بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا يهاجم الإعلام السيسي؟

لا يمكن قراءة الهجوم الممنهج للإعلام المصري على السيسي وسياساته الآن دون قراءة للمشهد السياسي الحالي ككل، فالبعض يتبنى ”ضرب الظالمين بالظالمين والخروج منها سالمين“ دون فهم دور تدخل القوة الثورية في المشهد السياسي، وفي تقديري ما يحدث الآن يعبر بشكل ما عن مجموعة من التناقضات الهيكلية والشروخ الطولية والعرضية التي بدأت في الظهور بتحالف 3 يوليو والداعمين الدوليين له ومدى الجماهيرية التي كان يتمتع بها زعيمه.

فقد لعب التنامي السريع للحركات الجهادية المسلحة في سوريا والعراق وليبيا، ودخولها كلاعب أساسي في رسم الخريطة السياسية بالمنطقة، دورا كبيرا في إقناع المجتمع الدولي، صاحب المصالح بالمنطقة وخصوصا في قطاع النفط، بمدي أهمية جماعة الإخوان المسلمين كوسيط إصلاحي يستطيع الوقوف في وجه التيارات الجهادية العنيفة سريعة النمو مما وضع ضرورة التخلي عن النهج العنيف في التعامل مع الإخوان علي أولويات الأجندة الدولية.

وكما كان لتنامي دور الجماعات المسلحة في سوريا والعراق هذا التأثير، كان لتنامي النفوذ الإيراني المحتمل دور كبير في دفع السعودية، الداعم والممول الأهم  لنظام السيسي، للرهان على الإخوان في حزب الإصلاح اليمني ودعمه لعاصفة الحزم والتصور الخليجي خصوصا بعد الفشل الذريع للرئيس اليمني عبد ربه منصور في وقف تقدم الحوثيين عسكريا، ومما زاد الطين بلة غضب الجناح الحاكم في السعودية من التدخل الهزيل والمتردد للقوات المسلحة المصرية في الحرب على اليمن، والكل قد تابع بيان وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان الذي انتقد فيه السيسي، وما تلي ذلك من تحولات في توزيع السلطة داخل آل سعود بالإطاحة بالأمير مقرن المعروف بعدائه للإخوان وتعيين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان، وهم اقل كثيرا في درجة العداء للإخوان المسلمين.

كما أغضب فشل السيسي المستمر في القضاء على الإرهاب والقضاء على الحراك العمالي الصاعد وتحقيق الاستقرار، رجال الأعمال ومالكي القنوات، وما عزز من هذا الغضب اكتشافهم نية السيسي، ومن خلفه الجنرالات، الاستبداد بالسلطة والصفقات بقبول الطعن أمام الدستورية العليا على قانون الانتخابات البرلمانية، التي كانت وسيلتهم الأهم للحفاظ على مصالحهم في مواجهة التغول الاقتصادي للمجلس العسكري، يُضاف إلي ذلك ما أصاب إعلاميهم من ذعر بعد تفجيرات مدينة الإنتاج الإعلامي والفشل الأمني في تأمينها حتى وصلت التفجيرات إلى حديقتهم الخلفية وانقطعت عنهم الكهرباء أثناء البث.

في المقابل، فالنخب الإصلاحية المصرية التي كانت جزءا من تحالف 3 يوليو، راهنوا على استبدال الإخوان في المشهد السياسي المصري، فغضوا الطرف عن مجازر العسكر، وصدًقوا على كافة القوانين القمعية كقانون منع التظاهر وقانون الإرهاب. هذه النخب أزعجتها الممارسات الإقصائية ضدهم، وخصوصا بعد إقالة حكومة الببلاوي، وما تلى ذلك من إجراءات بإقرار قانون انتخابات يعزز من النظام الفردي على حساب القوائم، مما يطيح بهم من المشهد السياسي تماما، ثم تصفية الشهيدة شيماء الصباغ وتحويل عدد من أعضاء التحالف الشعبي للنيابة بتهمة التظاهر، مما دفعهم لرفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية والهجوم الخفي ثم الصريح على نظام السيسي.

لكن، ورغم كل ذلك، يظل عامل الحسم الرئيسي في المعادلة هو مدى الرضاء الجماهيري عن سياسات السيسي. وقد لوحظ حدوث تآكل نسبي في شعبيته وفقدان الثقة فيه نظرا لسياسات التقشف التي يمارسها ضدهم وكشف فزاعة الحرب على الإرهاب وتحميل الإخوان مسئولية الفشل للتغطية على إجراءات القمع.

والضعف التدريجي لكل المحاولات الرامية لإعادة إنتاج سياسة الأسقف المنخفضة، وفصل مؤسسة الرئاسة عن الحكومة كتمهيد لتحميل الحكومة فقط المسئولية عن الفشل والتقشف، فالكل أصبح الآن يعرف أن محلب ما هو إلا سكرتير للسيسي ليس أكثر، وساهم في ذلك ارتفاع سقف الآمال التي علقتها هذه الجماهير على عنق الجنرال.

والملاحظ بالفعل، خلال الفترة الماضية، تصاعد تدريجي في حدة الاحتجاجات العمالية، وهبوط شعبية المؤسسات الخفية للقمع، سواء مؤسسة القضاء أو المؤسسة العسكرية، مما قد يهدد الدولة الطبقية ذاتها حيث السيسي وحكومته واجهة سياسية لها.

إذن، رغم التطبيل والاصطفاف، فشل السيسي على الأرض في تحقيق أي إنجاز يُذكر على كافة الملفات، وخصوصا القضاء على الإرهاب، وبالتالي بدأت بعض الأجهزة السيادية في مصر اكتشاف عدم قدرة العصي الأمنية وحدها على الحسم، بل وخطورة ما يحدث في سيناء على تماسك الجيش نفسه، مثلما ظهر في فيديو لجندي مصري يحث فيه الجنود على الهرب من التجنيد قبل قتله بالرصاص.

في تقديري، ولهذه الأسباب، هناك سباق الآن لتبيض وجه الطبقة الحاكمة من جديد وغسل يدها من الأداء الفاشل لدولة السيسي، حتى لو كان ذلك على حساب الرئيس وحكومته، كمحاولة جديدة لخداع هذه الجماهير مستغلين ضعف التنظيمات الثورية على الأرض.

الهجوم الإعلامي على السيسي قد يعكس أولويتهم في حماية مصالح الطبقة الحاكمة وأدواتها، وليس الأفراد العاملون كواجهة لها، لكن هذا لا يعنى حتمية سقوط السيسي، وإن ظلت هذه الاحتمالية ممكنة وتتوقف على كم التهديد الذي يخلقه السيسي للمصالح الطبقية للدولة، ومدى قدرته  ونظامه على التعامل مع المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والأهم مدى الرضا الشعبي عن وجوده بالسلطة.