بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لا تدعوهم يستمدوا قوتهم من ضعفنا

تريد الدولة هذه الانتخابات استفتاءً على شرعية قيصر الثورة المضادة وتزيينا لرأسه بإكليل الدستور والشرعية الانتخابية، فيمسك بكل مقاليد القوة وأنواعها المختلفة التي تحتاج الثورة المضادة إليها: عسكرية، اقتصادية، سياسية، دستورية، انتخابية. ولأنه مرشح الدولة الوحيد، ومرشح الطبقة الحاكمة التي ارتعدت لثلاث سنوات من كل حركة في الشارع وأصيبت بصدمة سياسية نفسية عميقة وبدأت في العثور على صوتها مرة أخرى في قائد الجيش، العثور على حزمها وحسمها، على قدرتها على الحكم بيد من حديد لإسكات الرعاع جميعا، فإن كل أبواق الدولة والطبقة الحاكمة سبحت بحمده وأطلقت معجزته!

إن إحدى سمات القوة هي أن تستطيع منع منافسك من النزول للتصويت ضدك. ومن بين الوسائل هنا غرس اليأس في قلب عدوك. وينطبق هذا على المعارك العسكرية كما ينطبق على المعارك الانتخابية. “أسطورة الجيش الذي لا يهزم” هي أقوى الأساطير في المعارك. وقد كان. وقد قرر الملايين عدم الذهاب للتصويت (ولا أقول المقاطعة) لأنها “مسرحية” ولأنه لا فائدة، ولأن لا أمل لأي مرشح ضد السيسي. وهذا ليس من الثورية في شيء، هو أحد تبديات قدرة جيش السيسي الدعائي على إحباط خصومه.

وبعد مرور أول يوم للتصويت اكتشفنا قلة نسبة الإقبال على التصويت. وكانت مفاجأة للعديدين، وهي مفاجأة سارة، لأن بعد كل هذا “التجييش” لم تستطع الدولة أن تخرج الناس من بيوتها لتحمل عرش الرئيس إليه. وهذا لا يعني أن السيسي ليس لديه شعبية، ولكنه يعني أنها ليست بالضخامة ولا “بالإيجابية” التي أعلنوا عنها والتي أقنعوا أنفسهم بها. لقد جاءت صدمة لهم فأعطونا غدا إجازة، لأنهم مقتنعين بأن تعبئة الجماهير هي لصالحهم. ولسان حالهم: تعالوا صوتوا للرئيس الذي اخترتموه!

ولكننا يجب أن نراها بشكل آخر. إنها فرصة سانحة في وسط المعركة. إن حلف الثورة المضادة ليس بالقوة التي يدعيها. وعلينا إذن أن نلقي كذبته عن التأييد الساحق في المزبلة وأن نرفع عن أعيننا غمامة أنها معركة محسومة. العدو أضعف كثيرا مما يظن بنفسه. فلا تنخدعوا أنتم. على كل أنصار الثورة التصويت غدا لحمدين صباحي في مواجهة ثورة مضادة يمكن أن نقف ضد اكتمال شرعيتها في الصناديق. لا تصدقوا الإعلام. المعركة ليست محسومة. يمكننا أن نحقق نصرا جزئيا، أو على الأقل نمنعهم من تحقيق نصر كاسح. وكلها خطوات إيجابية لبناء معارضة جذرية للنظام في الأيام التالية.

ويجب أن تكون أعيننا على المعارك بعد الانتخابات. فنحن نعرف أن الملايين ممن يرقصون طربا لانتخاب السيسي، والذين يتمايلون فرحا بانتصار الاستقرار على الحركات الشبابية والحركات الاجتماعية المنظمة، وعلى رأسها الحركة العمالية، سوف يستفيقون من السكرة غدا أو بعد غد. إن نظام السيسي لا يستطيع الانتظار حتى يحقق نصرا كاسحا في الانتخابات، فهو ظان بأنه حققه بالفعل (ومن هنا صدمتهم اليوم) وعليه فقد أقروا الميزانية الجديدة اليوم. نعم اليوم. قبل التنصيب المرتقب. وفي الميزانية الجديدة رفعوا حوالي 30 مليار جنيه من دعم الوقود، وهو ما سيرفع الأسعار بشدة، ويقلل الأجور الحقيقية بصورة مفاجئة وضخمة. وبالطبع هم يعدون العدة لمواجهة الآثار السياسية والاجتماعية لهذا. وعلينا نحن أن نعد العدة كذلك. هم عدتهم الجيش والشرطة وغرف التعذيب، ونحن أدواتنا التنظيم والتوعية. لقد بدأت اليوم، اليوم، السياسات التي ستفقد السيسي بضعة ملايين من مؤيديه، ويجب ألا نتركهم غدا. لو كسب السيسي بنسبة ضعيفة لكان أسهل وأيسر على الملايين أن “تستفيق” من سحره عندما تضربها آلام المعدة. سيعرفون أنهم ليسوا وحدهم ضده. والعكس صحيح. إن التصوت غدا لمنافس السيسي الذي يرفع شعارات الثورة، مع كل انتقاداتنا المعلنة عليه، يضع أحد أحجار أساس معارضة واسعة واثقة من نفسها بعد الانتخابات.

ولا تظنوا أن الامتناع عن التصويت هو عنصر إيجابي في ذاته. بالتأكيد السيسي ودولته يريدون أن يحتشد الناس في الشوارع لزيادة شرعية السيسي، وتسهيل مهمة قمع نفس الجماهير بعد ذلك. فإذا كان مؤيدو السيسي قد تقاعسوا عن الاحتشاد بالملايين، فهذا يعني أنه ليس بالقوة التي يدعيها، ولكنه يعني أيضا أن الملايين ممن يمكن أن يصوتوا ضد الثورة المضادة، ضد السيسي، قد تقاعسوا. وعلى هؤلاء نعقد الأمل. ليس على الإحباط العام. ولكن على إحباط جمهور الثورة المضادة، وإيجابية الجمهور الواعي بخطورة السيسي وخطورة برنامجه.

من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نرتكبها في التحليل هي أن نظن أن سلبية الجماهير وابتعادها عن “الانتخابات البرجوازية” سمة من سمات ثوريتها. السلبية لا تصنع الثورية. النضال هو ما يؤدي إلى الثورية من خلال زيادة التنظيم وتغير الوعي. زيادة التنظيم وتغير الوعي. يظن البعض أن اقتناع الجماهير بأن ليس لهم أي تأثير في هذا البلد ولا على حكامه يصنع وعيا ثوريا، وأن تركهم مجال السياسة كله لأهل السياسة من الحكام يجعلهم في لحظة ما، وفجأة، يثورون على النظام ليرفعوا شعارات نظام أقرب لهم وتمثيلهم ويصنعون على الأرض عالمهم الجديد. بدون مقدمات. بدون إحباطات. بدون تحقيق أكبر استفادة ممكنة من أشكال الصراع السياسي (البرجوازي). إن “الكفر” بالنظام الانتخابي “البرجوازي” يذهب في ناحيتين: الإحباط الكامل والسلبية الكاملة، أو تخطي هذا النظام برمته على الأرض. ولا يجب أن نسبغ على الإحباط الكامل صفات تخطي هذا النظام لمجرد أننا نحلم بيوم تنظم فيه الجماهير أنفسها في مجالس عمالية!!! دعونا نتذكر ما قاله تروتسكي لمؤيديه في الثورة الأسبانية الذين أرادوا مقاطعة المجلس التأسيسي (البرجوازي بالطبع): ننادي بمقاطعته باسم ماذ!! باسم ماذا؟ نحن ليس لدينا سوفييتات. (بمعنى أن حتى في سياق ثورة وحرب أهلية مثل الاسبانية فإن دعوات مقاطعة البرلمان إن لم تكن خطوة تنظيمية إلى الأمام فهي خطوة إلى الخلف).

علينا النضال مع الجماهير لكسر إحباطها، ولكسر اقتناعها بأن ليس في يدها أي شيء على الإطلاق. لا، هناك خطوات صغيرة يمكن تحقيقها. وتفرق كثيرا. نحن أبناء وبنات تراث من أساسياته أننا نناضل “حتى في جمعيات دفن الموتى” (لينين).

لا تقاطعوا. ولا تحسبوا كفر الجماهير بقدرتها على الوقوف أمام الدولة سمة ثورية أو إيجابية. لا تقاطعوا. ولا تجملوا المقاطعة.