بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الباعة الجائلون والحكومة.. أصدقاء الأمس أعداء اليوم

كانت الحكومة تتعمد ترك الباعة الجائلين بالشوارع من أجل خنق الناس عن طريق تواجدهم على الرصيف أو مزاحمتهم في كثير من الأوقات للشوارع، فالحكومة والشرطة والمسؤولون كانوا يتركونهم معتمدين في ذلك عدم توفير بدائل جيدة لهم، فضلاً عن أنهم كانوا الأيادي اليمنى لرجال الأمن وقوات الداخلية بل كانوا أداتها في فض المظاهرات حيناً، وفي ضرب المتظاهرين حيناً آخر، فقوات الشرطة التي ساعدوها يوماً قررت شن هجمة عليهم تنقلهم بموجبها من أرصفة اتخذوها أسواقاً لسنوات إلى مركز الترجمان، وتلك منطقة لم يعتادوها من قبل، بدت لقمة عيشهم فيها مهددة بالضياع.

يقول عم ربيع اليماني، فني دهانات ديكور ونقيب العاملين بنقابة البناء والأخشاب، متحدثاً لمراسل الاشتراكي عن أزمة الباعة الجائلين وكيفية تعامل الحكومة معهم، أن أغلبية الباعة الجائلين يعملون لحساب المحلات التي يقفون أمامهم، إما لصالح ترويج البضاعة الرخيصة أو تلك التي لا يوجد لها مكان للترويج في المحلات. في المقابل فإنهم عادةً يدفعون أموالاً لأصحاب تلك المحلات مقابل استئجار تلك الأمتار البسيطة أمام المحلات أو ثمناً لوصلة سلك لإضاءة لمبة.

يضيف اليماني أن “الدولة عندما قررت التدخل في أزمة الباعة الجائلين فإنها زادت الطين بلة، فقررت يوم 24 أغسطس الماضي، وبالتعاون مع قوات من مديرية أمن القاهرة، بدء نقل الباعة الجائلين من منطقة وسط البلد إلى جراج الترجمان وسط حراسة أمنية مشددة”.

الأزمة لم تنته عند هذا الحد وتدخل الدولة بهذا الشكل، فضلاً عن الإهانات التي تعرض لها الباعة الجائلون والتي فاقمت الأزمة، وترويج الأمن بأن هؤلاء الباعة الجائلين هم تجار مخدرات؛ فالباعة الجائلين المتضررون من نقلهم إلى موقف الترجمان يشكون انعدام وجود زبائن المكان التي اضطرتهم الحكومة للانتقال إليه. ويطالب الباعة الجائلون أيضاً بتقليل قيمة إيجار أماكنهم عن المبلغ المقرر وهو 450 جنيها شهرياً، مؤكدين أن حركة البيع والشراء ليست بالقوة التي تمكنهم من سداد قيمة الإيجار، وتحقيق مكسب يحقق لهم العيش الكريم، حيث استنكر الباعة موقف الحكومة منهم على الرغم من الدور الذي قاموا به – على حد قول ربيع اليماني – في مساعدة قوات الداخلية لفض مظاهرات، مضيفاً بأن الدولة في تعاملها الأخير مع أزمة الباعة الجائلين قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها في طريقها للتوحش.

يتحدث المسئولون بمحافظة القاهرة حول أن نقل الباعة إلى جراج الترجمان يتم على ٣ مراحل؛ الأولى تشمل مناطق عابدين وشارع قصر النيل وعبد الخالق ثروت، ويبلغ عددهم ٧٠٠ بائع، والثانية تشمل الباعة المتواجدين بشارعي طلعت حرب و٢٦ يوليو من اتجاه العتبة وحتى الإسعاف، وعددهم ٦٠٠ بائع تقريباً، أما المرحلة الثالثة فستضم ٥٠٠ بائع من المتواجدين فى امتداد شارع ٢٦ يوليو من الإسعاف حتى الكورنيش.

من جانبها، كثفت أجهزة الأمن إجراءاتها وتواجدها بمناطق وسط البلد أثناء عملية نقل الباعة وتسليمهم الأماكن بـ«الترجمان»، بحضور كل الأجهزة الأمنية، فخلال عملية النقل انتشرت سيارات الشرطة التابعة لمديرية أمن القاهرة وقوات الشرطة العسكرية على مداخل ومخارج ميدان التحرير وشارع طلعت حرب ومدخل بولاق أبوالعلا ومنطقة تقاطع شارع محمد فريد مع شارع عبدالخالق ثروت وشارع ٢٦ يوليو للتدخل فى حالة رفض البائعة الجائلين تنفيذ قرار الإزالة وتحسباً لعودة الباعة الجائلين مرة أخرى للمنطقة.

في المقابل احتشد العشرات من الباعة الجائلين، الاثنين 25 أغسطس، أمام مكتب النائب العام المستشار هشام بركات بشارع 26 يوليو للاعتراض على قرار الحكومة بنقل كافة الباعة المتجولين من منطقة وسط البلد إلى أرض الترجمان، وعدم توفير أماكن لكل الباعة. وقاموا بتنظيم مسيرة وصلت عبر شارع الجلاء إلى بوابة محكمة النقض بشارع 26 يوليو، وسط محاصرة من قوات الشرطة وفرض لكردون أمني، عقب وصول مسيرة الباعة لمكتب النائب العام.

الباعة الجائلين الذين نُقلوا لجراج الترجمان لم يتوقفوا عند هذا الحد، فخرجوا عصر الثلاثاء 26 أغسطس للتظاهر أمام البوابة الرئيسية لمدخل الجراج، مطالبين رئيس الجمهورية بالتدخل والعمل على إيجاد حلول بديلة وجذرية لإنهاء مشكلة الباعة بتوفير أماكن ملائمة.

قوات الأمن هي الأخرى لم تتوان عن استخدام العنف والاعتقال العشوائي فألقت القبض على كلٍ من محمد محمد عبد الله يوم الأربعاء الماضي، وأحمد حسين، ورئيس نقابة الباعة المتجولين بالقاهرة ليتم ترحيله إلى قسم بولاق بتهمة تحريض الباعة الجائلين على عدم تنفيذ قرارات محافظ القاهرة بشأن نقلهم إلى المكان الجديد المخصص لهم بجراج الترجمان.
أحمد محمد محمود نائب رئيس نقابة مصر الجديدة تحدث لمراسل الاشتراكي عن الأزمة قائلاً: “لقد تم طرح مخرج لهذه الأزمة على محافظ القاهرة وهو تخصيص أرض النافورة بميدان “روكسي”، حيث تم تقسيم الأرض إلى حوالي 80 كشك. لكن المحافظ رفض الموافقة على تخصيصها للباعة”.
احتجاجات الباعة المتجولين على قرار محافظة القاهرة بنقلهم إلى جراج الترجمان لها أسبابها التي يراها الباعة تؤثر على حياتهم، ففي الوقت نفسه جدد الباعة رفضهم قرار نقلهم لمنطقة الترجمان، ووصفوه بالقرار الفاشل من جانب المحافظة وسيصيب بضاعتهم بالركود لعدم وجود أي كثافة فى الترجمان حيث أنها لا تكفي لتصريف البضاعة، كما أن تجار السبتية يسيطرون على المكان وسبق أن عرضوا على المحافظ نقلهم إلى منطقة وابور الثلج لأنها أرض فضاء مساحتها تقريباً حوالى ٨ أفدنة وسيقام عليها مول، ليتبخر كلام الوزير فجأة ويقرر نقلهم إلى جراج الترجمان.

فضلاً على أن منطقة الترجمان عبارة عن مبنى مكون من ٣ أو ٤ طوابق بجوار ورش الخردة بمنطقة السبتية بشارع الصحافة ويصعب على الزبائن أن تأتى إليها، وثبت من خلال تجربة آخرين نقلوا إليها أنها باءت بالفشل وهؤلاء الباعة تم تسريحهم فى نهاية الأمر.
أما الحكومة هي الأخرى فلم تكتف بذلك وقامت بتحديد نصف متر فى نصف متر لكل بائع في جراج الترجمان وهى مساحة لا تكفي بالأساس لترويج البضاعة، فضلاً عن اضطرار الباعة لدفع أموال لتأمين البضائع والتي يسددون ثمنها بشق الأنفس.
الأزمة مستمرة وأصدقاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم في نظر حكومة ورجال الأعمال، هكذا تباعدت المصالح بين الجميع، والدولة اليوم لم تجد أي غضاضة في الانقلاب عليهم يدعمها في ذلك جهاز إعلامي يُستخدم فقط لتشويه المعارضين لصالح قاطعي الأرزاق، وآلة عسكرية لا تجد أي حرج في الفتك بهؤلاء المعارضين حتى لو كانوا من الباعة الجائلين الذراع اليمنى لقوات الأمن سابقاً، فالآن رُقع الشطرنج قد اختلفت أماكنها.