بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التنظيم الثوري.. أو الهزيمة

إن كل محنة مرت بها ثورتنا بدايةً من تسلم المجلس العسكري السلطة في 11 فبراير 2011، مرورا بفترة التزاوج بين الإسلاميين والعسكر وتسلمهم السلطة في 2012، انتهاءا بالمحنة الأكثر صعوبة بصعود العسكر مرة أخرى بعد انقلابهم في يوليو الماضي، على الشرعية الثورية التي اكتسبتها الجماهير في 30 يونيو، كل محنة مررنا بها في هذه الثورة كانت بسبب غياب تنظيم ثوري قوي منغرس وسط الجماهير، يكون في طليعة الثورة للنصر، وقلب هذا النظام الفاشل والمجتمع رأسا على عقب.

إن الثورة ليست نزهة، الثورة حرب شرسة تخوضها الجماهير من أجل الإطاحة بطبقة مستغلِه تمتلك رأس المال والسلاح. إن الطبقة الحاكمة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الجماهير التي تريد الإطاحة بها ستحاول وبكل قوتها أن تقف أمام ثورة الجماهير بكل الطرق والتكتيكات الممكنة. في الحادي عشر من فبراير 2011 تحركت الطبقة الحاكمة متمثلة في المؤسسة العسكرية “الإقتصادية” المصرية لإجهاض ثورة الجماهير التي احتلت الميادين بعد معارك وبطولات شرسة مع ميليشيات الطبقة الحاكمة وذراعها الأمني “الداخلية”، التي تستخدمها الطبقة الحاكمة لقمع الطبقات الأخرى والسيطرة على الجماهير وحماية نظامها. إن تحرك المؤسسة العسكرية للإطاحة برأس النظام “مبارك” جاء بعد تحرك العمال وإعتصامهم داخل مصانعم وإضرابهم في أخر ثلاثة أيام قبل التنحي، فقد ضحت الطبقة الحاكمة برأس نظامها لكي تخمد من ثورة الجماهير خوفا من أن تتحول إلى ثورة حقيقية تؤدي إلى قلب نظامهم وهدم دولتهم. يا ترى ماذا كان سيحدث إذا كان هناك تنظيم ثوري ملتف حوله الجماهير ومنغرس وبقوة في وسط الطبقات المقهورة والمطحونة يناضل من أجل الإطاحة بالطبقة التي تستغل تلك الطبقات؟؟ بالتأكيد كنا سنرى نتائج مختلفة. ونرى في الأيام التي تلت تنحي “مبارك” عن الحكم الصعود الرهيب في معدل تظاهرات الطبقة العاملة ومعدل الإضرابات العمالية للمطالبة بتحسين أوضاعهم، حيث اسمتها السلطة العسكرية، والنخب المتذيلة لهم، في وقتها بـ “الإحتجاجات الفئوية” لتشويهها.

لم ينتبه الثوار طوال سنة ونصف من حكم المؤسسة العسكرية وتزاوجها مع الإسلاميين بضرورة وجود تنظيم ثوري ينغرس أكثر وسط الجماهير في المصانع، داخل النقابات والجامعات، ووسط الأحياء. أدى إنعزال الثوار عن الجماهير وتمركز الثورة فقط في ميدان التحرير إلى شيطنة وتأخر الثورة. إنتهى التزاوج والإتفاق بين السلطة العسكرية والطبقة الحاكمة مع الإسلاميين إلى وصول تيار الإخوان المسلمين إلى السلطة، فحافظت السلطة العسكرية على مؤسساتها الإقتصادية وثروتها دون مساس، وحافظ الإسلاميون على النظام القديم وشاركوا في إعادة إنتاج الدولة القديمة وتقوية وتعزيز ذراعها الأمني دون تطهير أو إعادة هيكلة، وسلحوا الداخلية بأحدث المعدات من أجل عودة استقرار الطبقة الحاكمة واستقرار استثمارتهم وثوراتهم، ومن أجل إجهاض حركة الجماهير التي لم تهدأ منذ إنتهاء المئة يوم الأولى من حكم مرسي. فشلت السلطة الجديدة في إتمام إتفاقها مع الطبقة الحاكمة في إجهاض حركة الجماهير وإعادة الإستقرار، ما أدى إلى تغيرات في خطط الطبقة الحاكمة والمؤسسة العسكرية من أجل تحقيق الأمن والاستقرار لأعمالهم وثرواتهم ومصالحها.

وفي آخر فترة حكم مرسي تصاعدت موجة الاحتجاجات والإضرابات العمالية والاجتماعية مرة أخرى. وصلت لذروتها في مارس 2013 حيث ارتفع عدد الاضرابات العمالية إلى 1400 اضراب، وكانت أسعار السلع الرئيسية قد ارتفعت وبدأت أزمة الطاقة في الظهور مما أثار الغضب الشعبي تجاه سلطة الإخوان التي فشلت في تحقيق اي مطالب اجتماعية حقيقية للطبقات المطحونة تلك، واستمرت في دعم استثمارات رجال الأعمال المصريين والأجانب على حساب الفقراء. وثارت الجماهير مرة أخرى في 30 يونيو وخرجت في الشوارع والميادين للمطالبة برحيل مرسي بعد فشله في تحسين أوضاعهم الإجتماعية، وقامت المؤسسة العسكرية مرة أخرى بنفس الدور الذي تظهر فيه بدور المُخلص البطل الذي ينقذ الوطن من المؤامرات. قامت المؤسسة العسكرية بعزل رأس النظام محمد مرسي وإنتهزت فرصة الغضب الشعبي ضد الإخوان لإعادة إنتاج الدولة القديمة للعمل بشكل كامل وبتأييد شعبي جارف، وظهر قائد الثورة المضادة عبد الفتاح السيسي كمخلص الجماهير من حكم المتآمرين الخونة.

ونرى الآن المرشح الرئاسي “السيسي” يتحدث عن ضرورة التقشف في الفترة القادمة من أجل المرور باقتصاد الوطن لبر الأمان. وهو حقيقةً لا يقصد تحسين أوضاع فقراء هذا الوطن وكادحيه بل يقصد استقرار أعمال أصحاب رؤوس الأموال أصحاب المصانع والشركات الكبرى. إن نظام “السيسي” الاقتصادي هو امتداد مباشر للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي انتهجتها الدولة منذ الإنفتاح الاقتصادي في منتصف وآخر سبعينيات القرن الماضي. إن هذا النظام بوجوهه المتغيره من مبارك لمرسي للسيسي لا يملك أي قدرة على تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية ولا تحسين أوضاع فقراء وعمال هذا الوطن. ونرى الدولة الآن وهي تتهرب من تطبيق الحد الأدنى للأجور بعد إقراره في يناير الماضي. لا نية لهذا النظام في تحسين وتعديل شروط معيشة الفقير والعامل لا من قريب ولا من بعيد، فهم يطالبون العمال والفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم بالتقشف عوضا عن تطبيق نظام الضرائب التصاعدية مثلا على رجال الأعمال والمستثمرين، يقترضون من البنوك الدولية وصندوق النقد الدولي والدول، ويحملون المواطن البسيط نتائج هذه القروض، فيلغون الدعم بشكل تدريجي ويرفعون أسعار السلع الأساسية.

إن معارك الثلاث سنوات الماضية وتحليلات نتائجها تؤدي في نهايتها إلى أن هذه الثورة تحتاج بكل جدية وحسم إلى تنظيم ثوري ينغرس وسط الجماهير ويناضل معها من أجل إسقاط هذا النظام وتلك الطبقة الحاكمة، وبناء دولة العدل والحرية والديمقراطية المباشرة. الآن وقبل كل شيء يجب التفكير الجدي في خلق هذا التنظيم الثوري من البقية المتبقية من الثوار المؤمنين بالثورة وإستمرارها وبثقتهم في الجماهير التي لن يدوم تصالحها مع الثورة المضادة والسيسي ونظامه، فقد بدأت موجة الإحتجاجات الإجتماعية في الصعود مره أخرى. ويوم بعد يوم ستنهار تلك القشرة التي صنعتها الطبقة الحاكمة لنفسها بتأييد شعبي في يوم التفويض أو في ٣ يوليو . الطبقة الحاكمة ورجال أعمالها وجنرالات مؤسستها العسكرية المفلسين لن يقطعوا من لحمهم الحي لإطعام الفقراء ولإنجاز إصلاحات جذرية للعمال. سينكشف النظام أمام الجماهير وستتصاعد الموجات الاحتجاجية الواحدة تلو الأخرى، وإذا لم نشرع في بناء تنظيمنا الثوري ستمر هذه الموجات كالتي سبقتها وستستمر الطبقة الحاكمة في إجهاض تحركات الجماهير في الشارع مرة تلو المرة.