بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بوتين والسيسي.. تعددت الوجوه والقمع واحدُ

في 2 فبراير 2006 غرقت عبارة السلام 98 في البحر الأحمر وهي في طريقها من مدينة ضبا السعودية إلى مدينة سفاجا المصرية، كانت السفينة تحمل أكثر من 1000 مسافر، وبينما كانت الدولة تحتفل بتنظيم بطولة كأس الأمم الإفريقية، كان نحو 3 آلاف مصري يصارع الموت في عرض البحر، كان هذا الموقف أهم مسامير نعش مبارك لأنه كان إعلانا صريحاً عن سقوط رأس النظام الأخلاقي.

القاهرة 10 فبراير 2015
في مشهد أعاد إلى أذهان المصريين ذكرى لم تتكرر منذ عام 1974. حين استقبل الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بالقاهرة، الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي دعاه لزيارة مصر كأول زيارة رسمية لرئيس أميركي بعد حرب أكتوبر 1973. استقبل أيضاً المصريون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته إلى مصر، ولكن هذه المرة أجبرت العواصف الرملية وبؤس الحياة السياسية وعزوف الكثيرين عنها متابعة الزيارة سوى من أمام شاشات التلفاز أو عندما أحتجزت قوات الأمن المصرية وعناصر من المخابرات المئات من المارة من شارع صلاح سالم قسرياً منذ ساعات داخل أسوار مستشفى العباسية للأمراض العقلية بدعوى تأمين موكب السيسي وبوتين.

لقد امتلأت شوارع العاصمة القاهرة بالكثير من الملصقات التي تحمل صور بوتين، مع عبارات من الترحيب والمحبة للرئيس الروسي وذلك قبل وصوله إلى البلاد بساعات، وتحت شعار «الشعب المصري يرحب بالرئيس بوتين» و «مرحبا بكم في مصر» كان الحضور الجماهيري غائباً في مشهد يعيد للأذهان الاستقبال الشعبي لزيارة نيكسون حيث شهدت شوارع القاهرة حينها استقبالا جماهيريا من المواطنين، وخروجهم إلى شرفات المنازل لرؤية الرئيس المصري السادات ونظيره الأميركي في سيارة السادات المكشوفة الشهيرة، ملوحين لهم بالأعلام والورود والهتافات عندما تم الترويج في ذلك الوقت لمشروع الحلم الأمريكي البائس.

لقد أرتدي عبد الفتاح السيسي الكرافتة الحمراء ليذهب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمشاهدة عروض البالية والاوبرا والتي وصفتها جوقة النظام بأنها امتزاج ثقافي حضاري، وفيما كان السيسي يحاول جاهداً إبداء عجابه بتأوهات المطرب الأوبرالي لإرضاء بوتين، كان المئات من الأمهات والإباء والأصدقاء يتأوهون ويصرخون ويبكون دماً في سرادقات عزاء 22 شاب قضوا نحبهم أمام استاد الدفاع الجوي في مذبحة تورط كل من لم يطلق عليها “مذبحة”، قد يكون من المهادنة والضعف والعجز أن نُحمل الداخلية وحدها ثمن الدماء المُراقة في استاد رياضي يعتبر منشأة عسكرية لم يتواجد وقتها أي من جنودنا البواسل.. القوات المسلحة مصنع الرجال.. هكذا يصفون مصانع المكرونة والرز وأولئك الجنرالات التي أثقلتهم كروشهم الممتلئة.

الرئيس السيسي “الدكر”، تظاهر بالتمتع بالأوبرا وتناسى أن يسأل صديقه رجل المخابرات الروسية الملوثة يداه بالدماء عن معنى السقوط الأخلاقي في اللغة الروسية؟!

لا جديد تحت الزيارة سوى بعض التندر والسخرية من فشل الموسيقى العسكرية من أداء النشيد الوطني الروسي والذي أصابه النشاز، حتى إعلام الدولة الرسمي أتحفنا بسيل من التقارير والأمنيات والطموحات حول نتائج الزيارة المثمرة، تقاير تحدثت مثلاً أن مصر وروسيا تربطهما تاريخ حافل من المواقف المشرفة على الساحة الدولية، والدولتان شاركتا في تأسيس حركة عدم الانحياز”، وهي الحركة التي أسست ضد كلًا من روسيا وأمريكا إبان فترة الحرب الباردة.. هكذا كان لسان التلفزيون المصري وهي يكيل المديح!

بوتين والسيسي وجهان لعملتين مختلفتين
يلقبه الكثيرون بالقيصر الطامح إلى إحياء المجد الضائع إنه فلاديمير بوتين، العميل السابق في أجهزة الاستخبارات السوفياتية (كي.جي.بي) والذي حملته الأقدار إلى هرم السلطة في الكرملين.

في 4 مارس 2012 فاز فلاديمير بوتين بولاية ثالثة مدتها ستة أعوام في انتخابات رئاسية أثارت جدلا، بحصوله على نحو 64% من الأصوات، لكن المعارضة قالت إن فوزه تحقق عبر مخالفات انتخابية، لقد عاد بوتين للرئاسة للمرة الثالثة في ظروف داخلية وخارجية غير عادية، أما المعارضة الروسية كثفت احتجاجاتها مطالبة بعدم ترشحه للانتخابات الرئاسية ثم برحيله عن السلطة، ليرد هو عليها بالاعتقالات وبأساليب وصفت بالقمعية في ذلك الوقت.

خلال المؤتمر الصحفي المشترك بين عبدالفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين أعلن السيسي اتفاق الدولتين على التضامن في مكافحة الإرهاب، مرة أخرى تُعاود هذه الكلمة القفز على الساحة ولما لا فحتى السلطات الروسية ترى في الانفصاليين بالشيشان مصدرا رئيسيا للإرهاب، منذ عودتهم مرة أخرى للساحة في يونيو عام 1995.

خلال فترة حكم الرئيس الروسي السابق بولس يلتسن، أو عندما اجتاحت القوات الروسية الشيشان مرتين، الأولى عام 1994 بدعوى استعادة النظام الدستوري في البلاد، خلال فترة حكم يلتسن، أما الثانية فهي عام 1999 بدعوى محاربة الإرهاب، خلال تولي فلاديمير بوتين رئاسة الوزراء.

لقد كانت قسوة بوتين واضحة وفي أعلى تجلياتها في الحرب الشيشانية الثانية التي تعبر واحدة من أكثر النزاعات المرعبة في بداية القرن الحادي والعشرين. وقتل آلاف من المدنيين وذبحوا من خلال القصف الوحشي على المدنيين، فيما انتشرت الإعدامات الجماعية والتعذيب.

ففي عهد بوتين قُتل 98 صحفيا في ظروف غامضة، أشهرهم آنا بوليتكوفسكايا عام 2006، التي عارضت تدخل بوتين في الشيشان، فيما خضع 36 صحفيا للمحاكمة والسجن في عهده.

أما أوروبا فقد وقفت مترددة وبلهاء في كثير من المواقف المتناقضة أمام سياسات بوتين، وهذا متعلق بعطش القارة العجوز المستمر للغاز الطبيعي الروسي الذي أصبحت شيئا فشيئا تعتمد عليه، ولهذا السبب للشركات البريطانية حضور في موسكو وليس فقط شركة النفط البريطانية “بي بي”، ويضاف إلى هذ مراكز لندن المالية حققت أرباحا خيالية من النخبة الروسية، وربح قطاع العقارات مبالغ ضخمة من خلال بيع الشقق الفارهة للروس الأثرياء.

نفس الموقت الأوربي كان حاضراً إزاء الجرائم المستمرة للنظام المصري منذ الثلاثين من يونيو 2014، المتراوحة بين اللين والشدة وإعلاء المصالح الأوربية فوق كل شيئ، في البداية كان عندما أعلن الاتحاد الأوروبي اليوم عزمه مراجعة علاقاته مع مصر خلال الأيام القادمة، ولكن في الثامن من فبراير الجاري أعلن الاتحاد الأوروبي دعم مصر في الخطوات التي تتخذها في إطار الإصلاح الاقتصادي، كما ثمن موقفها الحازم تجاه محاربة الإرهاب.

الوضع لم يختلف كثيراً على الساحة المصرية فحتى الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية الفاضحة يسير بدأب ودون كلل في التأكيد على ريادة الدولة المصرية في قطع الألسنة كل الألسنة الخرساء قبل المعارضة، فلم تختلف أوضاع الداخلية المصرية في عهد السيسي عن عهد مبارك، من حيث الجرائم والاعتقالات والتنكيل والتهجم على الطبقة العاملة وارهاب أي مطالب عمالية حيث قامت قوات الأمن بفض إضراب عمال الأسمنت فى مصانع حلوان وطرة والقطامية واحتجزوا أربعة عمال للمفاوضة على فض الاضراب أو اعتقالهم بتهمة التظاهر ، لقد تكرر هذا المشهد أيضاً في مصنع طرة حيث تم تهديد العمال أما بإلقاء القبض عليهم بتهمة التظاهر أو فض الاضراب.

وفيما يستمر التنكيل و التعذيب داخل سلخانات و سجون الداخلية والأقسام بالضرب والتحرش اللفظي والجسدي، ووفقاً لعدد من مصادر التوثيق التي أكدت وجود ما يقرب من 41 ألف سجين سياسى وملاحق أمني، ووفقاً لشهادات البعض فإن الكثير منهم عانى من التعذيب، فمع موجة الإضراب عن الطعام التي شهدتها سجون مصر فى عام 2014، بدأت وزارة الداخلية تزداد عنفاً ورفضت توفير رعاية صحية للمضربين، بل وتعرض بعضهم للضرب والتأديب بالحجز الانفرادي، مثلما حدث مع المسجونين سياسياً، فضباط الداخلية أصبحوا أكثر وحشية وفضيحة اغتصاب الفتيات في أقسام الشرطة خير دليل على عودة الداخلية المصرية إلى أدواتها الأساسية في التعامل مع الشعب المصري وهذه الأدوات هي الإهانة والضرب في أقسام الشرطة والتعامل بطرق وحشية.

وبالرغم من أداء الداخلية الذى عاد يضرب من حديد على معارضيه أن الشرطة تكلف الدولة نفقات إجمالية تقدر بنحو 85 مليار جنيه 14 مليار دولار سنوياً، منها نحو 17 مليار جنيه (2.8 مليار دولار) نفقات مباشرة مدرجة في الموازنة العامة للدولة، ونحو 32 مليار جنيه (5.3 مليارات دولار) تكاليف غير مباشرة تتمثل في عوائد ومزايا أخرى شبه رسمية تحصل عليها الشرطة كمؤسسات، و 340 مليون جنيه لشراء السلع والخدمات.

نحن أمام نظامين مجرمين متشابهي المعالم والتفاصيل الدقيقة، مجرم يصافح مجرم ليعقد المزيد والمزيد من الصفقات على دماء الشعبين.. كيف تكون الحفاوة ودماء أكثر من 20 شاباً تنضح وصرخات المعتقلين ترتفع كل يوم.. وما الذي يريده النظام سوى من جوقة اعلامية وصفين من الجنود لإعلان البدء في القتل.. لقد قتلونا ألف مرة عندما أنعشوا أحلامنا البائسة مرة بالحلم الأمريكي ومرة ثانية عندما ظنوا أن حضن الدب الروسي من الممكن أن يكون دافئاً.