بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن الثورة المضادة والإسلاميين.. دعوة لفتح النقاش

أثار بيان الاشتراكيين الثوريين الأخير “مرة أخرى حول الإرهاب والاصطفاف الوطني” ردود فعل غاضبة ورافضة متنوعة. بعض ردود الفعل هذه أخذت شكل الشتيمة والعبارات المسيئة والاستهزاء ليس فقط بمضمون البيان بل بحركة الاشتراكيين الثوريين بشكل عام. وقد أثار ذلك ردود فعل غاضبة ومسيئة من بعض كوادر حركتنا. هذه الورقة تحاول تجاوز كل ذلك للدخول في القضايا السياسية الملحة. فالدخول في مبارايات من الردح والردح المضاد لا مردود سياسي منها. وإن كان للبيان السياسي بما فيه البيان الأخير من هدف فهو محاولة طرح موقف قابل بالطبع للنقاش بل والسجال، أما الهجوم غير المبدئي بل والتحريض على الاشتراكيين الثوريين، فنحن كتنظيم وحركة لا نتفاعل معه إلا بالتجاهل ومحاولة شد النقاش إلى الأرضية السياسية. وإذا كان البعض منا قد أدى به الغضب والانفعال لاستخدام أساليب غير سياسية فهذا أيضاً مرفوض ويجب تجاوزه.

أما الانتقادات السياسية لبعض ما جاء في البيان فبالطبع علينا التفاعل معها بل نرحب بها كجزء من نقاش نحتاج له جميعاً في اليسار المعادي للديكتاتورية العسكرية، داخل وخارج صفوف الاشتراكيين الثوريين.

هذه الورقة مجرد محاولة لشرح المواقف التي يطرحها البيان ولتوضيح النقاط التي يبدو أنها أثارت سوء فهم لدى البعض.

1- البيان لم يطرح أن محاولة بناء طريق ثالث معادي للديكتاتورية، ومنفصل ومستقل عن الإخوان وأتباعهم، هو بأي شكل من الأشكال تأييد ضمني للديكتاتورية. بل أننا كتنظيم شاركنا في كل المحاولات التي طرحت لبناء مثل هذا البديل الثالث (من المحاولات الأولى للميدان الثالث وحتى جبهة ثوار). فمن العبث إذاً أن نتهم اليوم من حاول أو يحاول بناء ذلك الطريق أو البديل الثالث بمهادنة أو مساندة الديكتاتورية العسكرية. ربما لم تُشرح هذه النقطة بالشكل الكافي في ذلك البيان القصير وربما أراد البعض تفسيره على هذا النحو.

2- البيان يطرح أن من يقف في منتصف الطريق بين العسكر والإخوان، أي من يعتبرهما على نفس الدرجة من الخطورة ويساوي في العداء تجاههما، بمنطق أنهما وجهان لعملة واحدة أو جناحين من نفس الثورة المضادة، من يتبنى هذا الطرح ويدعي على هذا الأساس بناء طريق ثالث فهو ضمنياً يساعد ويساند الديكتاتورية العسكرية.

3- إذا استخدمنا اللغة القديمة التي كان يستخدمها أجيال سابقة من اليسار، يجب تحديد “التناقض الرئيسي” والتناقض الثانوي! ما نطرحه في البيان بتلك اللغة أو المنهج القديم هو أن عدونا الرئيسي اليوم بعد عامين من الانقلاب هو الديكتاتورية العسكرية وليس الإخوان المسلمين ولذا يجب التوقف عن التعامل مع الطرفين بنفس المنطق!

4- هذا لا يعني على الإطلاق أننا نطرح اليوم ضرورة أو إمكانية أو صحة التحالف مع الإخوان المسلمين. بل أنه على أي كيان ثوري أن يوضح بما لا يدعو للشك أن معركته اليوم هي في مواجهة الديكتاتورية العسكرية الحاكمة. هذا بشكل مستقل تماماً عن الإخوان المسلمين، وواعي تماماً لطبيعتهم غير الثورية بل ولخيانتهم التاريخية للثورة المصرية والتي سبقت مباشرةً خيانة غالبية الناصريين والليبراليين واليساريين للثورة في المرحلة التالية.

5- صحيح أن الإخوان خانوا الثورة المصرية فور سقوط حسني مبارك بالتحالف المباشر مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصحيح أن الإخوان عندما وصلوا للسلطة، ولو شكلياً من خلال الانتخابات خانوا آمال ومطالب الجماهير ومطالب الثورة بل وأنقذوا نفس النظام بأجهزته الأمنية الذي يقوم بذبحهم الآن.

6- صحيح أيضاً، لمن لا يريد أن يتذكر، أن الاشتراكيين الثوريين ظلوا في مقدمة صفوف المعارضة لمرسي والإخوان طوال سنة رئاسته وشاركوا في كافة الفعاليات المناهضة للإخوان وللفلول والعسكر في نفس الوقت.

7- ولكن الوضع قد تغير الآن. إن من يتهمنا بأننا لم نتجاوز عام الثورة 2011، في واقع الأمر هم أنفسهم قد توقف بهم الزمن في النصف الأول من 2013. إذا كان شعار “يسقط كل من خان – عسكر فلول إخوان” مفهوماً في تلك الفترة مع محاولات الإخوان مشاركة العسكر والفلول في السلطة، فهو يصبح اليوم في النصف الثاني لـ 2015 شعاراً فارغاً من أي معنى، بل أنه، وربما هذا ما أثار غضب البعض، شعاراً مضللاً يساند ضمنياً الديكتاتورية العسكرية. فهو يساوي بين من يُقتلون ويُعذبون ويُعتقلون ويُحكم عليهم بالإعدام وبين أعنف وأقذر ديكتاتورية عسكرية فاسدة عرفها التاريخ المصري الحديث. هذا ليس طريقاً ثالثاً. هذا استسلام تام للواقع الحالي يؤدي عملياً للشلل التام وضمنياً للوقوف مع المنتصر. السياسة، خاصةً في ظروف كهذه، لا تعرف الحياد.

8- يخلط البعض بين تصورنا المطروح في البيان موضوع النقاش وبين تحليلنا التاريخي الاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين. هذه الورقة لن تتناول شرح تفصيلي لهذا التحليل، وتطوره عبر مراحل مختلفة منذ تسعينات القرن الماضي. ولن نختلف مع من يطالب بضرورة تطوير ذلك التحليل مع تغيير الظرف السياسي والتاريخي. ولكن هناك خطوط عريضة دائماً ما يُساء فهمها في ذلك التحليل، أحيانا بحسن نية وأحياناً لأسباب أخرى. ربما من المفيد هنا إعادة طرح هذه الخطوط العريضة من المحتمل أن تزيل بعض سوء الفهم والاحتقان.

9- نحن نرفض بالطبع ذلك التحليل الذي يبدو أنه أصبح مهيمناً لدى الكثيرين (يا فرحة رفعت السعيد) والذي يصف الحركة الإسلامية عموما وبما فيها الإخوان المسلمين كحركة فاشية. أولاً لفرق السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي. فالفاشية مصطلح استخدم لوصف حركات ظهرت ونمت سريعاً في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، بعد فشل موجة من الثورات العمالية. استغلت تلك الحركات حالة الذعر لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى حول خطورة الثورة وأنها لم تؤدِ إلا للفوضى وحول ضرورة قمع الحركات الثورية وبالذات العمالية. (في واقع الأمر وعلى المستوى الشكلي، فنظام السيسي والتعبئة التي قام بها أقرب كثيراً للفاشية التاريخية من الحركة الإسلامية والإخوان).

10- تنظيرة أن الإخوان نوع من الفاشية الدينية كانت ومازالت مجرد تبرير فكري سطحي لتأييد قطاعات من اليسار التقليدي ومعهم الآن الناصريين والليبراليين ليس فقط لانقلاب السيسي بل لحكم العسكر، وللثورة المضادة، ولقمع الحركة الإسلامية، ولكل من يقف عقبة أمام مشروع السيسي بصفته مدافعاً عن أو متحالفاً مع الفاشية الدينية.

11- هناك تياراً آخر في اليسار، يرفض وصف الحركة الإسلامية بالفاشية ولكنه يراها لا تقل خطورة عن الحكم العسكري الذي يمثله السيسي. والفكرة بالنسبة لذلك التيار يمكن تلخيصها كالتالي: إننا بالطبع ضد الديكتاتورية العسكرية، وبالطبع نريد النضال ضدها من أجل أهداف ديمقراطية واجتماعية، أهداف الثورة المصرية في 25 يناير 2011. وبالطبع نرى أن ما يحدث في مصر تحت حكم السيسي هو ثورة مضادة بامتياز، ليس فقط إزاحة للإخوان من المشهد السياسي بل تفكيك وتدمير الثورة المصرية من جذورها. ولكن بسبب خيانة الإخوان المسلمين للثورة وبسبب رجعيتهم وبسبب تبنيهم لنفس سياسات مبارك وبسبب تحالفاتهم مع السلفيين وبسبب طائفيتهم، بسبب كل ذلك، يجب أن تكون معركتنا ضد الديكتاتورية ليس فقط مستقلة عن معركة الإخوان ضد النظام، بل يجب علينا خوض معركتين في آن واحد. ضد ما يمكن تسميتهم جناحي الثورة المضادة: جناح الديكتاتورية العسكرية وجناح الرجعية الدينية ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين وحلفاؤه.

12- نحن بالطبع نعتبر هؤلاء رفاقاً لنا في المعركة ضد الديكتاتورية العسكرية حتى وإن كنا نختلف معهم بشدة حول فهم طبيعة الحركة الإسلامية وحول فهم طبيعة المشهد السياسي الحالي. بل نرى خطورة شديدة في موقفهم هذا تؤدي في نهاية المطاف للاصطفاف الضمني مع الديكتاتورية العسكرية سواء بالعجز والشلل وبالتالي الوقوف كالمتفرج على المعركة، أو القبول بالواقع وانتظار نتيجة المعركة. أي أنه، مع سحق الحركة الإسلامية سيأتي دور المعارضة المدنية ومنها اليسارية في مواجهة الديكتاتورية.

13- ولكن كما رأينا خلال العامين اللذين مرا منذ الانقلاب، فكل خطوة في سحق الإخوان المسلمين تضيق من الحيز السياسي للجميع وتمهد لتوسيع نطاق القمع ليشمل الجميع. وبالتالي فالسكوت عن قمع الإخوان، أو عدم اعتبار الدفاع عنهم في مواجهة بطش الديكتاتورية جزء لا يتجزء من النضال من أجل الديمقراطية ومن أجل استعادة الثورة المصرية هو خطأ استراتيجي، أدى ويؤدي إلى تهميش المعارضة اليسارية للديكتاتورية.

14- عندما نصف نحن حركة الإخوان المسلمين كحركة إصلاحية، فنحن لا نرجع ذلك لمعايير الحركات الإصلاحية في الغرب الرأسمالي كالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على سبيل المثال. فالسياق التاريخي مختلف كما في حالة الفاشية، وجذور الإخوان في صفوف الطبقات الوسطى المتعلمة، خاصة في المدن، بما فيها المدن الإقليمية، في حين الاشتراكية الديمقراطية الغربية جذورها في بيرقراطية النقابات العمالية وهي أيضاً جزء من الطبقة الوسطى ولكن سياق تكوينها وارتباطها بالقواعد النقابية يجعلها ظاهرة مختلفة نوعياً عن ظاهرة الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين.

15- ولكن بعض صفات الحركات الإصلاحية تنطبق على حركة مثل الإخوان المسلمين. فالتكوين الاجتماعي للحركة، بما في ذلك غالبية قياداتها، من الطبقة الوسطى المتعلمة، وهي طبقة مهيمنة أيديولوجياً على قطاعات واسعة ليس فقط من الشرائح المختلفة للطبقة الوسطى ولكن أيضاً، ومن خلال العمل الخيري على قطاعات لا يستهان بها من الفقراء والطبقة العاملة. وفي ذات الوقت تبلور تواجد لا يستهان به لذلك التنظيم الجماهيري في أوساط البرجوازية التجارية وإن كان تمثيلها في البرجوازية الكبيرة في مصر هامشياً.

16- هذا التكوين العابر للطبقات، ولكن ذو العمود الفقري التنظيمي في صفوف الطبقة الوسطى المتعلمة، يجعل الإخوان المسلمين تنظيماً شديد التناقض. فمن جانب تدفعه قطاعات من جذوره لمواجهة أكثر جذرية مع النظام، في حين تدفعه قطاعات من الطبقة الوسطى التقليدية والبرجوازية إلى البحث عن أرضية مشتركة مع النظام. هكذا تحرك الإخوان المسلمون على الأقل في العقود الثلاث الأخيرة في حالة تذبذب دائم بين المهادنة والمواجهة. بين تحدي النظام والتعبئة ضده وبين محاولة الوصول لصفقات لمشاركة أوسع مع نفس النظام.

17- أداء الإخوان المسلمين خلال سنوات الثورة والثورة المضادة يؤكد هذه الطبيعة المتناقضة والمتذبذبة لهم. هم حركة بالتأكيد غير ثورية وغير قادرة على التعبئة الثورية بل تخاف مثل تلك التعبئة، وقي ذات الوقت يدفعها تكوينها الاجتماعي أن تشارك في معارضة النظام، ليس فقط حول الأجندات الرجعية للطبقة الوسطى التقليدية بل أيضاً حول قضايا مثل الديمقراطية والفساد والاستبداد والظلم الاجتماعي وإن كان بلغة ومفردات مبهمة. والإبهام هنا يأتي كنتيجة منطقية لمحاولة التعبير عن كيان متناقض على المستوى الطبقي.

18- هذا بشكل شديد الاختصار وبهدف فقط توضيح بعض ما أثار سوء الفهم في البيان، هو سبب اعتبارنا الإخوان المسلمين حركة إصلاحية تقف عقبة أمام استكمال الثورة، كأي تنظيم إصلاحي ولكنها ليست مجرد جناح من جناحي الثورة المضادة.

19- لا يعني كل ما سبق الدعوة للتحالف مع الإخوان المسلمين. ولكنه يعني بالتأكيد الدفاع عن كوادرهم ومؤيديهم من بطش الثورة المضادة. ويعني بالتأكيد الوضوح الدعائي والعملي أن عدو الحركة الثورية في مصر هو النظام العسكري الديكتاتوري الحاكم. ويعني بالتأكيد أننا بحاجة لبناء جبهة ثورية جديدة متجاوزة لفوبيا الإسلاميين ومستعدة لتجاوز هستيريا المجابهة العلمانية الإسلامية المجردة. هدفنا بناء جبهة ثورية واسعة لا تضم الإخوان المسلمين ولكنها منفتحة للعمل المشترك والاصطفاف المشترك مع شباب الإسلاميين الذين يواجهون آلة القمع العسكرية بشكل يومي. ومن غير المطروح ولو للحظة التخلي عن نقدنا المبدئي لمواقف الحركة الإسلامية الرجعية أو المهادنة ولاستقلالية شعاراتنا ومواقفنا وراياتنا وتنظيماتنا.

20- كل ما سبق هو مجرد دعوة لنقاش الفكرة بكل أبعادها. ليست هجوماً إلا على من خانوا الثورة يساريون كانوا أو إسلاميون. أما لكل من يريد حقاً العمل الشاق والدؤوب والطويل لإسقاط الديكتاتورية العسكرية والعودة لأهداف ثورة يناير، فليس لنا تجاه هؤلاء سوى التقدير والاحترام والرغبة في العمل المشترك. لنتجاوز حالة الاحتقان والإهانات المتبادلة، ولنبدء في النقاش والبناء. فالوقت ليس في صالحنا.

المكتب السياسي – حركة الاشتراكيين الثوريين
24 يوليو 2015