بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ما فقدناه في الزخم: عن الإحباط والتاريخ وأسئلة لم تجاوب

لوحة "أنجيلوس نوفوس" لبول كلي
لوحة "أنجيلوس نوفوس" لبول كلي

“يمكننا أن نرى أنه حين نطرح السؤال “ما هو الإنسان”؟ فإن ما نعنيه هو: ماذا يمكن للإنسان أن يصبح؟ بمعنى، هل يستطيع الإنسان الهيمنة على مصيره؟ هل يستطيع أن “يصنع نفسه”؟ أن يخلق حياته الخاصة؟ نحن إذا نرى أن الإنسان هو مسار، بمعنى أدق، مسار أفعاله. إذا فكرت في الأمر، فسؤال “ما هو الإنسان” ليس سؤالا مجردا أو “موضوعيا”. إنه وليد انعكاساتنا عن أنفسنا وعن الآخرين، وما نريد أن نعرفه، مرتبطا بما رأينا وفكرنا فيه، ما نكون وما نستطيع أن نكون؛ إذا كنا حقا، وإذا كان صحيحا إلى أي حد، “صانعي أنفسنا”، صانعي حياتنا ومصيرنا. ونحن نريد أن نعلم ذلك “اليوم”، بحساب ظروف اليوم، ظروف حياتنا اليومية الخاصة، وليس أي حياة أو أي إنسان”.

هكذا يقول أنطونيو جرامشي في الفقرة التي تثير تفكيري بشكلٍ يومي. نحن الآن في عصر إحباط مع بعد هزيمة الثورة، والكل حقا محبطون. البعض يداري إحباطه بشعارات مثل “الثورة مستمرة” و”الإيمان بحتمية الانتصار” ولكنها ادعاءات لا تختلف في نظري كثيرا عن الإيمان بأن جدي كان يربي التنانين فوق سطح منزله. الكل يدرك أننا هزمنا ويتعامل مع هذه الهزيمة بطريقته. ولكن هل هزمنا هزيمة سياسية فقط؟

أنظر حولي ولنفسي وأرى من كانوا دائمي الابتهاج والأمل صامتين.. من تجرأوا على كسر قيود أسرهم ومجمتعاتهم يتراجعون إلى خندق المسموح والمقبول والظروف.. من آمنوا بأننا نسطيع أن نغير الكون على شاكلتنا تنحصر أحلامهم في أن يمضوا يومهم آمنين هم وأحبائهم.. يصبح السؤال الوجودي الذي يطرحه جرامشي الآن محور تفكيري: هل يستطيع الإنسان الهيمنة على مصيره؟

لست ألوم أحدا منا بالطبع. الطريف أن جرامشي كان يطرح هذا السؤال وهو في السجن. السجن.. شبحٌ آخر يخيم على حيواتنا وحيوات الآلاف من رفاقنا المعتقلين.. هل نتحكم اليوم في مسار حياتنا؟ أظن أن جرامشي لمس ما عنيته بوصفه السؤال بشكل شخصي للغاية – وليد انعكاساتنا عن أنفسنا وعن الآخرين، وما نريد أن نعرفه، مرتبطا بما رأينا وفكرنا فيه، ما نكون وما نستطيع أن نكون.

ولكنه رغم ذلك يظل سؤالا فلسفيا سياسيا. كيف يأتي التغيير؟ ما الذي يحكم حركة التاريخ؟ الإنسان؟ قوانين الطبيعة؟ يرد جرامشي على هذا السؤال بأن الإنسان هو من يخلق التاريخ الإنساني. نحن من نصنع شكل مجتمعنا ونغيره كما نرغب من داخل ظروفنا. الأمر إذا يتطلب نوعا من الفعل الواعي لخلق التاريخ. الإيمان بـ”حتمية الانتصار” وأن التاريخ في صفنا هي مخدرات ممتازة تعاطاها أغلب الثوار، لكنها لا تمت للواقع بصلة.

ألهذا فشلنا؟ أرجح ذلك. أو على الأقل فهذا أحد أسباب الهزيمة. يرى جرامشي أن الطريقة لتوجيه التاريخ هي ما أسماه “الأمير الحديث”. كأمير ميكافللي يقود الجماهير، لكنه هنا الجماعة السياسية المنظمة التي تسعى للهيمنة الثقافية والقيادة السياسية للجماهير المضطهدة لتوجيهها نحو خلق المجتمع الجديد من رحم القديم، وأن التسليم بزمام الأمور للعفوية والحتمية مصيره الفشل الأكيد.

يمكنني أن أرى مصيبتنا في هذه العبارات. كنا أنواعا مختلفة من الحتميين.. من اختاروا إعطاء وعي البشر فوق قدره وانتظروا لحركة الميادين أن تحملنا إلى الجنة.. أو أن الدخول في إضراب من أجل حفنة جنيهات ينسي الإنسان عقودا من تحرشه بجاراته أو احتقاره لزميله المسيحي هكذا كلمسة سحر.. من رأوا أن الجماهير خراف تشارك في الانتخابات وظنوا أنهم يستطيعون الوصول للهدف بعيدا عنهم.. ومن رأوهم خرافا يجب قيادتها وسط متاهات البرلمانية إلى الأبد على أمل أن يأتي التغيير بالتدريج.. من أقصى اليمين ﻷقصى اليسار الكل كان يظن أن الطريق نحو نجاح مقاصده مرسومٌ وكل ما نفعله هو دفعات للأمام تتفاوت في سرعتها.. أنظروا أين نحن الآن..

لم تخلق الثورة أميرها الحديث بينما امتلك أعداء الثورة أمراء عدة، أجادوا لعبة التاريخ التي لم نأبه لقواعدها. استطاعوا إيقاف الزمن ولم نتعلم كيف نحركه.. من الطبيعي أن تتحول الإفاقة من المخدر إلى إحباط.. إلى أعراض انسحاب.. النصر ليس حتميا يا صديقي والثورة ليست – بطبيعتها – مستمرة. اليوم تعتقلك الشرطة بتهمة التظاهر. اليوم يخبركِ والداكي أن ملابسِك وتأخرِك خارج المنزل هما سبب التحرش.

ليس هدفي العتاب أو التوبيخ. لم تكن كل زمام الأمور بأيدينا من البداية ولم نقاتل في أفضل الظروف. أنا مثلي مثلكم تماما، أشعر أني كملاك التاريخ الذي استوحى فالتر بينيامين وصفه من لوحة “أنجيلوس نوفوس” لبول كلي؛ أنظر إلى خراب الماضي المتراكم أمامنا بعيونٍ فزعةٍ رافضة، أرغب في التدخل ولكن لا أدري كيف، ولا أرى شيءً من المستقبل الذي أسير نحوه رغما عني وقد أعطيته ظهري لا عيناي..

المعرفة هي نصف المعركة، كما تقول مسلسلات الرسوم المتحركة القديمة. ما نفتقده اليوم قبل كل شيء هو إعادة النظر في فهمنا لماهية التاريخ والثورة والوعي.. أرضية النضال وأشكاله.. يوم أخترنا أن نبقى قشةً تحملها موجات التاريخ إلى الأمام والخلف كانت لحظة الهزيمة الحقيقية..

الهزيمة لا تكون بالضرورة في شكل انحراف الموقف السياسي للبعض أو اعتقال الدولة لرفاقنا أو قتلهم. الهزيمة قد تأخذ أشكالا أبسط بكثير، كتكرارنا لنفس الإجابات الخاطئة على نفس الأسئلة أو رضوخنا لمنطق مآسينا اليومية. كيف تعود روح التحرر إلى ذواتنا المحبطة؟ كيف نجد الرد المناسب على ما يلقيه التاريخ في وجوهنا؟

بم نبدأ؟