بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هذا طريقنا لإسقاط نظامكم الطبقي.. هكذا تحدثت ماهينور

“يجب ألا ننسى هدفنا الأساسي وسط معركتنا التي نخسر فيها الأصدقاء والرفاق.. يجب ألا نتحول إلى مجموعات تطالب بالحرية لشخص وننسى هموم ومطالب الشعب الذي يريد أن يأكل”.

كانت هذه هي كلمات الرفيقة ماهينور المصري والتي أرسلتها من محبسها في  غرفة 8 عنبر 1 بسجن دمنهور.. تدعونا هذا الكلمات أكثر ما تدعونا إلى دراسة التغيرات التي تطرأ على الشعارات والمطالب الجماهيرية في مراحل الثورة ومحطاتها المختلفة وكيف تتغير هذه المطالب  وكيف تتحول إلى شعارات مجردة ومتى تكتسب قوة التنفيذ.

مع بداية أي انتفاضة ثورية تتبلور مطالب المنتفضين وتتلخص في شعارات لا يعي بالضرورة كل من يرفعها معناها الجذري  ويختلف تفسيرها من شخص إلى أخر على حسب وعيه وانتمائه الطبقي، ومن قوى إلى أخرى بحسب مصالح كل منها وانحيازاتها، وتظل تفسيرات هذه الشعارات مختلطة لدى القطاع الأكبر من الجماهير لفترات طويلة أثناء مراحل وموجات العملية الثورية، فيما يرفع عادة الكثير من القوى السياسية  شعارات يعادونها بالأساس من أجل خداع الجماهير وتحقيق مكاسب سياسية وهم يحاولون دائما أن يضعوا لها تفسيراتهم الخاصة والتي لا تضر بمصالحهم ومصالح الطبقات التي يمثلونها.

وكمثيلاتها من الانتفاضات الكبرى تبنت الثورة المصرية منذ اندلاعها في الخامس والعشرين من يناير 2011 شعارت واضحة “عيش، حرية، عدالة اجتماعية ”  شعارات ثلاث تحولت إلى كلمات اعتيادية مجردة كانت تطمس معانيها أكثر فأكثر كلما دخلت الثورة في دوامات ومتاهات الصراع الزائف سواء في شكله الديني – العلماني أو في شكله الوطني ضد ” أعداء الوطن ” والمؤامرت الوهمية.

مع بداية الثورة  وفي اللحظات الأولى لفورانها يبدو النظام وكأنه مستعدا لسحق الجميع  .. في أقوى وآخر لقطة لعصاته القمعية قبل كسرها فتنطلق آلة الموت لتحصد رقاب الجماهير الثائرة .. في هذه اللحظة يضاف مطلب جديد إلى مطالب الثورة يبقى ملازما للعملية الثورية طيلة مراحلها وهو “القصاص للشهداء”.

عندما يتأكد النظام من عدم قدرته على إيقاف فوران الثورة يسارع إلى التضحية بممثليه المباشرين في مناورة لاحتواء الثورة تمهيدا لسحقها عبر مجموعة تدابير وتكتيكات تكون في مجملها خططا ” للثورة المضادة”.

فيما تبقى المطالب الأساسية للثورة معلقة في الهواء لسنوات طويلة لا يدرك الكثير ممن رفعوها مدى جذريتها وما تقتضيه من نسف للنظام السياسي والاجتماعي حتى يمكن تحقيقها .. ومع تراجع الثورة وتصاعد الثورة المضادة تتحول المطالب الحقيقية للثورة والمحرك الأساسي للفوران الجماهيري  إلى “أكلشيهات”. وبحكم الواقع المتراجع للثورة يبدو سعي الثوار أنفسهم لتحقيق مطالب مثل “الإفراج عن المعتقلين” أكثر ضرورة وواقعية من مطالب الثورة التي  ضحى الشهداء بحياتهم والمعتقلين بحريتهم من أجلها.. لا يعد هذا انحرافا بالطبع أو أنانية وخيانة للثورة، إنما هو تعبير عن الواقع المتراجع للعملية الثورية.

سوف تبقى مطالب الثورة الحقيقية غير قابلة للتحقق بشكل جذري طالما ظل أصحاب المصلحة في تحقيقها خارج العملية السياسية. طالما ظلوا غير منظمين. طالما لم نلتصق بهم ونناضل معهم في سبيل تحقيق مطالبهم التي تمثل لهم في لحظات نضالهم من أجلها كل شيء وربما لاتعني  ” للثوريين المتحذلقين” سوى مطالب إصلاحية لا تليق بتركيبتهم النرجسية “الفارغة”.. بين هذه الجماهير من أعطوا أصواتهم للسيسي ومن رقصوا أمام اللجان الانتخابية.. نعم علينا أن نناضل مع هؤلاء ومن أجلهم.

هكذا أيضا تخبرنا ماهينور في رسالتها عن سجينات عنبرها:

“العنبر مجتمع صغير تتناقش فيه السجينات عن أحوال البلد. هنا وجدت داعمات للسيسي من منطلق إيمانهن أنه أذا فاز سيصدر عفوا عن قضايا الإيصالات وهناك من يردنه لإنه سيضرب بيد من حديد المظاهرات الإرهابية “.

إنهن داعمات للسيسي رغم إنهن حبيسات سجون النظام الذي يمثله.. علينا الآن سبهم كما سببنا من رقصن في عرسه الانتخابي متناسين أنهن جزءا من الجماهير التي نسعى إلى كسبهم دوما ودون أن نحلل للحظة واحدة  العوامل الاجتماعية والنفسية المعقدة التي دفعتهن لهذا..

لكن قبل أن نقوم بهذه “المهمة الثورية الجليلة “!! علينا أن نفهم كلام رفيقتنا.. إنهن يدعمونه “من منطلق إيمانهن أنه إذا فاز” سيفعل .. علينا إذا ان نناضل معهن من أجل أن نضطره أن يفعل أو بالأدق: من أجل أن نثبت لهن أنه لن يفعل.

يمثل هذا بالضبط جوهر النضال المطلبي عند الاشتراكيين الثوريين.. إننا نعتذر لكم أيها “الثوريون الأنقياء”  لأننا مضطرون إلى رفع مطالب إصلاحية وجزئية وربما متدنية في هذه المرحلة من عمر الثورة كما اضطررنا إلى رفع مطلب الحرية للمعتقلين فيما توارى مطلب القصاص للشهداء .. علينا أن نرفع مطالب الجماهير ابتداء من الحد الأدنى ومرورا بحل أزمات الكهرباء والغاز والمواصلات والحد من ارتفاع الأسعار. علينا أن نضغط على النظام بشكل تدريجي ونجبره على تقديم تنازلات تزيد من ضعفه ونفضح انحيازاته أمام الجماهير. علينا أن نضربه بعنف في أماكن متفرقة قد تبدو في غاية البساطة ولكن الحقيقة أنها في غاية التعقيد بالنسبة له.

فمثلا، في الوقت الذي يرفضون فيه زيادة ميزانية الصحة ويسعون إلى تقليصها أكثر وأكثر علينا أن نطلق حملاتنا وسط القطاعات الشعبية للمطالبة بتخفيض أسعار  التذاكر في الاستقبال والعيادات الخارجية داخل المستشفيات العامة، وفي الوقت الذي يطالب فيه السيسي الطلاب بالاستيقاظ مبكرا للمشي من منازلهم إلى جامعتهم علينا أن ننظم حملات وسط الطلاب للمطالبة بحق الطلاب بركوب المترو والمواصلات العامة بالمجان أو بنصف تذكرة كرجال الشرطة والجيش، وفي الوقت الذي يخططون فيه لارتفاع الأسعار علينا أن نقنع الجماهير  بمطالبة المحافظين ورؤساء الأحياء بإنشاء منافذ بيع للسلع الأساسية بأسعارمدعمة.  

علينا أن نناضل مع العمال من أجل نيل مطالبهم بحلول واضحة نضعها بين أيديهم عن طرق نقل الخبرات العمالية  ونطورها معهم لحظة بلحظة، علينا أن نجمع توقيعات من الفلاحين للمطالبة بإسقاط ديون بنك التنمية والائتمان الزراعي وتأميم شركات الأسمدة الخاصة ووضع تسعيرة جبرية لها. هذا إلى جانب مئات التكتيكات التي تمثل حلولا مقنعة لأزمات الجماهير بالإضافة إلى جذبهم على كل المعارك السياسية.

ساعتها سيكونوا مستعدين للنضال من أجلها وأثناء عملية النضال هذه وفي كل انتصار يحققونه سوف يكتسبون ثقة لاحدود لها، سوف يدركون قوتهم ويعون بذواتهم وبضرورة توحدهم. وفي كل إخفاق  يمنون به سوف  يكتشفون عبث هذا النظام وبؤسه وسوف يصبحون على استعداد أكبر  لتقبل فكرة حتمية  إزالته.

لقد لاحظت ماهينور هذا عندما اقتربت من سجينات عنبرها وهن يمثلنا بالطبع كما قالت مجتمعا صغيرا وأدركت أنهن لا يحتجن أن نتحدث عن مشاكلهن وفقط بل أن نجد لها حلولا يقتنعون بها: ” بجانب الهتاف ضد قانون التظاهر يجب أن نعمل على الإطاحة بالنظام الطبقي وأن ننظم أنفسنا ونتفاعل مع الشعب ونتحدث عن حقوق الفقراء وحلولنا لها ونهتف بالحرية للفقراء حتى لا يشعر الناس أننا معزولون عنهم”.

سوف نغرق إلى أذنينا في الإصلاحية إذا لم نربط كل نضالتنا الجزئية هذه بهدفنا النهائي في تغييرالمجتمع  بشكل جذري؛ إذا لم نشر في كل لحظة إلى بؤس هذا النظام وإلى استحالة إصلاحه وضرورة إزاحته بقوة الثورة؛ إذا لم نعرض على الجماهير  منهجنا الثوري بأوضح ما يكون وبأوقع ما يكون؛ إذا لم نشرح بصبر لا ينضب نظرية الاشتراكية العلمية وبث دعايتنا  وسط أصحابها الحقيقيين في وسط الطبقة العاملة والفقراء والمهمشين؛ إذا لم نجذب إليها الطليعة الثورية ونكسبها على مشروع التغيير من أسفل؛ إذا لم يمثل مشروعنا هذا  البديل الوحيد  لهذه الجماهير؛ إذا لم نسع إلى كسبهم، إلى تنظيمهم في معسكرهم الوحيد – في حزبهم الثوري من أجل إزاحة النظام الرأسمالي وبناء نظام الحرية والعدالة الاجتماعية.