بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

ما قل ودل

علاء عبد الفتاح والأمير تورلونيا والكلب

من أكثر ما قرأت وأثر فيّ، في عقلي ووجداني، فقرة قصيرة، بل جملة حوارية، في رائعة الكاتب الإيطالي إجنازيو سيلوني “قرية فونتامارا”. يشرح أحدهم للآخر مكان العمال الأجير في العالم فيقول:

“فوق كل شيء يأتي الإله رب السماوات. الكل يعرف ذلك. ثم يأتي الأمير تورلونيا، سيد الأرض.

ثم يأتي حراس الأمير تورلونيا،

ثم يأتي كلاب حرس الأمير تورلونيا،

ثم لا شيء على الإطلاق،

ثم لا شيء على الإطلاق،

ثم لا شيء على الإطلاق،

ثم يأتي العامل الأجير. وهذا كل ما في الأمر.”

بعد كلب حارس الأمير صاحب الأرض وسيدها ينتهي الوجود الاجتماعي، بل تنفتح فجوة من العدم، لا شيء على الإطلاق، بل إن العدم ذاته يتراكب طبقات فوق طبقات من اللاوجود … ثلاثة غيابات، غياهب، ثم يأتي العامل الأجير. كيف! كيف كتب جملة كهذه! كنت دائما أتساءل. هذا العمق الشديد، هذه التبصر، هذه البساطة المتناهية التي تنفجر في وجوهنا وفي الوجدان صرخة مروعة! هذا الوضوح في تجسيد الانقسام الطبقي لا يأتي من العقل. بل يأتي من أعماق أعماق النفس. من ألم شديد. من أين يأتي هذا الألم الكاشف!؟

إلى أن وجدت هذا المصدر، أو أحسب أني عثرت عليه، في واقعة قصيرة في حياة المؤلف يقصها في مذكراته فيقول إنه لما كان في الخامسة شهد النبيل صاحب الأراضي في قريتهم يدفع بكلبه الشرس للهجوم على إحدى الفقيرات، وكانت تعمل خياطة، لتزجية الوقت ومتعة مشاهدة الكلب يفترسها ويمزق جسدها. اعترى جميع أهل القرية غضب صامت. بل ران الصمت على القرية كلها، ويتعجب سيلوني من أين أتت تلك المرأة بشجاعة الذهاب إلى القاضي للشكوى من النبيل. فكان أن انعقدت جلسة استماع، حسب الأصول المرعية، وأتى النبيل بنفسه وحضر عنه محام يساري وعدد من الشهود الذين أكدوا أن المرأة غاظت الكلب وهيجته. أمر القاضي على المرأة بدفع مصاريف المحاكمة وقضى ببراءة الكلب. وكان هذا القاضي يحكي فيما بعد لأسرة سيلوني عن تلك الواقعة إنه تألم فعلا للمرأة وما حدث معها ولكنه اضطر إلى الحكم ببراءة الكلب لأنه يجب أن يحكم بالوقائع المعروضة عليه، فأهم خصلة في القاضي هي الحياد.

لقد تجلى النظام الاجتماعي السياسي الإجرامي الذي يقوم على انقسام الطبقات، وتسيد الطبقات السارقة، للكاتب في مجمله في حادثة صغيرة جدا ومؤلمة جدا. صاحب الأرض هو صاحب الكلب وهو صاحب القضاء. لقد بلغ عمق الوصف، لعمق الإحساس به، أن الإجابات جميعا تورد دون ورود الأسئلة. فإن كنت تريد عدلا وقصاصا لم تذهب إلى القاضي، ولا إلى الكلب الذي يجب على القاضي المحايد أن يبرئه، بل إلى من في يده مقود الكلب يطلقه على من يشاء، إما للترويع أو لحماية الأرض المسروقة أو لمتعة مشاهدة الدماء أو للحفاظ على هيبة السيد.

لا أدري لماذا تذكرت كل ذلك وأنا أتابع محاكمة النشطاء المتهمين بالتظاهر ضد قانون التظاهر، المتهمين بالهجوم على الضباط وسرقة اللاسلكي، ولماذا تذكرت كل شهداء الثورة، وتذكرت كل من خرجوا من أقفاص الاتهام ينعمون بالبراءة بمباركة القضاء المستقل.