بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بطة السيسي العرجاء (الجزء الأول)

أنفث دخان سيجارتي وأنا أتابع انقشاع الدخان المتصاعد على أزيز الصوت المنبعث من التلفاز “إحنا اتهزينا وأنا لأ.. عشان أنا المفروض متهزش ومينفعش أتهز.. وأحنا المفروض منتهزش”.

أحياناً يكون من الجيد التحدث بكلمات غير مفهومة وساذجة ولا ترقى حتى لمستوى الهزل، يكفيها فخرا أنها بالأساس تصلح لـ “كوميك” في صفحات التواصل الاجتماعي.. وقد كان للسيسي ما أراد!

الكوميديا السوداء الساخرة أصبحت جزءا لصيقا من حياتنا اليومية، لدرجة أن الحديث الأخير للجنرال المجنون عقب مناورة “بدر” أتبعه سلسلة متصلة من أحداث تعكس بمنتهى البشاعة مدى الانحدار الذي نواصل التدحرج فيه بظهورنا!

عودة السيدة الزومبي أبو النجا للأضواء مرة أخرى.. القبض على جورج أورويل بجامعة القاهرة بتهمة الدعوة لإسقاط الأنظمة.. قرار محكمة جنايات القاهرة برئاسة الجزار محمد ناجي شحات بإحالة خالد علي لنيابة المعادي للتحقيق معه فيما وصفته هيئة المحكمة بإثارة الشغب أثناء نظر قضية مجلس الوزراء.. فيديو وحشي لتنظيم أنصار بيت المقدس يجسد أبرز العمليات التي خاضها أفراد التنظيم ضد قوات الجيش المصري بسيناء، وأخيرا وليس آخرا في سلسلة مهرجانات البراءة للجميع، براءة المخلوع مبارك و6 من كبار قيادات الداخلية من تهم قتل المتظاهرين وإهدار المال العام.

أما الدبابات فستبقى في الشوارع، يجلس فوقها جنود ساذجون يمسكون مدافعهم الرشاشة، متحصنين خلف بلاهتهم ومتعاهدين على حماية اليأس حتى الرصاصة الأخيرة!

هنا انتصرنا، وهنا رفعنا العلم الممزق من تأثير الأكاذيب والوطنية المنمقة، هنا كُتب التاريخ بأيدي مَن أعلن الحرب.

مشهد رقم 1
على الهامش.. تقرير للمرصد المصري للحقوق والحريات حول أداء المحاكمات والقضاء المصري في قضايا المعتقلين السياسيين خلال شهر سبتمبر الماضي من العام الجاري.

عدد المحكوم عليهم خلال هذا الشهر وحده بلغ 946 شخص، تم الحكم على 642 شخص بالسجن، باجمالي عدد سنوات 4774 سنة و64 شهر، وبراءة 257 شخص، فيما تم الحكم بإعدام حوالي 25 متهما، كما تم الحكم بالغرامة فقط على 22 متهم، لتبلغ العقوبات المالية ضد المحكوم عليهم 70 ألف جنيه، كما بلغ إجمالي الغرامات 8 مليون و616 ألف و500 جنيه!

لا مجال للتعويل على أحكام القضاء، فلا نعول على مَن لا يملك قرار نفسه. يضيف زميلي لا مجال للتعليق على أحكام القضاء، قضائنا حر وشامخ كما ينبغي للشموخ أن يكون!

قلت: لا مجال للتعليق على قضاء قُبلتنا “الغراء”، فها هو شيخ القبيلة يجلس متكئا على كرسيه أمام نيران حربه المتقدة، وها هم “زبانيته” يتراقصون “كالغواني” إرضاءا لنزواته الفاجرة.. لا مجال إطلاقا للتعليق على أحكام القضاء المستقل.. عن ضميره!

يعتقد البعض أن الهدف الأسمى هو إسقاط النظام فقط، وهكذا يسيرون متجردين من السؤال المطروح والملح، هل تقصد رأس النظام أم أذرع النظام أم جثة النظام؟

هذه الإشكالية جعلت من الملايين في 11 فبراير ينساقون وراء تلك إنهاء الثورة إلى هذا الحد، غياب البديل الثوري كان ملاحظا، والجماهير المتفاوتة بطبيعتها سواء في الوعي أو النضج أو الطموحات والأهداف الدافعة لحركتها كان واضحا، ليصبح من مشهد تحية اللواء “الفنجري”، المتحدث باسم القوات المسلحة، مثالا جيدا لطبيعة العلاقة بين الجيش والشعب خلال هذه الفترة، قبل أن تتحول هذه التحية لإشارت بذيئة ورصاص مُنهمر وهتاف ضد حكم العسكر.

قلت: لمَ التروي وقد أثختنا الحرب جروحا في القلب؟

أجاب زميلي: بل هو الثأر يمضي حينا ويأتي حينا.. لكنه العار يبقى ولا يذر!

مشهد رقم 2
تساءلت مضجعا وأنا أتابع سباقات الماراثون في مهرجان البراءة للجميع، هل من الأفضل أن نهاجم القضاء أم من الأفضل أن نستميت في الهجوم على النظام؟ سؤال آخر ينضم إلى سباق الأسئلة حول ما الأجدى في ظل برودة الأجواء الحالية.

يجيب الرجل الأربعيني الجالس بجانبي: “بل من الأفضل إغلاق نافذة الميكروباص يا “كابتن” فبرودة النظام تقتل النظام”!

لكن ينبغي التأكيد على: بداية إسقاط حكم العسكر يبدأ بإسقاط أدوات النظام القمعي بدءاً من قانون التظاهر والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين وإلغاء الحبس الاحتياطي وطرد مرتزقة النظام من على أبواب الجامعات وتحريرها من القبضة الأمنية.

قضايا جوهرية من المهم جدا البدء بالعمل عليها لشل أذرع النظام القمعية بتحركات واقعية.. لا يمكن البدء في مناطحة رأس النظام الحالي دون العمل على تقليم أظافره الحادة أو حتى قطع تلك الأذرع في الأساس!

يدفعنا النظام بأزماته وتوابعه وردات فعله، والتي تجعل من الغباء وصفها بالغباء، إلى الالتفات يمينا ويسارا حول “لماذا لم يقم القاضي “محمود كامل الرشيدي” بالحكم مثلا بالسجن على مبارك وأفراد النظام بحكم سياسي مثلما حدث مع مختلف المعتقلين السياسيين؟ وإذا كان القاضي بالفعل يؤمن بأن النظام فاسد وبأنه قد أذل البلاد والعباد وجعل من المحسوبية والفساد منهاجا له، مع الأخذ بالاعتبار عند طرح السؤال هو قضاء حر ومنفصل بذاته عن ذاته!

“شيزوفرينا” أصابت رجال القضاء، فعندما ترتفع أكفف السيدات المتشحات بالسواد للدعاء على مبارك وعصابته بالموت، يقف “عزرائيل” محترما لأحكام الشامخ.. فلا مجال للتعويل والتعليق على أحكام القضاء.. هكذا أرادوا وهكذا استمعنا في سكوت!

يمكن وصف الحالة المزاجية للقضاء المصري، وعلى لسان قاضي محكمة جنايات القاهرة والتي تنظر قضية اقتحام السجون فى يناير 2011، حينما تحدث الرئيس المعزول محمد مرسي، أحد المتهمين فى القضية ليقاطعه القاضي قائلا: “المتهم محمد مرسى أسكت سامعينك.. إنت بتشوشر على المحكمة.. أنت كده خرجتني من المود”!

مشهد رقم 3
لم تكن مشاهد رجال الشرطة وطلقات القناصة كافية لتقنعنا “آسف” لتقنع رجال الشامخ بأن من قتل المتظاهرين هم أعضاء نادي “اللهو الخفي”، الشرطة لم يكن لها دخل بما يجري بالثورة، ولم يقتل “خالد سعيد” على أيدي المخبرين فلقد ابتلع لفافة “البانجو” ليتحول بعدها إلى شهيد مزعوم!

أما عن بوكسات الشرطة فقد كانوا يعبرون الطريق دون النظر إلى الطريق.. تتحدثون عن طلقات القناصة من أعلى مبنى وزارة الداخلية، لكنكم لا تتحدثون عن هواية قنص العصافير التي يتفوق فيها رجال الداخلية بقدر توفقهم في عمليات التعذيب، وكأن نظام مبارك لم يقتلنا في كل يوم ألف مرة وعلى مدار أكثر من 30 عاما.. وكأننا نحتاج إلى ألف دليل لنثبت فساد النظام!

يؤمن البعض بأن الثورة هي رد فعل الطرف المضاد، بينما يؤمن البعض الآخر بأنها يجب أن تكون فعل مضاد.

يجيب زميلي متثائبا وقد أهلكه النعاس. لمَ العجلة أيها السائق؟ فمازال في العمر متسعا من الوقت.

أجبت: متسعا من أجل الوقوف والانتظار والجلوس والقيام والتمدد على السرير الطبي وانتظار البراءة!