بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حفاظا على ما بقي من الثورة

في ميدان التحرير، بل وفي كل شارع في مصر لا يوجد الآن ما هو أبرز من لافتات مطبوع عليها أحد أسماء رجال النظام السابق وصورة للمرشح عبد الفتاح السيسي. ميدان التحرير، بل وكل شوارع مصر منذ عامين كانت تمزق صور مرشح الفلول الواضح آنذاك، أحمد شفيق، وجرافيتي ضخم يزيّن شارع عيون الحرية لصور المرشحين المحسوبين على الثورة المضادة؛ موسى وشفيق.

منذ عامين، اعتاد البعض أن يقول أن المعروفين من النشطاء لا يُعتقلون، وإن اعتُقلوا لا يبقون في السجن أو حتى القسم. كنا نؤمن أن الضغط و”الدوشة” يؤثرون ويحسّنون من فرص المعتقلين في الخروج. اليوم ماهينور المصري، إحدى أيقونات الثورة، تأكد حبسها لمدة عامين، والوقفة الاحتجاجية والمؤتمر التضامني معها دوهموا واُعتُقِلَ المتضامنين معها.

الفرق هو أن بالأمس كانت موازين القوى في صالح الثورة، حتى وإن كانت لا تحكم. فمن كان في الحكم، سواء المجلس العسكري أو مرسي حتى، وإن تعارضت مصالحه مع تجذير الثورة وانتصارها فكان مضطرا لمغازلة الثورة ووضعها في الحسبان خشية تعمقها، وترديد شعاراتها ومطالبها. أما الآن، فمن في الحكم ومرشح الثورة المضادة السيسي جمهوره ليس جمهور الثور،ة بل على النقيض تماماً؛ جمهوره هم أعداء الثورة إما بشكل مباشر لانتمائهم لشبكة مصالح النظام السابق أو مِمَن استطاعت الأنظمة المتوالية إثارة استعدائهم للثورة بدعاوي غياب الأمان والاستقرار المفقود والفقر المتزايد. ولذلك لا يمكن أن نتوقع أي اهتمام بإضفاء شيء من الديمقراطية أو الحرية أو حتى العدالة الاجتماعية في الفعل ولا حتى الخطاب.

نحن الآن أمام موقف مختلف علينا أن نتوقف عن مقارنته بأي شيء قد سبق. علينا الاعتراف أننا قريبا سنشهد تتويجا كاملا للثورة المضادة وجزء من قدرتنا على مواجهة القادم هو إدراك مدى خطورة ما هو حالي وما نحن بصدده.

لا يمكن لأحد أن يعلن وفاة الثورة. يمكننا أن نعترف بهزيمة، ولكن لا نستطيع أن نمحو ثلاث سنوات من النضال في الشوارع، من الانتصارات الصغيرة والأخطاء، من الأمل والشعور باقتراب تحقيق الحلم، وأيضا من بعض الإحباطات.. والأهم على الإطلاق من الشهداء والمعتقلين والمصابين.

ما بقي من الثورة
لو أن هناك ملمح أساسي لما فعلته الثورة في القطاع الأكبر من الجماهير فهو الأمل في قدرتهم على التغيير. لقد أعطت الثورة الأمل لكل صاحب حق ومطلب في التغيير؛ فمنهم من شعر أن عليه الخروج في مظاهرة للمطالبة بحقه، أو الإضرب عن العمل، أو الوقوف في طوابير طويلة بالساعات لإلقاء صوته في صندوق آمن أنه سيحقق له مطالبه. الجميع عبروا عن قوتهم الجديدة التي أمدّتهم بها الثورة، أو في الحقيقة كشفتها لهم بصور مختلفة. أصبحت السياسة والنقاش ليس فقط في مجريات البلد بل في كيفية تغيرها أمر متكرر ودائم في كل منزل وفي المصالح والأعمال.

أهم ما تقوم به الثورة المضادة الآن هو سلب هذه الطاقة، بدايةً بقانون لمنع المظاهرات والمسيرات والإضرابات، مما أثار إحباط الكثيرين ممن تولّد لديهم الشعور بأن “هاقد عدنا لما قبل الثورة”. ثم بدأ الإعلام في تأليه السيسي والمؤسسة العسكرية، وتحقير الجميع لإرسال رسالة القائد الواحد المفدى والمؤسسة الوحيدة التي تعمل وقادرة على إنقاذ البلاد، وخلق حالة من هيستريا التأييد لقتل أي صوت مخالف. وفي وسط هذه المأساة جاءت الأحزاب والرموز المحسوبة سابقا على الثورة لتحقق للثورة المضادة أملها، لتعلن بوضوح أنه لا يوجد بديل سوى السيسي سواء كان بدعمه المباشر أو في ارتباكها وانسحابها من المشهد لأسباب مختلفة – حتى لا نكون في نفس خندق الإخوان، أو الإحباط، أو أن المسألة محسومة – فغاب البديل وعدنا لـ”مش فارقة”!

لكن المؤكد مرة أخرى أن هناك تجارب مازالت في عقول الكثير منا تحتاج فقط لمن يرتبها ويحللها ويعيد سردها مرارا لاستحضار الأمل مرة أخرى. هناك آلاف العمال خاضوا إضرابات طوال السنوات الثلاث السابقة مؤمنين بأن النظام الحاكم سيطبق الحد الأدنى وسينهي فقرهم بما فيهم إيمانهم بالسيسي. هناك آلاف المعتقلين والشهداء والمصابين وأقاربهم وأصدقاؤهم، هناك شهاداتهم وصورهم وتحقيقات عنهم وعن بطولتهم. كيف يمكن محو كل ذلك من عقول الجميع إن ظللنا نحن نذكرهم؟

خارج الفقاعة
لقد علمتنا الثورة أننا إذا خرجنا خارج حدود فقاعتنا الضيقة قد نجد سائق الموتوسيكل الذي يخاطر بحياته لنقل مصاب من خرطوش الداخلية، وقد نجد أيضا من يرقص ويزغرد بعد مذبحة ولقائدها، وعلمتنا أن هناك الآلاف الذين بداخل زنازينهم يفرحون لخروج معتقل آخر وبجملة “فلان على الأسفلت”، وعلمتنا أن الحلم قد يُظهر أجمل ما فينا، وأن الخوف قد يُظهر اسوأ ما فينا. علمتنا أننا لسنا حركات وحملات ونشطاء بل هناك الملايين خارج هذا الإطار، حلموا وناضلوا وضحوا. ملايين مازالوا يعانون قد تنقلب معاناتهم لنضال وقد تنقلب لإحباط أو حتى كراهية وعداء للآخر.

هناك دواعي كثيرة للحزن والألم على كيف كنا وماذا أصبحنا، على كل من نحب وخسرناه أو يغيب عنا الآن في المعتقلات، على كل من لا نعرفهم وتشعرنا معاناتهم بالعجز وقلة الحيلة في مساعدتهم. يمكننا إذن إما أن نستسلم أو نبدأ من الصفر متجاهلين أخطائنا وثلاث سنوات مرت، أو أن نحمل تجاربنا وأخطاءنا ونستكمل حلما بدأ منذ سنوات طوال وبدأه قبلنا آخرون، وبدأه آخرون في تونس وليبيا وسوريا وكل بقاع العالم.

إما أن ننعزل أكثر عن الجميع ونكرههم لأنهم تجاهلونا وقتما قُتلنا واعتُقلنا واُصبنا، أو أن ندرك الأخطاء التي وقعنا فيها في كثير من الأحيان ونتوقف عن العزلة والخوف من مواجهة الجماهير بأفكارنا أو التعالي بها عليهم.

وأخيرا، انظروا لحملة دعم ماهينور المصري كيف يشارك فيها عمالا، ونشطاء، وأصدقاء طفولة وغيرهم، ببساطة لأن ماهينور كانت هناك بين من تناضل من أجلهم، ناضلت مع الأكثر اضطهادا – نساءا وأقباطا ولاجئين – ولم ترَ في نضالهم شيئا ثانوي. هذه الثورة رُزقت بأمثال ماهينور كثيرون/ات نعرفهم ولا نعرفهم، ناضلوا في الثورة أو ربما الآن بعيدين عنها أو ربما يناضلون في مجالات أخرى أو حتى فقط يناضلون على لقمة عيشهم.. هؤلاء يستحق أملهم وحلمهم ونضالهم أن نتذكره في أكثر أوقاتنا قسوة.