بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

معركة الصحفيين المقبلة.. خطوة للأمام أم خطوتين للخلف ؟

تأتي انتخابات نقابة الصحفيين، المقرر انعقادها يوم الجمعة المقبلة، على منصب النقيب بين ضياء رشوان مدير مركز الأهرام والدراسات الاستراتيجية والمقرب بشدة من دوائر النظام، وبين يحيى قلاش القريب من الدوائر الناصرية وأحد أعمدة تيار استقلال النقابة، في ظل هجوم غير مسبوق على حرية الصحافة والصحفيين، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد الإرهاب، كما تردد أبواق السلطة.

هذا الهجوم يبدأ من منع الصحفيين المعارضين من النشر، مرورا بالقبض على المئات منهم، والقتل المباشر، فضلا على فصل أعداد واسعة، انتهاءا بأعداد تشريعات إعلامية مقيدة للحريات، والعمل على تقزيم نقابة الصحفيين وإضعافها تماما.

وليس بعيدا عما جرى، اختيار رؤساء لمجالس الإدارات ورؤساء التحرير من قبل المجلس الأعلى بالصحافة ليأتوا، في معظمهم، من أعداء الصحفيين وحرية الصحافة، ليطيحوا بحقوق الصحفيين ويمارسوا أشد أنواع التعسف مستهدفين عودة الصحفيين إلى حظيرة النظام من جديد، فضلا على الانتقاص من حقوقهم المالية والاجتماعية من جانب بارونات الصحف الخاصة وإدارات المؤسسات القومية.

وفي هذه الأجواء، تحوّل نحو 3 آلاف صحفي، غير المعينين بالصحف، إلى عمال تراحيل، بلا أدنى حماية قانونية، ليتم استغلالهم بكل الطرق القذرة بدءا من العمل بالسخرة، أضف إلى ذلك التوقيع على استمارات فصل قبل التعيين، انتهاء باستهدافهم من قبل قوات الشرطة لأنهم دوما موجودون وسط المظاهرات والمواجهات.

كل هذا ونقابة الصحفيين، مع اختلاف مجالسها، من الموالية والمعارضة، ترفض إدراجهم في عضويتها، بينما جدولها مكتظ بالمئات من رجال الأمن والسكرتارية والإداريين.

واللافت أن الصحفيين واجهوا الهجوم الضاري عليهم بوقفات واعتصامات وتظاهرات شملت المؤسسات الخاصة والقومية، فجرى تنظيم وقفات واعتصامات في جرائد خاصة عديدة، كاليوم السابع والدستور والتحرير وعاجل، وفي إحدى هذه الاعتصامات لجأت إدارة جريدة خاصة لاستخدام الكلاب البوليسية لفض اعتصام الصحفيين.

وتبدت المقاومة أيضا في المؤسسات القومية في انتخابات مجالس الإدارات والجمعيات العمومية، والتي شهدت تصويتا عقابيا، غير واعي، في بعض الأحيان، ضد مرشحي رؤساء التحرير ومجالس الإدارات، ما أدى إلى نجاح عدد من المنتمين للفلول في عدد من هذه المؤسسات، ليمثلوا أصوت المعارضة “الزائفة” في هذه المؤسسات.

وعلى الرغم من أن معظم الصحفيين والبالغ عددهم نحو 12 الف صحفي مقيد بنقابة الصحفيين، في حالة غضب وسخط، خصوصا مع تزايد أعداد المعتقلين والمفصولين، ولكن جولة الانعقاد الأولى للجمعية العمومية للصحفيين يوم 6 مارس الماضي لم يحضر فيها سوى 1100 صحفيا، بينما كان انعقاد الجمعية، يستدعي حضور نحو 4000 صحفي.

وتفاعلت أسباب عديدة لعدم حضور الصحفيين لانتخاب النقيب ونصف أعضاء مجلس النقابة؛ فبجانب الإحباط العام الذي يضرب قوى المجتمع، وهي الاحتمالات القوية لتأجيل الانتخابات، بعد أن سعى فريق من المحسوبين على النظام إلى تأجيل الانتخابات، رغبة في ادخال النقابة في نفق مظلم، وهو ما جرى حسمه بحكم قضائي قبل موعد الانعقاد بأربعة وعشرين ساعة، إلى جانب يقين أعداد كبيرة من الصحفيين من عدم اكتمال الجمعية في المرة الأولى فعزفوا عن الحضور.

كما أدى عدم رفع قلاش، والذي تولى سكرتارية النقابة لمدة 8 سنوات من قبل، لسقف المعركة، وعدم تبنيه دعاية واضحة ضد الاستبداد وبارونات الصحف ورؤساء التحرير، لعدم تشجع قطاع كبير من الصحفيين المحبطين من تخاذل النقابة، للحضور.

فقلاش، رغم أنه صاحب التاريخ النقابي الطويل والبرنامج الذي يتعاطى مع القضايا الحقيقية للصحفيين كالأجور والفصل والتشريعات والاعتقال، والذي يسعى للربط بين النقابة والمؤسسات، غير أنه لم يقطع بشكل كامل، مع الرهان على رؤساء التحرير، ولم يتردد كذلك في مغازلة رأس نظام معادي للحريات، في حوار على قناة فضائية، وهي الطرق التي تجعل المنتصر مهزوما، حتى لو حصد أغلبية الأصوات.

غير أن رشوان، تقف ضده غالبية الصحفيين، نتيجة أدائه الكارثي خلال العامين الماضيين تولى فيه منصب بنقيب الصحفيين، فلم يتبن أي موقف حقيقي تجاه الجرائم التي ارتكبها النظام لتكميم أفواه الصحافة والصحفيين، ولم يتدخل لمواجهة بارونات الصحف لوقف مسلسل الفصل غير المسبوق الذي يتعرض له الصحفيون، وتدني أوضاعهم المعيشية.

هذا إلى جانب أنه واحد من أشد الداعين إلى تدخل الجيش في الحياة السياسية باعتباره “القلب الصلب” للدولة، وهكذا بات نقيب الصحفيين، هو المدافع الأول عن أعضاء المجلس العسكري، الذين عملوا على تحويل الصحف والفضائيات لمجرد نشرات بل ويتفاخروا بزرع أذرع لهم داخل الكيانات الإعلامية، ومنعوا وطردوا الأصوات الحرة.

ويزيد من خطورة الوضع، توجه السلطة لإنشاء شركة قابضة للجرائد الحكومية، تتحول على إثرها الجرائد إلى شركات تابعة، بما يعنيه ذلك من تغول على حقوق الصحفيين وإطلاق يد الإدارة، وربما إغلاق ودمج بعض المؤسسات.

وللأسباب المذكورة أعلاه، فإن القوى “اليسارية” و”الديمقراطية” في نقابة الصحفيين مدعوة للاحتشاد وراء يحي قلاش، وعدد من المرشحين المنحازين بوضوح للمحررين ضد رؤساء مجالس الإدارات، ولحرية الصحافة ضد انتهاكات النظام البشعة لها ويواجهون التطبيع مع العدو الاسرائيلي، ويقفون مع إطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، في كل القضايا، في ظل أجواء غياب العدالة، وفتح ملفات شهداء الصحفيين.

وبلا شك فإن انتصار قلاش، في ذلك السياق خطوة للأمام سياسيا ونقابيا، فعلى الرغم من قربه من الدوائر المشاركة في الانقلاب على ثورة يناير في 3 يوليو، غير إنه قرر خوض المعركة في مواجهة رشوان، على الرغم من أن عددا من الناصريين واليساريين يقفون خلف رشوان دعما لنظام السيسي، وطلبوا منه عدم الترشح ، ولكنه رفض وقرر خوض المعركة، مما يشير إلى أن الشرخ والفرز يزداد وسط أنصار النظام، خصوصا في ظل التوحش والارتباك والتنافس في دوائر صنع القرار.

كما أن هزيمة ضياء، بسبب تخاذله في الدفاع عن الصحفيين وتواطؤه مع النظام، ستجعل قلاش في حالة فوزه، أكثر استجابة لتطلعات الصحفيين في الحرية والأجر العادل، إذا أراد أن يستمر نقيبا للصحفيين في الانتخابات، التي ستجري بعد عامين فقط، خاصة وأن قطاع واسع من مؤيديه من الشباب والمضطهدين في مؤسساتهم يعلنون مساندتهم له بوضوح.

ولكن انتصار قلاش بمفرده لا يكفي، فلابد من أن يصاحب ذلك تغيير في عضوية المجلس ليضم عناصر مكافحة بدلا من العناصر الانتهازية القديمة.

والأهم، تشكيل كتلة ضغط من أسفل على نقيب ومجلس النقابة، عبر خلق تيار يبلور مطالب جموع الصحفيين من داخل وخارج النقابة، ويقطع بشكل واضح مع تراث الستينيات “التعاوني” الذي يجمع بين المالك والأجير، وحول النقابة إلى نادي لرؤساء التحرير ومجالس الإدارات ويلعب على وتر تقديس النقابة رافعا شعار عضوية النقابة كالجنسية، كما يقولون، ويرفض التعددية النقابية.

تيار يعمل على غرس لجان نقابية بالمؤسسات، ويحارب من أجل ضم الصحفيين غير المعينين وصحفيو المواقع الإلكترونية للنقابة لكي تصبح نقابة لكل ممارسي المهنة.

فالأوضاع المتغيرة في سوق العمل الصحفي تستدعي وجود تكوينات نقابية مكافحة ومختلفة عما كانت سائدة في وقت كانت علاقات العمل مستقرة، وتسعين بالمئة من الصحفيين أو يزيد يعملون في مؤسسات الدولة، وهي أوضاع تغيرت بشكل كامل مع التغيرات الاقتصادية التي زادت بدرجة كبيرة من وزن المؤسسات الخاصة والمواقع الالكترونية، وما تسودها من علاقات عمل.

وباختصار.. مساندة قلاش، مع نقده، واجب سياسي ونقابي ومهني، لتنظيم مقاومة الصحفيين لحماية أوضاعهم الاجتماعية في ظل الليبرالية المتوحشة وللدفاع عن حرية الصحافة المرتبطة والمتقاطعة مع كل القضايا السياسية والاجتماعية في المجتمع، كما سيعطى هذا الانتصار الأمل لقوى نقابية وسياسية في إمكانية مجابهة مرشحي النظام في مواقع عديدة، فهل يفعلها الصحفيون؟