بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الحرية للمعتقلين في سجون العسكر..

أربعون يوما بين فكي النظام

من فعاليات إحياء ذكرى الثورة - 25 يناير 2014

أحمد جمال فرج: عضو حركة الاشتراكيين الثوريين، ومعتقل سابق بسجون العسكر، بعد القبض عليه في الذكرى الثالثة للثورة المصرية على خلفية مشاركته في إحياء هذا اليوم، قضى في السجن حوالي 40 يوماً، ويسرد في هذا المقال بعض مما عانه مع زملائه في السجن.

قرارٌ بتاريخ 13 أبريل الماضي يحيل 228 ممن أطلقوا عليهم “مثيري الشغب” في أحداث الذكرى الثالثة للثورة في 25 يناير الماضي لمحكمة الجنايات، بتهم قتل 6 مواطنين والشروع في قتل 11 آخرين، والتجمهر والتعدي على أفراد الجيش والشرطة، بالإضافة إلى “تكدير السلم العام وفرحة المصريين في الاحتفال بذكرى الثورة” كما ورد في محضر التحقيق بقسم عابدين.

تاريخ ميلاد الشباب الثائر كان ذلك اليوم الذي يمثل لنا معانٍ كثيرة، لم نكن لنتردد لحظة في صنعه كما صنعناه من قبل، فالمبدأ ثابت والعقيدة لا تتغير، فيسقط حكم العسكر ويسقط حكم كل من خان، يسقط ألف مرة. ورغم كل محاولات الأصدقاء والمقربين للإقناع بخطورة المشاركة في هذا اليوم، إلا ثبات المبدأ والعقيدة كانا أقوى من واقعية المشهد حينها، فأم الشهيد لا تستحق أن تشعر أن رفاق أبنائها قد باعوا العهد وخانوا دماءهم وتركوا الميدان للقوادين والعاهرين و”المطبلين”، حتى وإن كانت المشاركة خطأ حسبما قد يفرض الواقع حاليا، ففي وجهة نظري المتواضعة أرى أن الجلوس يومها أمام شاشات إعلام العهر مائة خطأ، فالواجب فوق كل خطر، حتى وإن كنا جميعا على يقين بأن الثورة المقبلة تحتاج شبابها على الأقل أحياء، لا معتقلين أو شهداء، ولكننا لابد ألا نعطي الأمر تفكيرا أكثر مما يتطلب ولا نمزقه بمادية التوقع، فالأصح هو عدم الحياد عن تلبية نداء الواجب كعادتنا منذ قررنا النزول للشارع حتى نملك رصيدا عند الجماهير ونستطيع التحدث لهم من خلاله للحشد على طريق الثورة.

ها هم رفاق دربي، ها هي المسيرة، ها هو الهتاف، ونسلك الطريق إلى التحرير، كالعادة الشعور أني أستمد قوتي بمن هو جانبي وكذلك هو. بالطبع تداهمنا الشرطة ونستقبل طلقات الخرطوش وحين تراجعت الشرطة من مشهد الاشتباك وسلمتنا لمن يدعوا بـ”المواطنين الشرفاء” كان قراري وصديقي بعدم الاشتباك مع من هم من أبناء وطننا، فهم عكس الشرطة أحد أذرع النظام القمعية والوحشية، هم شعب تم تجويعه وrإذلاله، والأصح هنا توعيته وإفهامه، لا التضحية به وجعله كبش فداء للنظام القمعي الذي تعمد جهله وإفشاله، وقررنا الانسحاب من مشهد الاشتباك لنرى أي الطرق نسلك، فالانطباع الأول عن منطقة وسط البلد حينها كان يقول أنها كماشة كبيرة للمتظاهرين.

كنا مُحاصرين تماما ولا نعلم مصير المسيرة ولا مصير أنفسنا، فقط نحاول توخي الحذر في خطواتنا، أمامنا الاشتباك مشتعل وخلفنا ميدان التحرير حيث القوادين والعاهرين من الشرطة ومجموعات البلطجية التي تحتمي بهم، وكذلك ميدان طلعت حرب على اليسار، لم يتبق سوى ميدان مصطفى كامل على اليمين لا ندري حالته، فذهبنا إلى هاويتنا حيث قام “المواطنون الشرفاء” الذين تحاشينا الاشتباك بهم بالقبض علينا. كانوا حوالي 30 شخصا تتراوح أعمارهم من الثانية عشر إلى الثلاثين تقريبا، وبصحبتهم ضابط مباحث، كان الجميع بزي مدني ولم يخطر على بال أي شخص أن يحدث ما حدث. تلك المجموعة خرجت فجأة من تحت الأرض، وفجأة أصبحت أنا وصديقي في منتصف الدائرة ممسكين بنا مرددين “معاهم شنطة يا باشا.. معاهم شنطة”، قام “الباشا” بفحص البطاقات الشخصية الخاصة بنا، ثم تم سحلنا إلى المعبد اليهودي في شارع عدلي بوسط البلد حيث المعتقل المؤقت قبل الذهاب لقسم عابدين.

المعبد اليهودي كان المكان الذي تنطلق منه غزوات البلطجية والأمنجية والضباط في ملابسهم المدنية للقبض على الشباب أو بمعنى آخر “مرتدي حقائب الظهر”، وما أن دخلنا شارع عدلي إلا وانهال الضرب على “خونة الوطن” ممن يحرقون مصر ومن يبيعونها للأمريكان والصهاينة (هكذا كانوا يطلقون على كل من ساقه حظه العثر إلى طريقهم!)، كان الضرب مبرحاً لدرجة حب كل منهم للوطن، أو لنكن واضحين للعزبة الخاصة به! فمن ضرب بيده يختلف عن من ضرب بـ”عتلة” أو “خشبة” أو أية أداة أخرى.

مشهد مقزز، فها نحن ننال جزاءنا لحرقنا مصر، يا لسخرية القدر! نلنا ما كتبه القدر لنا ثم شحنونا داخل سيارات سوزوكي بصحبة البلطجية إلى قسم عابدين، والطريف في هذا المشهد أن هؤلاء البلطجية أثناء تواجدنا داخل المعبد فتشونا وأخذوا كل ما نملك، وبعد أن وصلنا القسم أمرونا بإخراج خمسة جنيهات أجرة لزميلهم السائق! كنا 8 أفراد داخل السيارة الصغيرة، ومن هنا بدأ تمزيق الحالة النفسية وإيهام المعتقلين بأنه “لا قلق فأنتم ستعودون بيوتكم على الفور، ماتقلقوش”، هكذا كان الرد الدبلوماسي في البداية!

عصّبوا أعيننا وكبلونا داخل القسم وألقونا في ممر كبير، وهنا بدأت حفلات الضرب وبشتى أساليب الإهانات السمعية والحسية، وبدأ شعور انتظار المجهول يتسرب إلى داخلي دون أن أدري، فأنا سيحل بي شيء خلال ثوان، ما هو ذلك الشيء؟ لا أدري، في النهاية سمعناها ثانية “ستعودون إلى منازلكم حالا،” وفجأة إذ بنا في معسكر قوات الأمن المركزي بطره!

شاء القدر أن نعيش فيه 16 يوماً بين الإهانة والضرب بالأيدي والعصي، والنوم على بلاط السجن في ظل البرد القارس ليلاً، وقطع الماء وطفح مياه الحمامات علينا ونحن نيام، وتدمير الحالة النفسية بأوهام الخروج والعزلة التامة عن العالم الخارجي. ولكننا تكيفنا سريعا ونسينا أين نحن ولماذا تلك المعاملة، كان سلاحنا الوحيد والأعظم هو الضحك في وجوههم والغناء للشيخ إمام والهتاف للثورة وتأبين شهداء بورسعيد وشهداء موقعة الجمل، حتى ولو كانت عواقب ذلك وخيمة، لم نكن ندري أن الابتسامة في وجوههم تحرقهم لهذه الدرجة، ولم لا؟ فهي برهان على أنهم فشلوا في كسرنا، فهم أعداء الابتسامة والحب والثورة، فقمعيتهم الحقيرة صارت لهم كالآلهة، جعلتهم لا يفهمون ما نناضل من أجله، ففي واحد من الإضرابات عن الطعام التي قمنا بها لتردي أحوال المعيشة بالداخل، دخل زنزانتنا فجرا لواء شرطة أعلمناه بالإضراب، فقال أنه يعلم ووزارة الداخلية كلها تعلم بإضرابنا، وأضاف أننا سنخرج غدا.

كنا قد اعتدنا على تلك الكلمة، وبدورنا بدأنا نحسب ونتوقع ماذا سيفعلون بنا غدا، صباحا نجد مسئول المعسكر ينادي أسماءنا من كشف ويقول أن من سيحالفه الحظ ويسمع اسمه فهذا سينام في بيته الليلة، وسيتبقى 36 آخرين علمنا فيما بعد أنهم القصر من دون الـ18 عام، وحينما خرجنا اذا بضباط قسم عابدين في استقبالنا بمعاملة حقيرة جدا وإهانات، حتى إنهم قاموا بقفل الكلابشات على أيادينا بكل عنف، لقد اتضحت الصورة، فبدأنا نتساءل خلال الطريق إذا كنا ذاهبين إلى سجن المرج، أم معسكر الجبل الأحمر حيث الشرطة العسكرية، أم إلى سجن أبي زعبل سيء السمعة، مضى وقت لم نعرف طويلا كان أم قصيراً، ولكن أغاني الشيخ إمام آنستنا وسط ما كنا فيه.

أخيرا أبصرنا لافتة مكتوب عليها “منطقة سجون أبو زعبل”، إنهم رفاقنا في سيارة الترحيلات التي سبقتنا، لقد جردوهم من ملابسهم داخل السجن وأبقوا فقط على قطعة من ملابسهم الداخلية تستر عورتهم، وألقوهم على بطونهم وكبلوا أيديهم إلى ظهورهم وأمروهم بالزحف بشرط ألا ترتفع أعينهم لأعلى وإلا ستسحق سحلا، لقد بدأت حفلة “التشريفة” والضرب على الظهور، مشهد مماثل لأسرى مصر إبان نكسة 1967 تماما!

كان هذا المشهد نراه من سيارتنا وما لبثنا إلا وقد جاء دورنا، ولا أنسى من فتح علينا الباب “اللي هيخرج آخر واحد هيطلع ***”، أنزلونا و كان في انتظارنا صفين من العساكر في حالة تأهب تام لسحلنا بالعصي أثناء عبورنا في المنتصف، فعل بنا ما تم فعله في رفاقنا الذين سبقونا، لقد جردونا من كل شيء وأخذوا كل شيء نحمله حتى شعر رؤوسنا حلقوه وبكل امتهان، ثم أدخلونا الزنازين وكل منا يحمل بدلة بيضاء فقط، ومن كان حظه وافرا أخذ بطانية بجانب البدلة.

كان النوم على الأرض والبرد القارس عسيرا، والزنزانة بها فقط نافذتان كبيرتان وشفاط قوي جدا يحدث دويا مزعجا حين يعمل ويحول الزنزانة إلى “صندوق فريزر” كبير، كان أمين الشرطة ماهر يتلذذ بشدة بضرب كبار السن وإهانتهم بأقذر الألفاظ والأفعال.

لعل من دواعي التهكم كان أن من يريد حلاقة لحيته يقوم بكتابة هذا الطلب على هذه الشاكلة: “السيد نائب مأمور السجن.. تحية طيبة وبعد، رجاء من سيادتكم التكرم والموافقة على حلاقة لحيتي ولسيادتكم جزيل الشكر”!

ظللنا على هذه الحال 24 يوما، قاومناها بالغناء والضحك في وجوههم، لم ندر أننا قد وصلنا لهذه المرحلة من التبلد، ولكن ما باليد حيلة، لا ينبغي أن يعلموا أنهم كسرونا لأنهم لم يكسرونا بعد بالفعل.

ما كان أجمل الغناء لفلسطين، ما كان أجمل الغناء للكادحين فلاحين وعمالا، لم نعد ننتظر المجهول ولم نكن نشغل تفكيرنا بتوقعه، فلن يحدث أسوأ مما حدث، وما حدث ما كان ليحدث إطلاقا إلا لأننا على صواب، هكذا كنا نؤمن بأفعالنا، لأننا نقاوم ذلك النظام صانع الإرهاب والحليف الأكبر للصهيونية والامبريالية الأمريكية في المنطقة، فما أجمل الابتسام في وجه ذلك الجبروت وذلك القدر!

وإلى الآن لا أدري ورفاقي ما ينتظرنا، لعلنا لم نعد نكترث، إنما البديهي هو استمرار نضالنا من أجل القضية.

حاربوهم بحب الوطن، حاربوهم بالثبات على العقيدة، ناضلوا من أجل الفكرة فإنها تستحق النضال وفناء العمر من أجلها، لا تحيدوا عن أفكاركم ومبادئكم، فذلك الهدف ليس له أن يتحقق إلا بتضحيات من سلكوا طريقه ومن ضحوا بدمائهم في سبيله، فهم سراج ذلك الطريق، اثبتوا وأعلنوها صريحة أن مقاومة طغاة هذا العصر هي عقيدة لن يثنينا عنها سوى الموت. عاشت الثورة.