بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بؤس الفلسفة

« السابق التالي »

ميتافيزيك الاقتصاد السياسي تقسيم العمل واستعمال الآلة

 

 

إن تقسيم العلم بالنسبة لبرودون يفتح الباب لمجموعات التطورات الاقتصادية :

الجانب الصالح لتقسيم العمل

« إن تقسيم العمل هو الطريقة التي تحقق مساواة الأحوال والذكاء » (المجلد 1، صفحة 93).

« أصبح تقسيم العمل بالنسبة لنا آلة الفقر » (المجلد 1، صفحة 94).

 الجانب الشرير لتقسيم العمل

« إن العمل، لدى تقسيم ذاته وفقا للقانون الخاص به، ينتهي إلى نفي أهدافه ويحطم ذاته » (المجلد 1، صفحة 94)

حل المسألة

« لكي تجد الحل الذي يقضي على مساوئ تقسيم العمل وفي نفس الوقت تحتفظ بتأثيراته النافعة ». (المجلد 1، صفحة 97(.

إن تقسيم العمل بالنسبة لبرودون قانون أبدي ولائحة بسيطة مجردة. إذن فالتجريد أو الفكرة يجب أن تكفي ليشرح تقسيم العمل وفقا لأزمنة تاريخية مختلفة. إن المذاهب، والشركات التضامنية، ذات الانتاج الضخم يجب أن تفسرها الكلمة الوحيدة « التقسيم » وأول ما يجب أن تعمله هو أن تدرس بإمعان معنى كلمة « تقسيم » ولا تحتاج بعدئذ أن تدرس العوامل المؤثرة العديدة التي تعطي تقسيم ا لعمل صفة محددة في كل عصر.

نجد بالتأكيد، أن الأشياء تصبح أسهل بكثير لو أننا أخفضناها للوائح برودون. والتاريخ لا يتابع مجراه بتنظيم التام كاللائحة. لقد أخذت ألمانيا ثلاث سنوات كاملة لكي تؤسس أول تقسيم للعمل ولفصل المدن عن الضواحي. وبنسبة علاقة المدينة والقرية نجد أن كل المجتمع قد نال أوصافه. وإذا أخذنا هذا المظهر من مظاهر تقسيم العمل، يحصل لدينا الجمهوريات القديمة، ويحصل لديك الاقطاعية المسيحية، وتحصل على انكلترا القديمة بباروناتها وتحصل على انكلترا الجديدة بأسياد القطن فيها.

ففي القرن الرابع والخامس عشر، عندما لم توجد مستعمرات بعد، وعندما لم يمكن لأمريكا تأثيرها على أوروبا ولم تكن معروفة جيدا، وعندما كانت آسيا توجد وتعيش بظل القسطنطينية، وعندما كان المتوسط محور النشاط التجاري، وعندما كان الاسبانيون والبرتغاليون والهولانديون والانكليز والفرنسيون، عندما كان لهم مستعمرات مؤسسة في كل أقسام العالم، إن اتساع السوق وهيكله الخارجي يعطي تقسيم العمل في أزمنة مختلفة شكلا خارجيا يعطيه صفته التي كان من الصعب الوصول إليها من كلمة تقسيم، من الفكرة، من اللائحة.

يقول برودون « إن كل الاقتصاديين منذ آدم سميث أشاروا إلى حسنات ومساوئ قانون التقسيم ولكنهم أصروا على الحسنات أكثر مما أصروا على السيئات لأن الحسنات كانت ذات خدمات أكثر لتفاؤلهم، ولم يعذب أحد بينهم نفسه ليعرف ما هي مساوئ القانون.. فكيف نرى نفس المبدأ يقود إلى نتائج معاكسة ؟ لم يوحد اقتصادي قبل أو بعد آدم سميث قدر أن يدرك أية مسألة يجب حلها. فساي يعترف أنه بتقسيم العمل نجد أن نفس السبب الذي يخلق الصالح يخلق الرديء أيضا ». (المجلد 1، صفحة 95-96).

يذهب آدم سميث أبعد مما يظن برودون. لقد رأى بوضوح « إن الفرق في المواهب الطبيعية عند رجال مختلفين، يقود إلى تقسيم العمل ». وكمبدأ، نجد أن الحمال يختلف عن الفيلسوف أقل مما يختلف كلب كبير عن كلب كبير آخر أصغر بقليل. إنه تقسيم العمل الذي أوجد خليجا بين الاثنين. وكل هذا لم يمنع برودون أن يقول في مكان ما أن آدم سميث لم تكن عنده أقل فكرة عن المساوئ التي يخلقها تقسيم العمل. وهذا ما يجعله يقول مرة أخرى أن ج. ب. ساي كان أول من اعترف أن تقسيم العمل يسبب « إنتاج الصالح وإنتاج الردئ ».

والآن لنستمع إلى لومونتي Lemontey « لكل واحد حاجته ».

« لقد شرفني ج. ب. ساي عندما تبنى في كتابه عن الاقتصاد السياسي المبدأ الذي أخرجته للنور، في المقطع الذي يتحدث به عن تقسيم العمل. وقد اقنع أن يعود إلى كتابي ويقول أنه أخذ المبدأ عني. هذا هو الدافع الوحيد الذي أقدر أن أصف به سكوت كاتب غني في مجموعاته أن يتنكر لدين صغير ». لومونتي، « الأعمال الكاملة ».

ولنقدم هذا المعروف له : لقد عرض لومونتي نتائج تقسيم العمل غير المسرة كما هي معروفة اليوم ولم يجد برودون شيئا ليضيفه عليه. والآن بسبب خطيئة برودون، نعود إلى هذا السؤال، من سبق الآخرين في عرض فكرته. ونقول مرة أخرى أنه قبل لومونتي، وقبل آدم سميث (كان آدم سميث تلميذا لفرجسون Fergson. لقد قدم فرجسون عرضا واضحا عن الموضوع في الفصل الذي يبحث بصورة خاصة تقسيم العمل).

« يشك بعض الأحيان أن كانت مقدرة الأمة تزداد بتقدم الفنون. إن كثيرا من الفنون الميكانيكية.. تنجح كثيرا تحت ضغط الشعور والمنطق، والجهل هو أم الصناعة والخرافة، والانعكاس والخطأ يخضعان للخطأ، ولكن عادة تحريك اليد أو القدم مستقلة عن المنطق والجهل. والصناعات نسبيا، تزدهر حيث لا يستشار العقل وحيث يمكن المعمل – دون جهد كثير وتفكير – أن يعتبر كآلة، والناس هم أقسام هذه الآلة… إن المدير العام يقدر أن يكون ماهرا في معرفة الحرب، بينما مهارة الجندي يمكن أن تنحصر بحركات قليلة باليد والرجل. فالأول يمكن أن يربح ما خسره الثاني.. والتفكير في هذا العصر، عصر التفرقة يمكن أن يصبح مهنة خاصة ». فرجسون، « بحث في تاريخ المجتمع المدني ».

ولكي نضع حدا لهذا الوصف الأدبي نفكر أن « كل الاقتصاديين أصروا على حسنات تقسيم العمل أكثر مما أصروا على سيئاته ». يكفي القول عندما نذكر سيسموندي.

وهكذا طالما أن حسنات تقسيم العمل تهمنا، فما كان من برودون إلا أن يقتطع الجمل والعبارات التي يعرفها.

ودعنا ننظر كيف يستنتج من تقسيم العمل – ويأخذ التقسيم كقاعدة عامة وكلائحة وكفكرة – السيئات المتعلقة به. وكيف يمكن أن هذه اللائحة أو هذا القانون أن يدعو إلى توزيع غير عادل للعمل فيدمر طريقة التعامل لبرودون ؟

« وفي هذه الساعة الرهيبة لدى تقسيم العمل تبتدئ العواطف تعصف بالانسانية. إن النجاح لا يكون في حالة متساوية وعلى نمط واحد… إنه يبتدئ بامتلاك عدد صغير من ذوي الامتيازات… إنه تفصيل الأشخاص في مجرى التقدم الذي حفظ لنا الاعتقاد في لامساواة الأحوال الطبيعية والالهية، وهذا هو سبب وجود المذاهب، إذ تعم الفوضى كل المجتمع » برودون، المجلد، صفحة 94.

إن تقسيم العمل خلق المذاهب. وأصبحت المذاهب الآن تشكل سيئات تقسيم العمل. وهكذا يكون تقسيم العمل هو الذي خلق السيئات. هل تريد أن تنقص الحقيقة وتسأل ما الذي جعل تقسيم العمل يخلق المذاهب والمؤسسات الفوضوية والأشخاص ذوي الامتيازات؟ سيخبرك برودون : إنه التقدم والنجاح. وما الذي خلق التقدم ؟ إنه التحديد. والتحديد بالنسبة لبرودون هو قبول الأشخاص في مجرى التقدم.

وبعد الفلسفة يأتي التاريخ. وليس التاريخ الوضعي أو التاريخ الديالكتيكي بل هو التاريخ المقارن. يقدم برودون برهانا عن عامل مطبعة في الزمن الحديث وعامل مطبعة في القرون الوسطى، وبين رجل العلم الحديث ورجل العلم في القرون الوسطى، وهو يرجح الميزان لكفة هؤلاء الذين يخلصون قليلا أو كثيرا لتقسيم العمل كما كان مفهوم في القرون الوسطى. إنه يقارن تقسيم العمل في زمن تاريخي معين بتقسيم العمل لزمن تاريخي آخر. أكان هذا ما أراد برودون أن يبرهن عليه ؟ كلا. كان يجب أن يرينا سيئات العمل عامة وسيئات تقسيم العمل كلائحة. وعلاوة على ذلك لماذا نعلق كثيرا على برودون، طالما أننا بعد قليل سنراه يقوم ضد هذه التطورات ؟

يتابع برودون ويقول : إن أول تأثير للعمل الجزئي بعد تحطيم الروح هو تطويل نقط التحول التي تكون في نسب معاكسة لحاصل مجموع الذكاء … ولكن بما أن طول مدة نقط التحول لا يمكن أن تزيد على 16 إلى 18 ساعة في اليوم – وفي الوقت الذي لا يمكننا أن نأخذ مكافأة من الوقت فإننا نأخذها من السعر فتهبط الأجور. والمؤكد – وهو الشيء الوحيد الذي يجب ملاحظته – أن الضمير العالمي لا يتحدد بنفس النسبة التي نحدد فيها عمل رئيس الورشة وعمل مساعد ميكانيكي. فمن الضروري إذن أن ننقص يوم العمل حتى لا يتأثر العامل – بعد أن يكون قد تأثر بروحه لهذا العمل التأخيري – من الضربة التي أصابت جسده من جراء اضعاف مكافأته ». (المجلد 1، صفحة 97-98).

نحن نمر مرور الكرام على القيمة المنطقية لهذا الاستقرار، هذا الاستقرار الذي يدرسونه كان استقرارا كاذبا يقود للضلال.

 

وهذا هو صلب وماهية هذا الاستقرار :

إن تقسيم العمل يحقر العامل إلى درجة متأخرة، وبهذه الدرجة المتأخرة تتعلق روح تعيسة، والروح التعيسة بنقصان مستمر لهبوط الأجور ولكي يبرهن أن هذا التنقيص مؤلم لروح تعيسة يقول برودون – وهو يحاول أن يخفف ألم ضميره – هذا هو ما يريد الضمير العالمي. وهل نقدر أن نعد روح برودون في عداد الضمير العالمي؟

إن الاعتماد على الآلة هو بالنسبة لبرودون « تعاكس الفكرة Antithesis المنطقي لتقسيم العمل » وبمساعدة ديالكتيكية يبتدئ بتحويل استعمال الآلة إلى المعمل.

وبعد أن يكون قد افترض مسبقا المصنع الحديث – حتى يجعل الفقر نتيجة تقسيم العمل – يفترض برودون مسبقا أن تقسيم العمل أوجد الفقر، ولكي يأتي إلى المصنع ويكون قادرا أن يمثله ويقدمه كديالكتيك النفي لذلك الفقر. وبعد أن يقضي على العامل أخلاقيا بعملية التأخير والتنقيص التي قام بها، وبعد أن يقضي عليه جسديا بواسطة قلة الأجور، وبعد أن يضع العامل تحت رحمة رئيس العمل، وبعد أن يخفض من قيمة عمله حتى يقارنه بعمل مساعد ميكانيكي، نراه يلقي اللوم مرة أخرى على المصنع وعلى استعمال الآلة لأنها كانت سبب تأخر العامل « لأنها أصبحت سيدا له »، ويكمل تنقيصه وتحقيره إذ يجعل العامل يسقط من درجة عامل إلى درجة عامل بسيط ». يا له من ديالكتيك ممتاز ! ولو كان قد توقف هنا ! لكن كلا، كان عليه أن يوجد تاريخا جديدا لتقسيم العمل، وليس عليه أن يستنبط المتناقضات منه، بل أن يبني المصنع بالنسبة لذوقه. وليصل لهذا الهدف يجد نفسه مجبرا أن ينسى كل ما قاله عن تقسيم العمل.

ينظم العمل ويقسم بطرق مختلفة بناء على العوامل التي تقوم عليها، إن طاحونة اليد تفترض مسبقا تقسيم عمل مختلف عن تقسيم العمل لطاحونة بخارية. وهكذا فهو يصنع التاريخ بهذا الوجه لأنه يريده أن يبتدئ بتقسيم العمل عامة حتى يحصل على آلة خاصة للإنتاج، أي الآلة.

إن استعمال الآلة لم يعد لائحة اقتصادية أكثر مما هي محراث يسحب سكة الفلاحة. إن الآلة هي قوة إنتاجية. والمصنع الحديث – إذ يعتمد على استعمال الآلة – يكون علاقة اقتصادية، ولائحة اقتصادية.

ولننظر كيف تحدث الأشياء في خيال برودون.

« نجد في المجتمع أن المظهر الدائم للآلة هو الفكرة العكسية Antithesis أي القاعدة المعكوسة لتقسيم العمل، إنها احتجاج العبقرية الصناعة على العمل الجزئي. وما هي الآلة؟ إنها طريقة لتوحيد عدة أجزاء من العمل تفرقت من جراء تقسيم العمل. ويمكن تحديد كل آلة كأنها خلاصة لعمليات عديدة… وهكذا بواسطة الآلة يمكن إعادة سيطرة العمل … واستعمال الآلة – الذي هو في الاقتصاد السياسي مناقض لتقسيم العمل – يمثل نتيجة الفكرة Synthesis والتي يجدها في العقل الإنساني معاكسة للتحليل. لقد فرق التقسيم اقتسام العمل المختلفة وترك كل قسم أن يكرس ذاته للتخصيص الذي يناسبه أكثر من غيره، فالمصنع يجمع العمال وفقا لعلاقة كل جزء بالكل … إنه يدخل مبدأ السلطة في العمل… ولكن ليس هذا كل ما في الأمر : فالآلة أو المصنع – بعد أن يحقر أو يؤخر العامل لأنه أوجد سيدا له (الآلة) – يكمل تحقيره إذ يجعله يهبط من درجة عامل مهني إلى درجة عامل بسيط … والفترة التي نمر بها الآن – فترة استعمال آلة – تمتاز بصفة خاصة هي العامل الذي يتقاضى أجرة. إن عامل الأجرة نتيجة لتقسيم العمل واللتبادل » (المجلد 1، صفحة 135، 136، 161).

ولنقدم ملاحظة بسيطة لبرودون. إن تفريق أقسام العمل المختلفة – تاركا كل قسم نوع اختصاصه الذي يناسبه – يعد تفرقة يضع لها برودون تاريخا يعود إلى بداية العالم – ويوجد هذا التفريق اليوم في الصناعة الحديثة في ظل نظام المنافسة.

يستمر برودون ليعطي « تسلسا مهما » ليظهر كيف أن المصنع قام من جراء تقسيم العمل وأن عامل الأجرة قام من جراء وجود المصنع.

1- إنه يفترض رجلا « لاحظ أنه إذا قسم الإنتاج إلى أقسام مختلفة وجعل عاملا يقوم بكل قسم على حدة » فإن قوى الانتاج تتضاعف.

2- هذا الرجل « وهو ماسك بخيط الفكرة يخبر نفسه أنه عندما يشكل جماعة دائمة من العمال يختارهم لهدف خاص يحصل على انتاج أحسن ».

3- يقدم هذا الرجل اقتراحا أو عرضا للرجال الآخرين ليجعلهم أن يعقلوا فكرته وخيط فكرته.

4- هذا الرجل، عند بدء الصناعة، يطبق شروط المساواة مع رفاقه الذين يصبحون بعدئذ عماله.

5- كل واحد يتحقق، بالواقع، أن هذه المساواة الأصلية يجب أن تختفي بسرعة وفقا لمركز السيد واعتمادا عامل الأجرة عليه.

هذا هو مثال طريقة التاريخ الوضعي.

ودعنا الآن نفحص – من الناحية التاريخية والاقتصادية – إن كان المصنع أو الآلة قد أدخلت مبدأ السلطة في المجتمع نتيجة لتقسيم العمل، فيما إذا عوضت للعامل من جهة بينما اخضعته للسلطة من جهة ثانية، وفيما إذا كانت الآلة عبارة عن إعادة تشكيل تقسيم العمل.

إن المجتمع كله يمثل المصنع بداخله وله أيضا تقسيم العمل. وإذا أخذ شخص تقسيم العمل في معمل ما حتى يطبقه على المجتمع كله، نجد أن المجتمع الذي ينظم جيدا لانتاج الثروة يجب أن يكون له رئيس، مستخدم واحد. ويوزع هذا الرئيس الواجبات على أعضاء الجماعة العديدين بناء على قاعدة ثابتة ولكن ليست هذه هي الحالة. بينما نجد داخل المصنع الحديث أن تقسيم العمل ينظم برداءة بواسطة المستخدم، نجد أن المجتمع الحديث لا يملك قاعدة أخرى ولا سلطة أخرى لأجل توزيع العمل إلا المنافسة الحرة.

كان تقسيم العمل في النظام البطريكي وفي نظام المذاهب وفي النظام الاقطاعي والنظام التضامني موجودا في المجتمع كله وفقا لقواعد ثابتة. هل هو المشروع الذي وضع هذه القواعد؟ كلا. لقد انبثقت في الأصل عن أحوال الانتاج المادي، وأصبحت قوانين بعد ذلك. ونجد بهذه الطريقة أن أشكال تقسيم العمل المختلفة أصبحت قواعد كثيرة للتنظيم الاجتماعي. وبما يتعلق بتقسيم العمل في المعمل فإن تطورة ونموه كان قليلا كما كان في المجتمع.

ونقدر أن نقول كقاعدة عامة أنه كلما قلت السلطة القائمة على تقسيم العمل داخل المجتمع كلما زاد نمو تقسيم العمل في المعمل، وكلما خضع العمال في المعمل لسلطة شخص واحد. وهكذا نجد السلطة في المعمل والسلطة في المجتمع – بالنسبة لتقسيم العمل – بنسبة معاكسة لبعضها.

والسؤال الذي يطرح الآن ! ما هو هذا المصنع الذي تجد فيه الأعمال متفرقة عن بعضها، وتجد عمل كل عامل مصغرا لعملية بسيطة، وتجد السلطة ورأس المال يجتمعان ليوجها ويقودا العمل، وكيف وجد هذا العمل ؟ وحتى نجيب على هذا السؤال علينا أن نفحص كيفية نمو الصناعة المنتجة، وإني لا أتكلم هنا عن تلك الصناعة التي لا نسميها صناعة حديثة بآلاتها، ولا نسميها صناعة مهنيي القرون الوسطى ولا نسيمها صناعة وطنية. وسوف لن نتطرق لذكر تفاصيل عديدة : بل سنقدم عدة نقط رئيسية لنظهر أن التاريخ لا يضيع بالقواعد والمعادلات.

إن الشروط الرئيسية لتشكيل الصناعة المنتجة كانت : تجمع رأس المال واكتشاف أمريكا واستيراد معادنها الثمينة، هو الذي سهل تجمع رأس المال.

لقد برهن أن زيادة وسائل التبادل أدت إلى تخفيض الأجور وتخفيض ريع الأرض. هذا من جهة، ومن جهة ثانية أدت إلى نمو الأرباح الصناعية. وبشكل آخر : أدت إلى الحد الذي غرقت إليه الطبقة الحاكمة وطبقة العمال، السيد الاقطاعي والشعب الفقير، لقد أدى هذا التناقض إلى قيام الرأسمالي « البورجوازي ».

كانت توجد ظروف أخرى ساعدت على نمو الصناعة المنتجة : إن زيادة السلع الموضوعة للتداول من اللحظة التي اخترقت فيها التجارة الهند الشرقية عن طريق رأس الرجاء الصالح، أدت إلى طرق باب الاستعمار وإلى نمو التجارة البحرية.

وهناك نقطة أخرى لم تبرهن بكفاية لدى دراستنا لتاريخ الصناعة المنتجة وهي تحطيم اتباع وضحايا الأسياد الاقطاعيين الذين أصبحوا متجولين فقراء قبل أن يدخلوا المعمل. إن خلق المعمل سبقته بطالة وفقر شديد في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر.

وقد وجد المعمل مساعدا قويا في الفلاحين العديدين الذين كانوا يطردون باستمرار من القرى وسبب هذا الطرد كان من جراء تحويل الحقول إلى مراع ومن جراء التقدم في الزراعة التي أصبحت تحتاج لعمال قليلين لفلاحة الأرض، لقد تجمهر هؤلاء الفلاحون في المدن أثناء القرن كله.

فنمو السوق وتجمع رأس المال وتكييف الوضع الاجتماعي للطبقات، ولوجود عدد كبير من الأشخاص مجردين عن دخلهم، هذه كلها هي الأحوال التاريخية التي أدت لتشكيل الصناعة. ولم تكن الأسباب، كما يقول برودون، عبارة عن اتفاقات ودية بين أفراد متساوين أدت إلى جذب الناس للمعمل. ولم يكن السبب الذي أدى لخلق الصناعة نائما في صدور النقابات القديمة، لقد كان التاجر الذي أصبح رئيس المصنع الحديث، ولم يكن رئيس النقابة القديمة هو الذي أصبح رئيس المصنع. وتقريبا في كل مكان كنا نجد صراعا هائلا بين الصناعة وبين أرباب المهن.

إن تجمع وحصر الوسائل والعمال سبق نمو تقسيم العمل داخل المصنع. وكانت الصناعة عبارة عن تجمع كثير من العمال وكثير من المهنيين في مكان واحد وفي غرفة واحدة ليكونوا تحت أمر الرأسمالي أكثر مما كانت نتيجة العمل وتقسيمه أو لتعرض عامل مختص لعمل بسيط جدا.

وكانت منفعة المعمل لا تقوم إلا قليلا على تقسيم العمل ولم تقم على أن المعمل كان على نطاق واسع أو أن المصاريف غير الضرورية يجب أن توفر الخ.. وفي نهاية القرن السادس عشر وفي بداية القرن السابع عشر : كنا نجد الصناعة الهولندية لا تعرف شيئا عن تقسيم العمل.

إن نمو تقسيم العمل يفترض تجميع العمال في المصنع. ولم يكن هناك برهان واحد – في القرن السادس عشر والسابع عشر – يدلنا على وجود فروع مختلفة لمهنة عمل واحد أو أن الصناعة كانت تحتاج لتجميع عدد من العمال ليختصوا في عمال ما، ليقوموا بالعمل. ولكن حالما وُجد الناس ووُجدت الآلام معهم نجد عندئذ أن تقسيم العمل – كالتقسيم الذي كان موجودا بشكل نقابات – كان نتيجة لوجود الناس والآلات بجانبهم، وعكست هذه النتيجة تقسيم العمل داخل المعمل.

ولنقل لبرودون الذي يرى الأشياء عاليها سافلها – إن كان يراها – أن تقسيم العمل – بنظر آدم سميث – يسبق المعمل الذي هو شرط لوجوده.

واستعمال الآلة – كما ندعوها – تعود لأواخر القرن الثامن عشر ولا تعد شيئا أكثر حقا من أن نرى أن الآلة، الفكرة المعاكسة Antithesis، لتقسيم العمل، ونتيجة الفكرة Synthesis تعيد وحدة تقسيم العمل.

إن الآلة هي توحيد وسائل العمل، وهي أيضا توحيد عدة عمليات للعامل نفسه « وعندما، لدى تقسيم العمل، تكون كل عملية خاصة مبسطة وسهلة لاستعمال أداة واحدة، فإن اتحاد هذه الأدوات لكل عملية خاصة، وعندما نضعها لتقوم بحركة واحدة في الجرك، هذا العمل يشكل مفهوم – الآلة ». إن الأدوات البسيطة وتجميع الأدوات البسيطة، والأداة المركبة، لدى وضع هذه الأدوات لتحريك الأداة المركبة بيد واحدة بواسطة الرجل، ولدى تحريك هذه الأدوات بالقوى الطبيعية بالآلات، وطريقة الآلات التي لها محرك واحد، وطريقة الآلات التي لها محرك أوماتيكي – هذا هو تقدم الآلة.

إن تجمع وسائل الانتاج وتقسيم العمل وعدم تفريقهما عن بعضهما يشبه في الحقل السياسي، تجمع السلطة العامة وتقسيم المصالح الفردية. فانكلترا – وهي بحالة تجمع الأرض، والأرض هي أداة العمل الزراعي – كان لها في نفس الوقت تقسيم الوقت للعمل الزراعي وتطبيق الآلة لاستثمار التربة. وفرنسا التي كانت معروفة بتقسيم الوسائل أي طريقة الممتلكات – لم يكن لها لا تقسيم عمل زراعي ولا تطبيق الآلة لاستثمار التربة.

إن تجمع وسائل العمل بالنسبة لبرودون هو نفي تقسيم العمل. وفي الواقع نجد العكس. وبما أن تجمع الوسائل ينمو فإن التقسيم ينمو أيضا، والعكس بالعكس. وهذا هو السبب أن كل كل اختراع ميكانيكي كبير يتبعه تقسيم عمل أكبر، وكل زيادة في تقسيم العمل يخلق بدوره اختراعات ميكانيكية جديدة.

لا نريد أن نذكر أن التقدم العظيم لتقسيم العمل ابتدأ في انكلترا بعد اختراع الآلة. وهكذا فالحياكيون والغزالون كانوا بأكثريتهم فلاحين مثل الفلاحين والحياكين الذين لا نزال نجدهم في الدول المتخلفة. إن اختراع الآلة سبب تفريق الصناعة المنتجة عن الصناعة الزراعية. لقد مزقت الآلة بين النساج والغزّال وقد كانوا متسلسلين من نفس العائلة أي من نفس نوع العمل. وشكرا للآلة، فالغزال أصبح يعيش في انكلترا بينما النساج أصبح يعيش في جزر الهند الشرقية – وقبل اختراع الآلة كانت صناعة بلاد تقوم بالدرجة الأولى على المواد الأولية التي كانت من منتوجات ترابها : ففي انكترا – الصوف، وفي ألمانيا – الغزل، وفي فرنسا – الحرير، وفي جزر الهند الشرقية وفي الشرق – القطن الخ.. وشكرا لادخال الآلة والبخار لأن تقسيم العمل أصبح قادرا أن يخلق هذه المقاييس التي تعتمد عليها الصناعة ذات الانتاج الضخم في السوق العالمي وفي التبادل العالمي – في تقسيم العمل العالمي. وباختصار – نقول أن الآلة لها تأثير كبير على تقسيم العمل لأنه لدى صناعة شيء ما نقدر أن نجد وسيلة لتنتج أقسامه ميكانيكيا : والشيء المصنوع ينقسم إلى عملين مستقلين عن بعضهما.

وهل نحتاج أن نتكلم عن الهدف الإنساني والهدف الإلهي الذي يكتشفه برودون في اكتشاف واستعمال أول آلة؟

عندما نما السوق في انكلترا نموا كبيرا حتى أن الصناعة اليدوية لم يعد لها مكان، نجد أن الحاجة للآلة أصبحت مهمة. وبعدئذ أتت فكرة تطبيق العلم الميكانيكي الذي ابتدأ ينمو في القرن الثامن عشر.

لقد ابتدأ المعمل الأوتوماتيكي عمله ببعض الأعمال الصغيرة التي كانت تحسب أعمالا إنسانية. لقد كان الأولاد يعملون تحت ضربات السوط، وجعل الأولاد مسألة مصلحة حتى أن المعامل أخذت تفتش عن الأيتام لتشغيلهم. وكانت كل القوانين المطبقة على تعليم المهن قد أعيدت لأنه – لنستعمل جملة برودون – لم يعد أحد بحاجة للعمال كنتيجة للفكرة Synthesis. وأخيرا من سنة 1825 أو ما بعدها كانت تقريبا كل الاختراعات الجديدة نتيحة لاصطدامات بين العامل ورب العمل، لأنه رب العمل كان يحاول مهما كلفه الأمر أن ينقص ويحقر مقدرة الاختصاص عند العامل، وبعد كل اضراب مهما كانت أهميته كانت تظهر آلة جديدة، وقليلا ما كان العامل يرى في الآلة نوعا من استعاضة عمله لكنه في القرن الثامن عشر وقف موقفا لسلطة الآلة.

يقول الدكتور أور « لقد اخترع هوايت الآلة التي تدور … (وأصابع الغزل اخترعها اركرايت)… ولم تكن الصعوبة الوحيدة في اختراع الآلة لذاتها … بل الصعوبة في تثقيف الناس ليستلموا عادات العمل غير المنظمة وأن تجعلهم يخضعون أنفسهم لنظام الآلة المتغير. ولوضع شريعة ناجحة لنظام المعمل (تناسب حاجيات ومتطلبات آداب المعمل) كان مشروع اركرايت ».

ونقول باختصار أن ادخال الآلة سبب نمو تقسيم العمل ضمن المجتمع، وسهل عمل العامل ضمن المعمل، وسبب تجمع رأس المال وسبب أيضا تقسيم الناس.

وعندما يريد برودون أن يكون اقتصاديا وأن يهمل لزمن ما « تطور الأفكار في فهم علاقة اللوائح » فإنه يتخذ أقواله من آدم سميث ولكي نشرح هذا جيدا علينا أن نقرأ هذه المقاطع من كتاب الدكتور أور ( كتابه « فلسفة الصناعيين » ).

« عندما كتب آدم سميث آراءه الإقتصادية الخالدة – وكانت الآلة الأوتوماتيكية تكاد أن تكون مجهولة – أعتـُبر تقسيم العمل المبدأ الأول لتحسين الصناعة وبرهن في مثاله عن صناعة الدبُّوس – كيف أن كل صاحب مهنة وهو قادر على أن يتمرن ليتخصص في نقطة واحدة يصبح عاملا أرخص وأسرع. ورأى في في كل فرع من فروع الصناعة أن بعض الأقسام – بناءاً على مثال صناعة الدبوس – سهلة مثل قطع دبابيس من الأسلاك بأطوال متناسبة وبعضها صعب مثل تشكيل وتثبيت الرؤوس (أي رؤوس الدبابيس) ! واستنتجَ أن لكل قسم من أقسام صناعة الدبوس يجب تعيين عامل ذي قيمة مناسبة، وهذه القيمة المناسبة تشكل جوهر تقسيم العمل.. ولكن الشيء الذي كان على أيام الدكتور سميث موضوعاً مهماً، لا يمكن أن يُعدَّ اليوم هاماً ؛ لكي لا نقود الشعب إلى الخطأ، ولكي لا يكون مبدءاً للصناعة. وفي الواقع أن التقسيم، أو بالأحرى تكييف العمل لذكاء الناس المختلف لا يفكر به المعمل. وعلى العكس عندما تحتاج عملية ما مهارة خاصة وثبات يد، فإن هذه العملية لا تطبق على العامل الماهر؛ لأن عملاً آخر لايناسبه يُعطى له، ويقوم بعمل ميكانيكي آخر يقوم به طفل صغير.

« إن مبدأ نهج المصنع هو – استبدال مهارة اليد بالعلم الميكانيكي – تفريق عملية لأقسامها  الضرورية، بالنسبة لتقسيم وإعطاء درجات العمل للعمال والمهنيين. ففي أيام الصناعة اليدوية كان الإنتاج يكلف كثيراً، ولكن بالطريقة الأوتوماتيكية (أي الآلة) نجد أن المهارة في العمل تتفوق ويستعاض عنها بأناس ينظرون إلى الآلات فقط ولا يعملون شيئاً بأيديهم. »

« ونرى أنه كلما كان العامل ماهراً، ورغم أنه قادر على أن يبدع في عمله، فإنه لن ينفع شيئاً طالما أن الآلة هي التي تقوم بالعمل عنه، ولذلك فهو يسبب خسارةً لكل المصنع إن عمل بمهارته. فالشيء المهم بالنسبة للصناعة الحديثة هو– إتحاد رأس المال والعلم – تخفيف مهارة العمال. »

« وبالنسبة لإيجاد درجات العمل نجد أن الرجل عليه أن يخدم في مهنته سنين عديدة قبل أن تصبح يده أو عينه ماهرة لكي تقوم بالعمل الآلي، ولكن لدى تقسيم العمل  إلى أعمال صغيرة جداً، أو لدى قيام الآلات بهذه الأعمال الصغيرة، نرى أنه لا يمكن تسليم هذه الآلة  لشخص معتدل في مهارته ويمكن مدير العمل استبداله متى شاء.أن هذا لا يتفق مع مبدأ تقسيم العمل في الماضي؛ إذ كان يوضع رجل لتهيئة رأس الدبوس وآخر لتنعيمه، هذا العمل البسيط المزعج طول الحياة… ولكن لدى تساوي العمال كلهم بوجود آلات تعمل بذاتها، فإن فن الشخص ومهارته يجب أن تخضع لتمرين خاص يناسب عمل الآلة.. وبما أن العمل هو الوقوف على آلة منظمة بذاتها فإنه يقدر أن يستلم عمله بمدة قصيرة، وعندئذ ينتقل من العمل على آلة للعمل على آلة أخرى، فإنه يبدل عمله ويوسع آراءه لأنه يفكر بهذه الأقسام المختلفة تنتج عن عمله وعمل رفاقه العمال. إذاً لنتخلص من النظرة الضيقة التي وصفت بها تقسيم العمل أنها تضيق أقف العامل،إن هذه النظرة الضيقة لا توجد بعد في حالة التوزيع العادل للصناعة… »

« إن هدف تحسين كل صناعة حتى تتفوق على العمل البشري، أو لكي تنقص من قيمته ولكي يستعيض تحسين الصناعة بعمل الرجال عن عمل النساء والأولاد أو بالأستغناء عن عمل المهنيين… وهذا الميل الذي يهدف لخلق أولاد بعيون يقظة، وبأصابع ماهرة عوضاً عن عمال مياومة ولهم إختبارات كبيرة يظهر لنا كيف أن الصناعيين المتنورين لم يطبقوا نظرية تقسيم العمل بالنسبة لدرجات المهارة ».

يقول لومتني « إننا نُعجب ونُدهش عندما نرى بين الأقدمين شخصاً يميزه عن غيره بأنه فيلسوف، وشاعر، وخطيب، ومؤرخ، وكاهن، وإداري وقائد جيش من الدرجة الأولى. إن أرواحنا تتألم لمثل هذا الحكم. وكل واحد منا يحصر نفسه في دائرة صغيرة، ويطلق النار على نفسه، ولا أدري إن كان هذا العمل يوسع العلم أو ينقصه ».

والصفة التي نطلقها على تقسيم العمل في المصنع الأوتوماتيكي هي أن العمل هناك فقد صفته في الإختصاص. ولكن عندما يقف كل نمو خاص فالحاجة للتعليم والميل لوجود نمو جديد للفردية يقود الثورة. إن المصنع الأوتوماتيكي يقضي على الإختصاصيين والمهنيين المجانين.

إن برودون – وهو لم يفهم هذه الناحية الثورية في المصنع الأوتوماتيكي – يأخذ خطوة للوراء ويقترح على العامل أنه لا يقوم فقط بالقسم الثاني عشر من صناعة الدبوس، لكنه يجب أن يعمل كل الأقسام الثانية عشرة. والعامل عندئذ يصل إلى فهم وإدراك صناعة الدبوس. وهذه هي نتيجة فكرة برودون – ولا أحد يعارض أنه لدى القيام بحركة للأمام وحركة للوراء، يعني القيام بحركة نتيجة فكرة.

ولنقل خلاصة، نقول أن برودون لم يكن إلا بورجوازياً صغيراً مثاليا. ولكي يحقق مثاليته ما كان يفكر إلا أن يرجعنا إلى العامل اليومي، وإلى المهنيين الإختصاصيين في القرون الوسطى. هذا ما يقوله في مكان ما في كتابه أنه يكفي أن يخلق  عملاً عظيما مرة في الحياة، وأنه يشعر أنه كان رجلا ولو مرة واحدة ! ليس هذا العمل العظيم هو الشيء الذي كانت تطلبه النقابات التجاريه في القرون الوسطى.

ميتافيزيك الاقتصاد السياسي
المنافسة والاحتكار

الناحية الصالحة للمنافسة: « المنافسة ضرورية للعمل، كتقسيم العمل، وضروريه لتقدم المساواة ».

الناحية الشريرة للمنافسة: « المبدأ هو نفي ذاته. ونتيجته الكبرى هي أنها تسبب خراب كل من يجري ورائه ».

الإنعكاس العام: « إن المساوىء التي تظهر عند بدء المنافسة كالناحيه الصالحة… وكلا الحالتين (الصالحة والشريرة) تصدر عن نفس المبدأ ».

الموضوع الذي يجب حله: « لكي نطبق مبدأ التناسب يجب أن نقتبسه عن قانون أعلى من الحرية ذاتها ».
« لا يمكن أن نوجد سؤالا ليهدم المنافسة، وهذا شيء مستحيل، إذ لا يمكن تهديم النافسة كما لا يمكن تهديم الحرية، علينا فقط أن نوجد تساوياً ».

 

يبتديء برودون ويدافع عن الضرورة الأبدية للمنافسة ضد هؤلاء الذين يريدون أن يستعيضوا عنها بالتناحر(وهؤلاء هم أتباع فورييه).

لا توجد « منافسة لا هدف لها ». وربما أن موضوع كل شعور وميل يشبه الشعور نفسه، مثلاً – امرأة بالنسبة للحب، القوة بالنسبة للطموح، الذهب بالنسبة للرجل الذي ينكر نفسه ويتعلق بشهواته ولذاته، والكيل الزهر بالنسبة للشاعر – إن موضوع التناحر الصناعي يعني بالضرورة الربح، والتناحر ليس إلا المنافسة ذاتها ». المجلد 1، صفحة 187.

إن المنافسة هي التناحر بالنسبة للربح. وهل التناحر الصناعي بالضروره تناحر بالنسبة للربح، أي المنافسة ؟ يبرهن برودون هذا القول لدى تأكيده. ونحن رأينا بالنسبة له أن التثبيت في القول هو البرهان، كما أن الإفتراض هو النكران.

إن كانت المرأة موضوع أو هدف المحب، فإن الإنتاج وليس الربح هو هدف التناحر الصناعي.

ليست المنافسة تناحرا صناعيا، إنها تناحر تجاري. ويوجد في وقتنا تناحر صناعي فقط في نظر التجارة. وتوجد أوقات في التاريخ الإقتصادي للأمم نجد كلاً يحاول أن يربح دون أن ينتج. إن هذه المحاولة لأجل الربح إذ تحدث في أوقات معينة، تحمل في ثناياها شخصية المنافسة، هذه المنافسة التي تحاول أن تتهرب من حاجة التناحر الإقتصادي.

لو أخبرت مهنياً في القرن الرابع عشر أن الإمتيازات، وأن التنظيم الإقطاعي الصناعي سيقضى عليهما، وسيستعاض عنهما بالتناحر الصناعي، الذي يدعى المنافسه، لأجابك أن إمتيازات الإتحادات التجارية العديدة والنقابات والجمعيات الأخوية، كانت عبارة عن منافسة منظمة. يبرهن برودون أنه يحسن هذا القول عندما يثبت أن التناحر ليس إلا المنافسة ذاتها.

« صدر مرسوم في كانون الثاني سنة 1847 يؤكد أنه سيضمن العمل والأجور للجميع، وحالاً بعد هذا سيتبع ركود هائل للصناعة » (المجلد 1، صفحة 189).

وعوض الإفتراض والنفي، حصل عندنا مرسوم وهو أن برودون سيبرهن عن ضرورة المنافسة، وخلودها كلائحة، إلخ.

إننا لن نخفف شيئاً من المصيبة إذا اعتقدنا أن المراسيم هي كل ما نحتاجه لكي نقضي علة المنافسة. وإذا كنا نتخيل كثيراً، ونقترح أن نقضي على المنافسة بينما نضيف على الأجور، فنكون كأننا نقترح لا شيء لدى استعمال مرسوم ملكي. لكن الأمم لا تقوم على المراسيم الملكية. وقبل تهيئة هذه المراسيم، يجب أن تكون قد حوت وتضمنت من عاليها لسافلها شروط وجودها الصناعي والسياسي، وبالنتيجة يجب أن تبدل كيانها الملكي.

يجيب برودون – بتأكيده الثابت – إن هذه ليست إلا فرضية « تحويل طبيعتنا دون مقدمات تاريخية »، وأنه محق « عندما يبعدنا ويجردنا عن النقاش »؛ لأننا لا نعرف شيئا عن المراسيم.

لا يعرف برودون أن التاريخ كله ليس إلا تحويلاً مستمراً للطبيعة البشرية.

« دعنا نتعلق بالواقع. قامت الثورة الفرنسية لأجل الحرية الصناعية، كما أنها قامت لأجل الحرية السياسية، رغم أن فرنسا سنة 1789، لم تدرك – لنقل هذه الكلمة بصراحة – كل نتائج البدأ الذي طلبت تطبيقه. ولن أنازع أبدا من يقوم ضدي ويقول أن مبدأ 25 مليوناًً من الناس كان مبدأ خاطئاً… لماذا إذن المنافسة مبدأ للإقتصاد الإجتماعي مرسوما للمصير، وحاجة للروح البشرية، لماذا عوضاً أن نقضي على الإعتمادات الكبرى والنقابات والأخويات، لماذا لا يفكر كل واحد أن يصلح الجميع ؟ (المجلد 1، صفحة 191-192(.

وهكذا، بما أن فرنسا القرن الثامن عشر قضت على الأتحادات الكبرى، والنقابات والأخويات عوضاً عن إصلاحها وتكييفها، فإن فرنسا القرن التاسع عشر يجب أن تكيف المنافسة وتصلحها عوضاً عن القضاء عليها. وبما أن المنافسة تأسست في فرنسا، في القرن الثامن عشر كنتيجة للحاجات التاريخية ،فيجب أن لا تهدم هذه المنافسة في القرن التاسع عشر من جراء وجود حاجات تاريخية أخرى. إن برودون – وهو يعرف أن تأسيس المنافسة كان مرتبطاً بتطور الناس في القرن الثامن عشر– يجعل المنافسة ضرورة للروح البشرية في Partilus infidelium (أرض ناكري الجميل) وماذا كان يريد أن يصنع بكولبرت القرن السابع عشر العظيم ؟

إن مشاريع وأعمال الدولة الحاضرة تأتي بعد الثورة. ويستنتج برودون وقائع منها ليظهر خلود المنافسة، ببرهانه إن كل الصناعات هي في حالة انحطاط وتقهقر.

ولنقل أنه توجد صناعات لم تصل بعد درجة المنافسة، وأن بعض الصناعات لا تزال تحت مستوى الإنتاج البورجوازي. إن هذا القول ليس إلا مقدرا لا يقدم لنا ولو برهانا صغيراً على خلود المنافسة.

إن منطق برودون يقود إلى هذا: المنافسة هي علاقة إجتماعية نطور بها قوانا الإنتاجية. إنه لا يعطي لهذا الحق نمواً وتطوراً منطقياً، بل يعطي اشكالاً – غالبا تكون نامية ومتطورة – عندما يقول أن المنافسة هي احتكار صناعي وهي حرية العصر الحاضر، وهي مسؤولية في العمل، وهي تشكل القيمة، وشرط من شروط تقدم المساواة ومبدأالإقتصاد الإجتماعي، ومرسوم يقرر المصير، وضرورة للروح اليشرية، وإلهام العدل الأبدي، والحرية في التقسيم والتقسيم في الحرية، وهي لائحة إقتصادية.

« إن المنافسة والتجمع لا تساند الواحدة الأخرى، وليستا مفترقتين، وكل من يتكلم عن المنافسة يفترض حالا هدفاً عامَاً. فالمنافسة إذن ليست أنانية. وخطيئة الإشتراكية الكبرى هي افتراضها أن المنافسة تهدم الجميع ». (المجلد 1، صفحة 223).

كل واحد يتكلم عن المنافسة يقصد هدفا عاماً، وهذا يبرهن أن المنافسة هي التجمع، وأنها ليست أنانية. ومن يتكلم عن الأنانية،الا يقصد هدفا عاماً ؟ إن كل أنانية تعمل في المجتمع وبواقع المجتمع. وهي تفترض مسبقاً المجتمع؛ أي تفترض أهدافاً عامة، وحاجات عامة، ووسائل إنتاج عامة إلخ… ألا يكون عندئذ أن المنافسة والتجمع – الذي يتكلم عنه الإشتراكيون – غير مفترقين.

يعرف الإشتراكيون جيدا أن مجتمع الوقت الحاضرمبني على المنافسة. فكيف يقدرون اتهام المنافسة أنها تهدد المجتمع الحاضر، بينما يعمل الإثنان على تهديم يعضهما ؟ وكيف يقدرون أن يتهموا المنافسة أنها تهدم المجتمع الذي سيأتي ؟ إذ يرون في هذا المستقبل  – على العكس – أنه يهدد المنافسة.

يقول برودون أن المنافسة معاكسة للإحتكار، وهكذا لا تكون ضد المجتمع.

كانت الإقطاعية – من أصلها – مناقضة للملكية البطريركية، وهكذا لم تكن تناقض المنافسة التي لم تكن موجودة بعد. فهل من هذا أن النافسة لا تناقض الإقطاعية ؟

في الواقع أن المجتمع – والتجمع – هما مخارج تمثل كل مجتمع آخر، تمثل المجتمع الإقطاعي، كما تمثل المجتمع البورجوازي الذي هو تجمع قائم على المنافسة. فكيف يمكن أن يكون هناك إشتراكيون – فقط بوجود كلمة تجمع – يعتقدون أنهم يقدرون أن يدحضوا المنافسة ؟ وكيف يقدر برودون نفسه أن يدافع عن المنافسة الإشتراكيين، إذ يصف المنافسة بكلمة تجمع ؟

إن كل ما قلناه يشكل الناحية الجميلة للمنافسة، كما يراها برودون. فكيف ننتقل إلى الناحية الشريرة – الناحية السلبية – للمنافسة، ولمساوئها ولناحيتها الهدامة، ولصفاتها المؤذية ؟

إن الصورة التي يراها برودون هي صورة قاتمة.

إن المنافسة تخلق التعاسة والشقاء، وتسبب الحرب المدنية، إنها« تغيرالمناطق والطبيعة »، وتمذج القوميات، إنها تسبب المشاكل عند العائلات وتخرب الرأي العام، إنها « تقلب أفكار الحرية والمساواة » والأخلاق وتهدم التجارة الحرة الشريفة ولا تقدم عوضا عنها قيمة ناتجة، وسعراً ثابتا وشريفا. إنها تخدع نظر كل شخص، حتى أنها تخدع الإقتصاديين. إنها تدفع الأشياء بعيدا حتى تهدم ذاتها.

إن برودون بعد كل ما يقول عنها من شر، أيمكن أن يكون هناك شيء أكثر ضررا وتخريبا من المنافسة على علاقات التجمع البورجوازي وعلى مبادئه وخيالاته ؟

يجب أن يلاحظ جيداً أن المنافسة تصبح دوماً المهدمة الكبرى لعلاقات البورجوازية؛ لأنها تشجع على خلق قوى إنتاجية جديدة؛ أي خلق أحوال مادية لتجمع جديد. وفي هذا المجال على الأقل، نجد أن الناحية السيئة للمنافسة لها نقاطها المفيدة.

« إن المنافسة كنقطة إقتصادية هي نتيجة ضرورية لنظرية نتقيص وتخفيض المصاريف العامة ». (المجلد الأول، صفحة 235(.

إن دوران الدم يجب أن يكون بالنسبة لبرودون نتيجة لنظرية هارفي.

« الإحتكار هو النهاية المتوقعة للمنافسة، والمنافسة تخلق الإحتكار بنفي مستمر لذاتها، إن خلق هذا الإحتكار هو بحد ذاته تبرير له… إن الإحتكار هو التناقض الطبيعي للمنافسة، ولكن بما أن المنافسة ضرورية، فأنها تنطبق وتستعمل فكرة الإحتكار بما أن الإحتكار مقعد كل فردية منافسة ». (المجلد الأول، صفحة 236-237(

نحن نفرح مع برودون إذ يقدر ولو مرة على الأقل أن قاعدته بخصوص الفكرة Thesis والفكرة المناقضة Antithesis وكل واحد يعرف أن الإحتكار الحديث يتكون يواسطة المنافسة ذاتها.

إن برودون يتمسك بصورة شعرية، إن المنافسة المصنوعة « من كل تقسيم صغير للعمل هي نوع من السلطة، إذ يتمسك بها كل فرد بقوته واستقلاله ». والإحتكار هو « مقعد كل فردية منافسة »، والسلطة تستحق هذا المقعد أكثر من غيرها.

إن برودون لا يتكلم عن شيء إلا عن الإحتكار الحديث الذي توجده المنافسة. ولكن كلنا يعلم أن المنافسة قد أوجدها الاحتكار الاقطاعي وهكذا فالمنافسة كانت في الأصل مناقضة للاحتكار وليس الاحتكار هو الذي كان مناقضا لها. وهكذا ليس الاحتكار الحديث فكرة بسيطة معاكسة، بل على العكس هو نتيجة الفكرة الحقة.

الفكرة: الاحتكار القطاعي قبل المنافسة.

الفكرة المعاكسة: المنافسة.

نتيجة الفكرة: إن الاحتكار الحديث هو نفي الاحتكار الاقطاعي طالما أنه يطبق قاعدة المنافسة ونفي المنافسة طالما أنه احتكار.

وهكذا فالاحتكار الحديث، الاحتكار البرجوازي هو احتكار نتيجة الفكرة أي نفي النفي أي اتحاد المتناقضات، إنه الاحتكار في الحالة المنطقية والطبيعية والصافية.

يناقض برودون فلسفته عندما يقلب الاحتكار البرجوازي إلى احتكار بدائي ومتناقض. إن السيد روسي الذي يعود إليه برودون مرات في موضوع الاحتكار – يظهر أنه يفهم أكثر نتيجة الفكرة للاحتكار البرجوازي –. وفي كتابه « بحث الاقتصاد السياسي » يميز بين الاحتكار الصناعي والاحتكار الطبيعي. ويقول إن الاحتكار الاقطاعي اصطناعي والاحتكار البرجوازي طبيعي منطقي.

إن الاحتكار شيء جيد – يحلل برودون – طالما أنه لائحة اقتصادية أو أنه انبثاق « عن الحقيقة الانسانية غير الشخصية ». والمنافسة مرة أخرى، شيء جيد طالما أنها أيضا لائحة اقتصادية. لكن الحقيقة هو أن المنافسة والاحتكار هما شيئان عاطلان. والأسوأ هو أن المنافسة والاحتكار يبتلعان بعضهما. فماذا يجب ان نفعل ؟ فتش عن نتيجة الفكرة لهاتين الفكرتين الخالدتين وانتزعهما من صدر الله إذ أنها بقيت هناك من زمان لا يحد.

لا نجد في الحياة الواقعية التناقض بين المنافسة والاحتكار بل نجد نتيجة تناقض الاثنين، وليس هذا التناقض قاعدة لكنه حركة، الاحتكار ينتج المنافسة، والمنافسة تنتج الاحتكار. الاحتكارات تصنعها المنافسة، والمنافسون يصبحون محتكرين، وإذا ضيق المحتكرون على منافستهم الودية بوسائل تجمعات جزئية، فإن المنافسة تزداد بين العمال، وكلما نمت جماعة البروليتاريا ضد الاحتكارات في أمة كلما رأينا أن المنافسة تصبح بائسة وضعيفة بين المحتكرين في أمم مختلفة. إن نتيجة الفكرة تقول إن الاحتكار يقدر أن يظهر ذاته فقط عندما يدخل في صراع مع المنافسة.

ولكي نسهل انتقال ديالكتيك للضرائب التي تأتي بعد الاحتكار، يكلمنا برودون عن العبقرية الاجتماعية التي تمشي وهي تتخبط لتصل زاوية الاحتكار، وتلقي ورائها نظرة بؤس وحزن وتهاجم بعد تفكير عميق كل المنتوجات إذ تفرض ضرائب وتخلق منظمة إدارية كاملة حتى تقدم كل الخدمات للبروليتاريا ولتدفع حقوق رجال الاحتكار. (المجلد الأول، صفحة 284-285(.

وماذا نقدر أن نقول عن هذه العبقرية التي تسير بسرعة وتميل لليمين والشمال ؟ وماذا نقدر أن نقول عن هذا السير الذي لايهدف إلا للقضاء على البرجوازي بفرض الضرائب بينما الضرائب هي الوسائل الوحيدة الحقة التي تعطي البرجوازي لحظة من الوقت ليحتفظ بنفسه كطبقة حاكمة ؟

ومجرد إلقاء نظرة على الطريقة التي يصف بها برودون التفاصيل الاقتصادية يكفينا أن نقول – بالنسبة له – أن الضريبة على الاستهلاك تأسست بالنسبة للمساواة لكي تخفف الظلم الملقي على البروليتاريا.

لقد حققت الضريبة على الاستهلاك نموها الحقيقي منذ قيام البرجوازية وهي في يد الرأسمالي الصناعي، أي وهي كثروة اقتصادية تنتج وتزيد ذاتها باستغلال مباشر للعمل فإن الضريبة على الاستهلاك كانت وسيلة لاستغلال ثروة الأسياد الذين لم يفعلوا شيئا إلا الاستهلاك، ولقد حقق جيمس ستيوارت هذا الهدف الرئيسي للضريبة على الاستهلاك في كتابه « بحث مبادئ الاقتصاد السياسي » الذي نشره عشر سنوات قبل آدم سميث.

« في نظام الملكية المطلقة تجد الامير حسوداً من الثروة النامية وهكذا يضع الضرائب على الناس الذين تزداد ثروتهم. وفي نظام الحكومة المقيدة تحسب الضرائب على على هؤلاء الذين يصبحون فقراء بعد ان كانو اغنياء وهكذا فالملك المطلق يضع ضريبة على الصناعة وتوضع هذه الضرائب على نسبة أرباح كل شخص يفترض انه يربحها بمهنته وعمله. فالضريبة اذن تناسبية ال تصاعدية… أما في الحكومات المقيدة، نجد ان فرض الضريبة تكون عاى الاستهلاك ». (المجلد 22 صفحة 190-191).

وبالنسبة للنتيجة المنطقية للضرائب ولميزان اتجارة والرصيد، حسب مفهوم برودون – نلاحظ أن البرجوازي الانكليزي عندما حصل على دستوره أيام حكم وليام أورانج، خلق طريقة جديدة للضريبة – ضريبة الرصيد العام وطريقة الجمارك المانعة – حالما استطاع البرجوازي أن يحقق هذا الهدف.

تكفي هذه الخلاصة القصيرة أن نقدم للقارئ فكرة حقة، فيما يتعلق بالضريبة وميزان التجارة، وبالرصيد وبالشيوعية والسكان، ونحن نتحدى النقد لكي ندرس هذه الفصول برزانة.

« السابق التالي »