بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا يريد الاشتراكيون الثوريون إسقاط الدولة؟

أتذكر جيداً ذلك اليوم وأنا أتصفح موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ليلفت نظري فيديو مثير في عنوانه وفي محتواه والذي تتحدث فيه حركة الاشتراكيين الثوريين بأنهم يستهدفون إسقاط الجيش وإحداث انقسامات بين صغار الضباط والعساكر من جانب والقيادات من جانب آخر. ويضيفون “إسقاط المؤسسة العسكرية وإسقاط الدولة هو السبيل لإنجاح ثورة 25 يناير”.

لم أتذكر أني تعرفت على الاشتراكيين الثوريين سوى من ذلك الفيديو الذي تسبب في ترويجه غباء أحد عرائس الإعلام المصري.. عمرو أديب!

الفيديو الشهير يتحدث فيه الاشتراكيون الثوريون عن أسباب هدم الدولة المصرية، وكيف أن هذه الإستراتيجية طويلة الأمد وستمتد على مدار عقود يتخللها الدخول في تكتيكات ومنحنيات متعرجة، فعندما تحدث “لينين” عن سياسة “لي العصى” لم يكن يقصد في ذلك “التفلسف” أو إضفاء بعض الكلمات الغامضة، ففي كتابه الشهير “الإستراتيجية والتكتيك” وضع الزعيم البلشفي ما يمكن اعتباره نواة العمل والاشتباك مع الأحداث المختلفة، أقول “نواة” وليست “طريقة” لأن الماركسية فلسفة في جوهرها وليست دوجمائية وقوالب محفوظة يتم تطبيقها بنصوصية شديدة.

لكن يبدوا أن مفهوم “هدم الدولة” أو “إسقاط الدولة” أو “إسقاط مؤسسات الدولة” هذه التعبيرات الثلاثة والتي عادة ما يربطها محرك البحث الشهير “Google” بحركة الاشتراكيين الثوريين توضح أن الأزمة كانت مفتعلة، ولم يكن تسريب هذا الفيديو لأحد أعضائها سبباً كافياً في استثارة الضمائر الخائفة على مصالح الوطن، فدائماً ما يتم ربط المؤامرات التي تُحاك ضد الوطن ومصالحه العليا بمجموعة من المخربين الأشقياء، والذين لا هم لهم سوى هدم مؤسسات الدولة.. بالطبع لا نقصد في توصيفنا لهؤلاء الأشقياء رموز الحزب الوطني الذين تسارعت أحكامهم بالبراءة في ماراثونات أوليمبية قضائية لا تعقيب عليها!

إنهم يدعون إلى دين جديد!
ينظر الساسة ومتشدقي النخبوية إلى مفهوم إسقاط النظام أو الدولة بأنها دعوة صريحة إلى هدم مؤسسات الدولة المجردة، وهكذا، وفي هذا الإطار الضيق، فإنهم يسوًقون مزاعمهم عبر وسائل الإعلام الحكومية منها والخاصة والمعبرة في الأساس عن وجهات نظر متشابكة مع النظام، بأن الهدف من إسقاط الدولة ومؤسساتها هو الوصول إلى مجتمع “عبثي” و”عشوائي” تتوقف فيه حياة المواطنين عن الاستمرار، ويصبح الوطن فيه مُعرضاً لمجموعة من الاعتداءات والأخطار الخارجية.

ولأنهم يقولون دائماً بأن الدولة لا تستطيع البقاء من غير شيطان، لذلك تلجأ معظم الأنظمة الحاكمة إلى خلق شياطينها بأنفسها، وبالتالي فإن الدولة عادة ما تلجأ إلى شيطنة الخصوم والمعارضين عندما فقط تتضارب الخطوط بين مَن يدعون إلى إسقاط النظام وبين مَن كان يرى بأن من الأفضل أن نقوم بمجرد تطهير “ظاهري” لوجه النظام المتعفن في أعماقه.

في تقرير لشبكة “رويتز”، وعلى لسان عمرو موسى وقبل شهر من تدخل الجيش لعزل مرسي، وفي محاولة لتحاشي الصدام الآخذ في الارتفاع، اقترح موسى أن يذعن مرسي لمطالب المعارضة بما في ذلك تغيير الحكومة. فيما كان رد نائب مرشد الجماعة خيرت الشاطر عليه بأن مشاكل الحكومة ترجع إلى عدم تعاون الدولة العميقة متمثلة في المؤسسات ذات المصالح المتجذرة في الجيش وأجهزة الأمن والقضاء وأجهزة الدولة مع الاخوان المسلمين!

لنقترب أكثر من الإجابة على عنوان المقال.. لماذا يريد هؤلاء الاشتراكيون الثوريون إسقاط الدولة؟

إعلام.. طبل وزمر وعلاقات متواطئة كاملة
يُعتبر الإعلام المصري هو النموذج المرادف لإعلام الدولة شديدة المركزية، والتي تعاني من “هسس” الوطنية والشوفينية والحرب على الإرهاب، فبمجرد السكوت وإبداء علامات الامتعاض على إثر أغنية “بشرة خير”، أو النشيد الرسمي لجمهورية دولة السيسي، جعلت من الملحن “حسن الشافعي” فريسة سهلة ومتوقعة لإتهامات تتعلق بالأخونة ومعاداة الوطن.

الإعلام المصري والذي يمثل في حوالي 90% من برامج “التوك شو” جعل من منابره أداة مطيعة في أيدي النظام الحاكم، فإذا كنت معارضاً في الخفاء أو مجاهراً بتلك المعصية فإنك بالتأكيد ستكون فريسة سهلة للنيل من حياتك الشخصية بإتهامات تتعلق بحياتك أو ميولك الجنسية فضلاً عن كونك ستبقى محصورا في خانة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، أو ستجد نفسك ضيفاً على إحدى القنوات ليس من أجل الترحيب بشخصك الكريم لكن من أجل إظهارك بالعجز والضعف، ففي أحياناً كثيرة يرتبط المذيعون بالأجهزة الأمنية. هذا الارتباط الوثيق يجعل تلك الأجهزة الأمنية لا تبذل جهودا ضخمة من أجل القبض عليك أو البحث عنك، فقط يكفيها انتظارك أمام باب الإستديو. هذا النوع من المذيعين يأتي على رأسهم “وائل الإبراشي” ومؤخرا أنضم للقائمة “منى عراقي”.

إعلام يقوم بالترويج لصوت واحد هو صوت الزعيم ساحقاً في سبيل ذلك أي أصوات ليست بالضرورة معارضة، ومروجاً في سبيل ذلك سلسلة متصلة من الأكاذيب والخرافات، فإلهاء الجماهير يبدأ عندما تقوم “ريهام سعيد” بالبحث عن الجن والمس الشيطاني فيما تقوم الحكومة برفع أسعار تذاكر المترو لتصل إلى 3 جنيهات!

قضاء ناجي شحاتة الشامخ
دائماً ما يُعتبر القضاء المصري هو الحصن الأول والأخير في مواجهة الظلم والبطش، فحتى موازين العدالة لتلك المرأة معصوبة العينين دائماً ما تبقى متزنة شأنها في ذلك مراوحة أصحاب الأرواب السوداء في تصرفاتهم.

هذا ما تم تلقينه لنا في المدارس ومراحل التعليم المختلفة. هذا ما نتلقاه من وسائل الإعلام، هذه هي الحقيقة التي يريدوننا فقط أن نستوعبها راضين بذلك أم لا فلا تعقيب على أحكام القضاء.

لكن حتى القضاء الذي بدا أكثر فجوراً مما عهدناه في سوابق نزواته مع النظام قد بلغ من الأمر ما يستوجب المناداة بسحق، وليس مجرد هدم، تلك المنظومة التي نخر الفساد والانحراف أوصالها.

فوفقاً لما كشفته جريدة الأهرام يوم السبت الماضي، فهناك مصدر قضائي تحدث بأن النائب العام المستشار هشام بركات قرر إسقاط عقوبة السجن 7 سنوات وحفظها، والصادرة ضد رجل الأعمال الهارب ممدوح إسماعيل مالك عبارة السلام 98، والتي غرقت في شهر فبراير عام 2006 وراح ضحيتها 1033 شخص وأصيب 377 آخرين.

صورة القضاء المهتز لم تقف عند ذلك فمنذ يومين فقط تحفًظ قسم شرطة “الوايلي” على قاضي بمحكمة جنوب القاهرة، بعد أن أطلق النار على عامل بنفس المنطقة ليلقى حتفه على الفور، وذلك لخلاف على أسبقية المرور، قبل أن تقوم الشرطة لاحقاً بالإفراج عنه.

الدولة تصور للبسطاء وعموم الجماهير بأن القابع خلف المنصة ما هو إلا ملاك طاهر مرتدياً زيه الأسود كتاريخه، وبوجه عابس وتقاسيم غليظة يطل علينا.. ناجي شحاتة.

ناجي شحاتة رئيس الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الجيزة، والمختصة بنظر قضايا الإرهاب، ليس المقصود بشخصه في هذه الجزئية من الحديث، ولن أضيع الكثير من مداد قلمي للحديث على مَن قرر أن يتعرى بمحض إرادته أمام الجميع.

ناجي شحاتة الذي أقصده هو كل قاضي قرر أن يبني أحكامه القضائية بناءً على تلك المكالمة الهاتفية المنتظرة من الجهات الأمنية، هو كل قاضي قرر أن يبني توجهاته السياسية “المنحرفة” في صُلبها على كيفية إرضاء السادة. فالقط لا يهز ذيله سوى لمن يطعمه!

يتحدثون أن القضاة ليس لهم ميول سياسية، وفي نفس الوقت يتحدثون عن موجات من التطهير بحق قضاة يقولون بأن لهم ميول “إخوانية”، ثم ينتابهم الصرع مرة أخرى ليتحدثوا بأن القاضي يحكم بناء على الأوراق التي أمامه، ليُفاجأ الجميع في النهاية بأن القاتل يبتسم في خباثته المعهودة، رافعين له التحية العسكرية.

في جلسة سماع شهود النفي في قضية مجلس الشورى تحدث القاضي موجه حديثه للدكتورة “ليلى سويف” التي حضرت الجلسة كشاهدة نفي (المرة اللي جاية هيتقبض عليكم كلكم)!

هذه عينة من جراثيم القضاء المصري.. براءات للقتلة.. إعدامات تخطت حاجز المعقول.. حتى الأحكام السياسية تقف عاجزة عند رموز النظام المباركي.

الداخلية لكل نظام
قامت دولة نظام مبارك على أساس محاباة الأجهزة الأمنية أو ما يطلق عليها مجازاً بالأجهزة السيادية، حيث كانت وما زالت تعيينات رؤساء الجامعات والوزراء والسفراء، حتى أصغر الموظفين البيروقراطيين في الدولة، لا تتم دون تلقي الموافقة من جهاز أمن الدولة، وكانت في إطار ذلك وزارة الداخلية والتي أشرف عليها اللواء حبيب العادلي على مدار أكثر من 10 سنوات تتويجاً لمراحل تعاظم الدولة الأمنية وسيطرتها على مفاصل الدولة، في حين كانت أقسام الشرطة “سلخانات النظام” بمثابة أبواب جهنم في أعين الجماهير.

ظلت أقسام الشرطة بمثابة قلاع مصغرة صامتة سوى من صرخات المعتقلين جراء عمليات التعذيب، حتى تم إشعالها في 28 يناير 2011 إثر موجات من العنف اجتاحت البلاد، والتي يروج لها النظام ومريديه بأن من تورط في إحراقها هم حماس وجماعة الإخوان وبعض الخارجين على القانون، متناسين في ذلك بأن الجماهير تمتلك خصومة ثأرية مع جميع أقسام الشرطة على مستوى الجمهورية.

ظلت وزارة الداخلية بمثابة الكلب المطيع والمدلل لأي وجه متعاقب، بدءا من المجلس العسكري مروراً بحديث مرسي عن العبور الثالث للشرطة، وانتهاءً بالسيسي واستفحال، أو فلنقل، عودة الدولة الأمنية من منفاها “المؤقت”.

الأحاديث لا تنتهي عن سيل الاتهامات الموجهة لضباط ورجال الداخلية والمتعلقة بقنص المتظاهرين ودهسهم مروراً بعمليات التعذيب والاغتصاب الوحشي للمعتقلين الذكور والإناث، مروراً بمسلسل الجزء الثاني للاقتحامات المتتالية للجامعات المصرية.

لكن إذا كان الحديث مستمراً ومتواصلاً عن الفساد الذي ضرب أوصال وزارة الداخلية، فهل من سبيل إلى إصلاح ذلك؟

تحدث مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد بأن الشبكة تقدمت بعدد من المقترحات لتطهير الداخلية، كما أن التقارير التي تخرج من الشبكة عن انتهاكات الداخلية تقدم مجموعة من التوصيات لمنع هذه الانتهاكات. يضيف عيد بأن أكثر من مرة تتم مناقشة هذه المبادرات والتوصيات فى مجلس الشعب قبل حله ومجلس الشورى، إلا أن هذه المناقشات لا تُترجم في صورة مشاريع قوانين فيما يخص الداخلية بالذات، وأشار أنه يمكن إرجاع ذلك لعدم وجود رغبة حقيقية في تطهير الداخلية أو إصلاح الأجهزة الأمنية لأنها تساهم بوضعها الحالي في خدمة النظام وترسيخ أركانه.

تغير النظام وما زالت الداخلية أداة كل الأنظمة لكبت المعارضة والبطش والتنكيل بهم، لأن السياسات لم تتغير وداخلية النظام الحالي لم تختلف عن داخلية العادلي بل يزداد الانفلات الأمني في ظلها، وإذا كان مفهوم تطهير وزارة الداخلية قائماً فيجب على البائسين الحالمين بذلك الذهاب إلى أقرب قسم شرطة وعرض الأمر على السادة الضباط!

الجش المصري..  خلي السلاح صاحي “في مواجهة شعبك”
عندما تحدث فريدرك إنجلز في كتابه “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” بأن الدولة هي عبارة عن مجموعة من الرجال المسلحين، فإنه لو كان يقصد فعلا الإشارة للدولة المصرية وهيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، لما وجد أفضل من تلك العبارة.

الجيش المصري هي مؤسسة عسكرية في دولة من العالم الثالث، وهي جزء هام من نظام دولي وإقليمي تحكمه مصالح وعلاقات معقّدة ومتشابكة مع سلسلة طويلة من الرأسمالية العالمية، عقيدتها السياسية والعسكرية لا تجد غضاضة كبيرة في قتل الناس وتعذيبهم وسلبهم حريتهم لأسباب تتعلق بالحفاظ على مصالح كبار الجنرالات، بل إن أحياناً كثيرة لا تجد تلك المؤسسة العسكرية أدنى مشكلة في إزاحة حلفائها من الساحة إذا شعرت أن مصالحها على وشك التهديد، ولنا في المخلوع والمعزول عبرة وعظة.

تاريخ الجيش المصري يشوبه الكثير من الفساد المالي، فحين تبني القوات المسلحة الجسور والطرق السريعة بين المدن والطرق الدائرية والمخابز ومحلات الجزارة في الأحياء المدنية الفقيرة، ومحطات تنقية المياه وتحليتها، لتصفها في النهاية بأنها “هدية إلى شعب مصر”، متجاهلة حقيقة أن الموارد المستخدمة في نهاية المطاف تأتي من المال العام أو ينبغي أن تدخل إلى خزينة الدولة.. ينبغي لنا أن نتسائل!

في الحقيقة، فإن ارتفاع معدلات الفساد في مصر (صنّفتها منظمة الشفافية الدولية في عام 2011 في المرتبة 112 من بين 182 بلداً) ومؤشّراتها الاجتماعية الضعيفة (يعيش 40% من السكان عند أو تحت خط الفقر المتمثل بدولارين في اليوم، في حين عاودت الأمية الارتفاع لتصل إلى 27% وفقاً للأرقام الرسمية)، لايُعتبَر مؤشراً إيجابياً على المساهمة التي قدمتها جمهورية الضباط لإدارة الدولة المصرية. لذلك، لجأ المجلس العسكري مراراً وتكراراً إلى خطاب قومي قائم على استحضار “انتصار” القوات المسلحة في حرب 1973 ضد إسرائيل، مقروناً بإشاراته المتكرّرة إلى “الأيدي الخفيّة” و”المؤامرات الخارجية”، للدفاع عن نفسه أي موجات احتجاجية.

الأمور لن تتوقف عند ذلك، وإذا كانت بيادات العسكر قد تورطت في صفقات تشوبها رائحة الفساد العطنة فإن بنادقهم قد سبقتهم في إراقة الدماء، وإذا لم تُصبك طلقات الجيش المصري فإن قضائه العسكري سيكون لك بالمرصاد، فحوالي 820 مدنياً أحيلوا إلى  النيابة العسكرية في الأسابيع الستة الماضية بناءً على التوسع غير المسبوق في اختصاص المحاكم العسكرية، بحسب تقارير إخبارية جمعتها “هيومن رايتس ووتش”.

لماذا يريد الاشتراكيون الثوريون إسقاط الدولة المصرية؟
أعتقد أن قرابة 4 أعوام من عمر انتفاضة كان محتوماً لها أن تفشل لإن جميع الظروف الدافعة لإنجاحها غير موجودة، فلا يوجد حزب ثوري يقوم بتنظيم تلك الطليعة من الجماهير في مواجهة السلطة الحاكمة وألاعيبها. إن الطريق لانتصار الثورة، أي ثورة قادمة، يبدأ بهدم مؤسساتها وأذرعها الحاكمة، في ظل بديل ثوري تلتف حوله قطاعات عريضة من الجماهير.