماركسية كان بالضبط فهمه للطابع غير المتزامن لسلسلة كاملة من العمليات الاجتماعية. كان بالتالي يقضا بشكل كامل حيال واقع أنه بعد فترة طويلة من اختفاء التملك الفردي لوسائل الإنتاج، وربما حتى بعد اضمحلال الإنتاج البضاعي والمال، ستبقى موجودة بقايا التمييز الجنسي واضطهاد الأولاد والعنصرية الشوفينية الوطنية وجميع أشكال الاجحافات الأخرى في وعي البشرية. وبالتالي كان من الضروري أن يُشن نضال لا يلين ضد تلك الأشكال المتخلفة من التفكير والشعور، تلك المعيقات الرئيسية على طريق بناء الرجل الاشتراكي.

هل يوجد هناك أي عنصر طوباوي أو عقيدة ألفية( في هكذا تصور؟ نحن لا نعتقد ذلك. فعند تفحص قريب، يتضح أن هذا التصور ليس نتاج خيال جامح، بل تقدير لاتجاهات موجودة سلفا في ظل أكثر الظروف مؤاتاة للتطور الرأسمالي. ويترافق مع تلك التقديرات بشكل دائم تقييدات اقتصادية (مادية) واجتماعية وثقافية، يُعبِّر عنها في معادلات من مثل: هذه الإمكانيات يمكن أن تتحقق فقط بحال يتطابق أ مع ب ومع ج.

إن نهجا كهذا مسموح به تماما من وجهة نظر عملية. وهو مفيد بشكل خاص في تتبع المعضلة التاريخية للبشرية إلى نتيجتها النهائية. فوراء المعضلة، “اشتراكية أو بربرية”، يوجد بالطبع تشخيص بأن هكذا تطورات اشتراكية قد أصبحت ممكنة موضوعيا. وأن يتم تشويش النقاش حول تلك الإمكانات مع إجراء نقاش حول شروط تحقيقها، يعني في الواقع التعتيم على الموضوع: جعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لاختيار واع للبشرية حول مستقبلها بالذات، أو يعني أن هكذا اختيارا مستحيل وأن البشرية واقعة في شرك الخراب وطريق الكارثة.

إنه لأمر مهم أن يعود تروتسكي في لحظات مختلفة عند نهاية حياته إلى إحدى الظاهرات العامة للاشتراكية: إلى واقع أنها مجتمع ليس فقط بدون استغلال واضطهاد، لكن أيضا مجتمع خال من العنف الاجتماعي. ومن بين مجمل تصوراته، يمكن أن يكون تصوره هذا هو الأكثر أهمية وبعدا في المدى بالنسبة لجيلنا، الذي يعيش ليس فقط بدرجة من العنف الجماهيري الدائم تخطت كل ما مر في الماضي، لكن أيضا في ظل خطر الإبادة النووية للبشرية. ومن جديد يرد الشكوكيون ضيقوا الأفق –من نوع “الفيلسوف الجديد”-: “أي شيء آخر هو طوباوي لأن العنف منغرس في “الميل الهجومي” ذاته (أمنية الموت) الذي ورثه عقلنا غير الكامل من ماضيه الحيواني”. إنهم كما يبدو لا يفهمون ما يتكلم عليه تروتسكي والماركسيون الثوريون الآخرون.

في كومنولث اشتراكي يمكن للبشرية أن تكبح العنف ببساطة بإنهائها لإنتاج السلاح وتحطيمها لكل سلاح –وهو إجراء يمكن فقط أن يكون ذا تأثير دائم إذا كان هناك امتلاك جماعي على الصعيد العالمي لوسائل الإنتاج- وقرارات جماعية حول طريقة استعمالها. بصراحة، يمكن أن نتعلم العيش مع فكرة أن مليارات البشر يمكن أن تتذمر بالسهام والرماح أو البراجم المصنوعة من قبل أفراد مفسدين غير قادرين على السيطرة على دوافعهم الهجومية. لكن ما إذا كنّا سنستطيع العيش مع مستودعات الأسلحة ومع أسلحة نووية، ومتفجرات “كلاسيكية” تعادل قوتها النارية قنبلة هيروشيما أ. والمعدات العصرية للمنشآت الصناعية العسكرية، هو أمر يدعو، على الأقل، للشك. ويبدوا أن الشكوكيين أخصام “الورع الماركسي” يفتقدون للشك بقدر ما يفتقدون للخيال والتحليل العقلاني.

لقد قال ماركس بأن البشرية تطرح على نفسها فقط مهام تكون قادرة على حلها. لكنه لم يقل في أي مهلة من الزمن. وقد أخطأ تروتسكي في بعض تقديراته الزمنية كما فعل لينين وانجلس وماركس قبله. لكن ذلك لا يقلل من قيمة التصورات ذاتها، التي تعتمد كما كانت على التأليف Synthesis العلمي للتناقضات والميول الرئيسية في عصرنا. لقد طرحت البشرية على نفسها مهمة التحول الاشتراكي للمجتمع العالمي. وكانت ثورة أكتوبر الاشتراكية، التي لعب فيها تروتسكي دورا عمليا حاسما، برهانا في الممارسة على أن المشكلة قد بدأت تُحل. وستنظر الأجيال القادمة إلى مساهمات تروتسكي النظرية كأمور لا تقل حسما في الحل النهائي لتلك المشكلة. وستكون بذاتها مساهمات أساسية في الحل العملي أيضا. فمن كان تروتسكي غير الاستراتيجي الرئيسي لنظرية الثورة العالمية والاشتراكية العالمية، ولممارستهما أيضا؟.

« السابق التالي »