بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حلوة الصورة يا سعيد بيه؟

من اعتصام عمال النيل للمفروشات - صورة أرشيفية

الساعة الثانية صباحاً في ليلة من ليالي رمضان، يدق باب المنزل بعنف في ضاحية من ضواحي الإسكندرية، يفتح الشاب العشريني الباب فيجد مجموعة من الرجال بزي مدني يقتحمون المنزل فجأة ويقول أحدهم: “احنا مباحث قسم المنتزه أول ومعانا إذن من النيابة بتفتيش بيتك”، فيطلب الشاب صورة الإذن فيريه ضابط الشرطة الكارنيه الخاص به الذي يثبت أنه ضابط مباحث دون أن يريه إذن النيابة، ثم يتجول داخل المنزل حتى يجد جهاز الكمبيوتر الخاص به ويأمره بفتحه، ثم بعد ذلك يطلب منه الدخول على حساب الـ”فيس بوك” الخاص به فينفذ الشاب ما يُطلب منه، وأثناء ذلك يستجوبه الضابط ويسأله حول إذا ما كان مؤسس صفحة على فيس بوك اسمها “يوميات النيل للمفروشات”.

بعد فترة من البحث على جهاز الكمبيوتر وعلى حساب الفيس بوك الخاصين به واستجوابه، يطلب منه الضابط النزول معه إلى قسم شرطة المنتزه أول ويطلب منه أن التحرك معه سريعاً “عشان يلحقوا السحور” حسب قول الضابط الذي يأخذ معه الكمبيوتر والمحمول الخاصين بالشاب كأحراز، وهناك يبدأ فصل جديد من القصة.

عند وصوله القسم وُضعت الكلبشات في يديه وغموا عينيه بقطعة قماش حول رأسه، وطلب منه ضابط المباحث الاعتراف بمسئوليته عن صفحة الفيس بوك المذكورة، كما طلب منه أيضاً الإرشاد عمن يدير معه الصفحة، فقال الشاب أنه مدير الصفحة ولكنه رفض الإدلاء بأسماء زملائه في إدارة الصفحة، فضربه الضابط بعنف على وجهه ليسقط أرضاً، ثم ضيقوا الكلبشات على يديه لأقصى درجة ممكنة حيث سببت جروحاً حول معصميه وورماً وتخديراً في اليدين، ليتناوب الضابط والمخبرين على ركله بعنف في أماكن متفرقة من جسده. وضعوا وجهه للأرض وهو نائم على بطنه وأخذوا يدوسون على رقبته من الخلف مما أفقده القدرة على التنفس لانسداد القصبة الهوائية في هذا الوضع، بعد ذلك أمر الضابط المخبرين بسحبه وإجباره على الوقوف على قدميه ثم أمرهم بفك حزام بنطلون الشاب المعتقل فسقط البنطلون وبقى الشاب بالملابس الداخلية السفلية، عندها هدده الضابط بأنه سوف يقوم بإدخاله للمسجونين الجنائيين لاغتصابه “لغاية ما يجيب دم” إذا لم يعترف على من معه في إدارة الصفحة! تماسك الشاب ورفض الاعتراف، عندئذٍ قال له أنه إذا لم يعترف فسوف يعتبر أن زوجته هي التي تدير الصفحة معه وطلب من المخبرين إحضارها للتعامل معها بمعرفته، وقتها استجاب الشاب للضغوط واعترف على زميله الذي يدير معه الصفحة وأعطى للضابط بعض “الأمارات” على هذا.

وقتها فك الضابط القماشة من حول عينيه وطلب منه النظر لموبايل حديث كان بحوزته وقام بتصويره عدة صور ثم استخدم الموبايل لدقائق وبعدها أجرى مكالمة تليفونية قائلاً لمحدثه على الطرف الآخر: “حلوة الصورة يا سعيد بيه؟”، ثم قال له إن شكله اتغير بعد “ما قام معاه بالواجب” وأعطاه اسم الشاب الآخر الذي اعترف عليه.

هذا ما حدث مع الشاب محمد السيد العامل في شركة نايل لينين جروب “النيل للمفروشات” في قسم شرطة المنتزه إثر بلاغ من مالك ورئيس مجلس إدارة الشركة “سعيد أحمد” ضد هذا العامل لأنه أنشأ صفحة اسمها “يوميات النيل للمفروشات”، يحكي فيها العمال عن الظلم الذي يتعرضون له يومياً من إدارة الشركة ويدافعون فيها عن نقابتهم المستقلة التي تريد وكيلة وزارة القوى العاملة في الإسكندرية حلها “لعدم قانونيتها على حد قولها”، كل ما فعله الشاب أنه يقوم بكشف الظلم الذي يتعرض له العمال ليُقمع بتوجيهات من يظلم العمال بدلاً من حسابه على ظلمه.

لن أكتب عن تفاصيل ما حدث للعامل بعد ذلك من عرضه على النيابة التي حبسته 4 أيام على ذمة التحقيقات، مع رفض وكيل النيابة إثبات الإصابات التي حلت به نتيجة الضرب والتعذيب وتعامله الفظ معه أثناء التحقيق لإجباره على الإدلاء بأقوال بعينها، مما يثبت انحيازه ضد العامل ثم خروجه بعد ذلك في موعد التجديد بكفالة ألف جنيه. لن أكتب عن تفاصيل إيقافه عن العمل من قبل مالك الشركة هو وزميله الآخر إسلام رمضان الذي اعترف عليه تحت التعذيب والتهديد، والذي هددته إدارة الشركة بأن يحدث له مثلما حدث مع زميله محمد، لن أكتب عن تفاصيل مساومات صاحب الشركة معهما لترك الشركة مقابل مستحقات مالية أقل من مستحقاتهما وإلا فسوف يقدم مديرو الشركة العديد من البلاغات الأخرى ضدهما وهو ما سيعرضهما لمزيد من التنكيل وسوف يهدد مستقبلهما. لن أكتب عن صاحب الشركة ذو “الصوت الحنيّن” وهو يقول له “إنه لما شاف صورته معرفوش لأنه شكله اتغير من الضرب فصعب عليه”. لن أكتب عن تلك التفاصيل وغيرها الكثير لأن المساحات لن تكفي التفاصيل لكثرتها. سأكتب فقط عما لفت نظري لتكراره بعدة أشكال خلال الفترة الماضية وهو التعاون الكامل بين أجهزة السلطة ورجال الأعمال الذي تخطى مرحلة التواطؤ لمرحلة الجهر بالتواطؤ.

هذه ليست المرة الأولى خلال الفترة الأخيرة في الإسكندرية، فقد سبق وحدث هذا بأشكال مختلفة في مواقف مختلفة مع عمال من شركات وهيئات مختلفة؛ حدث هذا مع عمال فاركو خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي عندما أضربوا عن العمل واعتصموا داخل مقر الشركة، وعندما توجهوا لمحافظ الإسكندرية اللواء طارق المهدي (عضو مجلس طنطاوي العسكري) وصفهم بالبلطجية وسألهم كيف يعترضون على رجل البر حسن عباس حلمي وولديه شيرين ويشار أصحاب شركة فاركو وكان منحازاً ضدهم بشدة في المفاوضات.

حدث أيضاً شكل مختلف من التواطؤ ضد عمال الشركة الوطنية للزيوت النباتية “كارجيل” أثناء اعتصامهم الذي بدأ في ديسمبر الماضي، عندما هجم عليهم بلطجية تابعين لإدارة الشركة واعتدوا عليهم وحاصروهم فرفضت شرطة النجدة وشرطة قسم برج العرب التحرك لهم.

وموظفو البريد في الإسكندرية لهم قصة أخرى، ففي أبريل الماضي خلال إضرابهم عن العمل ضمن إضراب عام لموظفي البريد على مستوى الجمهورية؛ قامت قوات من الشرطة باقتحام منازل 5 من قيادات الإضراب وتعاملت معهم بعنف شديد أثناء القبض عليهم وداخل أماكن احتجازهم، وتم عرضهم على نيابة محرم بك التي أمرت بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيقات ثم جددت لهم الحبس بعد ذلك 15 يوما، وأثناء حبسهم تفاوض العمال مع محافظ الإسكندرية حول مطالبهم فرفض تلبية أي من تلك المطالب وطلب منهم فض الإضراب مقابل خروج زملائهم من الحبس، وهو ما تم عندما فض موظفو البريد إضرابهم خوفاً على زملائهم فتم إخلاء سبيل زملائهم الخمسة بعد يومين من فك الإضراب وقبل انتهاء الخمسة عشر يوما مدة تجديد الحبس بحوالي أسبوع. وهو ما يؤكد أن السلطة السياسية هي صاحبة قرار حبسهم من خلال النيابة كما كانت هي صاحبة قرار إخلاء سبيلهم من خلال النيابة أيضاً عندما فضوا إضرابهم.

وحدث مع محصلي فواتير شبكات ناتجاس في الإسكندرية موقف آخر يمكن وضعه في نفس السياق أثناء اعتصامهم في مقر الشركة في محرم بك في إبريل الماضي عندما توجه إليهم معاون مباحث محرم بك ورئيس مباحث الفرقة وقاموا بتهديدهم بالحبس في حالة عدم فض اعتصامهم، وهو ما رفضه العمال ليفاجئوا بالقبض على 4 من زملائهم فجراً من بيوتهم وتم عرضهم على النيابة التي أمرت بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيقات، وتم التجديد لهم مرتين 15 يوما وخلال تلك الفترة فض زملائهم إضرابهم خوفا من التنكيل بهم.

استخدام السلطة للقمع ضد العمال المحتجين بطلب مباشر من رجال الأعمال، الذين يلقاهم السيسي اليوم لطمأنتهم، ورؤساء الهيئات الذين يستغلون نفوذهم عند السلطة وأجهزتها هي سمة مميزة للنظام الرأسمالي ستبقى طالما بقي هذا النظام اللاإنساني، الاختلاف فقط من مكان لآخر ومن وقت لآخر هو في درجة هذا القمع؛ فطالما بقي النظام الرأسمالي، طالما بقي الاستغلال، طالما بقي الترابط والتداخل في المصالح للمستَغِلين سواء كانوا من رجال السلطة أو رجال الأعمال ضد المستَغَلين من العمال والكادحين حتى يستمر الاستغلال ويتفاقم.