بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ذاكرة الثورة لن تموت

في مارس 2011، نشرت جريدة “الاشتراكي” مقالة رائعة بعنوان “الحزب الثوري حياة أو موت“، واليوم أكتب أن الحزب الثوري هو حياة الثورة حتى بعد إن مات أفرادها، فالثورة لا تموت. لعل من أهم أدوار الحزب الثوري هو أن يقوم بدور “ذاكرة الثورة”، وبدون هذه الذاكرة سيكتب التاريخ بيد واحدة؛ هي يد المنتصر. والآن ونحن تحت أشد وطأة لضربات الثورة المضادة، لا نريد أن يكتب التاريخ بيد أعدائنا، لا نريد أن يكتب تاريخ ثورة يناير بيد ثوار (سابقين) باعوا أو خانوا، أو بيد توفيق عكاشة وأمثاله.

فعلى سبيل المثال، غيّر إبراهيم عيسى شهادته عن أحداث يناير ملعناً أن الشرطة لم تطلق النار على المتظاهرين؛ ليهلل أنصار الدولة القديمة والساعين لعودتها في بدلة السيسي ويعلن وزير التموين في حكومة 3 يوليو، تلك الحكومة التي جاءت بعد أن جلست جبهة الإنقاذ لتمثل “ثورة يناير” إلى جوار المؤسسات الدينية وأحد أكثر الأحزاب الدينية رجعية في مصر (حزب النور) وتحت قيادة المؤسسة العسكرية لتعلن تنفيذ خارطة طريق وتدعو لانتخابات مبكرة ودستور جديد؛ ليعلن وزير التموين أن “ثوار يناير خونة وعملاء وثورة يناير كانت مؤامرة أحيكت ضد مصر من الإخوان الإرهابيين وقطر”. ورداً على هذا تعلو أصوات الثوار على صفحات التواصل الاجتماعي مدافعين عن ثورتهم.. هل هذا يكفي؟!

الإجابة: بالطبع لا إطلاقاً.. يجب أن يكون هناك حزب ثورياً حقيقياً من أولوياته كتابة تاريخ الثورة. هذه الحالة العبثية تعيد إلى الأذهان مشهد أنور السادات واقفاً في البرلمان، عام 1977، يصف “انتفاضة الخبز” بـ”ثورة الحرامية”.

كانت الانتفاضة في يناير أيضاً، وكانت دوافعها المباشرة اجتماعية بالأساس؛ حيث رفع السادات الدعم وزادت الأسعار، واتسمت الانتفاضة أكثر ما اتسمت بـ”العفوية”، في ظل غياب قيادات بارزة توُجهها وترشدها. هُزمت الانتفاضة سريعاً لتتحول من “انتفاضة الخبز” إلى “ثورة الحرامية”، كما كان يصفها الإعلام آنذاك. انتفض المصفقون في البرلمان للسادات، وامتلأت المعتقلات، وبحكم كوني من مواليد الثمانينات لم أسمع عنها إلا عندما صادفت – أثناء الدراسة بالجامعة – أغنية الشيخ إمام “كل ماتهل البشاير من يناير كل عام”.

لم يحرص الثوار على تأريخ وكتابة ثورتهم وأحداثها وتفاصيلها الدقيقة، بل أن الثابت من كل البيانات المتبقية من تلك الفترة أن كل الأحزاب مدعية اليسارية والشيوعية أو الثورية تنصلت من الثوار وأدانت الثورة، فانتهت تلك الانتفاضة إلى سطور في أغاني الشيخ إمام وذكرى فى عقول من عاشوها، الذين نجوا من بطش السلطة سواء بالهروب إلى خارج مصر أو إلى أحضان الدولة وأدانوا الثورة ثم ادعوا أنهم يساريين ومثلوا دور المعارضة أيام الديكتاتور “مبارك”.

إليكم مثال آخر أشد قبحاً ولكن هذه المرة في فبراير 1986، حين هبت انتفاضة جنود الأمن المركزي ضد قرار إطالة مدة التجنيد إلى 4 سنوات وضد تخفيض الرواتب. قمع الجيش الانتفاضة بعنف، وانطلق جنود الجيش ينقضّون على المتمردين، وبحسب الشهادات كانت طائرات الهليكوبتر تتصدى لهم، وفي أسيوط قُمع معسكر الأمن المركزي هناك ولا يعلم أحد كم عدد ضحايا الذين سقطوا يومها، بل وكوفئ محافظ أسيوط آنذاك، زكي بدر الدين، على ذلك وصار وزيراً للداخية بعدها، ويذكره تاريخ المنتصر – الدولة – على أنه من تصدى لـ”الإرهاب” في التسعينيات، في حين أنه جاء في هذا المنصب بعد قمعه لانتفاضة جنود الأمن المركزي الفقراء.

السؤال هنا؛ كم من الشعب المصري يعلم عن هذه المذبحة؟ من يتكلم عنها؟

الإجابة تتكرر: لا أحد.. لذا فإن حزباً ثورياً يخزّن تجارب وتاريخ النضالات الجماهيرية ويستخلص دروسها لهو ضرورة لا غنى عنها في اللحظة الراهنة، ليس فقط من أجل تكثيف بخار الثورة في ماكينة واحدة تدفع الثورة من أجل الانتصار، ولكن أيضاً من أجل أن نكتب بأيدينا تاريخ ثورتنا.. أن نكتب نحن حقيقة ما حدث، من مات ومن عاش، ومن قَتل ومن قُتل، ومن ضحى ومن خان، ومن بقى إلى آخر رمق يدافع عن الثورة ومن قرر الهروب من المعركة.. هذه حكايتنا ولن يرويها غيرنا.