بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مصر وإثيوبيا وما وراء سد النهضة

جاء خبر توقيع اتفاق “إعلان مبادئ سد النهضة” بالخرطوم يوم 23 مارس الجاري بين مصر والسودان وإثيوبيا الذي اعتراف مصر بحق إثيوبيا في بناء السد لأغراض توليد الطاقة والاحتياجات التنموية، مع التاكيد على عدم الإضرار بمصالح دول المصب اتساقا مع مبادئ القانون الدولي، مفاجئا، بل صادما للرأي العام والوسط السياسي والإعلامي، ليس لدى معارضي النظام فحسب، بل حتى لمؤيديه. والسبب هو عدم تطرق الاتفاق لما يسمى “الحقوق التاريخية” لمصر في حصتها المقررة من مياه النيل وفق الاتفاقيات السابقة، تلك الحقوق المكتسبة من معاهدات 1929 و1959، والتي كان الإصرار على التمسك بها في السابق بمثابة حجر الزاوية في السياسة الخارجية المصرية في ملف مياه النيل.

بموجب تلك الاتفاقيات فإن دولتي المصب (مصر والسودان) تستأثران بحوالى 90% من مياه النيل السنوية (84 مليار متر مكعب) بواقع 55.5 مليار متر مكعب لمصر، و18.5 مليار متر مكعب للسودان، وفق اتفاق تقاسم المياه بين الدولتين الموقع عام 1959 بعد استقلال السودان.

أما دول المنبع فتعتمد في تأمين احتياجاتها المائية لأغراض الزراعة والغذاء على الأمطار الموسمية، وبالتالي فهي تتعرض لمشاكل الزراعة المعتمدة على الأمطار، من حيث عدم توفر الأمان المائي لاستدامة الزراعة وتأثرها باختلاف مواسم الأمطار من عام لآخر، ومرور سنوات جفاف وأخرى فيضان.

وطالبت دول الحوض أكثر من مرة باعتماد توزيع أكثر عدالة لحصص المياه، وإجراء تعديلات على الاتفاقيات المبرمة لحوض النيل، أو على الأقل قيام مصر بالتعاون مع دول المنابع للاستفادة من الثروة المائية وتقليل الهدر في المياه من خلال أعمال البنية التحتية، كشق الترع وتجفيف المستنقعات وبناء الخزانات، مما يعود بالفائدة على جميع دول الحوض، إلا أن الاستعلاء القومي والعنصري كان هو السائد في الموقف السياسي المصري تجاه دول الحوض.

جدير بالذكر أن اتفاقيات حوض النيل التي تستند إليها مصر في مسألة “الحقوق التاريخية” هي اتفاقيات أبرمتها بريطانيا نيابة عن مصر والسودان مع دول الحوض، أي أنها اتفاقيات موقعة من قبل دول استعمارية.

فاتفاقيتا 1890 و1925 كانت بريطانيا قد أبرمتهما نيابة عن مصر والسودان مع إيطاليا نيابة عن الحبشة، وتكفل اعتراف إيطاليا بالحق المسبق لمصر في مياه النيل الأزرق والنيل الأبيض، وتعهدها بعدم إقامة أية مشروعات من شأنها التأثير على مياه النيل بدون موافقة مصر وتحت إشرافها، أما اتفاقية 1929 فأبرمتها بريطانيا بصفتها الاستعمارية نيابة عن عدد من دول الحوض مع مصر، وتتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، كما ينحصر حق الاعتراض “الفيتو” حال إنشاء هذه الدول لمشروعات على النيل على دولتي المصب (مصر والسودان).

تاريخ من الاستعلاء القومي على دول حوض النيل
في عهد السادات جاء الإعلان عن مشروع لتحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدان في سيناء ليشعل أزمة في العلاقات بين مصر وإثيوبيا، وتقدم الرئيس الإثيوبي وقتها منجستو هيلا مريام بشكوى إلى منظمة الوحدة الأفريقية تتهم مصر بإساءة استخدام مياه النيل. واحتدم الخلاف إلى حد تهديد منجستو لمصر بتحويل مجرى النيل، فيما وجه السادات خطابا حادا لإثيوبيا مهددا باستخدام القوة العسكرية.

وفي عهد مبارك عارضت مصر مشروع طرحته إثيوبيا عام 1988 وبلغت ميزانيته 300 مليون دولار لمضاعفة الإنتاج الكهربائي، وتصدت مصر لمحاولة إثيوبيا الحصول على قرض من بنك التنمية الأفريقي لتمويل المشروع، ومع محاولة اغتيال الرئيس المخلوع مبارك الفاشلة في أديس أبابا عام 1994 حدثت قطيعة تامة في العلاقات. وردا على مقترح تقدم به رئيس وزراء إثيوبيا ميليس زيناوي عام 2008 بشأن التعاون والإدارة المشتركة لمشروع سد النهضة المطروح وقتها، قال مبارك أنه “سوف يهدم السد”.

ولكن مع تزايد إصرار الجانب الإثيوبي وقعت 5 دول من دول الحوض على الاتفاقية الإطارية الشاملة عام 2010 “عنتيبي”، رغم معارضة مصر والسودان للاتفاق بدعوى التمسك بـ”الحقوق التاريخية” التي نصت عليها اتفاقيات 1929 و1959، ونازعت إثيوبيا وغيرها من دول الحوض من أجل الحق في الحصول على حصص متساوية من المياه محتجين باتفاقية هلسنكى. ومع الاضطرابات السياسية في مصر بعد ثورة يناير 2011 شرعت إثيوبيا في البدء في بناء سد النهضة معتمدين على حزم تمويل من جهات مانحة من بينها الصين.

وفي عام حكمه، أعلن الرئيس السابق محمد مرسي بعد توليه السلطة أن كل الخيارات مطروحة في ملف سد النهضة، مشيرا إلى عدم استبعاد الحل العسكري، بينما اقترح بعض الساسة المصريين في اجتماع مذاع تليفزيونيا أن يتم هدم السد بعمل عسكري، مما أثار حفيظة المسئولين الإثيوبيين الذين أعلنوا أن أحدا لن يوقف بناء السد، وأنهم جاهزون للدفاع عنه ضد أي محاولة للاعتداء، وأن إثيوبيا دولة ذات سيادة ولن تستأذن أحد لبناء السد الذي بات مشروعا قوميا ينظر له الشعب الإثيوبي كرمز للتنمية، ومشروعا ينهي تاريخا من الجفاف والمجاعات التي عاشتها إثيوبيا بين عامي 1970 و1980، وأدت إلى موت مليون مواطن إثيوبي، في محاولة من الطبقة الحاكمة الإثيوبية لتجييش مواطنيها وتعزيز الشعور بالفخر القومي.

مشروع سد النهضة
تقدر تكلفة انشاء سد النهضة حوالى 4.7 مليار دولار، وتبلغ سعته التخزينية حوالى 70 مليار متر مكعب، وتقدر القدرة المبدئية للسد على توليد الكهرباء بحوالى 6000 – 7000 ميجاوات، وأعلن الجانب الإثيوبي أن الهدف من بناء السد هو توليد الكهرباء، حيث يستفيد حوالي 17% فقط من سكان إثيوبيا بالكهرباء (مقارنة بـ 97.6% في مصر)، مؤكدا أنه لا نية للإضرار بحصة مصر من المياه التي لن تتأثر بصورة كبيرة.

قالت خبيرة الطاقة المائية لمي الحتو، أحد مؤسسي مركز أبحاث “مؤسسة المياه من أجل النيل”، أن المخاطر المتعلقة بالسد قليلة لدرجة لا تذكر، فقد ترى مصر تقلصا في حصتها من المياه بنسبه 5% بسبب تخزين المياه في سد إثيوبيا، حيث أن منطقة السد تتسم بهطول الأمطار الكثيف، مضيفة أن الخسائر يمكن تقليصها من خلال التعاون والتنسيق في عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله سنويا، وهو ما كان مطروحا خلال المفاوضات.

بناء على ذلك فإن السد لن يؤثر على حصة مصر من المياه إلا أثناء فترة ملء الخزان وراءه، ومن الممكن تقليص هذا الأثر عن طريق إطالة الفترة الزمنية لملء خزان السد لتصل إلى 10 سنوات من خلال التنسيق بين دول الحوض حسب مستوى الفيضان كل عام. علما بأن السعة التخزينية لبحيرة ناصر (أكبر بحيرة صناعية في العالم) تصل إلى حوالى 162 مليار متر مكعب، مما يعني أن سد النهضة سيؤدي فقط إلى انخفاض منسوب المياه في بحيرة ناصر خلال سنوات ملء خزان السد الإثيوبي.

ومما يجدر الإشارة إليه أن أنظمة الخليج (السعودية والإمارات تحديدا) لعبت دورا هاما في مباركة التوصل إلى اتفاق “إعلان مبادئ السد” الثلاثي، فحجم الاستثمارات الخليجية في دول الحوض بلغت في السنوات الأخيرة حوالي 20 مليار دولار، وتقدر الاستثمارات السعودية في إثيوبيا 13.3 مليار دولار معظمها في المجالات الزراعية، ويوجد في السوق الإثيوبية حوالي 400 مستثمر سعودي، كما تستورد السعودية 6% من إجمالي صادرات إثيوبيا. أما الإمارات فهي أكبر مستورد للحوم الإثيوبية فى العالم، وتشتري وحدها 50% من صادرات إثيوبيا من الماشية الحية واللحوم المذبوحة، وهناك 213 شركة إثيوبية تعمل داخل الإمارات، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 800 مليون درهم. وفي الكويت يعمل 90 ألف إثيوبي وبين البلدين 15 اتفاقية للتعاون التجاري. وأعلن سفير دولة الإمارات لدى إثيوبيا عيسى حسن الصابري أن السفارة الإماراتية بالتعاون مع الهلال الأحمر الإماراتي قامت بتنفيذ 10 آبار مياه تمثل المرحلة الأولى من حملة إماراتية لحفر 60 بئرا في أنحاء متفرقة من إثيوبيا، ترمي إلى توفير مياه صالحة للشرب في المناطق الشحيحة. ومن هنا يمكن فهم المرونة النسبية التي أبداها الجانب الإثيوبي في جولات المفاوضات الثلاثية الأخيرة.

في ضوء المعطيات السابقة لأبعاد أزمة سد النهضة التاريخية والسياسية نستطيع استخلاص مجموعة من الاستنتاجات الهامة:
1- أن ما دأبت الدبلوماسية المصرية على اعتباره “حقوق تاريخية” مسلم بها، هو ببساطة “حقوق استعمارية” مكتسبة بالوراثة عن بريطانيا. فهذه الاتفاقات مجحفة وغير عادلة وللدول الأفريقية كل الحق في رفضها، يكفي أنها تمنح مصر حق الاعتراض “الفيتو” على أية مشروعات تنموية لدول الحوض، وهذا ليس عدلا، بل الطبيعي أن يكون التفاوض قائما على مبدأ احترام السيادة والاعتراف المتبادل بالحق في التنمية والتعاون لتحقيق المنفعة المشتركة.

2- سياسة الدولة المصرية وطبقتها الحاكمة تجاه دول الحوض كانت قائمة على العنجهية والاستعلاء القومي على الأفارقة شعوبا ودول، فالدولة المصرية كانت تصر على عدم التنازل عن الحقوق الاستعمارية المكتسبة بمقتضى الاتفاقيات التاريخية المبرمة من قبل بريطانيا، وعلى رفض تقديم العون لتعظيم المكاسب المشتركة وتقليل هدر المياه في دول الحوض، علما بأن متوسط مياه الأمطار الاستوائية يصل إلى حوالى 1600 مليار متر مكعب، أي حوالي 20 ضعف حجم مياه النيل، بما يمكن أن يحقق الوفرة المائية لجميع شعوب دول الحوض، إلا أن الطبقة الحاكمة المصرية لم تكن مستعدة لدفع أي ثمن للتعاون مع دول الحوض طالما أنها تستأثر بحوالي 90% من مياه النيل مع السودان.

3- رد فعل الدولة المصرية على أية مشروعات تنموية مطروحة من جانب إثيوبيا كان دائما هو التدخل لدى الجهات المانحة لوقف تمويل تلك المشروعات، أو التلويح بالحل العسكري وهو ما تكرر مرارا، ومن الواضح أن الدولة المصرية وطبقتها الحاكمة لم تأخذ على محمل الجد أن تكون إثيوبيا قادرة على التقدم في عملية بناء السد.

4- حدوث تغييرات في موازين القوى بين الطبقات الحاكمة عن السابق، وتجلى هذا في محدودية قدرة الدولة المصرية على الاستمرار في الهيمنة على هذه المنطقة مع اتفاقية عنتيبي، وعدم رضوخ إثيوبيا لرفض مصر والسودان التوقيع على الاتفاقية الإطارية، بل وفي تغير الموقف السوداني وموافقته على بناء السد بعد استشعاره بقلة حيلة الدولة المصرية، ولم يكن أمام الطبقة الحاكمة المصرية وممثلها السياسي إلا الاعتراف بالأمر الواقع والتغيير في موازين القوى، وهو ما بدا في توقيع “اتفاق المبادئ لسد النهضة” الأخير.

5- الطبقة الحاكمة المصرية وممثليها من النخب السياسية وأبواقها الإعلامية التي كانت تحرض وتنتقد مواقف مرسي المترددة، وتتهمه بالتخاذل وعدم الحسم أمام (تهديد خطير للأمن القومي حسب وصفها) كسد النهضة، والمزايدات بمغازلة النعرة الوطنية الكاذبة، هي نفسها التي تهلل الآن لاتفاق “إعلان المبادئ” الموقع من السيسي، مما يعني أن الطبقة الحاكمة تتاجر بأوهام الوطنية الزائفة وتستغلها في خداع جماهير الفقراء والطبقة الوسطى.

6- تسوية أزمة سد النهضة بين الأطراف المتنازعة سيتم فرضها، وستصب في مصلحة الطبقات الحاكمة وليس في مصلحة الشعوب. في النهاية رضخت الدولة المصرية وطبقتها الحاكمة لحسابات المصالح الرأسمالية واعترفت بحق إثيوبيا في بناء السد، وأبدى الجانب الإثيوبي مرونة في المفاوضات بعد أن كان متمسكا بملء خزان السد على مدار 3 أعوام.

جدير بالذكر أنه أثناء زيارة السيسي لإثيوبيا بعد توقيع الاتفاقية بالخرطوم مصطحبا وفدا من رجال الأعمال، أعلن رئيس اتحاد الصناعات المصري عن مطالبته إثيوبيا بالتوقيع على اتفاقية “الكويز” لتعميق العلاقات والشراكة الاقتصادية. أي أن النظام المصري يقدم نفسه كعراب للتطبيع مع إسرائيل، وهو ما يكشف زيف وكذب كل دعاوى ودعاية النظام على مدار سنوات من دور ونفوذ إسرائيلي في منطقة الحوض للتآمر على المصالح المصرية، بينما إسرائيل والولايات المتحدة هما حليفتان إستراتيجيتان للنظام المصري منذ 45 عام.