بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

عن بناء جبهة المعارضة على مكاسب المعركة

الانتخابات.. وماذا بعد؟

يرفض منطق الجدلية بالفعل طريقة التفكير الأحادية، فكوننا نقول أن اعتبار البعض عزوف الجماهير عن الانتخابات “مقاطعة” بالمفهوم السياسي للمصطلح وانتصارا للثورة تلفيقا وتضليلا للجماهير، أو مع افتراض حسن النية، مغالطة سياسية سوف تؤثر على قدرتنا على تحليل المشهد ورسم التكتيكات الصحيحة للفترة القادمة، فليس هذا معناه أن ننكر أن هذا العزوف مؤشر هام لتراجع شعبية السيسي وتقليصا لأثر التفويض، وقد قلنا دائما بضرورة هذا التراجع بل وحتميته، ولكن بدون وجود مصب لاستيعاب هذا التراجع في المعسكر المقابل لمعسكر الثورة المضادة يصبح هذا المؤشر كأن لم يكن.

هذا المصب، وهو ما سيبدو غريبا بعض الشيء في أول الأمر، هو نتاج عملية المشاركة نفسها، وبالطبع نقصد القطاعات التي شاركت في دعم حمدين وصوتت له فهي تمثل الطليعة الأكثر تقدما بين الجماهير الآن في ظل حالة الجزر التي تمر بها الثورة منذ فترة طويلة، كونها نجت من دائرة الإحباط والتخبط والتي أصابت قطاعات واسعة من الجماهير، وهي الأكثر قدرة على تقبل الشعارات الثورية كونها اتخذت موقفا متقدما بدعم حمدين ضد مرشح الثورة المضادة وممثلها الأجدر عبد الفتاح السيسي رغم كل محاولات مؤسسات الدولة ورموزها السياسية والإعلامية لصنع الزعيم السيسي وإحاطته بهالات القداسة والتأليه.

لقد كان إعلان حمدين صباحي ترشحه للرئاسة بمثابة البيان الختامي لنهاية حلف 3 يوليو بين السيسي وقوى ورموز إصلاحية بعد أن تلقى الحلف عدة ضربات، بعضها كان نتاج ظروف موضوعية منها تخطي اللحظة السياسية لفكرة الحلف نفسه، وظروف ذاتية على طرفي الحلف منها رغبة الدولة في التخلص من حلفاءها والإطاحة بحكومة الببلاوي ورموزها الإصلاحية بعد أن أدت مهمتها وتم حرقها بشكل كامل وأصبحت عبئا على كاهل النظام، وعلى الجانب الآخر رغبة بعض القوى و الرموز الإصلاحية القفز من المركب قبل غرقها أو تحت وطأة ضغط قواعدها. والآن، دعونا نعود قليلا للجدل الذي تزامن مع إعلان حمدين صباحي خوضه الانتخابات الرئاسية ضد عبد الفتاح السيسي.

لقد سادت حالة من النقاشات الواسعة داخل القوى السياسية والثورية وفيما بينها بشأن المعركة الانتخابية وجدوى خوضها، ولقد أسفرت هذه النقاشات عن موقفين بدا واضحين، أولهما المشاركة ودعم حمدين صباحي وثانيهما بالطبع المقاطعة. ولكن في الحقيقة كان داخل كل موقف تباين كبير في أسباب وشكل اتخاذ القرار بين كل قوة وأخرى، وبعيدا عن الخوض في هذا التباين فإن المواقف السياسة كونها تكتيكات مبنية على تحليلات آنية للمشهد السياسي واستشرافا للمستقبل القريب في ضوء معطيات هذا المشهد، فإنه لا يمكن إثبات صحتها أو خطأها إلا باختبارها على أرض الواقع.

لقد خضنا “المسرحية” الانتخابية ونحن نعلم جيدا “حدودها المرسومة من قبل النظام” كما نعلم أيضا حدود المرشح الذي ندعمه وسقف خطابه وفرص تطور هذا الخطاب. لم تكن حملة حمدين هي مجرد مجموعة الإصلاحيين الذين يلتفون حوله، وتحكمهم في كثير من الأحيان رغبتهم في إبقاء الباب مواربا بينهم وبين الدولة – ودائما ما يكون هذا طبيعة الإصلاحيين – ولكن في الحقيقة انضم الآلاف من الثوريين إلى الحملة أو عملوا بالتنسيق معها سواء على الأرض أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

لم يكن المحرك الأساسي لهؤلاء الشباب هو توهمهم بفوز مرشحهم بسباق الرئاسة، بل إدراكهم لحدود المعركة وأهميتها فقرروا خوضها من أجل تخسير السيسي “ولو صوتا واحدا”. كان من بين هؤلاء الشباب من رفضوا التفويض ومن دعموه، من رأوا أن فض اعتصام الحرس الجمهوري ورابعة والنهضة كان من أبشع المذابح في تاريخ مصر الحديث ومن رأوا ساعتها أنه إجراء كان لابد منه، وحملوا قيادات الإخوان مسؤلية الدماء التي أسيلت. لا نريد هنا بالفعل أن نرسم مشهدا توافقيا بين مجموعات من الأضداد توحدت حول موقف دعم حمدين، ولكننا نحاول أن نرصد التحول التدريجي الذي طرأ على هذه المجموعات والذي أقر الكثير منها بخطأ التفويض وبتبعات السكوت على المجازر التي دبرها النظام ضد الإسلاميين. لقد خاضت هذه المجموعات بإمكانيات ضعيفة نضالا صعبا واشتبكت مع قطاعات من الجماهير ما كانت لتصل إليها لولا الدعاية الانتخابية.

ومع احترامنا للقوى التي أعلنت موقف المقاطعة، وبصرف النظر عن الأسباب التي دعتها لاتخاذ هذا الموقف، فإننا نرى أنها لم تستطع اختبار موقفها على الأرض، فلم تقم بالدعوة إليه ولا نظمت فعالية واحدة لدعم هذا الموقف، ولا قامت بقياس مدى تجاوب الجماهير مع هذه الدعوة عبر الاشتباك المباشر معها. بل على العكس من ذلك، لقد شاركت بعض هذه القوى فعليا في دعم حمدين صباحي بداية من مشاركة أعضائها في استكمال التوكيلات لحمدين في آخر يومين قبل غلق باب الترشح. ولعلنا نذكر دعوة خالد على لأعضاء حملته للمساهمة في استكمال التوكيلات، كما شارك الكثيرون من شباب 6 أبريل وحزب العيش والحرية في الحملة الانتخابية لحمدين صباحي، وحضروا فعالياتها في كثير من الأماكن. بالإضافة إلى ذلك، فقد أسهمت الفعاليات التي نظمتها قوى مقاطعة وأخرى مشاركة في الانتخابات ضد السيسي – حملة “ضدك” – في زيادة رصيد حمدين صباحي كونها لم تدعو مباشرة إلى موقف المقاطعة. فعن أي مقاطعة كنا نتحدث إذا؟

إن المقاطعة السياسية لهذه الانتخابات لم تحدث إلا من جمهور الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعية والقطاعات التي لاتزال تدعمهم من التيار السلفي والمتعاطفين معهم، وهم الذين يخرجون الآن لجني ثمار هذه المقاطعة داعين إلى عودة مرسي. فهل هذه هي القطاعات التي نعول عليها بناء بديلنا السياسي الآن؟

إذا كان الأمر كذلك فكيف نقرأ خلو اللجان الانتخابية من الجماهير؟ أدى طول الفترة الانتقالية وممارسات حكومتي الببلاوي ومحلب، والتي زادت من معاناة الجماهير وامتناعها حتى عن تطبيق الحد الأدنى للأجور إلى تململ قطاعات واسعة ممن فوضوا السيسي ودعموا الدولة في حربها المزعومة ضد الإرهاب، ولم تنجح محاولات السيسي ونظامة في إبقاء أثر التفويض كما هو ولا تجديده على الرغم من الحملات الإعلامية المسعورة والتي استمرت في محاولاتها لصنع الإله الجديد حتى أثناء سير العملية الانتخابية. وكما قولنا من قبل فإن عزوف الجماهير عن الانتخابات، وإن كان يعد مؤشرا مهما لتراجع شعبية السيسي، فإنه يعتبر ردة سياسية خاصة أنه مقرون بحالة مريرة من الإحباط والكفر بالعملية السياسية برمتها ورغبة شديدة لدى قطاعات كبيرة من الجماهير في رفض المشاركة في أي معركة سياسية بدعوى أنها محسومة مسبقا.

إن هذه الحالة تروق دائما لأي نظام استبدادي، ولكن في ظرف استثنائي كالذي يمر به النظام الآن فهو يحتاج إلى مزيد من الحشد للتصويت لممثله الجديد حتى تكتمل مراسم تنصيب الجنرال – بالشكل اللائق لتنصيب ديكتاتور – وهو ما دفع النظام إلى تمديد مدة التصويت ليوم ثالث حتى يتثنى له ممارسة التزوير بشكل واسع سواء في عدد المشاركين أو في عدد المصوتين للسيسي.

على الجانب الآخر، كانت تحتاج المعركة ضد السيسي إلى حشد مضاد للتصويت لحمدين صباحي لا تغذية لفكرة العزوف السياسي.

في كل الأحوال، فإن خوض العملية الانتخابية هو الذي دفع النظام إلى اعتماد آليات التزوير. سيضطر النظام الآن إلى إعلان فوز السيسي بأغلبية كبيرة في عملية تزوير واضحة، وهو ما سيدعو كافة القوى السياسية الداعمة لحمدين صباحي وربما المقاطعة للانتخابات أيضا إلى رفض هذه النتائج. وسوف يضع هذا الموقف حمدين صباحي في الاختبار الثاني أمام قواعده وجمهوره، بعد رفضه الانسحاب عقب تمديد مدة التصويت ليوم ثالث والمطالبة له من قبل بعض القوى التي دعمته وشباب حملته ومسؤليها في المحافظات بالانسحاب، وسيكون عليه إعلان رفضه لنتيجة الانتخابات.

سواء اجتاز حمدين صباحي هذا الاختبار أو رسب فيه فإن إمكانية تشكيل جبهة واسعة من القوى التي شاركت في الانتخابات والتي قاطعت أيضا على أهداف واضحة وضد عدو واضح متاحا الآن بشكل كبير. جبهة تعتمد في أساسها على جذب القطاعات التي صوتت لحمدين صباحي ضد سياسات التقشف والقمع والاستبداد، والتي تعود بها دولة مبارك “الغائبة الحاضرة” عبر ممثلها الجديد عبد الفتاح السيسي، جبهة تصبح المصب للقطاعات التي قاطعت الانتخابات وتنتشلها من براثن الإحباط والعزوف السياسي.