بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتخبوا عبد الفتاح السيسي.. انتخبوا قائد الثورة المضادة

فيما أسفرت حملة قمع الإسلاميين في مصر عن اعتقال أكثر من 16 ألف شخص على مدار الشهور الثمان الماضية في أكبر حملة اعتقالات منذ عقدين تقريبًا، فضلا عن وصف السجناء التعذيب الممنهج والأوضاع المزرية التي يتعرضون لها مع حشر العشرات في زنازين صغيرة وضيقة، كانت كراهية الشرطة واعتداءاتها المستمرة هي المحرك الرئيسي المحفز لثورة 2011 التي أطاحت بمبارك، وبالرغم من ذلك، شهدت الاعتقالات الجديدة دعمًا شعبيًا واسعًا وسط موجة من المشاعر القومية، عقب خروج الملايين في احتجاجات الصيف الماضي مطالبين بتنحي مرسي قبل أن يتدخل الجيش ويطيح به.

ومنذ ذلك الوقت، أججت معظم وسائل الإعلام في مصر هذه النيران، مصورة الإخوان باعتبارهم إرهابيين، والشرطة والجيش باعتبارهما أبطال، وهي نفس النيران التي يتم تأجيجها أيضًا لتوصيل قائد الجيش المشير عبد الفتاح السيسي، إلى كرسي الرئاسة في الانتخابات المقبلة، ومن ثم لم يعد هناك الكثير من التسامح الشعبي مع توجيه أي انتقادات للجيش أو للشرطة، فلم تلق تقارير نشطاء حقوق الإنسان عن التعذيب والاعتداءات التي ترتكبها الشرطة صدى شعبيًا كبيرا، وكانت النتيجة هي أكبر موجة اعتقالات منذ التسعينات، لم يطل القمع فقط الإسلاميين ولكن كان هناك أيضًا حالات اعتقال متعددة لعدد من النشطاء العلمانيين، والسائرون بجانب الحوائط، والمناهضين للجيش، وبعض الأسماء البارزة التي شاركت في الانتفاضة ضد مبارك في 2011 أيضًا لأنهم انتهكوا القانون الوحشي الجديد (قانون تنظيم التظاهر) والذي يمنع كل الاحتجاجات دون الحصول على إذن مسبق من الشرطة.

لقد أتخذت الثورة المصرية منعطفاً أشد تراجعاً منذ ما يقارب الثلاث سنوات، وبعد ثلاث موجات متعاقبة ضد أنظمة الحكم المتعاقبة والتي أريقت فيها الكثير من الدماء، ونضحت فيها الشوارع بصرخات الأمهات الثكلى، وتعالت فيها الأصوات المنادية بالحرية للمعتقلين من أمام معسكرات الأمن المركزي، ها هي الثورة تصل إلى أشد المراحل قتامة، هذه ليست دعوة للإكتئاب أو القفز من القارب “الهش” الذي نعتمره جميعاً، ولكنها قراءة واقعية وإن كانت بشعة لمعطيات الواقع القبيح.

عبد الفتاح السيسي .. لم أكن انتوي ولكن الشيطان وزني!!

في العام 1976 عين الرئيس الباكستاني “ذو الفقار بوتو” الفريق “محمد ضياء الحق” وزيرا للدفاع متجاوزا 5 عسكريين أقدم منه لثقته به ولتدينه وبعده عن السياسة، ولأن “بوتو” كان يريد قائدا للقوات المسلحة لا يشكل أي تهديد له فوقع اختياره على “ضياء الحق” لما كان يعلمه عنه من البساطة.

لكن في 5 يوليو 1977، وبعد غضب شعبي عارم انقلب الجيش بقيادة “ضياء الحق” على الرئيس “بوتو” بدعم شعبي وأطاحوا به ثم أصدروا حكما بإعدامه عام 1979 بتهمة الخيانة.

إن كان هُناك أي تشابه بين أحداث و شخصيات هذه الواقعة التاريخية وشخصيات في واقعنا المُعاش، فإن هذا التشابه مقصود، ولم يأتٍ بمحضِ الصُدفة!!

يمثل عبد الفتاح السيسي رأس النظام، فهو نور عنينا والقائد الأعلى للقوات المسلحة ورأس حربة الثورة المضادة، رأس الحربة بما يمثله من تحالف شبكة موسعة من رجال الأعمال الذين سرعان ما أعلنوا مبايعتهم للقائد والزعيم في حربه الضروس ضد الطبقة العاملة، أو من رجال الإعلام ومؤسسة القضاء وجهاز الشرطة، بدءا من التبرير للمذابح لحين عقد المحاكمات “الجماعية” للمتورطين في ارهاب خلقته الدولة، أو عندما يتم سحلك وتعذيبك وتركيعك في أقسام الشرطة، كلا له دوره!

ولكن المؤسسة العسكرية وما تمثله من جهاز أخطبوطي ضخم يتألف من “النحنحة” الوطنية مرورا بالأحكام العسكرية تعتبر العمود الفقري للثورة المضادة، فالجيش المصري يعتبر مؤسسة عسكرية في دولة من العالم الثالث، هي جزء هام من نظام دولي وإقليمي تحكمه مصالح وعلاقات معقّدة ومتشابكة مع سلسلة طويلة من الرأسمالية العالمية، عقيدتها السياسية والعسكرية لا تجد غضاضة كبيرة في قتل الناس وتعذيبهم وسلبهم حريتهم لأسباب تتعلق بالحفاظ على مصالح كبار الجنرالات، بل إن أحيانا كثيرة لا تجد تلك المؤسسة العسكرية أدني مشكلة في إزاحة حلفائها من الساحة إذا شعرت أن مصالحها على وشك التهديد ولنا في المخلوع و المعزول عبرة وعظة.

كان ظهور عبد الفتاح السيسي على الساحة السياسية المصرية مفاجئا للكثيرين فالرجل كان يشغل منصبا حساسا يحتم على صاحبه الابتعاد عن كل ظهور علني، وهو منصب مدير المخابرات الحربية (كان عبد الفتاح السيسي أول من أكد أن أفراد من الشرطة العسكرية قد أجروا في مارس 2011، ما عُرف إعلاميًا بكشوف العذرية، قائلاً أنها مبررة؛ لأنها تحمي الفتيات من الاغتصاب وتحمي الجنود من الاتهام بالاغتصاب )، ولكن في 12 أغسطس 2012، أصدر الرئيس المعزول محمد مرسي قرارًا بترقية السيسي من رتبة لواء إلى رتبة فريق أول وبتعيينه وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، خلفًا للمشير محمد حسين طنطاوي، وعقب تولى الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزارة الدفاع نشرت بوابة “الحرية والعدالة”، الموقع الرسمي للحزب التابع لجماعة الإخوان، تقريرا بعنوان “عبد الفتاح السيسى: وزير دفاع بنكهة الثورة”، ولكن لم تأتي الرياح بما تشتهيه الجماعة ففي 3 يوليو، وبعد انتهاء المهلة التي منحتها القوات المسلحة للقوى السياسية وخاصة لمؤسسة الرئاسة، أعلن وزير الدفاع “بنكهة الثورة” عبد الفتاح السيسي وقتها، إنهاء حكم الرئيس محمد مرسي على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد لحين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ومن هنا كانت البداية المأساوية لعودة قوية للثورة المضادة.

في المقابل، كانت هناك المشكلة الأزلية وهي أنه بدلا من تنظيم حركة جماهيرية يقودها بديل ثوري للإطاحة بمرسي عن طريق النضال الجماهيري (الإضراب العام والعصيان المدني)، لقد شاهدنا جميعاً زعماء المعارضة الليبرالية ويسار يمين الدولة يتفقون مع الجيش ويشيدون بانقلابه الذي جرى بمنطق استمالة الجماهير الغاضبة، ومحاولة إمتصاص غضبها قبل أن ستفحل الأمر، فيما انضوى معظم اليسار داخل الجبهة الإنقاذ، شاركت معظم الأحزاب اليسارية وكذلك التيار الناصري، في تضليل الناس حول دور الجيش، لقد كان ذلك واضحا عندما تحدث حمدين صباحي “مؤسس التيار الشعبي الناصري”، على أنه كان من الخطأ الوقوف ضد الجيش في العام السابق عبر ترديد شعار “يسقط حكم العسكر”.

لقد نصعت صورة الجيش وأشادت بقائده. وهو نفسه الرجل القوي في النظام الجديد القديم، لقد سمح لنفسه مع أنه ليس سوى وزير الدفاع، بتوجيه نداء للشعب كي يتظاهر دعما للجيش طالباً لتفويض لعقد المذابح، ولعل هذا ما يتيح لنظام الحكم الجديد شعبية واسعة ورخيصة، ديماغوجية لكنها كبيرة وضخمة، يكون في حاجة الى هذه “الشعبية” الرخيصة، لأنه بها يغتذي ويعيش منها، ولكي يبرر نفسه أمام الشعب بشكل متواصل، فإنه يحتاج إلى أيديولوجيات و”نظريات” مزورة وتواريخ كاذبة مخترعة (من أمثلة الشعارات الزاعقة حول مفهوم الاستقلال الوطني واستحضار شعارات عبد الناصر الستينية)، وهو إذ يبدو وكأنه مستقل عن الطبقة السائدة، فإنه يكون في الواقع مجرد بوابة لدخول أؤلئك الانتهازيين إلى صلب الطبقة السائدة منضمين اليها، بعد أن كانوا – شكلياً – على هامشها من قبل، عندئذ يبدو الانقلاب وكأنه ثورة.

هكذا كان المشهد على المسرح المصري، فعندما تكون الطبقة الحاكمة غير قادرة على فرض سيطرتها، ودون أن تكون الطبقات الشعبية قادرة على الإطاحة بها وفرض بديل ثوري، في تلك النقطة يكون مسرح الصراع مهيئاً لظهور مخلص، يبدو وكأنه قادم من خارج مسرح الصراع، هكذا أتى عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم قبل 8 أشهر من إعلان ترشحه للرئاسة.

لماذا الثورة غداً وليس الآن؟ لماذا حمدين صباحي؟

وفيما أستكملت الثورة المضادة مراسم تنصيب الجنرال المجنون بالإعلان عن الانتخابات الرئاسية الحالية في 26 و27 مايو من الشهر الجاري، أنعسكت الصورة في المشهد السياسي على حال الثورة المصرية وتطالعاتها، لقد انحصر الصراع بين ممثل الثورة المضادة بكل مؤسساتها القمعية ومن خلفها تحالف شبكة موسعة من رجال الأعمال ورجال النظام المباركي، وبين مرشح إصلاحي دفعته أحلام اليقظة لخوض صراع محسوم سلفاً، حمدين صباحي، ذلك الإسم الذي ناله ما ناله بين المحسوبية على الإخوان المسلمين من جانب أولئك الداعمين لسيادة المشير، أو بوصفه “خطأ” بأنه طرفاً من أطراف الثورة المضادة، ولكن بين هذا وذاك يقبع حمدين وصباحي، فهو شخصان لا شخص، كلاً منهما يتكيف حسب البيئة وتقلبات الأجواء المحيطة به، حمدين صباحي هو الرجل الذي يجمع بين الإصلاحية المتذبذبة (دعمه للحرب على الإرهاب وإستنكاره لموجة القمع التي طالت بعض أعضاء حملته الإنتخابية في نفس الوقت) وبين الثورية وتلك الشعارات البراقة الخاصة بالعدالة الإجتماعية والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وتعديل قانون التظاهر، الرجل يتمتع برحابة صدر كبيرة جعلت من مسألة ترشحه في السابق مرهونة بقرار السيسي بخوض الإنتخابات، ولكن حتى رحابة صدره لم تكن بالقدر الكافي لإعلان ترشحه والبدء في استكمال 30 ألف توكيل بشق الأنفس، فيما لم تكن حرب التصريحات مشتعلة بين حمدين صباحي والسيسي والتي وصلت ذروتها من جانب صباحي بأنه الشخص الذي وقف ضد نظام الاخوان في الوقت الذي كان يؤدي فيه السيسي التحية العسكرية لمرسي، لقد انعكست الأزمة اكثر وأكثر حتى بين أولئك الثوريين أنفسهم بشان المقاطعة أو انتخاب حمدين صباحي.

ولكن يبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل حتى كتابة هذه الأسطر.. لماذا حمدين صباحي؟ لما يجب أن ندعم ذلك الإصلاحي في مواجهة الجنرال المجنون؟

الإنتخابات الرئاسية المقبلة هي أشبه بعملية استفتاء على تأكيد زعامة الرجل الأوحد عبد الفتاح السيسي منها كعملية انتخابية تخضع فيها المسائل الحسابية للتدقيق أو تكمن على الأقل فرصة “تنافسية” على غرار جولة الإعادة بين مرسي وشفيق في انتخابات 2012، في هذه النقطة لا نجد اختلافاً كثيرا حتى بين أولائك الداعمين لتنصيب المشير، ولكن في المقابل أحدث دخول حمدين صباحي لتلك المعركة الإنتخابية المحسومة سلفاً شرخاً ولو بسيطاً في تحالف الثالث من يوليو، ذلك التحالف الذي تجسد في تلك الصورة المرسومة عندما تجمعت قيادات جبهة الإنقاذ وشيخ الأزهر وبابا الكنيسة خلف عبد الفتاح السيسي ليعلن إنهاء حكم محمد مرسي، هذا الشرخ الذي نتحدث عنه تجسد في خوض أحد قيادات جبهة الإنقاذ للإنتخابات ووقوفه ولو كان مجردا من أي دعم من تلك القيادات الإنتهازية في مواجهة المشير، شرخ تجسد في تلك التصريحات المناوئة لعبد الفتاح السيسي عندما تحدث حمدين عن دوره في إسقاط الاخوان، فأجاب قائلاً بأن غيره في ذلك الوقت (كان بيضرب تعظيم للرئيس) يقصد عبد الفتاح السيسي، أو عندما اضطر وتحت تلك الضغوط المتتالية عليه للإعلان عن رفضه لقانون التظاهر والذي جاء على طريق ممهد من جميع أجهزة ومؤسسات الدولة.

في المقابل جاء موقف المقاطعة كموقف تطهري وتأنف “ثوري” من الجماهير من خوض معركة انتخابية (محسومة سلفاً)، حتى دون النزول إلى مستوى هذا الوعي الجماهيري المنحدر ومحاولة ايقاف هبوطه على الأقل، لقد رأوا أنه من المهم أن تتوفر أولاً تلك الأجواء “المثالية” من أجل خوض المعركة من حيث خوض مرشح محسوب على الثورة مثل “خالد علي” قبل انسحابه، وكأن الثوريين يجب عليهم انتظار حالة من المد الثوري حتى يخوضوها، أو أن تمن عليهم السماء بمرشح ثوري!

ففي كثير من الأحيان تكون من مهام الثوريين تحسين شروط النضال أو على الأقل إيقاف نزيف الوعي الجماهيري في لحظات الجزر الثوري، فملايين من العمال تظل لديهم أوهام التجربة البرلمانية وامكانية تغيير اوضاعهم المعيشية من خلالها، وبالتالي فإن هذه الانتخابات تعتبر لملايين من العمال والجماهير متنفساً لإدارة الكثير من المناقشات وبطريقة لم تكن متاحة في أي وقت مضى حول التطلعات والآمال المعلقة على هذا المرشح أو ذاك، ولهذا يجب على الثوريين ألا يسمحوا لهذه الفترة أن تمر من دون التدخل لعمل دعاية اشتراكية، ولكن حتى في أحلك الأوقات يكون التصويت في الانتخابات مدعوماً في بعض الأحيان (ومنها الحالة المصرية) بتفضيل نتيجة معينة عن أخرى في ظروف عادة ليست من اختيارنا، و بالتالي فإنها لا تمثل تأييد سياسي شامل لمن ندعمهم.

ولكن قبل كل شيء لا يمكننا ترك أرضية هذه المعركة السياسية لمجموعة من الإصلاحيين والليبراليين دون التوقف ولو لحظة عن إنتقاد إنتهازية الإصلاحي و عدم إلباسهم ثوبا ثورياً، بل على العكس ينبغي علينا أن نكشف حدودهم الإصلاحية أمام أعين تلك الجماهير، حتى و نحن نعلن دعمنا للإصلاحي فى مواجهه قائد الثورة المضادة، علينا ألا نتوقف عن إنتقاد حمدين وشرح حدود الإصلاحية و تذبذبها أمام الجماهير، علينا توضيح أن دعمنا مشروط بتنفيذه لتعهداته الإصلاحية في مجال الحريات والحقوق الإجتماعية والإقتصادية، هذا ما يجب أن يكون موقف الثوريين حال دعمهم للإصلاحيين فى مواجهة قائد الثورة المضادة .

إن نداءات المقاطعة تمثل انعزالاً تام عن الواقع، يتمثل في عدم إدراكه للحظة الراهنة من عودة شرسة وعنيفة للثورة المضادة وصلت إلى حد حصر الانتخابات بين ممثل الثورة المضادة “السيسي” ومرشح إصلاحي متأرجح بين اليمين تارة واليسار تارة أخرى، جعلت من الكثيرين في حيرة من أمرهم متصورين أنه في الإمكان وخلال هذه اللحظة “السوداء” من تاريخ الثورة المصرية ادعاء الثورية في الانعزال عن الجماهير، دون أدنى محاولة منهم (ولو كانت يائسة) لإيقاف تنصيب الجنرال المجنون القادم، وحتى لو كان من خلال دعم مرشح “انتهازي” في معركة برجوازية “تمثيلية”، فأحياناً يكون من الأفضل إلقاء الحجارة في المياه الراكدة بدل من تناول الفشار والمزايدة.

يجب على من يسعى لإقناع الجماهير بصواب شعار المقاطعة، أن يفكر أولاً ومليا في الشروط الموضوعية لتطبيق هذا الشعار وأن يدرك أن رفعه يعني افتراضاً توفر شروط مد ثوري واسع وعام وقوي وسريع، ولكن هل نحن إزاء هذا المد، الذي هو شرط أساسي لإعلان خيار المقاطعة؟ هل نمتلك من القوة الجماهيرية ما يكفي لتحويل هذا الشعار من مجرد كلمات “زاعقة” إلى خطوات ملموسة ؟ هذا هو السؤال الذي يجب معرفته والجواب عنه بتحليل جدي للواقع، إن واجبنا هو أن نهيئ قدر المستطاع، قدوم ذلك المد وأن لا نمتنع مسبقا عن المقاطعة في لحظة مناسبة. فنجاح المقاطعة يستدعي أولاً نضالا مباشرا ضد النظام القديم يتمثل بانتفاضات وعصيانا جماهيريا في حالات عديدة، إن المقاطعة هي رفض الاعتراف بالنظام القديم، ليس بالأقوال بل بالأفعال طبعا، فبدون زخم ثوري واسع وبدون هيجان جماهيري يتجاوز كل الشرعية القديمة، لا مجال لأي نجاح للمقاطعة.

في المقابل يتصور البعض أنه مهما بلغت انتهازية حمدين صباحي فهو يقف على مسافة واحدة من مرشح الثورة المضادة، يجعل من حمدين صباحي شخصاً لا يختلف إطلاقاً عن توجهات وسياسات السيسي، أو يرى أن حمدين صباحي هو امتداد لدولة 23 يوليو، جمهورية الضباط والتي نعاني منها حتى الأن فقط لأن حمدين ناصري !! جمهورية الضباط والتي تحدث عنها الكاتب يزيد صايغ في كتابه (فوق الدولة : جمهورية الضباط في مصر) فيقول:

“تُجسِّد جمهورية الضباط الشاسعة والمترامية الأطراف اليوم نتيجة تراكمية لوظيفتين رئيستين قامت بهما خلال السنوات العشرين الأخيرة من حكم مبارك. فقد عملت، أولاً وقبل كل شيء، كحامي السلطة الرئاسية للملاذ الأخير وأداة للمحافَظة على النظام عبر تغلغله البيروقراطي في الدولة المصرية. ولم يمارس سلطته من خلال السيطرة المباشرة على مجلس الوزراء، كما كان عليه الحال في عهد عبد الناصر. وتركّز التغلغل البيروقراطي بشكل خاص على هيئات رقابية وإدارية منتقاة، وعلى الحكم المحلي، وعلى الأجهزة الأمنية ولو بطريقة يشوبها التوتّر أحياناً.

وتمثّلت الوظيفة الثانية في توفير مسارات لمواصلة الوظيفة وضمان الدخل المالي لكبار الضباط في مرحلة مابعد التقاعد، وتأمين مصادر دخل رئيسة للقوات المسلحة ككلّ. ولعل هذا يشكّل الإرث السياسي لعملية الدمج في نظام مبارك، الذي تسعى جمهورية الضباط إلى الاحتفاظ به كأولوية اليوم. وقد تحقّق ذلك من خلال اختراق القوات المسلحة لجهاز الخدمة المدنية بشكل عام، والسيطرة على بعض الخدمات والبنية الأساسية والأشغال العامة، والبرامج المتعلّقة بالأراضي (حيث يتّخذ الكثير منها حالياً شكل شركات تجارية مملوكة للدولة)، والسيطرة الحصرية على المشروعات الاقتصادية المملوكة للمؤسّسة العسكرية”.

هذا الموقف (أقصد مساواة حمدين صباحي بمرشح الثورة المضادة) لا يهمل فقط في جوانيه تلك الفروق الشاسعة بين الإصلاحيين الانتهازيين ودعاة الثورة المضادة، بين كرينسكي والجنرال كورلينوف ( في الثورة الروسية 1917 قام البلاشفة بحشد الطبقة العاملة للدفاع عن حكومة كيرنسكي التي كانت قد جرّمت الحزب البلشفي وأصدرت أوامر بالقبض على كل قياداته، وكان منهم ليون تروتسكي قائد الجيش الأحمر، ولكنهم دعوا إلى الدفاع عنها في مواجهة جيوش الجنرال كورنيلوف الذي زحف على العاصمة لإسقاط كيرنسكي، كان الدفاع عن العدو كيرنسكي في هذه اللحظة ضرورة تاريخية لوقف الثورة المضادة المسلحة والاستمرار بعدها في تعميق الثورة، وهو ما حدث وانتهى بالفعل بإزاحة كيرنسكي وانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية!)، بل إن هذا التحليل (أقصد المساوة بين حمدين والسيسي) يتعمد في الأساس على تحليل خاطئ جعل من شخص إصلاحي مثل حمدين صباحي جزءا من مؤسسات الدولة القمعية مثله مثل المجرم عبد الفتاح السيسي!!

فالثوري لا يمكن أن يقف “على مسافة واحدة” بين قائد الجيش الذي يعدنا بالدم والفقر والجوع والمذابح في الشوارع وبين اليساري الإصلاحي المقاطعة هي بالضبط وقوف على مسافة واحدة من الاثنين.

إن تلك الأصوات الذاهبة لحمدين صباحي تمثل ذلك الصوت الاحتجاجي والرافض لتنصيب السيسي، إنني اتحدث إلى أولائك الثوريين، إلى رفاق الدرب الذين عاهدنهم متمسكين إلى الآن بمطالب ثوة الخامس والعشرين، إلى تلك الأصوات الثورين التي ما بحت تنادي بالحرية للمعتقلين أو بإسقاط النظام، إلى هؤلاء دعوني أعلنها بكل صراحة، لقد هزمت الثورة في تلك الجولة، ولكن لم يستطع النظام قتل تلك الروح الثورية، هو يحاول ويمني النفس بذلك، هو يحاول من خلال تلك الإنتخابات القادمة أن يجعل من تنصيب الجنرال المجنون وكأنه اجماع “شعب” على هذا القاتل، فلنجعلها نحن بمثابة صرخة فيوجه، صرخة رافضة لعودة النظام القديم، صرخة في وجه عبد الفتاح السيسي.