بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ما بين مصطفى خميس والواقع المعاصر «علاقة نسب»

(1)
“قاضي عسكري إخواني يصدر حكمًا بالإعدام على عاملين أضربا واعتصما وهتفا مع زملائهم للمطالبة بحقوقهم”.

ليس أكثر من هذا مشهد درامي يعبر عن واقعنا المعاصر، فربما لو حاول كبار الروائيين كتابته آلاف المرات لن يكون بهذا الإتقان والتحليل المرتب لما مرت به ثورة يناير على أيدي العسكر والجماعة، وما تغمدته بسبب تحالفاتهم من قبل.

نعم كان عمال كفر الدوار عام 1952 يطالبون بحقوقهم، وحُكم عليهم عسكريًا بالإعدام، بمباركة إخوانية. ليس هذا فقط، بل كان حكمًا علنيًا أذيع على مرأى ومسمع من آلاف العمال، ليكون المعدوم عبرة وعظة لكل من يحاول تكرار لتجربة والخروج للمطالبة بحق أو فضح فساد.

(2)
لمن لا يعرف قضية عمال كفر الدوار، فهي واحدة من النماذج العملية لتحالف العسكر مع الإخوان ضد إرادة الشعب وحقوقه، والتي وصفها المؤرخون آنذاك بالجريمة الأبشع في التاريخ، بعد الحكم بالاعدام علي عمال كل جريمتهم أنهم رفعوا أصواتهم مطالبين بحقوقهم داخل مصانعهم.

لم يكن مر علي تولي محمد نجيب الحكم وقتها بضعة أيام، ونشبت مظاهرات كفر الدوار، وتم تنفيذ حكم الاعدام علي شهداء الطبقة العاملة ”مصطفي محمد خميس” و”محمد حسن البقري”، والحكم علي آخرين بالسجن والاشغال الشاقة، في احكام تتراوح ما بين 8 سنوات الي 15 عاما، وكذلك شهداء آخرون غير معروفين تم اطلاق الرصاص عليهم.

(3)
بدأت القصة فى 12 أغسطس 1952، حين قامت إدارة المصنع بنقل مجموعة من العمال من مصانع كفر الدوار إلى كوم حمادة بدون إبداء أسباب، الأمر الذي دفع العمال للغضب وإعلان إضرابهم عن العمل وقاموا بوقفة احتجاجية حتى تصل مطالبهم لمجلس قيادة الثورة بإعتباره الداعم الأول والآخير لحقوقهم بعد قيامه بثورة ضد الملكية معلنا بداية عهد جديد ضد الظلم، كانت هذه قناعة العمال وقتها، لذا سعوا للإضراب منديين بحركة نقل العمال وتدني الأجور والحوافز وتدهور سكن العمال.

فوجئ العمال بمحاصرة قوات أمن كفر الدوار للمصنع، بعد أن قدمت قيادات المصنع بلاغا تتهم فيه العمال بإحداث فوضى وتهديدهم، إلا أن العمال استمروا في إضرابهم وقرروا عدم التراجع، وقتها دبرت إدارة المصنع كمينا للعمال بتحريض بعض الخفراء من عملاء الإدارة لإشعال حرائق في مكاتب من الشركة، وعندما حاول العمال الدخول لحماية العنابر ومحاولة إطفاء الحريق أطلق رجال الأمن عليهم النار، وسقط أحد العمال مقتولا.

تصاعد غضب العمال، وتدخلت قوات الجيش صباح اليوم التالي، وانتشرت شائعة بين العمال أن اللواء محمد نجيب – رئيس الجمهورية آنذاك – سيحضر ليعرف شكواهم، وبحماس ثورة يوليو هتف العمال: «يحيا القائد العام.. تحيا حركة الجيش».

تأخر نجيب وبدأ القلق يشغل العمال، لذلك قرروا الخروج بمسيرة في الشوارع في محاولة لاسماع الجميع مطالبهم، إلا أن قوات الجيش قطعت طريقهم ووقف الجنود شاهرين بنادقهم في وجه العمال، ورسموا خطا أبيض على الأرض وحذروا العمال من تخطيه.

استفز الخط حماس كلا من الشاب مصطفى خميس ورفيقه محمد عبدالرحمن البقري – أبناء الـ19 ربيعًا – وطالبا العمال بالإستمرار في السير والهتاف، ومع أول خطوة أتخذها مصطفى لتجاوز الخط الأبيض قبض عليه هو ورفيقه وإنهال عليهما الجنود بالضرب، حتى انطلقت رصاصة في اتجاه الجيش – من مصدر غير معلوم – راح ضحيتها أحد العساكر، لتبدأ معركة بين الجنود المسلحين والعمال العزل، انتهت بمقتل المئات من أبناء مصانع كفر الدوار.

(4)
صدر على الفور قرارا بحظر التجوال لمدة ثلاثة أيام، ومنع الدخول من أبواب الشركة، وتم القبض على عدد كبير من العمال بلغوا 576 عاملا، كان من بينهم أطفال في سن العاشرة، وجمعوهم وأمروهم أن ينبطحوا أرضا علي بطونهم لمدة 48 ساعة، وأمر الضباط الجنود بأن يطلقوا الرصاص على كل من يرفع رأسه.

بعد يومين صدر الحكم بالإفراج عن 545 عاملا، ليتبقى 31 آخرين، تشكلت في مساء اليوم نفسه محكمة عسكرية برئاسة “عبدالمنعم أمين”.

ولمن لا يعرف عبدالمنعم أمين، فهو أحد أعضاء الضباط الأحرار لثورة 23 يوليو، وكان معروفًا وقتها أنه قيادة بارزة داخل جماعة الإخوان المسلمين، وممثل الإخوان داخل مجلس قيادة الثورة، تقلد فيما بعد عدة مناصب من أهمها قائد سلاح الفرسان ورئيس حرس الحدود ومحافظ أسوان.

(5)
تم جمع 1500 عامل في النادي الرياضي بكفر الدوار ليسمعوا المحاكمة في فناء المصنع، ورفضت المحكمة تماما إحضار محامي للعمال، واكتفت بسماع شهادة الشهود، وأقوال المتهمين.

سأل القاضي الشهود: “هل مصطفي خميس تم القبض عليه قبل إطلاق النار على الجيش أم بعدها؟، فكانت اجابتهم جميعا بانه كان قبل إطلاق النار، وهي الشهادة التي تؤكد براءة خميس، لكن يبدو أنها لم ترق للملازم عبدالمنعم أمين رئيس المحكمة العسكرية، لذلك رفع الجلسة وأمر باستكمالها في اليوم التالي، الذي حضر فيه شهود آخرين، سألهم نفس السؤال فأجابوا بأن مصطفى قبض عليه بعد إطلاق النار على الجيش، ليصدر بذلك حكمة بالإعدام دون تردد ضد كلا من مصطفى خميس – 19 عاما، ومحمد البقري – 19 عاما ونصف.

(6)
كان وقتها البكباشي جمال عبد الناصر وزيرًا للداخلية، وقيل أنه كان رافضًا لحكم الإعدام إلا أنه اطمئن بعد مباركة قيادات الإخوان للإعدام والأحكام الصادرة ضد العمال، واعتبر أن الأمر متروك للمحكمة العسكرية التي أقرت بإعدام عاملين وحبس 29 آخرين.

بارك أيضًا محمد نجيب الحكم، بعد أن التقى خميس قبل تنفيذ الإعدام وساومه بأن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد في مقابل قيامه بالاعتراف على رفاقه العمال وإدانة حركتهم ولكن خميس رفض، وتم تنفيذ حكم الإعدام على الشهيدين محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري في يوم 7 سبتمبر من نفس العام بسجن الحضرة بالاسكندرية تحت حراسة مشددة وسط أصوات “خميس” و “البقري” اللذين صرخا قبل الإعدام “هنموت واحنا مظلومين”.

(7)
نطق عبد المنعم أمين بالحكم، كان كافيًا لتجسيد التحالف، بين العقلية العسكرية، والإخوانية، في شخصه وحده، فالأولى منحته صلابة العقيدة للإيمان بأن قراره حاسم ورادع وعليه أن يتخذه بغض النظر عن أي تحفظات لأن الواجب يحتم قطع الألسنة المعارضة حتى لا تنقلب على سلطته العسكرية المقدسة، والثانية أعطته الضوء الأخضر بتبرير الإعدام، حيث بارك سيد قطب القيادي الإخواني القرار، وحلله واعتبره انتصارًا على قوى تسعى لخراب البلاد وزعزعة استقراره، قائلا في مقال نشر في أغسطس 1952 بعد أحداث كفر الدوار مباشرة: «فلنضرب بسرعة. أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب»، وفي مقال آخر نشر في سبتمبر من نفس العام بجريدة روز اليوسف قال: «لأن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت».

(8)
من يحاولون إقناعكم اليوم أنهم لجأوا للتحالف حفاظًا على مصالحكم عليكم أن ترفضوهم وترفصوهم، لأنهم سلكوا الطريق الخطأ، ولم يفهموا ثوريتكم ولا أهدافكم، لم يفهموا أن الثورة تحارب الفساد بكافة أشكاله، لتبني أممًا وتصنع أمجادًا جديدة، لا بالكذب ولا بالمصالح ولا بالتصالح مع القتلى، فللقاتل شريك، ليس بالضرورة أن تكون شراكته في فعل القتل أو حمل السلاح، ربما يكون الشريك مجرد متابع أصم، لا يعترف بالجريمة، ولا يريد أن يراها، أو ربما مبررا، مباركا للوضع.

لا تصافح كل من جامل وكذب وتجمل ونافق وصالح من أجل المصالح، حتى لو مصالح عامة تبدو في ظاهرها أنها تخدم شعبًا وأمة، فلا الثورات كاذبة، ولا الشعوب عاجزة، ولا الحقوق تحتاج وساطة لاكتسابها.

من أراد الحق يعرف طريقه دون حاجة لسلالم.